eKtab
EN ع
ثلاث عشرة ليلة وليلة
Read free sample

ثلاث عشرة ليلة وليلة

by سعد سعيد

Page 1

الإهداء

إلى أولادي..

زيد

أحمد

فيد

 

تشردي إطروحة

تكتبها خطاي على الدروب،

بينما غيابكِ أعمى

يقرأ بالعصا أيامي ...

...

سلمان داود محمد

شاعر عراقي

Page 2

السكون، صفة طاغية في الليل لا يدرك أهميتها النائمون، ولكنها للساهرين نعمة.. أو نقمة.. سكون الليل يثير صبابة المحب، وحزن المهجور.. يبعث على رضا المهتدي، وندم الضال إن ارعوى.. في سكون الليل تجود قريحة الشاعر بالصور وتتوالد الأفكار في ذهن الكاتب.. في سكون الليل ينتصر المنطق أو يطغى الجنون، وفيه تتجسد الآلام ويعيش الانسان رؤاه وكأنها حقيقة عندما يجد نفسه وحيداً إزاءها، لا صديق يخفف عنه وحدته، فيعينه بذلك على التشاغل عنها، ولا حبيب يطغى عليها بوجوده، فتتلاشى.

في الليل، لا وجود للمشاعر المتناقضة التي تلهي الانسان عمّا يعاني منه أو يتمتع به، فالليل صديق الذاكرة ومحفّزها، فإما أن يكون رحيماً صديقاً، أو ظالماً عدواً.. ولكن سواء أكان هذا أم ذاك، فساعاته طويلة دائما ولذلك هي تصلح للبوح عندما يكون الحبيب الغائب ملء ذاكرة الساهر، ومعه رفيق.. هذه ليالٍ تهيأ فيها مستمع لإنسان مضطرم المشاعر، فباح له بقصة حياته..

Page 3

الليلة الأولى

أنا آسف يا سيدي، ولكنك بدوت وكأنك تعرفني، حتى إنك قلت (أنت) عندما رأيتني.. يبدو أنك توهمتني شخصا آخر، أنا يسار محمد محمود كما تعرف، وحضرتك؟.. آه اسمك مدون هنا.. لنرى.. العقيد عباس محمود زكي.. لا يا سيدي، فهذا الاسم لم يمر بـي من قبل، كما أني على يقين من أنني لم أرَ وجهكم الكريم قبل اليوم... على كل، شكرا جزيلا لك سيادة العقيد، لقد غمرتني بفضلك لأنك سمحت لي أن أبات معك هنا، بدلا من أن اكون في النظارة.. بكل تأكيد أنا سعيد الحظ لأنك تبات هنا يوميا حتى تستحق إجازتك الدورية لتذهب إلى أهلك البعيدين، ولكني بالحقيقة لا أهتم إن بقيت هناك في النظارة، فقد تقبلني النـزلاء بينهم بنحو جيد، وخاصة بعد أن عرفوا أني مواطن سويدي.. لا، بل نعم، أنا سويدي الجنسية الآن، ولكني عراقي حد النخاع.. ما عليك من الجنسية، فهي لا تعني لي شيئا، أنا ولدت عراقيا، وأحببت عراقيتي، وسأبقى كذلك حتى لو حصلت على جنسيات العالم كلها.. ولكن الحق يقال، سأشعر براحة أكبر هنا.

آه، ذلك الرجل.. حمدا لله أنه لم يمت، ولكنه في المستشفى بسبب فكه المكسور كما سمعت.. أتدري؟.. لم أعرف أني أمتلك مثل هذه القوة بقبضتي.. يبدو أن الغضب هو الذي فعل فعلته.. أردت الدفاع عن نفسي بعدما هاجمني، أكان يجب عليّ أن أتقبل ضرباته، لكي أجعل دفاعي عن نفسي، شرعيا.. وما هي إلا لكمة واحدة، من أين لي أن أتوقع أنها ستكون القاضية.. أنا على يقين من أنك ستتصرف كما تصرفت أنا بالضبط لو وجدت نفسك في مكاني.. وعلى كل حال، لِمَ هو باقٍ في المستشفى، أسيخضع لعملية تبديل فك، أم أن ذلك الفك المكسور سيهدد حياته، أم أن النظام الصحي في بلدنا جعل من مستشفياتنا مؤسسات علاج ونقاهة.. أليس الأمر واضحا، ولكن لا.. أنا آسف سيدي، لن أعتذر منه، وليفعل ما يريد، لم يعد الأمر يهمني.. لا لن أعتذر، فهو يمثل لي كل ما أكرهه في الآخرين.. سخيف، متعالٍ، عديم الاحساس، لئيم.. كولده، وفوق هذا كله، هو جبان.. أقسم لك يا سيدي أنه عندما وقع على الأرض، لم يغب عن الوعي، بل كان صاحيا، صاحيا جدا، ورغم ذلك كان ينادي مستغيثا كالأطفال، وأنا أقف متأهبا لنيل عقابـي الذي توهمته بعد أن فعلت به ما فعلت، فهو أضخم مني بكثير وبإمكانه أن يزدردني، لا أن يضربني فقط، ولكنه فضل أن يبقى منبطحا على الأرض لكي لا يواجه.. نعم، لقد كنت مصمما على الدفاع عن نفسي، ولكن لا بأس بتلقي بضعة لكمات دفاعا عن موقفي الذي أصررت عليه، اضطررت لوقوف ذلك الموقف، إذ لم تَرُقْ لي فكرة أن أترك ذلك الصغير البريء ليتلقى عقابا لا يستحقه، لوحده.. كان ضعيفا، فهل يجدر بـي أن أتركه لوحده.. لا يا سيدي، لقد طال زمان سكوتنا على الظالم، ولذلك اشتد علينا الظلم، أتعرف ما أبرز عيوبنا؟.. إنّها اللامبالاة، تترى الأخطاء أمام أعيننا، ونحن نقول، ما همنا ما دام الأمر لا يعنينا، او في الأقل، لا يؤذينا نحن.. والأخطاء تتراكم، وتتراكم، حتى خنقتنا وعمّت دنيانا، وها قد أحالت حياتنا، ظلاما.. لا لم يكن لي أن أترك الصبـي وحيدا، مثلما كنا أنا وأنت وهم، عشنا كلّ لوحده، ولذلك استفحل الظلم بنا.. لا، أنا لا أريد أن أُبريء نفسي من الأخطاء، فقد اقترفت الكثير منها، لكني كنت وحيدا مع ذلك.. لم أشأ أن أترك الطفل وحيدا لأن هذا ما يجدر بـي أن أفعله في تلك اللحظة، وحاولت أن أوضح الأمر لهم.. هذا كل ما حاولته.. أن اشرح الأمر لهم، أن أوضح إن المسكين كان يدافع عن نفسه فقط.. أفلا يحق له ذلك؟.. ولكن ذلك الحيوان لم يفهم.. بل لم يشأ أن يفهم، فقد كان مشغولا بساديته وتمتعه بمظاهر تمكنه من الآخرين.. أتعرف، أنا تعاطفت مع الصبـي كثيرا، من دون شك، ولكن الذي أثار غضبـي حقا في تلك اللحظات، هي النظرة التي لمحتها في عيني أبيه وهو يردد بصره بيني وبين ذلك المخلوق.. كانت نظرة استعطاف، استرحام.. بدا مهموما لأنه مضطر لضرب ولده وإنـزال العقاب به.. وعندما قلت ما قلته لهم، بدا أن الأمل قد راوده في أن يتخلص من ذلك الموقف القاسي على قلبه، ولكن ذلك الجلف السادي لم يشأ أن يسمع.. لم يشأ أن يفهم، فأصرّ على موقفه، والأنكى من ذلك، أنه حاول مهاجمتي لمجرد أني قلت الحقيقة. لقد آن لي يا سيدي أن اقف موقفا صحيحا في حياتي.. نعم، لقد تأخرت في ذلك كثيرا، كما كان شأني دائما، ولكن أن نقف مثل هذا الموقف، ولو متأخرين، لأفضل ألف مرة من أن لا نقفه أبدا.

Page 4

نعم، ولكن ما همني إن لم يفهم الآخرون موقفي.. أنا أفهم.. أنا أعرف لِمَ وقفته.. لا يا سيدي لن أعتذر منه أبدا، وليحدث ما يمكن أن يحدث.. وعلى كل حال.. لم يعد الأمر يهم الآن، بعد أن فقدت كل شيء، وفقدت، الرغبة في الاستمرار، وتلك مشكلة أخرى، لأن الصحيح هو أن أقف الموقف الذي يجدر بـي أن أقفه عندما كانت الأمور تهم، أما الآن، فلم يعد له معنى هو الآخر، ومع ذلك، لن أتراجع هذه المرة.. هو لم يمت، وهذا كاف له، أما الإعتذار، فلا، وألف لا.. أرجوك سيدي، لقد أحببتك كثيرا منذ رأيتك، ولا يهون عليّ أن أرفض لك طلبا، ولكن هذا الطلب، لا.. هذا صعب جدا، فأرجوك، لا تحرجني.. أنا أعرف أنك تريد مصلحتي، ولكن أرجوك اتركني هذه المرة لأهتم بمسألة احترامي لنفسي الذي فقدته منذ زمن طويل، فهذا أمر مهم أيضا.. لقد تعبت.. تعبت كثيرا، وأريد أن أولي أمر احترام نفسي، إهتماما أكبر، وهذا الإحترام يحتم عليَّ أن لا أعتذر لرجل لا أحترمه.. لا أحبه.. رجل على خطأ، بل مليء بالأخطاء.. حتى إذا كنت أنا من كسر له فكه.. أرجوك.. أرجوك، لا تحرجني، لقد اتخذت قراري وانتهيت من الأمر.

في هذا نعم، أوافقك الرأي.. أنا استطيع ان أكلمك عن كل الأسباب التي جعلتني هكذا، أن اقص عليك قصتي، فنحن نمتلك الوقت لهذا لأنه سيبقى طويلا في المستشفى كما هو واضح، ولن يتنازل عن شكواه ضدي ما دمت لن أعتذر له.. وهذا يمنحنا وقتا كافيا، إن أردتَ ذلك طبعا.

ما أكرمك يا سيدي.. أنا بالفعل أحتاج إلى من يصغي لي.. أن أخفف عن نفسي.. أن أتطهر.. ويمكنك بعدها الحكم على سلامة عقلي التي يبدو أنك بدأت تشك بها بعد اصراري على موقفي، الغريب، بالنسبة لك، طبعا.. أنا.. أنا أستطيع أن ألخص لك قصتي بكلمة واحدة.. الحب.. أقصد، الإخفاق في الحب، هو كل قصتي.. لا ليس الافتقاد للحب، بل الإخفاق فيه.. أوه، يبدو أني سأحتاج وقتا طويلا حتى أفهمك معنى هذا، ولكني آمل أن لا أثير مللك.. شكراً

في يوم زاهٍ، كانت هي.. أقسم لك، ومن دون أية مبالغة، كان زاهيا بكل ما يعنيه الزهاء من معنى.. أنا لا أتقن لغة الشعر والمشاعر، أنا فقط أحدثك عمّا شعرت به في ذلك اليوم الجميل.. يا لله! أيعقل أنه قد مضى عليه أكثر من ثلاثين عاما.. في ذلك اليوم الذي نُقِشَ في ذاكرتي إلى الأبد، إستيقظت مبكرا على غير عادتي، ولأني استيقظت، قررت أن أذهب مبكرا إلى الجامعة، فكان ذلك اليوم هو أول يوم أحضر فيه المحاضرة الأولى منذ بدء الدوام.. ولكني خلال المحاضرة الثانية شعرت بملل وكدت أندم لأني استيقظت مبكرا، ما الذي فكرت به.. أنا يسار محمد محمود أستيقظ مبكرا.. تحججت بعذر سخيف، وغادرت قاعة الدرس، لماذا؟.. لا أعرف، هكذا فقط لأني أردت أن أغادر.. بعد دقائق قضيتها في الحدائق الداخلية للجامعة، قررت العودة إلى القسم الداخلي، لأنام، ولكني ما أن تحركت لأنفذ قراري، حتى رأيتها.. الله يا أستاذ، كانت لحظة لا تنسى.. صعقت.. نعم صعقت، فجمدت في مكاني.. كانت تسير مع زميلة لها.. نسيت الندم.. نسيت الملل.. نسيت النعاس.. رحت أنظر إليها كالمسحور.. منذ الوهلة الأولى أدركت أنها أحلى من (فاتن) وهذا أمر ليس بالقليل بالنسبة لي.. لا، لا تهتم لمن تكون (فاتن) فهذا ليس مهما، ولكني لم أر، قبل أن التقي بها، من هي أحلى من (فاتن) غير الممثلات في السينما.. تلك الفتاة الجميلة.. الرائعة.. الرقيقة.. المتألقة.. الواعية.. كيف أصفها لك.. لا لن أفعل.. بل سأفعل.. ولكن كيف.. حسنا.. شعرها، حين رأيت سواده من بعيد عرفت أنه مصبوغ، ولكن حين اقتربت ولاحظت خلو وجهها من المساحيق قلت لنفسي يمكن أن لا يكون صبغا، أما حين لمحت سواد عينيها فقد أيقنت أن ذلك السواد الفاحم طبيعيا، إذ لا يعقل أن تكون قد صبغت عينيها أيضا.. بدت عيناها كأنها تبتسم لفرط رضاها، عيون واسعات تآمرت مع ابتسامة لاذت بشفاه قانيات لبث الاضطراب في نفوس عاشقي الجمال، يا لها من شفاه!.. مكتنـزات تستظل بأنف دقيق، صغير متناسق مع وجهها الجميل، أنف عجبت لوجوده بين تلك الأنوف الكبيرة والمعقوفة والمفلطحة من حوله، تجمعت فيها مواصفات مذهلة، فأسرنني فورا، وجعلنني متيما بوجه قمري تفيض حمرة خدوده، جمالا أخاذا على ابيضاضه.. كلا، لن استمر في وصفها، فهي تعز على الوصف، بالنسبة لي، ولكني أعجب لحكمة إله قضى أن يخلق أنثى، فيقترب بها من الكمال، خلقا، في الوقت الذي يحرم الكثيرات غيرها من النعم التي أنعم بها عليها.. ألمجرد أن يغير قدري عندما أراها.. لا أعرف، ولكنها كانت كاملة الأوصاف في نظري.. بل كانت ملاكا.. ملاك بغدادي.. عندما اقتربت منها وهي تسير، توهمت أنها نظرت لي لثانية.. بل لجزء من الثانية.. ولكن نظرتها تجاوزتني، بل إخترقتني وكأن الصدفة وحدها جعلتني في مسار نظراتها الممتدة إلى شيء ما ورائي.. إخترقتني، ولكنها تركت في الوجدان، طعم العشق.. نعم يا استاذ العشق.. يا للسخرية، أصل بغداد وكلي أمل أن أحقَّ الحق ما استطعت، وأن أناضل من أجل الطبقات الكادحة التي أقسمت على الدفاع عن مصالحها ثم اسقط في أول فخ نصبه لي ملاك بورجوازي بغدادي!.

Page 5

في ذلك اليوم، بقيت أتبعها كظلها حتى دخلت القاعة الدراسية التي تقصدها.. كانت في قسم الإحصاء، فهرعت إلى صديقي الجديد، فارس، الذي كنت قد تعرفت عليه قبل أيام في القسم الداخلي، طالب بغدادي كان في زيارة صديق مشترك، عرفت منه أنه في قسم الاحصاء، فأخبرته بما حدث لي في ذلك اليوم.. من دون ذكر لمسألة إختراق النظر تلك، طبعا.. أبدى استعداده فورا للمساعدة، فبدأنا التجوال في بناية الكلية حتى رأيتها، مع دقات قلبـي التي تزايدت، اشرت إليها، عندها، تغيرت معالم وجهه الذي ظهر الغضب عليه جليا وصاح:

- إلا هذه.

فاجأني التغير الذي بدا عليه، فإرتبكت وأنا أنظر في وجهه ببلاهة.. لاحظ هو ذلك، فقال بعد وقت قصير بنبرات صوت أهدأ:

- لا سبيل لك إليها.. مستحيل.. هذه مستحيلة.

فحاولت أن أسأله عن اسمها، ولكنه أبى أن يجيبني.. في حينها، لم أعرف كيف يمكن أنْ أتصرف، فابتعدت عنه من دون استفسار آخر.. ظننت أني قد اقترفت خطأ كبيرا.. فقد يكون قريباً لها، أو من يدري، لعله يحبها.. أو هو حبيبها بالفعل.. أو، أو.. لكن المهم في موقفه أنه نبهني إلى الورطة التي كنت أريد أن اقحم نفسي بها إذ لا يعقل أن تتجاوز مثل هذه الحورية كل شباب بغداد الحلوين وآتي أنا.. (المحافظات).. (لأخمطها) من بينهم.. ومع ذلك فقد عرفت فيما بعد أن الباعث على موقف فارس ذاك، لم يكن غير الغيرة والحسد.

في حينها، لم أعرف من أين هي، ومن السخرية أني لم أعرف ذلك إلا بعد ثلاثين عاماً، ولكني كنت في حينها أؤمن بأنها من بغداد.. كانت بغدادية، وأنا على يقين من ذلك.. لقد عرفتها من هيأتها.. من أناقتها.. من طريقتها في انتقاء ملابسها، رغم أني لم أرها يوما مرتدية غير الأبيض والرصاصي، ويضاف إليهما الأزرق في أيام الشتاء.. ولكن مظهرها كان ينبيء عن منبتها، وأقسم أنها من بغداد.. هكذا، لمجرد أني رأيتها في ذلك اليوم، أيقنت من ذلك.. ولم أسألها يوما عن الأمر، لكي لا تخيب ظني.. في تلك الأيام، لم أكن محروما من نعمة النساء، بل كنت في الحقيقة قبلة لأنظار الكثير من الطالبات، سواء في قسمي أو في الأقسام الأخرى، بل حتى في الجامعة كلها، لم يكن ينقصني إهتمام الفتيات بـي وبشكلي، ولكني لم أكن لأستجيب بسهولة.. كنت أريد، ولكني لا استطيع.. بل أني رفضت يوما مرافقة سهاد، زميلتي، إلى شارع النهر، بعدما دعتني إلى ذلك، بحجة إستبدال حذاء كانت قد اشترته من هناك، ولكني أعرف أنها كانت ترمي إلى أكثر من ذلك، فرفضت.. أتعرف لِمَ رفضتُ؟.. لأني كنت مشغول البال، وبـي لهفة لإنتهاء الدوام، لأسارع إلى المقهى حيث مباراة الدومينو التي اتفقنا عليها أنا وصحبـي.. لا، لا أريد أن أصور لك نفسي وكأنني لم أكن أهتم بالنساء، بل أنا اهتم، وأهتم بشدة، ولكني تعودت في حينها على نساء المواخير، فالتعامل معهن كان أسهل.. خدمة مقابل مبلغ من المال، وكل يذهب في حال سبيله.. أشعر بالغثيان الآن، عندما أفكر بتلك الفرش القذرة الممدودة في غرف بائسة وخاوية.. بل أشعر بالاشمئزاز من نفسي في كل مرة أنتهي فيها من اقتراف ذلك الفعل الشائن.. ولكني كنت أعود دائما لافتقادي للمتنفس لكبتي.. العاهرات كنّ سلوتي.. نعم، كانت هناك فتيات مستعدات، ولكنهن لسن بغداديات.. وأنا مشغول البال ببنات بغداد، فهن من يخلبن لبـي ويسرقن قلبـي، ولم يكن ذنب (سهاد) غير أنها (محافظات) مثلي.. أنا أدرك الآن فداحة الخطأ في طريقة تفكيري حينذاك، ولكنها الحقيقة.. المهم، عندما رأيتها، أدركت فورا، أنها غاية المنى.. فسحرتني ولم أعد أستطيع أن أبعدها عن تفكيري، أو عن ناظري، عندما تكون حاضرة.

طوال أسبوعين وأكثر، غبت عن الدوام رغم حضوري جسديا في الجامعة.. غبت عن الدوام، بل غبت عن الدنيا، ورحت أداوم في حلم اللقاء بها.. كنت لا أكلّ عن تتبع خطواتها، ومحاولة أن أفتعل الفرص لكي أظهر أمامها، عسى أن تنتبه إلي، ولكن هيهات، فأنا لم أكن موجودا بالنسبة لها، مشطوبا عليّ، ووجهي ظلَّ عاجزا عن اقتناص نظراتها، الممتدة عبره.. لاحظت في أثناء تلك المدة أنها لم تكن تظهر إلا مع فتيات ولم أرها ولو لمرة واحدة تسير مع زميل لها، وكان هذا همٌّ آخر يثقل عليَّ.. إن لم تعر شباب بغداد إنتباها، فما فرصتي معها، لذلك جزعت في الأسبوع الثالث، خاصة مع مزاح أصحابـي الثقيل الذي بدأ يثقل عليَّ، ويزعجني.. فقد جعلوني مادة لسخريتهم بعدما عرفوا بغيتي وتعرفوا على نيتي.. لم يصدقوا أن جلفا مثلي يشاركهم تفاهاتهم وضياعاتهم، يمكن أن يكسب ود ملاك بغدادي مثلها.. بدأت نداءات (ها محافظات) التي يبادرونني بها كلما التقينا، تثير أعصابـي، ولكي أتخلص من كل ذلك، قررت أن أتوقف عن جنوني.. جزعت، فتنازلت عن حلمي الذي بدا مستحيلا.. فانقطعت عن الجامعة لثلاثة أيام قضيتها في بلدتي، مع أهلي، ثم عدت لأكون نفسي من جديد.. ولكن، آه من القدر، كيف يتدخل دوما، ليجهض خططنا، أو يؤثر على قراراتنا.

Page 6

أخيرا، قررت الجامعة، وبعد مرور أشهر على بدء الدوام، أن تقيم لنا، نحن طلبة المرحلة الأولى، حفل التعارف التقليدي.. الذي لا نتعرف فيه على أحد.. تقرر أن يكون في القاعة الرئيسية للجامعة، فذهب طلبة القسم وطالباته جميعا إلى هناك، ماعداي، لأني تأخرت بسبب مهمة ما، على أن ألتحق بهم هناك.. أنهيت المهمة وأسرعت إلى القاعة، وعندما دخلت، حدث ما لم يكن متوقعا، فقد صاح باسمي أحد ما، بصوت عالٍ، فالتفتت جميع العيون الموجودة في القاعة، وهي كثيرة جدا، لتحدق بـي.. كدت أجمد في مكاني من هول المفاجأة، ولكن حرجي من أن يبدو ارتباكي واضحا أمام تلك العيون، جعلني أبذل جهدا هائلا لأستمر في المسير متصنعا الهدوء، وأنا ألعن معناً، الذي تبين لي أنه كان من صاح، في سري.. معن، زميلي الذي لا يستطيع أن يعيش من دون قائد! نعم، فهذا حال البعض من أفراد مجتمعنا، هم يشعرون في أعماقهم أنهم لا يستطيعون أن يواجهوا المجتمع بمفردهم، ولذلك يسارعون إلى الإنضواء تحت لواء أية شخصية قوية تواجههم.. فكان نصيبـي أن يسارع معن هذا إلى أن يعيّن نفسه، وزيرا لي، وداعية، في الوقت الذي كنت أجاهد فيه النفس، لكي لا أرضخ للضعف الذي توطن فيها بسبب خجل مرضي ورثته من طفولتي، ويجعل من التجمعات البشرية محيطا غير ملائم بالنسبة لي.. صاح معن عندما دخلت "ها قد أتى يسار" معقبا صيحته بتصفيق سرعان ما استجاب له طلبة القسم وطالباته الرازحين في وقتها تحت وطأة المرحلة الانتقالية من قيود المجتمع، وانفتاح الحياة الجامعية، فشاركوه بانفعالاتهم الفجة ليجعلوني قبلة أنظار العشرات، بل المئات من الطلبة المحتشدين في تلك القاعة الكبيرة.. أنا الذي تعودت الهروب من الأنظار في كل مكان جديد أدخله، يجب أن أواجه وحيدا جميع تلك النظرات المحتشدة بالتساؤلات والإستغراب.. كان ارتقاء الدرجات الأولى في تلك القاعة المدرجة، بهدوء، أمرا بالغ الصعوبة، ولكن بعد تلك الدرجات، بدأ الأمر يستهويني بالتدريج، فالعيون، معظم العيون كانت معلقة بـي أنا، فما العيب في التمتع ببعض المجد المؤقت، وإن كان زائفا.. مع كل درجة كنت أصعدها، كانت ثقتي بنفسي تزداد مع تسرب المزيد من الشعور بالخفة والارتياح إليها، وعندما وصلت إلى حيث كان يجلس زملائي، شعرت وكأن يسارا آخرَ قد احتل دواخلي واستلم القيادة.. ألقيت تحية مختال على رعيتي، فقابلتني بالمزيد من التصفيق والهتاف.. كان (سانشو بانـزا) قد حجز لي مقعدا يتوسط طلاب القسم بالضبط ورفض أن يشغله أحد غيري، فكان لا بد من أن أتجاوز غابة من السيقان قبل أن أصل إليه.. وأنا أجلس، ألقيت نظرة خاطفة لأرى من يجلس خلفي، كما تعودت أن أفعل في دور السينما.. رباه يا أستاذ، أقسم بأن شعر جسدي اقشعر في هذه اللحظة، لأني تذكرت.. أتصدق؟.. أتستطيع أن تتصور أن الذي كان يجلس خلف المقعد المخصص لي بالضبط، فتاة.. واية فتاة.. كانت هي.. هي من دون طالبات الجامعة المستنصرية كلها، وما كان أكثرهن.. هي كانت تجلس خلفي بالضبط، بين مجموعة من الطالبات.. جمدت في مكاني للحظات، فقد تلاقت نظرتانا لثانية، أو لجزء منها، ولكن نظرتها هذه المرة لم تخترقني، بل توقفت عند وجهي، واشتبكت مع نظرتي.. زايلني حينها الخيلاء، وتسربت مني الثقة الزائفة، شعرت بوهن في ساقي، فجلست بلا وعي مني وأنا أرتجف.. لِمَ يتصرف معنا القدر هكذا أحيانا.. أبعد أن قررت أن أنساها، يهيء لي هذه الفرصة.. لِمَ.. ما الذي يريده مني؟.. بل ما الذي كان يبيته لي؟.. المهم، ورغم كل شيء، في تلك اللحظات أحببت معناً كثيراً، وظلّ صديقاً لي إلى النهاية.. حاولت بعد ذلك كثيرا أن أقيم علاقة متوازنة معه، ولكنه أبى إلا أن يكون تابعا لأبأس قائد يمكن أن ينتقيه.. أنا!

جلست مشتت الذهن، عاجزا عن التركيز.. كيف حدث هذا، ولماذا.. لم أستطع أن أجيب.. ماذا أفعل.. لم أستطع أن أجيب أيضا.. ولكن يجب أن أتصرف بطريقة ما.. هذه فرصة يجب أن أستغلها.. كيف، لم أعرف، ولكن، يجب.. بقيت لدقائق لا أستطيع أن أستقر على رأي، كنت خلالها مسمرا في مكاني وأنا أعاني من رغبة شديدة في الإلتفات لأنعم برؤية محياها الجميل، ولكني كنت أعرف أن هذا مستحيل، لأنها ستكون النهاية إذا ما صدق حدسي وظهر أنها ليست من النوع الذي يمكن أن يروق له مثل هذا التصرف الصبياني.. حسنا لأهدأ، هكذا خاطبت نفسي أو، لأحاول أن أهدأ.. بذلت جهدا لأستعيد تركيزي، حتى إني شعرت بانـزعاج من صديقي، الذي كنت قد أحببته لتوي، لأنه كان مصرا على توجيه الحديث لي، وغمري باسئلة تافهة لم أملك إزاءها إلا تحريك رأسي ولم أعرف كم تطابقت هزات رأسي المختلفة مع الإجابات المطلوبة.. في ذلك اليوم، أدركت مدى صعوبة توجيه حاستين مختلفتين، نحو هدفين في آن واحد، فقد كنت أتابع بنظري ما يحدث على المسرح، فيما كانت أذنيّ تترصد كل صوت يمكن أن يصدر عنها.. صوت، ولكن كيف لي أن أميز صوتها وأنا لم أسمعه بعد.. كان هذا هماً آخر.. أن أميز صوتها، ولذلك حين أدركت إستحالة أن أرى ما أمامي وأن أسمع ما خلفي في آن واحد، فضلت أن أغمض عيني.. نعم، أغمضت عيني، ورحت أركز كل طاقاتي في أذني.. وبالتدريج بدأت أسمع أصواتهن التي كادت أن تكون همسا.. يا لهديل الحمام.. ركزت، وركزت، فالتقطت اسم (باسمة).. آه، اسمها باسمة إذاً.. والله اسم يليق بها.. باسمة.. حبيبتي.. ولكن فرحتي بمعرفة اسمها، لم تدم طويلا، فقد طرق سمعي بعدها، اسم ماجدة.. ثم وصال.. والآن سهى.. وفريال هذه من أين ظهرت.. يا لهذه الحيرة.. يا لخيبة الأمل.. لا، يجب أن اركز أكثر لأستطيع أن أميز صوتها من بينهن، فعندها فقط أستطيع أن أحدد اسمها من بين زحمة الأسماء هذه.. ولكن كيف أميز صوتها.. ألست أحبها.. ألا يجب أن يعينني هذا.. ولكن ما من معين.. انقطعت نهائيا عن التطلع إلى الأمام بالاستمرار في إغماض عيني من دون اهتمام بمن يمكن أن يراني على تلك الحالة.. وضعت روحي في أذنيّ.. كن يتحدثن عن دروس ومحاضرات.. عندها فقط تذكرت، أنا أعرف أنها في السنة الثانية بقسم الإحصاء، فما الذي أتى بها إلى القاعة.. أليس هذا حفلا لطلبة السنة الأولى.. ماذا يعني هذا يا رب.. أهي رسالة لي.. أهي إشارة ما.. ركزت أكثر وأكثر، وبعد وقت طويل من المحاولات المضنية عرفت أنهن ثلاث فقط، هي واثنتان من صديقاتها.. كن زها ووصال وفريال، ولكن أيهن هي، لم أعرف.. على كل حال، كان ذلك مكسبا لي في كل الأحوال، فاحتمال من ثلاثة أفضل من ما لانهاية له من الإحتمالات.. هو نصر إذاً.. زها.. ياله من اسم.. زها.. أيعقل أن تحبني فتاة هذا اسمها.. زها.. يا لزهوي وفخري إذا ما حدث ذلك.. زها، ومن بغداد.. غاية المنى.. ولكن من يؤكد لي لحظتها أنها زها.. على كل حال، فالإسمان الآخران جميلان أيضا.. بهذه السخافة والقدرة على إجترار التفاهات كنت أفكر يا أستاذ.. هكذا كانت تداعيات تفكيري تجري في ذلك اليوم الذي سأكذب لو قلت إنه لم يكن واحدا من أفضل أيام حياتي قبل أن.. قبل أن.. المهم.. مرّ الحفل عليّ مرور الكرام، وعندما نهضت لأتهيأ للخروج، شعرت بالغثيان لأني لم أعرف كيف استدير باتجاهها، فقط لأرى وجهها ولو لثانية واحدة.. كانت قد أصبحت بجانبـي عبر الكراسي الممتدة، بيننا بعدما انتظمنا في الصفوف المتهيئة للخروج.. متر واحد، أو أقل، يفصلني عنها.. يجب أن أراها.. يجب أن أتطلع في وجهها، ولكني لم أجرؤ، فقد خشيت أن أثير استهجانها بحركتي تلك، ولكني لم أجد بدّاً من المبادرة.. كنت أعرف أني لن أستطيع مقاومة تلك الرغبة الجارفة.. عندما اِلتفت معن ليحدثني، تبادرت إلى ذهني الفكرة.. سألته من دون سابق إنذار، وبصوت مسموع من قبلها كما قدرت:

Page 7

- أين الباقون؟

لم أهتم لسؤاله، وتجاهلت علامات الإستغراب التي بدت على وجهه وهو ينقل نظره بيني وبين الباقين من خلفي، لأني اقرنت تساؤلي بالالتفات نحوها وكأني كنت أبحث عن أحد.. طالعني جانب وجهها الجميل، لم أرَ عيونها الباسمة، بل لمحت نظرة جانبية سريعة منها، صافحت نظرتي العطشى.. كانت لي.. أنا.. كانت نظرة خاطفة، ولكنها تكفيني.. أو هكذا ظننت، حتى أرى ما سيكون من شأننا في الغد.. عندما أراها مرة ثانية.

في تلك الليلة، لم أنم ولو لحظة واحدة، والسهر يا أستاذ في القسم الداخلي مؤلم جدا، لأن حرمانك من النوم الذي يتمتع به كل من حولك، وأمام عينك، مضنٍ.. كانوا جميعا نائمين، فبتُّ أدور وأدور.. أذرع الممرات وأزور الغرف.. أصل إلى الباب الخارجي المغلق، أعجز عن فتحه، فأرجع لأدور بين الأسرة، استمع إلى نغمات شخير مختلفة.. سيمفونية من نشاز، فيزداد قرفي، وتزداد مشاعري اضطرابا.. أهرب، ولكن إلى أين، فثمة شخير في كل مكان.. حتى الحمّام لذت به، ولكن ما من جدوى.. كتب عليَّ أن اعاني ساعات تلك الليلة جميعها، حتى انبلج الفجر.. حينما بدأ الطلاب المتدينون بالاستيقاظ لأداء الصلاة، تبدل مزاجي قليلا وهدأت، فمر الوقت اعتياديا حتى قررت أن أذهب إلى الجامعة مبكرا، ومن دون أن أتناول فطوري. قبل بدء الدوام بأكثر من نصف ساعة، كنت واقفا أمام باب الجامعة الرئيس، أنتظر.. مضى الوقت بطيئا جدا، وخطتي في أن أراها مرة ثانية قبل الدوام، تحبط تدريجيا.. لم تظهر، فانتابتني الحيرة.. ما الذي حدث، أيمكن أن تكون قد سبقتني في الوصول، أم أنها سلكت الباب الخلفي للجامعة.. لم استطع أن أستقر على تفسير، أو أن أذهب لأتأكد من وجودها، خشية أن تحبط خطتي نهائيا.. ولكن هذا ما حدث، فذهبت إلى نادي الجامعة لأتناول فطوري المستعجل، لأن الدوام كان قد بدأ ولا مجال لرؤيتها متسكعة بعد بدء المحاضرات.. فتسكعت أنا بعد الفطور لمدة شعرت بها طويلة جدا، حتى تحين ساعة الكلية الحرة التي تكون يوميا بعد المحاضرة الثانية، وقبل أن تحين بقليل، كنت قد أخذت موقعي أمام باب القاعة التي رأيتها تدخلها في أول مرة تبعتها.. حانت اللحظة، فبدأت اتابع الوجوه التي تغادر، ولكني شعرت أنها غريبة لم تمر بـي من قبل.. لم أرها، ولم أر وجهي رفيقتيها.. ماذا حدث.. أين هي.. إقتربت من باب القاعة لأتأكد.. لم يكن ثمة أحد.. أين هي، صرخت روحي ملتاعة.. لم تكن موجودة في أي مكان، فعانيت من الإحباط حتى إنتهى الدوام، فرجعت خائبا، لأقضي بقية يومي مهموما، وأنا بالكاد أصبر حتى يأتي الغد.. أشفقت على نفسي من ملل المزيد من الإنتظار، ولكن النوم كان له رأي آخر، فقد إجتاح النعاس، دفاعات يقظتي، مستعينا بالتعب الذي حل بـي، حليفا له، نمت حتى قبل تناول طعام العشاء، ولم أستيقظ إلا فجر اليوم الذي تلا.. كان من الطبيعي أن أبادر إلى الذهاب إلى الجامعة في ذلك اليوم، ولكن أصدقائي عندما دعوني للذهاب معهم، رفضت، فقد قررت فجأة أن لا أداوم! لا لأني إكتشفت فجأة أني لا أحبها.. معاذ الله، بل لأني خشيت من خيبة أمل أخرى، لم أكن مستعدا لها.. بقيت وحيدا في القسم الداخلي، أذرع الممرات وأنا لا أكاد أستقر على حال.. أعقد العزم على الذهاب، ثم أعدل.. أقنع نفسي بأن الأمس كان (أوف) قسمهم، وهذا أمر وارد، ولذلك لم أرها، ولكني أخشى الإحتمالات السيئة، فأقرر البقاء في القسم.. أخيرا، قررت نهائيا أن لا أذهب، فوجدت نفسي بعد ربع ساعة وأنا أغذُّ السير باتجاه الجامعة.

وصلت في أثناء الساعة الحرة، فوجدت الطلاب وقد ملؤوا ممرات وحدائق الكلية.. رحت أدور كالمسحور هناك، فأنا اعرف أنها لا يمكن أن تبتعد عن مباني الكلية.. أقسم أنه لم يكن في بالي حينها، غير وجهها الجميل، أبحث عنه بإصرار.. حتى رأيته.. ضربني شيء ما في معدتي، وتسارع نبضي.. شعرت وكأن درجة حرارة جسمي ترتفع باضطراد حتى أصبح وجهي مشعاعا.. آه يا استاذ، لقد بذلت جهدا كبيرا للسيطرة على انفعالاتي، ثم اسرعت لفرض وجهي على ناظريها.. كنت أتوقع منها نظرة، نظرة فقط، بعدما حدث أمس الأول، كانت هي كل بغيتي.. ولكنها لم ترني.. لم تشعر بوجودي، بل لم تنظر باتجاهي أساسا.. حوّلت مكاني عدة مرات، ولكن النتيجة بقيت نفسها.. لا ردة فعل.. لم أجد نفسي في عينيها، بل لم أكن موجودا لديها.. ولكن ماذا عن تلك النظرة الجانبية.. مرة أخرى، لا جواب.. حاولت، وحاولت، ولكن بلا جدوى.. هيا يا (محافظات) مالك تريد أن تهين نفسك أكثر، ألم تفهم بعد.. ما تفكر به، وتأمله لا يمكن أن يكون، أين أنت منها.. إذاً.. هي الطبقية مرة أخرى.. مرة أخرى يثبت (ماركس) أنه كان على حق.. نعم هي طبقية (مكانية) في هذه الحالة.. طبقية (بلدات)، ولكنها طبقية على كل حال.. أنا، أتصور.. أتعرف يا سيدي أي يأس يجعل الإنسان يفكر بهذه الطريقة، أية مرارة، أي شعور بالإحباط.

حملت خيبتي وهرعت إلى معن.. آه، أي صديق جميل كان معن هذا، فما أن قلت له:

- معن، أحتاجك.. هيّا معي.

حتى تناول محفظة أوراقه، وتبعني تاركا ما تبقى من محاضرات وهو الذي لم يفعل ذلك من قبل.. في سيارة الأجرة التي استقليناها، سألني أكثر من مرة:

- إلى أين نحن ذاهبان؟.

ولكنه لم يتلق جوابا مني، حتى توقفت السيارة في ساحة النصر، حيث ترجلنا، وسحبت معناً من يده باتجاه (بار) كنت أعرفه جيدا.. بان التردد عليه عندما عرف بنيتي، ولكن رقته منعته من الرفض، فقط اشترط عليَّ أن لا أجبره على الشرب.. عندما دخلنا، ظهر واضحا عليه أنه لم يرتح للأجواء هناك، ولكني كنت مشغولا بنفسي فلم أعر ذلك إهتماما.. لما جاءنا النادل، طلبت له زجاجة (بيبسي) فيما طلبت لنفسي زجاجتين من الجعة، ما أن أحضرتا، حتى بدأت الشرب بسرعة في محاولة لنسيان خيبتي المرة.. زجاجتان، أعقبتهما باثنتين، ثم اثنتين وأنا أعبّ وأعبّ، ومعن يحاول معرفة ما حل بـي ولا يتلقى غير كلمات مقتضبة من مثل (ضايج) و(مقهور) و(طاكّة روحي) من دون أن تضم أي منها، جملة مفيدة.. وأنا أقضي على محتوى الزجاجة السابعة، إنتبهت لعدد القناني التي بقيت على الطاولة لكي يحاسبني النادل على عددها.. سبع، وأنا الذي لم أتعدّ الثالثة يوما، فأعجبت بنفسي، فرغم الدوار الذي بدأت أشعر به، إلا أني واع لنفسي ولما يدور من حولي.. فهأنذا انتبه للزجاجات وأعدّهن، وهذا هو معن المسكين أمامي وهو يقاوم دعواتي الملحة لمشاركتى معاقرة الخمرة، وها هو نادل البار الذي ابتسم له كلما مر من أمامي.. إذاً أنا أمتلك المقدرة على مجاراة صحبـي، رغم قلة خدمتي في هذا الميدان.. ولكن ما لرجولتي لم تزل تشكو الهوان.. عندها خطرت لي فكرة للإنتصار لرجولتي، المخصية.. قلت لمعن وأنا أغالب الخدر في لساني:

- أنذهب إلى الدورة؟.

رفع معن حاجبيه من الدهشة وقال:

- الدورة، وما نفعله في الدورة.

فقلت وأنا أجاهد لتكون كلماتي مفهومة:

- لقد اكتشفنا مؤخرا، بيتا للدعارة هناك، وفيه من النساء ما تشتهيه نفسك.

فصاح معن بصوت بدا فيه الاستنكار واضحا:

- ماخور.. إلا هذا.. أنا آسف يا يسار، أنا أحبك، ولكني لن اجاريك في هذا.

فتساءلت على الفور:

- ولكن، لماذا؟

فرد علي بنبرات حاسمة:

- هذا خط أحمر.

Page 8

عندها كانت الفكرة قد اختمرت في بالي، فنهضت على الفور وأنا مصمم على اصطحابه إلى هناك مجبراً.. ولكني ما أن استقمت، حتى مادت بـي الأرض، فاستندت إلى الطاولة أمامي وأنا أتساءل إن كان بإمكاني أن أقوم بذلك الفعل وأنا على هذه الحال.. نسيت رجولتي المفجوعة، وخشيت المزيد من خيبات الأمل في هذا اليوم البائس.. أنا أتذكر يا سيدي أني دفعت الحساب، وسرت وأنا أتمايل حتى باب البار.. ولكن ما حدث بعدها، أنا لا أذكر، رغم أن معناً كان قد ذكر لي في اليوم التالي الذي استيقظت به وأنا أعاني من ألم في الرأس وشعور ممض بالغثيان، بعض ما حدث بعد ذلك.. فقررت فورا أن أتوقف عن جنوني هذا.

زفر يوسف، فبدأ الغضب الذي انتابه، يتسرب من أنحاء نفسه أخيرا... ولكن الحزن المقيم، أبى أن يبارح أعماقه.. تطلع إلى منازل الزقاق الممتدة أمامه، فبدت له وكأنها تندب أيامها الحلوة التي مضت.. على قدر ما يسمح به ضوء المولدات الخافت، للنظر، لاحظ الحفر المبثوثة في الشوارع وهي تتنافس مع برك المياه الآسنة، لرسم صورة بائسة في ما بدا له، وكأنها مؤامرة عليه لبث المزيد من الحزن المؤلم في نفسه.. أبعد نظره عن الحفر والبرك ليصدم بمنظر تلك الحدائق المفجوعة بفراق جمالها الغابر... تنهد وقال مع نفسه:

- لا بأس، لم يزل عندي وقت، قبل أن يحين موعد منع التجوال.. لأسير في هذا الشارع حتى نهايته، عسى أن أهدأ قليلا، وأقرر.

بدأ يسير الهوينا كما تعود أن يفعل في الماضي، حين يعجب بشارع من شوارع بغداد، رغم مضي تلك السنوات كلها، وتغيّر الأحوال.. مال إلى جانب ليكون قريبا من أغصان الأشجار المطلة على الشارع، ولكنه لم يستطع أن يشعر بجمالها كما كان يفعل.

حين بلغ منتصف المسافة التي تباعد ما بين طرفي الشارع تقريبا، لاحظ وجود صبيين يلعبان رغم أن الظلمة كانت قد فرضت نفسها على المدينة منذ أكثر من ساعة، انتبه إليهما من بعد.. كان الأول بدينا ويكاد حجمه يبلغ ضعف حجم رفيقه الذي بدا له ضعيف البنية.. سمع البدين يقول:

- هيّا نلعب الكرة.

بدا صوته آمرا، فقال الآخر بصوت مهادن:

- هيّا.

ولكن البدين لم يخط أكثر من خطوة واحدة حتى قال بصوت بدا وكأنه يتعمد أن يكون متوعدا:

- ولكني سأكون أنا (ميسّي).

رد ضئيل الحجم:

- ولكنك في كل مرة تكون (ميسّي)، فلِمَ لا أكون أنا هذه المرة؟

فضحك البدين بصوت عالٍ، شعر به وكأنه يخرق حرمة الليل، وصاح:

- مَنْ.. أنت (ميسّي).. ولكن.. ولكنك لا يمكن أن تكون (ميسّي).

- ولِمَ لا يمكن أن أكون؟

فقال البدين وقد بان النـزق وقلة الصبر في نبرات صوته:

- لأنك.. هكذا، لأنك لا يمكن أن تكون.

ثم سكت قليلا قبل أن يضيف:

- حسنا.. لأنك أضعف من أن تكون (ميسّي).

فقال الـ(أضعف) بتردد واضح:

- وهل (ميسّي) سمين، لتكون أنت هو؟

فاحتدّ صوت الـ(سمين) كثيرا، وهو يقول:

- من السمين أيها الغبـي؟

لكن الصبـي الآخر لم يجب، فقال البدين متابعا:

- هيّا، كفاك مشاغبة.. هيّا لنلعب.

فقال الآخر، بعد قليل من الصمت:

- ولكن، من أكون أنا.

فرد عليه البدين:

- أنت هو أنت، فلِمَ يجب أن تكون أحدا؟

فقال ذاك وقد بدت نبرة جديدة في صوته:

- لِمَ يجب أن أكون أنا هو أنا، وأنت (ميسّي).. لأكن أنا (رونالدو) إذاً.

فأغرق البدين في الضحك، قبل أن يقول:

- أنت.. أنت (رونالدو).. (رونالدو) يمتلك نقودا كثيرة، وأنت لا تمتلك شيئا، فكيف تكون (رونالدو).

Page 9

لم يرد الآخر، ولم يستطع هو أن يرى تعابير وجهه في تلك اللحظات رغم إقترابه منهما.. شعر بتعاطف مع (رونالدو) المرفوض، فبدأ يبطيء خطواته وهو يسمع (ميسّي) البدين يقول:

- والآن كفى هذرا، وهيّا نلعب.

فقال الآخر على الفور:

- لا.. لن ألعب.

فصاح البدين بغضب:

- ولِمَ لا تلعب يا بن الكلب.

فبان الغضب لأول مرة في نبرات صوت الصبـي الهزيل وهو يقول:

- لا داعي للسباب، فأنا لم أسبك.

فقال هذا بإصرار:

- و تجرؤ؟! سأسبك أيضا وأيضا يا بن الكلاب.

ثم اعقب قوله بهجوم مباغت جعل قلبه يثب خشية على المسكين الضئيل، الذي يبدو أنه كان متهيئا لمثل هذا الهجوم، فقد زاغ عن درب البدين.. لم يعرف هو إن الصبـي الصغير قد تهيأ مسبقا، ام أنه كان مجرد رد فعل، عندما دفع بيديه البدين بعد أن أصبح يواجه كتفه الأيسر.. تهاوى البدين ككتلة لحم على الأرض، فأسرع هو ليفك الاشتباك الذي توقع أنه لا بد حاصل بعد أن ينهض البدين الهائج، من سقطته.. كان شعوره بالخشية على ما قد يصيب هذا المتهور الضئيل هو الذي يحركه، ولكن السمين الناهض فاجأه ببكائه الذي سمعه وهو يهرع نحو البيت القريب.. كان بيتا قد أعيد بناؤه على وفق الطراز الذي بدا له غريبا عندما رأى بغداد بعد طول فراق، وكان يشي بثراء بانيه.. حينما دخل الصبـي الباكي من باب دارهم، تحرك الآخر بسرعة وهو يتلفت إلى الخلف، حتى دخل من الباب الحديدي للدار التي تبدو وكأن جدرانها المتداعية ستسقط في أية لحظة، والمجاورة للدار الأخرى.. بقي هو في مكانه للحظات مبهوتا، قبل أن ترتسم على شفتيه ابتسامة بعدما أذهله الحدث الذي دار أمامه للتو.. شعر بسعادة، لما فعله الصبـي الصغير، خارقا بذلك الحصار الذي ضربه الحزن على نفسه، طوال الوقت الذي مضى منذ أن فجع بما سمع، شعر وكأن سنوات قد مضت على ذلك الحدث.. قرر حينها أن يحثّ الخطى لكي يصل إلى البيت في الوقت المناسب، ولكنه لم يسر بضعة خطوات حتى سمع لغطا خلفه، التفت، فرأى رجلا ضخم الجثة يقود الصبـي البدين وهو يعربد بكلام بدا له غاضبا، انتابه الفضول، فتوقف ليرى ما سيؤول إليه الأمر.. وصل الرجل إلى الباب الحديدي ودق عليه بقبضته المضمومة، ووقف ينتظر.. ظهر رجل من خلال الباب، سمعه يقول بأدب:

- أهلا يا أستاذ.. تفضل.

ولكن الآخر رد بغضب:

- أتفضل إلى أين؟.. اِسمع يا هذا، لقد ضقت ذرعا بكم.. أصبحت لا أطيق ازعاجاتكم، ومراوغاتكم في دفع الإيجار، ثم يتجرأ جروكم على إيذاء ولدنا الوديع.

فقال هذا على الفور:

- لا يا سيدي، أنا لا أقبل بذلك حتما.

ثم التفت ليصيح على ولده بغضب، ولكن الصبـي لم يظهر.. دخل الرجل، ليظهر بعد قليل وهو يقود الصبـي من أذنه حتى أوقفه أمام الضخم وولده حيث ضربه بكل قوته على مؤخرة رقبته، فأسقطه أرضا.. غلي الدم في عروقه وتصاعد بخاره إلى عقله وهو يرى المنظر.. عندما رفع الرجل يده ليضرب مرة أخرى بعد أن أنهض الصبـي، صاح من حيث يقف:

- إياك أن تضربه مرة أخرى.

ثم أعقب ذلك بالتقدم السريع باتجاههم.. تجمدت يد الرجل المرفوعة في الهواء وهو يلتفت متفاجئا باتجاه مصدر الصوت.. حالما اقترب منهم، لاحظ الشزر في عينيّ الضخم.. فيما بان الاستغراب وظهرت الحيرة على ملامح الآخر، الذي بادره قائلا:

- وما دخلك أنت؟.. ولدي وأريد أن أؤدبه.

فقال وهو يصارع للإحتفاظ بهدوئه الذي لم يستعدْه إلا للتو:

Page 10

- ولكنه لم يكن من بدأ الخصام.. بل كان يدافع عن نفسه فقط.

فقال الضخم وقد بدا الانفعال والغضب واضحين في نبرات صوته:

- لم يسألك أحد عن رأيك.. هيا إذهب في حال سبيلك.

ولكنه رد بإصرار:

- أنا أعرف أن أحدا لم يسألني رأيي، ولكني تورطت بأن أكون شاهدا على ما حدث.

فغر الرجل الممسك بولده ليضربه، فاهاً، وانخفضت يده المرتفعة، فيما قال الضخم بانـزعاج واضح:

- هيّا اِذهب.. اِذهب قبل أن.

فقال هو مستعينا بآخر قدرة له على الاستمرار بالهدوء المفتعل:

- قبل ماذا؟ هيّا يا رجل، فالمسألة بسيطة، إن هو إلا خصام أطفال، وقد كان ولدك هو من بدأه.. هذا كل ما أردت قوله.

صاح الضخم بغضب واضح:

- يا لك من وقح!.

أراد أن يجيب على الفور، ولكن لاحظ أن يد الأب قد ارتفعت لتستأنف ضرب الصبـي، فبادر إلى إمساكها لمنعها من تنفيذ نيتها، وصاح:

- لقد قلت لك، لا تضربه.

فصاح الأب عندها بغضب:

- افلت يدي أيها المجنون، هو ولدي وأتعامل معه كما أشاء.

فصاح هو الآخر:

- لا، هذا خطأ لن أسمح به.

فصاح الضخم أيضا وبحنق:

- يبدو أنك بحاجة إلى تأديب.

عندها شعر بتنمل في قدمه، عرف على الفور معناه، فقال لنفسه "أوه، اللمرة الثانية، في يوم واحد!".. ولكن الأحداث تتابعت بسرعة بعدها مع سريان النمل في جسده، صعودا إلى وجهه.

كان آخر ما لاحظه، وبطرف عينه، أن ذلك الضخم قد هجم عليه، ولكنه لم يع أن يده اليمنى كانت قد تكورت، وبدأت الأصابع تضغط بشدة على باطن الكف، لم يهتم لإشارات الألم الفظيع، التي بدأت تلك الأصابع شبه المتورمة، ترسلها.. عندما اخترقت الذراع المسددة للقبضة المضمومة بشدة، الهواء، كالسهم، كان قد دخل منطقة الغضب الكلي، التي تمنع عنه الرؤيا الواعية.. رسمت الذراع قوسا وهميا وهي تمضي نحو هدفها، وجه الرجل الضخم الذي كان لحظتها يرغي ويزبد، ولكنه عندما رآها، بان عليه الفزع، وحرك رأسه لا شعوريا في محاولة لتفاديها، فرسم بذلك، وبنفسه، زاوية لقائها بفكه.. لم يسمع الرجل، الصوت الناجم عن الضربة، ولكن الألم الهائل الذي شعر به، كرّ على موجة الغضب التي اجتاحته قبل لحظات، فجعلها تنحسر قليلا لتترك له هامشا صغيرا من وعي لما سيحدث من حوله بعد ذلك.. تطلع إلى الرجل الضخم الممدد على الأرض أمامه، ففكر مع نفسه "أوه، لقد مات" وسرعان ما اجتاحته فكرة مذهلة، فقال لنفسه وهو يسعى بعيدا عن الواقع الذي يطل عليه من خلال فسحة وعيه المتذبذب "ترى، لِمَ لَمْ أفكر بامتهان الملاكمة يوما" ولكن الأحداث لم تمهله حتى يبتعد بخياله، فقد سمع صوت الصبـي البدين وهو يصرخ برعب، ويملأ المكان نواحا.. وصاح به الرجل الآخر:

- من أين ظهرت أيها المجنون.. ما بك؟!

سمع أصوات أقدام تدك الأرض وهي تقترب منهم راكضة.. لغط وصياح، وقعقعة أجزاء الأسلحة الرشاشة والمسدسات وهي تعد للرمي، ولكنه لم يسمع صوت إطلاق رصاص كما توقع.. تجمع حشد من حوله، وتلقفته أياد وهي تدفع به إلى حيث لا يدري، ولكنه انصاع، فمضى معهم من دون ممانعة.