Page 1
المقدّمة:
توجّهت الدراسات النقدية الغربية الحديثة إلى البحث في التقنيات الفنية للكتابات السردية من خلال معاودة النظر في ما خلّفه المبدعون الأوائل من محاولات تنظيرية حول البناء الفني في الكتابة الأدبيّة، والكتابة المسرحية خاصة التي وفّرت أرضيّة لسانيّة ونقديّة لظهور أدوات نقديّة تخرج -إلى حدّ ما- عن التقيّد البنيويّ بالنصّ والاعتصام به وتدخل النصّ في سياق ثقافي واجتماعي، في انفتاحه إنتاجا ودلالةً، وهو ما أصبح يُسمّى بالتوجّه التداوليّ في المقاربات النصيّة·
تطورت النظرية النقدية الحديثة مستفيدة من البدايات الأولى عند أفلاطون وأرسطو في الدراسات الغربية، ومستفيدة أيضا من تطوّر جملة من العلوم أهمّها العلوم اللغويّة·
وقد شغل مبحث الراوي -من حيث هو مبحث نقديّ سرديّ- حيزا مهمّا في الدراسات النقدية الحديثة في الآداب الغربية، بالرغم من تأخر ظهور هذه الدراسات، إلا أنّها اهتمّت به ضمن اهتمامها بأعوان سردية أخرى ساهمت - إلى حدّ ما - في إنشائيّة الخطاب السردي، وقد اضطلع بهذا الدور النقدي -تنظيرا وإجراءً - عدد من النقاد المعروفين، وآخرون من دارسي الخطاب في سعته وامتداده· لقد حظي الراوي بتنظير بالغ النظير مع بداية القرن العشرين تقريبا أو قبله بفترة قليلة جدا، وساير هذا الاهتمام التنظيري الكتابة الروائية في الآداب الغربية، مواكبا ازدهارها وتطور فنياتها، فمنذ أن بلغت الرواية أوج ازدهارها سايرها النقد الغربي مشتغلا على فنياتها الخيالية، وبنيتها السردية، فظهرت على ساحة النقد الغربي أسماء مهمة أصبحت دراساتهم - بعد ذلك- مرجعا يعتد به في البنية السردية التي تشكل البناء القصصي في النص الروائي الحديث·
وكان لهنري جيمس الفضل في تفجير قضية الراوي ومدى تأثيره في النص السردي في العصر الحديث (1) وبعده بدأ النقاد يشغلون أفكارهم بقضايا فنية أخرى، وكان هنري جيمس قد تأثر بمقالة(سيلدن ل· وايت كامب (2)) ومن بعده جاء( بيتش) و(بيرسي لوبوك)·
ثمّ تطوّر من بعد هؤلاء الدرس النقدي في الدراسات الحديثة، وقد عمّت هذه الدراسات تغيرات ومجادلات أدبية وفكرية مختلفة عند الشكلانيين والأسلوبيين والبنيويين والإنشائيين·
نختار من هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر رؤية جيرار جينات للراوي، ذلك أننا سنعاود النظر في كتابيه (3)، وفي الكتابات العربية التي اطلعت على آرائه، وناقشت أطاريحه وأفكاره·
Page 2
ومن النقاد الذين توجّهت دراساتهم إلى الراوي عونا سرديا خياليا نذكر بويون (4)، فقد لاحظ وجود ثلاث رؤى للراوي، ونعت الرؤية الأولى بالرؤية الخلفية، وفيها يكون الراوي أعلم من الشخصية، أمّا الرؤية الثانية فهي رؤية تتساوى فيها المعرفة بين الراوي والشخصية، والرؤية الثالثة والأخيرة عرفت باسم الرؤية الخارجية، وفيها تكون معرفة الراوي أقل من معرفة الشخصيات· من خلال ملاحظات بويون واستنتاجاته تحرك تزفيطان طودوروف ملاحظا تلك الرؤى الثلاث التي خصّ بها بويون قيمة الراوي من حيث معرفته بالأحداث، مقارنا هذه المعرفة بين الراوي والشخصيات، فلم يضف طودوروف الكثير حول ما جاء به بويون، إلاّ أنه أفاد حول مفهوم تلك الرؤية التي بها ومن خلالها يرى الراوي الأحداث المتخيلة في القصة، فقد سعى إلى التنظير لمفهوم الرؤية مستفيدا من ملاحظات بويون لرؤى الراوي الثلاث·
ونتيجة للمثاقفة القصدية الإيجابية بين الأدبين الغربي والعربي حدثت استفادة كبيرة من خلال النمو والتطور اللذين شهدتهما، وتشهدهما الرواية العربية الحديثة في سنواتها الحالية، وبما أن الرواية العربية الحديثة ترعرعت تحت ظلال الرواية العالمية، كما هو حال النقد العربي الحديث، فقد استفاد - هذا الأخير- من التنظير الغربي للرواية، ومن المناهج النقدية الحديثة، فتحركت المدونة النقدية العربية تنظيرا وممارسة تطبيقية ملتفتة إلى النقد الأوروبي الغربي ومستفيدة منه، فلا عجب أن وجدنا نقاد الرواية العرب يتتبّعون مدونة النقد الأوروبي؛ ذلك أن الأوروبيين هم الأسبق إلى الرواية، وكذلك فهم الأسبق إلى النقد الروائي، وليس عيبا أن يلتفت اللاحق إلى السابق، شرط أن يحدث هضم واستيعاب للنص الروائي العربي من خلال تمثل مضمونه، وشكله الكتابي·
بعد إدامة البحث، وإطالة النظر فيما استطعنا الحصول عليه من المدونة النقدية العربية التي اهتمت بالراوي في كتاب خاص وشامل، ومن خلال ما اطلعنا عليه من كتب تناولت الراوي في السرد العربي انتهينا إلى أنّ كتاب يمنى العيد، الراوي: الموقع والشكل (5) هو أول كتاب اشتغل جاهدا في محاولة عربية جادّة مسبوقة بتنظير، تبعه تطبيق على نصوص عربية، ونص وحيد غير عربي، على موضوع الراوي·
إن كانت يمنى العيد صاحبة أوّل محاولة منشورة لدراسة الراوي من وجهة نظر سرديّة، وحاولت تقديم هذه الأداة وعرض آثارها وتطبيقها على بعض النماذج، إلاّ أنّها قد وقعت في إشكالية خلط المفاهيم، فهي قد ساقت مفهوم الراوي الكاتب ولم تفصل بينهما، علما أن الراوي وحده مفهوم، وهو يختلف عن مفهوم الكاتب، كما أنها استخدمت كلمة الموقع، وهي تقصد زاوية الرؤية، ذلك أن الموقع حسب وجهة نظرها الفكرية مرتبط بنظرية فكرية للنص الأدبي، أو بمنطلق نظري للمستوى الأدبي في المجتمع· أو مرتبط بهذا الذي حاولنا إيضاحه بإيجاز لمفهوم الموقع (6)
Page 3
ومن الدراسات الأكاديمية في مفهوم الراوي نذكر كتاب بلاغة الراوي/ طرائق السرد في روايات محمد البساطي (7) وقد أشار مؤلف الكتاب إلى أن كتابه عبارة عن بحث مقدم لنيل شهادة الماجستير في الأدب العربي، وقسّمه إلى مدخل حمل عنوان الراوي ووجهة النظر - مفاهيم نظرية، وباب آخر عنونه بـ الراوي في روايات البساطي: الشكل والمعنى، وفيه فصلان، ثم الباب الثاني بعنوان الراوي والمروي في روايات البساطي، وفيه فصلان أيضا· والكتاب الآخر كان قد قدم أيضا لنيل شهادة دكتوراة درجة ثالثة، وقد حمل عنوان الراوي في السرد العربي المعاصر (8)
محمد نجيب العمامي لم يسع في كتابه إلى إفراد فصل خاصّ بالمستوى النظري حول مفهوم الراوي، لكنه اشتغل على فصول تطبيقية حول الراوي بعد تمثله للنظري من خلال الكتابات النقدية الغربية التي اهتمت بدراسة مفهوم الراوي ومختلف أبعاده وتجليّاته، وعملت على اعتماده مدخلا أساسا لفهم تشكّل الخطاب السردي وطرق صوغه، وقد استفاد الدارس من رؤية جيرار جينات للعمل السردي، إذ أعمل رؤيته واعتمد منطلقاته ولكن ذاك لم يمنعه من دحض بعض أقواله ومعارضة بعض أفكاره كي لا تصبح قواعد وحقائق لا تقبل الدحض (9) وهناك كتاب كان عنوانه الراوي في عالم محمد عبد الملك القصصي (10)، إلا أن مؤلفه وقع في إشكال منهجي، حيث وسم فصول الكتاب بعناوين قصصية للقاص البحريني محمد عبد الملك، وكان كثيرا ما يخلط بين مصطلحي الراوي/ المؤلف (11) ولم يفصل بينهما في مرات كثيرة، بل إنه يأتي بهما من حيث إنهما مصطلح واحد، وهما على الإطلاق لم يكونا كذلك· ولم يسمّ الفصول الستة للكتاب بعناوين فرعية، بل قدمها على شكل مقالة فصلت بين فقراتها بأرقام، ولم يذيّل الكتاب بمراجع، لذلك لم نجد فائدة منه في بحثنا هذا، فصرفنا عنه النظر·
ومن الكتب المهمة التي خصت بعض فصولها في دراسة الراوي نذكر مثلا كتاب: الخطاب القصصي في الرواية العربية المعاصرة (12)، ونعدّه مع كتاب الراوي في السرد العربي المعاصر من الكتب التي أفدنا منها في بحثنا هذا، فقد كانا خير معين لنا في كشف سمات أهم أعوان البنية في السرد الروائي، ونقصد هنا الراوي، وفي اشتغالنا البحثي بعد تمثل النظري· وقد أحلنا على هذين الكتابين كلما اقتضت الضرورة ذلك·
ومن الكتب التي اهتمت بالراوي نذكر أيضا كتاب الراوي والنص القصصي (13) وقد كرّس مؤلف هذا الكتاب بحثه لدراسة مفهوم الراوي، مستفيدا مما جاء حول الراوي منذ أرسطو إلى التطور الذي شهده مصطلح الراوي عند الأسلوبيين، وقبل هذا الفصل تتبع المصطلح تتبعا تاريخيا، كما حاول إبانة بعض المصطلحات النقدية الأخرى الموصولة بأداء الراوي مثل الموقع، والجهة والمسافة، وفي الفصل الثالث درس وظائف الراوي وعلاماته، وقد عنون فصليه الأخيرين بـ أنواع الرواة والراوي والنص القصصي
Page 4
هذه هي أهمّ الكتب العربية التي حصلنا عليها من مكتبات الجامعات العربية مشرقا ومغربا، ونحن قد نجزم أن ثمة كتبا عربية أخرى تناولت الراوي مطبقة التمثل النظري على نصوص سردية عربية، لكن ما ذكرناه من كتب هو ما استطعنا الحصول عليه خلال فترة إعدادنا لخطة البحث وأثناء فترة الكتابة، وقد استفدنا منها كثيرا خاصّة في التمكّن من بعض الأدوات النظرية والمفاهيم الإجرائية في دراسة نماذج مختارة من الرواية العربية في عُمان·
ونودّ الإشارة قبل نهاية التقديم لهذا الكتاب إلى اطلاعنا على أوراق ندوة: الرواية في عمان: النشأة والتطور (14) واستشهدنا في أحد أبواب دراستنا أثناء التحليل بآراء الناقد المغربي نجيب العوفي حول بعض الروايات التي وقع عليها الاختيار·
من بين المعوقات التي واجهتنا في إعداد هذا الكتاب هي أن المكتبة العربية عامة، والمكتبة العمانية خاصة تفتقر إلى دراسات علمية حول الرواية في عمان، لذا شعرنا أننَّا نسبح وحيدين، جازمين مع هذه الوحدة أنّ هذا الكتاب- على حدّ علمنا- هو أوّل عمل يخصّ دراسة خطاب الراوي وتحليله في نماذج من الرواية في عمان، ملامسا بعض جوانبها الفنية من خلال اختيارنا لعدد محدد من الروايات، ذلك أنّه من الصعوبة بمكان أن تشمل دراستنا جميع الروايات التي استطعنا الإطّلاع عليها·
وكما أشرنا في الفقرة السابقة لم نجد دراسات علمية تخص الرواية العربية في عُمان؛ لنجعلها مرجعا نصدر منه ونعتمده أرضيّة نضيف إليها ونبني عليها· وبسبب ذلك؛ فإنّ أوائل الأمور قد تحمل دوما معها ما يمكن أن تحمله من أخطاء ممكنة، نرجو أن تكون في حدّها الأدنى، كما نرجو أن يفتح هذا العمل الباب للاهتمام بالرواية العمانية ودراستها الدراسة العلميّة التي يُمكن أن تثريها وتضيف إليها·
ونكاد نجزم أنّ افتقار المكتبة العربية عامة والعمانية خاصة إلى الدراسات الأكاديمية حول الرواية في عُمان كان أحد الأسباب التي جعلتنا ندرس نماذج معينة ومختارة بدقّة وعناية من الرواية الحديثة في عُمان، وبدا لنا أن من بين أسباب شحّ الدراسات والبحوث العلمية حول الرواية في عُمان هو أنّها حديثة العهد، فعمرها ليس أكبر من عمر النهضة العمانية الحديثة التي أشرقت شمسها سنة ألف وتسع مئة وسبعين للميلاد، وهي بهذا تلتقي مع القصة العمانية في تزامن كتابتها في التاريخ والحدث المشار إليهما آنفا، ونجزم أيضا أن عبدالله الطائي ضمن قائمة أوائل العمانيين الذين كتبوا الرواية، بل قد يكون أوّل عماني أصدر رواية، وإن لم تكن رواية الطائي رواية بمعناها الفني؛ فإنّ الباحثين في تاريخ الرواية يعدّونها رواية، هذا ما أكدته الدراسات الأدبية المهتمة بفن الرواية في عُمان، ومن بين الكتب و الدراسات التي أكدت ريادة الطائي لفن الرواية في عُمان كتاب في الأدب العماني الحديث (15) ليوسف الشاروني، وكتاب عبدالله الطائي، وريادة الكتابة الأدبية الحديثة في عمان لمحسن بن حمود الكندي، وكتاب الرواية في عمان: النشأة والتطور، الصادر عن المنتدى الأدبي عام 2011، حيث جاء في ورقة البواكير الروائية العمانية نماذج من رواية الاستعارة والإشهار للدكتور محسن بن حمود الكندي، مشيرا إلى ذلك بقوله أول رواية عمانية تطبع عام 1958 هي رواية ملائكة الجبل الأخضر، وأقدم رواية عمانية تنشر عام 1972 هي رواية الشراع الكبير فبهاتين الروايتين يكون عبدالله بن محمد الطائي رائد الرواية الأدبية في عمان، وهي ريادة تاريخية، أكثر منها فنية، حيث إن ما كتبه عبدالله بن محمد الطائي لم يكن رواية بالمعنى الفني الذي يؤصل تجربة فنية أصيلة في الأدب العماني الحديث ؛ إلا أنه يحسب للطائي السبق التاريخي في كتابة جنس أدبي محدث، غير معهود ولا مألوف في الأدب العماني قديمه وحديثه، ويرى الشاعر سيف الرحبي أن التسلسل التاريخي يفترض عبدالله الطائي من غير تحفظ أو استثناء (16) هو أوّل من كتب الرواية في عمان·
Page 5
إنّ الرواية عامّة والقصّة خاصة في سلطنة عمان احتلّت في السنوات الأخيرة المكانة التي تبوّءها الشعر العماني القديم من خلال الأسماء التي أفرزتها التجربة الشعرية العمانية مثل أبو مسلم الرواحي، وأسماء أخرى لا مجال هنا لذكرها، وراح السرد يسحب بساط الشعر، ويدغدغ أفكار الشعراء العمانيين كي يجربوا كتابة السرد (17)·
ثمة دراسة حديثة (18) ترى أنّ أوّل رواية عمانية كانت قد صدرت في زنجبار، وقد حمل المخطوط عنوان أحلام، وهي لمؤلّف مجهول الاسم وقد وقّع روايته باسم مستعار، كما أنّ هناك مخطوطا روائيا للكاتب العماني أحمد الزبيدي لم يصدر حتى لحظة كتابة هذه المقدمة، يذكر كاتبها أنه قد خطّها مع منتصف السبعينيات أو بعد المنتصف بسنتين تقريبا ، وقد أشار إليها محسن الكندي في ورقته سابقة الذكر، وحمل مخطوط الرواية عنوان قاعا للسقوط اسمه مسقط
نخلص من كلّ ما تقدّم أنّه في ظلّ هذه الأبعاد التاريخية -وبغضّ النظر عن هذه البداية مع من كانت، في انتظار دراسة تأريخيّة للرواية في عمان- فإنّ الرواية في عمان تشكّلت بداياتها بصورة بسيطة وفي محاولات محدودة في السبعينيات من القرن الماضي· وكما هو الأمر في بداية كتابة أيّ نوع أدبي حادث، فقد اعترضت الرواية في بداياتها الأولى جملة من العثرات الفنية، ولا ضير في ذلك، حيث إنّ الكتابة تحتاج إلى مراس دائم ومستمر، وتحتاج إلى دربة وتمثّل للنوع الروائي، شأنها في ذلك شأن كل الأجناس الأدبية الأخرى·
ثمة أسماء أخرى قد كتبت الرواية في الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين، نذكر من هؤلاء مثلا سعود المظفر، وسيف السعدي، وآخرون· ومع نهاية التسعينيات ظهرت أوّل رواية للروائي علي المعمري، وقد شهدت الألفية الجديدة دخول أسماء عديدة إلى الكتابة الروائية نذكر منهم: حسين العبري ومحمد بن سيف الرحبي·
إنّ هذا التحوّل الذي شهده المجتمع العماني الحديث في ظل الطفرة الصناعية والإلكترونية والنفطية الحديثة حتّم على أفراد المجتمع أن يبحثوا عن وسيلة للتعبير تناسب العصر الحديث، أسوة بالتغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي شهدتها رمال الخليج العربي، فكان على المجتمع العماني - أحد مجتمعات الخليج العربي- ضرورة البحث عن صيغة جديدة للتعبير تناسب حراك العصر الحديث، فبدا من خلال النتاج السردي الوفير الذي أفرزته أسماء عديدة، سواء في القصة أو الرواية أن السرد هو أنسب وسيلة للتعبير، فهو الأقرب للطبيعة البشرية المناسبة للتحولات الكبرى التي شهدها المجتمع العماني الحديث·
Page 6
ونظرا لتوفّر تراكم روائي خاصّة في السنوات الأخيرة وتنوّع التجارب وتعدّد أشكالها ووسائط تعبيرها كان انصرافنا لدراسة الرواية، ذلك أنّ الدراسات العلمية المتخصصة لم تتطرّق إليها - على حد علمنا- على الأقل حتى لحظة الشروع في إعداد هذه الدراسة، وأنّ عدد الروايات التي صدرت حتى الفترة الماضية، أي مع نهاية عام 2012 قد أوشك أن يقترب من الستين رواية تقريبا، لذلك كان من الصعب أن تشمل الدراسة كل تلك الروايات، فكان لزاما علينا أن ننتقي الأنسب والأقرب إلى موضوع بحثنا، فاخترنا روايات صدرت بعد الألفية الثانية، لأنّ كتّاب هذه المرحلة بدأوا يعون فنّ الرواية، ولامسوا بتجاربهم البسيطة بعض فنيات الرواية الحديثة في الأدب الكوني· فكان أن وقع اختيارنا على ثلاث روايات من الأدب العماني، نقدمها مرتبة حسب سنة الصدور:
- رحلة (أبو) زيد العماني (19) لمحمد بن سيف الرحبي·
- الوخز (20) لحسين العبري·
- همس الجسور (21) لعلي المعمري·
إن هذه الروايات الثلاث تلتقي في محكي واحد تقريبا، وهو تقاطعها مع الواقع المعيش من حيث التقاطها لأحداث تاريخية، وهو ما نستطيع وسمه بأزمة الاعتقالات في أوّل روايتين، وضحايا الحرب التي مني بها أناس من المجتمع العماني المعاصر·
ضمن هذا المحكي كان يُمكن أن ندرج رواية حز القيد (22) ضمن المصادر الروائية المدروسة، لكنّ راويها حاول جاهدا أن يبتعد عن مرجعيات واقع تاريخها السياسي، وأن ينعزل عنه، كما جعلت الرواية مكان الحدث مكانا عامّا ولم تخصّصه؛ لهذا صرفنا عنها النظر، وقد استثنينا أيضا رواية منازل أحوال القبائل عشية الانقلاب الإنجليزي في صلالة (23)، بالرغم من أنّه قد يجوز إدراجها ضمن المحكي نفسه الذي درسنا فيه تعدد الرواة، وبما أنّ الرواية قد رويت من قبل راو واحد، فقد أوجب علينا المنهج المتّبع في الدراسة أن نستبعدها، فضلا عن أنها لا تمثل إضافة فيما نحن داخلون فيه من مقاربة تختصّ بدراسة الراوي، وأوجه وجوده في الروايات موضوع هذه الدراسة·
ومن أسباب تأكيدنا على الروايات الثلاث كذلك أنّ الرواة فيها قد تعدّدوا، وهذا وحده أحد الأسباب المهمة لهذا الاختيار، فالروايات الثلاث مصادر البحث الخاصّ بدراسة وتحليل خطاب الراوي في نماذج من الرواية في عُمان مثّلت أرضيّة خصبة ومتنوّعة لدراسة ظاهرة الراوي ومختلف تقلّباته وأثره في المُنْجَز السردي· كما أنّ هذه الروايات تلتقي في ما عرف بتيار الوعي في السرد الحديث، وقد بُنيَ السرد في هذه الروايات الثلاث على تقنيات سردية حديثة نبيّنها أثناء دراسة مدونتنا البحثية·
Page 7
ونحن لا ننكر وجود تقنية تعدد الرواة في روايات لم نتطرق إليها؛ لأنّا أردنا أن يكون تمثيلنا في محكي واحد نقتصر عليه؛ حدّا للبحث وضبطا للمنهجية، ومنها على سبيل التمثيل رواية تبكي الأرض··يضحك زحل (24)، وقد كانت هذه الرواية ضمن مدونتنا البحثية في تحليل خطاب الراوي ودراسته، لكن بعد أن تطوّرت أفكار الدراسة أثناء الكتابة صرفنا عنها إعادة النظر فيما كنا قد بدأنا فيه؛ لأنّا فضّلنا أن يكون اختيارنا للمدوّنة قائما على تناول محكي واحد، أو ما يشبه أن يكون في محكي متقارب؛ كي يخلص البحث إلى نتائج مضبوطة علميا ومنهجيا·
وكان أملنا أن يشتمل بحثنا على رواية لكاتبة عمانية، وضمن المدونة الأوّلية للبحث أخذنا في الحسبان رواية الطواف حيث الجمر(25)، وهي على حدّ علمنا أوّل رواية لكاتبة عمانية، وأبعدنا النظر عنها؛ لأنّ الراوي فيها كان واحدا، ولم يتعدّد، وهي أيضا لم تلتق في محكيها مع الروايات الثلاث موضوع البحث· وحتى لحظة إعادة كتابة هذه المقدمة؛ فإن تسع كاتبات عمانيات أصدرن روايات، فبعد بدرية الشحّي، هناك أيضا غالية آل سعيد، وجوخة الحارثي، وفاطمة الشيدي، وهدى حمد، وزوينة الكلباني، وأزهار أحمد، صفاء الدغيشي، وفاطمة أنور اللواتي(26)·
في بحثنا هذا اخترنا أن يكون الراوي هو النقطة الأساس التي منها نبحث في أعوان السرد، وفي بنية تشكيل الخطاب الروائي، وهو خطاب تخيّليّ أساس وجوده الراوي· وقد فضّلنا استخدام كلمة الراوي على كلمة السارد لأنّ معانيه تحتفي بالكذب والتزوير (27)· ويأتي هذا الكذب والتزوير خلاصة ثمرة تفكير وتدبير، وهو ما ينطبق على رواة الأدب في تاريخ الثقافة العربية (28) وقد فصلنا في بحثنا هذا بين الراوي والكاتب مستفيدين في ذلك من بعض أطروحات البنيويين ومفاهيمهم، وعندما نجد قرائن نصية تؤكّد الفصل فإنّا نؤكد ذلك، وفي حال أن رأينا أنّ الكاتب من يروي أشرنا إلى ذلك، وهنا خرجنا إلى حدّ عن التصوّرات البنيويّة ومن قالوا بموت المؤلف، وحاولنا الاستفادة من بعض القراءات النقديّة التي انفتحت على مجال الخطاب وفتحت من آفاق إنتاجه ودلالاته·
وفيما يخص المنهج المتّبع في هذه الدراسة فإننا لم نعتمد منهجا بعينه نقصر عليه بحثنا هذا، ولم نحبذ إسقاط منهج تامّ على أي رواية ما، خلقنا ألفة بيننا وبين النصوص تقوم على القراءة، وتدبّر المضمون وتمثل الأفكار، ثم استخلصنا بعض ما غلب عليها من سمات، وما ميّزها من خصائص، وعندما نشعر بتقارب في رواية ما بين الكاتب والراوي لم نسع أن نسقط معرفتنا بالكتّاب على مضمون النصّ وأفكاره المطروحة، لكن ما أخذنا به هو العكس، ففي حال أن سمح لنا الخطاب الروائي المدروس، أو السمة الغالبة في الروايات المدروسة أن نخرج بمضمون النص وأفكاره إلى الكاتب فعلنا ذلك، وإن لم يكن تعاملنا مع الراوي كتعاملنا مع كائن لا نعرف عنه شيئا مطلقا، واعتبرناه عونا تخييليا كما جاء في التنظيرات الغربية (29)، إلاّ أنّنا - كما أشرنا قبل قليل- سنخرج من النص إلى الكاتب ولن ندخل النصّ ومعنا ما قد نعرفه عن الكاتب، متذكرين رؤية العمامي إنّ الراوي غير المؤلف، وإن العلاقة بينهما وطيدة، وهي علاقة الصانع بمصنوعه· ولذلك فإننا نرى
Page 8
للخروج من هذا المأزق- ألاّ نفصل بينهما فصلا حادا، وألاّ نطابق بينهما مطابقة تامة (30) فإنْ تأملنا في رؤية العمامي فسنجد أن فيها كلمتين (العلاقة، المطابقة)، وقد أدّت هاتان الكلمتان ببعض الباحثين (31) إلى عدم الفصل بين الكاتب والراوي، وحدث معهم أن طابقوا مصطلحين مختلفين، ونرى أنّه لا تجوز المطابقة بينهما· نعم قد يكون بين المصطلحين علاقة ما، شرط أن يثبتها النصّ السردي، ولا يجوز دمج المصطلحين وجعلهما مصطلحا واحدا·
ومن أجل ذلك حاولنا الصدور عن هذه المدوّنة التي أردناها محدودة، وعن هذه الأداة التي نعمل على بيان أثرها واتّخاذها مدخلا لدراسة الرواية العمانية وهي الراوي، ومقاربة موضوع الدراسة وفق خطّة كان الحَكَم في بنائها المواءمة بين الحدود النظريّة وبين مقتضيات النصوص في حدّ ذاتها، فأتى بحثنا في ثلاثة أبواب موزّعة على الشكل الآتي:
- الرواة في الرواية العمانية·
- وظائف ومرجعيات الرّواة·
- صور المرويّ له وتحوّلاته·
وبعد أن قسّمنا بحثنا إلى ثلاثة أبواب، ارتأينا أن ندرس كلّ باب في فصول، فجاء تقسيم الأبواب إلى فصلين في كل باب، عدا الباب الأول الذي زيد فيه فصل واحد، وهو ما ينسجم مع طبيعة عدد الروايات المنتقاة للدراسة، فقد كان من الطبيعي أن ندرس رواة كلّ رواية في فصل مستقل عن الآخر، نتيجة للاختلاف الحاصل في طبيعة كل رواية عن الأخرى، وهذا ما سيتضح للقارئ بعد أن يفرغ من الباب الأول· أما بحثنا في الظواهر التي التقت فيها الروايات الثلاث فتمّ الجمع بينها في فصول آخر بابين من هذا البحث؛ حتى تتضح نتيجة الأسئلة والإشكاليات المطروحة في مقدّمة كل باب·
وأملنا أن نكون بذلك قد وُفّقنا في محاولة الإضافة إلى دراسات الأدب العماني، وأن نكون قد نجحنا إلى حدّ في إضاءة أعمال لها منزلة مهمّة في تاريخ الأدب بهذا الوطن في العصر الحديث·
Page 9
الرواة في الروايات المدروسة
سنخصص هذا البحث في الراوي انطلاقا من أنّه شخصيّة رئيسة في أعمّ الأحوال وأشملها، لذا لا ضير أن يكون الباب الأول أطول أبواب الدراسة، وهو باب شامل لكل الرواة في روايات الدراسة، إذ إننا هنا نبحث في كل ما له صلة بفعل الرواية·
كما أن هذا الباب هو الباب الوحيد الذي سيشمل ثلاثة فصول، في كل فصل ندرس رواة الروايات الثلاث، وبهذا قسّمنا عدد فصول هذا الباب على عدد الروايات موضوع بحثنا، وسندرس هيئة الراوي وشكله، وكل ما قد يميّزه عن راو آخر في الرواية المدروسة نفسها·
إنّ صلب الموضوع وأساسه سيتركزان في هذا الباب على الراوي بسماته وصفاته وهيئته· وما في الأبواب التالية سيكون على صلة بالراوي، أي أننا سندرس كل ما سيتصل بالراوي من وظائف الرواة ومرجعياتهم، وما يقوم به كل راو إزاء مرويه، علمًا أن كلّ راو يفترض وجود مروي له· وفي الباب الأخير سنتعرّض إلى الأساليب التي نقل الراوي بها كلام الشخصيات·
ونودّ أن نشير إلى أنّ أغلب الرواة شخصيات أساسية في الروايات الثلاث، لذا لا ضير أن نثير مقاربة عن الشخصية الرّاوية في كل رواية قبل أن نعتمد الرواة تحليلا ودراسة عامة وشاملة في فصول هذا الباب، كما سنناقش الشخصية الراوية من حيث الضمير الذي اعتمدته كطريقة ارتأت أنه خيارها الأفضل في الحكي، ومدى قرب ضمير الحكي من الشخصية الرّاوية عامة ومن الواقعين المكاني والزماني خاصة· وإلى أي مدى تقترب الشخصية الراوية من شخصية الكاتب؟ وكم شخصية راوية في كل رواية؟ مفصّلين الحديث مقاربة وتحليلا لحظة الشروع في فصول هذا الباب·
Page 10
دراسة الرّواة:
يغلب على رواية الوخز السرد بضمير المتكلّم (32) المفرد؛ إذ تتكفّل الشخصيّة برواية الأحداث، ومن خلالها نُطلُ على الكون الروائي· نرى في هذا الإطار أنّه من المهمّ تحديد ضمير السرد، فهو يحيل على الشخصية الراوية، كما أنه يكشف عن قرب الشخصية أو بعدها من الضمير الذي رأت أنه الأنسب والأقرب في أداء وظيفة الحكاية والسرد، والتي تعتبر من أهمّ وظائف الراوي، وهذه الشخصية هي شخصية عمانية مثقفة خريج علم اجتماع (33)، تعمل في الجامعة (34)، تسرد فصولا عديدة دون أن تكشف عن اسمها·
واجهت هذه الشخصية في محافظة مسقط خلال أشهر الصيف وتحديدا في شهر يوليو تحقيقات مع رجال شرطة وأمن (35) في قضية التنظيم السري(36) وقد أعلمت هذه الشخصية عن اسمها في آخر الرواية (37) عندما سئلت عمّن تكون، وجاء الكشف عن هويّة الاسم في صيغة الأسلوب المباشر الحاصل بين الراوي وأحد شخصيات رجال الأمن· إن اختلاف اسم الراوي/الشخصية عن اسم المؤلف قد لا يجعلنا نرجّح منذ الوهلة الأولى أنّ نصالوخز سيرة ذاتية، وإن كان ثمّة تشابه بين الراوي والكاتب في أمور عديدة، لكنّنا نرجّح أنّ نص الوخز رواية، وإن كان غير ذلك وجب علينا أن نثبت من داخل النص بملفوظات نصية، ومراجع ترجّح ما قد نذهب إليه، وهذا ما سنبينه عندما ندرس الراوي في رواية الوخز، علما أن لا ضير أن تستفيد الكتابة من تجربة حياة كاتبها، وهذا ما أدّى إلى أنّ الرواية العربية الحديثة قد شهدت استفادة من أجناس أدبية غير السيرة كالسينما والشعر مثلا، ونجزم أن هذا قد أدّى إلى فتح باب التجريب للرواية العربية الحديثة على وجه العموم·
أمّا عن الشخصية الراوية في رواية رحلة (أبو) زيد العماني فإنّها تتشكّل في دورين وشخصيّتين تتناوبان في تشييد البناء التخييلي، كلّ شخصية تروي بضمير المتكلم· تتناوب الشخصيّتان في بناء التخييل الروائي، و تحكي أزمتها الخاصة، فشخصية صاحب الرحلة أبو زيد العماني روى علاقته بالمرأة الراوية الشخصية التي تمثّل العون السارد الثاني في الرواية، ثمّ روى رحلته إلى الإسكندرية، واعتقاله بعد عودته منها· أمّا المرأة الراوية/ الشخصية فقد روت أزمتها الخاصّة بعد أن فقدت بكارتها وزواجها من رجل لم تحبّه مثل ما أحبّت شخصية أبو زيد العماني كلا الشخصيتين الراويتين في الرواية شخصية مثقفـة، وسيتضح ذلك عندما نبحث في فعل السرد من خلال بيان الراوي وأهمّ ما ميّز كلّ راو/ شخصية عن الآخر· أمّا عن الشخصية الراوية في رواية همس الجسور؛ فإنّ تشابها يظهر بينها وبين رواية رحلة (أبو) زيد العماني في عدد الشخصيات الراوية، فشخصيّتان راويتان اثنتان روتا أكثر فصول الرواية، وسنبينهما في عنوانين فرعيين، من خلال بيان الراوي وما ميزه عن الآخر، لكن إحدى أهم الشخصيتين الراويتين- نقصد هنا شخصية أبو السيوف راويا - في رواية همس الجسور حتّمت علينا ضرورة إعادة قراءة أوّل روايتــين (38) لعلي المعمري، ألا وهما: فضاءات الرغبة الأخيرة، ورابية الخطّار، لوجوه شبه عديدة بينهما وأواصر صلة سنعمل على إظهارها·
ولكن قبل محاولة معرفة ماهية الشخصية الراوية، وما مستواها الثقافي والمعرفي؟ وما أهمّ ما تبتغيه في أول روايتين؟ وجدنا الكاتب يهتم ببناء خطاب على الخطاب (39)·