eKtab
EN ع
تحولات
Read free sample

تحولات

by زهدي الداوودي

Page 1
وجها لوجه مع الموت
 
لا أدري متى تلاشى شلال النور المنبعث من النافذة، ولا متى اختفت مادلين من هناك، كما ولا أدري أيضا متى استسلمت للنوم· كل ما أتذكره هو خليط من الأحلام، التي كانت تمر عبر النافذة وتصطدم بالجسد الشفاف الذي يلفه الشعر الأسود الذي تارة يتماوج مع الريح وأخرى يلتف حول وجهها الجميل· انتقلت أنا الآخر بصحبة الأحلام إلى ما وراء النافذة· كنت أسير بمحاذاة نهر سيروان، وبعد أن ارتويت من مائه وجدت نفسي أحلق في السماء· قطعت مسافات شاسعة إلى أن وصلت إلى جبل به روخ، المطلة على قصبة الطفولة التي عشنا فيها لحوالى ثلاث سنوات بحكم وظيفة والدي· وجدتها مغطاة بأشجار البلوط، أردت الذهاب إلى بيتنا، ولكنني لم أستطع العثور عليه، إذ كانت الطرق عديدة، متشعبة ووعرة· وانقلبت صفحة الحلم كي تحولني إلى بيتنا، الذي استقررنا فيه بعد إحالة والدي إلى التقاعد· بدا لي مهجورًا· وقبل أن أبدا بالبحث في الغرف، ظهرت أمي وهي تستغرب من وجودي في البيت· بدا الأمر كما لو أن أحدنا هبط من السماء· قالت لي حائرة: كيف أتيت؟ ووالدك؟ هل تركته لوحده؟· استغربت لحماقتي ورحت ألوم نفسي لتركي إياه وحيدا· ولكي أبرر موقفي قلت لها هناك ممرضة جميلة اسمها مادلين، يعرفها والدي وستقوم هي بخدمته· سألت والدتي كما لو أنها تعرف الاسم:
 
مادلين؟ منذ متى تعمل في المستشفى؟ إنها هنا تساعد أمها·
 
أردت أن أناقش والدتي وأسألها عمن تقصد بمادلين، وأنها لا شك ملتبسة في الاسم، ولكنني فتحت عيني لسبب ما وعرفت أني أحلم· كان ضوء الشمس التي أشرقت قبل هنيهة يغمر الغرفة، ويسقط على التقويم الذي يؤشر إلى شهر أيلول 1955· نظرت إلى والدي كالعادة حين استيقظ من النوم، فوجدته ينظر إلى السقف بعينين مفتوحتين بشكل غريب· سألته ما إذا كان يحتاج شيئا، كنت أتوقع أنه سيطلب مني سيكارة، ولكنه لم ينطق· كررت سؤالي مداعبا:
 
بابا، ألا تريد سيكارة؟ أم أنك تركت التدخين؟
Page 2
كنت أسكن معه في الغرفة نفسها بموافقة الطبيب، كي أساعده في تحريك أعضائه، ولا سيما الساقين المصابتين بالشلل· ذهبت إليه قبل أن أغسل وجهي· كان لا يزال ينظر إلى السقف بعينين جامدتين· كنت قد سمعت بأن الإنسان يموت بعينين مفتوحتين، ولكن هذه الحقيقة لم تقنعني بأنه ميت فعلا· ضبطت أعصابي بشكل غريب، وذهبت باتجاه غرفة الممرضات· قابلت في الممر الدكتور رضا، نظر إلي بشكل غريب كما لو أنه يريد أن يقرأ ما في داخلي· سألني عن صحة والدي، قلت له بأن حالته غريبة لا أفهمها· تقلصت ملامح وجهه وهرع إلى الغرفة، وأنا وراءه مثل ظله· انحنى على السرير يدقق في وجهه، وسرعان ما مد يده إلى عينيه كي يغمضهما بحركة بارعة، ورفع يده اليسرى ليتفحص جلد ظاهرها، ثم التفت إلي بهدوء ووجه حزين ليقول بصوت متهدج:
 
لقد فارق الحياة· إنا لله وإنا اليه راجعون·
 
أحسست بأعصابي قد تجمدت وجفت الدموع في عيني، غصة ما في حنجرتي كادت تخنقني· هزتني موجة بكاء، بيد أن هاتفا من داخلي نبهني أن أكون رجلا، فاختنقت في حلقي· وعلمت بأن هذه هي المرة الأولى في حياتي أواجه فيها ما يسمى بضبط النفس· قبل أن يترك الطبيب الغرفة، غطى وجه والدي الذي لم أقتنع بأنه فارق الحياة، وطلب مني أن أتابعه إلى غرفته لإجراء الأمور الروتينية· في الردهة قابلت عمي وبعض الأقارب الذين جاؤوا للزيارة، إذ ذاك لم أذهب مع الطبيب، بل رجعت إلى الغرفة، إذ إن أحد الأقارب تولى مهمة الذهاب مع الطبيب· أزاح عمي الغطاء عن وجه أبي وراح يعانقه بقوة وهو يجهش بالبكاء، لم يتمكن الآخرون من ضبط أعصابهم، حيث أجهش كل واحد منهم بطريقته الخاصة في البكاء· أردت أن أنصحهم بأن المكان لايناسب ذلك، بيد أن الغصة المستعصية في حنجرتي حالت دون ذلك، إذ إن أقل كلام مني كان سيدفعني أنا الآخر إلى أن أجهش في بكاء مر· رجع القريب الذي رافق الطبيب إلى غرفته بسرعة وبيده بعض الأوراق، إذ ذاك عرفت بأن مهمتي قد انتهت· عانقني عمي وقال إنك أديت واجبك كأي رجل· ورجعنا إلى قصبتنا بسيارتي تاكسي، فيما وضع النعش على سقف إحداهما دون أن أعرف من الذي دفع الأجر· كان بعض الأقارب قد وقف في مدخل القصبة والبعض الآخر أمام باب بيتنا، بانتظارنا· يبدو أن خبر الموت قد وصلهم بطريقة ما، ربما عن طريق المخابرة التلفونية، ولا أدري من الذي قام بالمهمة· وفي فترة قصيرة جدا اشتد الزحام فيها سواء في داخل بيتنا أو خارجه، وأحسست بأنني أضيع فيه· كانت والدتي الحامل، حزينة متماسكة الأعصاب، لم أجدها تبكي إلا بعد أن بدأت مجموعة من النساء بالنحيب والعويل· لا أدري أين تم غسل الجثة والتكفين اللذين لم يستغرقا وقتا طويلا، وبدا لي أن العم قادر الذي لم تكف عيناه من ذرف الدموع، هو الذي كان يشرف على ذلك، إذ بعد عثوره علي في الزحام، مسك يدي بعد أن عانقني قائلا بأننا يجب أن نرافق الجنازة، التي ظهرت أمامي فجأة، إلى المقبرة· وظل يرافقني مطوقا عنقي بذراعه اليمنى·
Page 3
ها إنني أواجه العالم لوحدي، بعد أن رأيت بأم عيني كيف أنهم واروا بالتراب جسد أعز إنسان علي· بدا كل شيء في تلك اللحظة الحزينة جدا، مقفرا؛ كئيبا، جامدا لا حياة فيه· أحسست بنفسي قد انقطعت عن العالم الخارجي، وفي تلك اللحظة بالذات عرفت أن الموت ليس مجرد مفردة اعتيادية كتلك التي يسمعها المرء كل يوم ضمن أحاديث أو مناسبات مختلفة دون أن يتأثر بها· مفردة الموت تقترب من محتواها الحقيقي المرعب، ليس من الشخص المرشح للموت، إذ إنه لن يدرك حقيقة موته ولن يصدقها أبدا، ذلك أن المناعة التي منحته أياها الطبيعة، أقوى بكثير من وعيه الذي لا يمكن أن يعيش تجربة الموت، التي لا تختلف عن تجربة النوم· فالنائم لا يعرف متى بدأت عملية النوم، والفرق إذن بين الحالتين هو أن النائم حين يستيقظ، يعرف أنه كان قد استسلم للنوم بخلاف الميت الذي لن يستيقظ· كما لا تهزك هذه المفردة، حين تمس إنسانا لا تعرفه· بيد أنه، أي الموت، يتحول إلى شيء لا يمكن أن يوصف حين يواجهك مباشرة· إنه خنجر يتخذ طريقه إلى القلب دون أن يقتلك، ودون أن يخرج من هناك· وإن شاء له أن يخرج من القلب، فإن جرحه لن يلتئم· إنه كابوس يجثم على صدرك أبدا· إنه يأتيك مثل صاعقة تطلق شراراتها دون أن تقتلك· إنه يتعمد عدم قتلك، ذلك أنه يريد أن يثبت وجوده من جهة، ومن جهة أخرى يريد أن ينتقم للحظات التي سمعت فيها كلمة الموت بلا أبالية· إنك ستبقى تعيش تجربتك مع الموت بكل مرارة، وأما الشخص الذي يأخذه ملك الموت، فإنه سيركن إلى راحة أزلية أشبه بنوم عميق· قال العم قادر الذي كان لا يزال يطوق رقبتي بذراعه: هذه هي الحياة، تأتي اليها عاريا وتتركها عاريا، رحمه الله، لم يؤذ أحدا· وقال آخر: خرجنا من التراب ونعود اليه·
 
لو سمعت هذا الكلام من الشخص نفسه، وفي المكان نفسه، ولكن ليس لمناسبة موت أبي، فإن وقعه علي كان غير ما هو عليه الآن· إن الذي جاء إلى هذه الحياة عاريا ومن ثم تركها عاريا أيضا هو أبي فحسب وليس إنسانا آخر· وتركني في وقت أنا في أمس الحاجة اليه، أنا الذي لم أتجاوز الخامسة عشرة من عمري· كنت لا أنظر في الوجوه بقدر ما كنت أحدق في الجسد الملفوف بالكفن الأبيض، الذي كانت الأيدي الخشنة تدفعه برفق إلى الركن المحفور بعناية في الجانب الأيسر من القبر· كنت أرى الأيدي فقط· وحين تمكنت هذه الأيدي من دفع الجثة في الدهليز، تسلمت من أعلى عدة قوالب طينية ووعاء من الجص، وسرعان ما اختفى الجسد الملفوف بالكفن وراء الجدار الصغير، آخذا معه عالما لا يقل عن سبعة عقود من الزمن، عالما بكل ما فيه من الذكريات والأحلام والأحاسيس· وخرج الرجلان من القبر كي يوارياه بالتراب· تم كل شيء بسرعة· حتى مراسيم صلاة الميت وتلاوة سورة يس من قبل الملا تمت بسرعة·
Page 4
وعادوا بصمت· وأما أنا فأردت أن أبقى إلى جانب كومة التراب التي أضافت قبرا جديدا إلى المقبرة المقفرة الواقعة على مرتفع ترابي يشقه طريق ضيق يربط القصبة ببساتين المشمش المنتشرة على الجانب الغربي· إنها المقبرة نفسها التي تتحول في الربيع إلى ربوة خضراء يغطيها بساط من الأزهار الملونة· والقبور التي تراكمت وتزاحمت جنب وفوق بعضها البعض تحتوي على موتى كل العصور· الآن عرفت لماذا اختار المرء مكان المستوصف جنب هذه المقبرة· ولماذا تم بناؤه بهذا الشكل، إذ تطل البوابة الرئيسة على الشارع العام، في حين تطل البوابة الخلفية على المقبرة مباشرة· لا شك في أن معظم المرضى وضحايا الانتقام الذين اخترق الرصاص أجسادهم، قد دخلوا من البوابة الرئيسة وهم أشباه أحياء؛ كي يخرجوا جثثا مقمطة بقماش أبيض من البوابة الخلفية التي عرفت الآن وظيفتها· المستوصف إذن محطة سريعة إلى العالم الآخر· هذه العلاقة بين المستوصف والمقبرة اكتشفتها في وقت مبكر جدا، فقد سمعت أحدهم يقول ذات مرة، إن المريض الذي يدخله لا يخرج إلا من الباب الخلفي؛ ليستقبله القبر الجاهز الذي حفره عمال البلدية· وأحيانا يرمون بالجثة في القبر دون أن يغسلوها أو يلفوها بالكفن، كما حدث ذات مرة مع جثة بدوي سبق أن قتلوه ورموا بجثته في العراء· وكانت قد انكمشت وتيبست وتحولت إلى سواد فاحم· جلبوا الجثة إلى المستوصف لإجراء الكشف الطبي عليها لمعرفة القاتل· ودسست نفسي كالعادة في الجمع الفضولي المتفرج لمعرفة كيفية إجراء الكشف· نظر الطبيب إلى الجثة المتصلبة الملفوفة بالحصير مشمئزا، ثم التفت إلى مفوض الشرطة قائلا: ماذا تريدني أن أفعل بها، إنها كما ترى تحولت إلى فحم· أجاب المفوض كما لو أنه يريد أن يتخلص من مشكلة بأسرع وقت ممكن: لا أريد منك سوى تصريح بالدفن وإلا سنصاب بالطاعون·
 
واكتشفت أيضا أن الجانب الأيسر الملاصق للمستوصف هو المكان المخصص للموتى غير المعروفين، أو للجثث التي غالبا ما كانت الشرطة تعثر عليها خارج المدينة، بخلاف الجهة اليمنى التي تحتوي على مزارات مكعبة ومسيجة بقبور تحمل شواهد من الرخام، تحمل أسماء المدفونين تحتها وتواريخ ميلادهم وموتهم· كنا نتجول نهارا في المقبرة دون أن تهزنا أو تخيفنا الحكايات التي نسمعها عن خروج الموتى من قبورهم أو عن ذلك الحيوان المرعب الذى يأوي إلى القبور ويفترس الجثث، بيد أنه ما إن يحل المساء ويخيم الظلام الدامس على المقبرة، ويرتفع العويل المرعب الذي كان يقول عنه البعض بأنه صياح الأرواح المعذبة، والبعض الآخر يدعي أنه عويل بنات آوى، كنا إذ ذاك ننظر إلى المقبرة عن بعد، دون أن نفكر في الاقتراب منها· ونحن نروي قصص أولئك الشجعان الذين تراهنوا أن يذهبوا إلى المقبرة في وقت متأخر من الليل· ولكي يثبتوا أنهم دخلوا مزارا معينا، كان عليهم أن يتركوا هناك أثرا ملموسا بغية تفحصه في اليوم الثاني· كان على هذا المتراهن أن يدق هناك خازوقا، وفعلا قام هذا الرجل الجريء بفعلته، ولكنه عندما انتهى من دق الخازوق وحاول القيام من مكانه لترك المزار، جره الميت من طرف ثوبه، فمات في الحال· هكذا تصور الناس الحادث، ولكن الحقيقة التي أخفاها المتراهنون عن الناس، هي أنه من شدة خوفه وانفعاله دق الخازوق على طرف ثوبه الذي ربطه بشدة على أرضية المزار، فتصور هو نفسه بأن الميت قد مسكه من طرف ثوبه، وكان أن مات بالسكتة القلبية·
Page 5
وحدثني العم قادر أنه جاء ذات ليلة إلى القصبة بغية السرقة، وحين وصل المقبرة بدأت السماء تهطل مطرا غزيرا، فاضطر أن يحتمي بمزار· سألته بدهشة ما إذا داخله الخوف في تلك اللحظة، وماذا كان سيفعل إذا خرج عليه ميت من قبره؟ ابتسم مثل طفل انتصر في رهان، وقال وهو يمسد بندقيته:
 
انظر يا زوراب، هناك سلاحان تتقي بهما شر الإنس والجان· هذه البندقية تحميك من شر الإنسان، وأما الجن فيكفي أن تبسمل وحين تقول: قل أعوذ من الشيطان الرجيم، فإنه لا يظهر أبدا· وأما الميت، فلا يستطيع ترك قبره، وإذا تمكن من ذلك لرجع إلى أهله· وتساءل قبل أن يواصل حكايته: أين توقفنا؟
 
دخلت المزار كي لا يبللك المطر الغزير·
 
تمام، دخلت المزار الدافئ كي أتخلص من المطر والبرد· وانتظرت ريثما يتوقف المطر عن الهطول أو يخفف من غزارته· وطال بي الانتظار وأعتقد أخذتني غفوة نوم، إذ إنني حلمت بربيع جميل، ولكنني سرعان ما استيقظت على أصوات ووقع أقدام، فعلمت من الكلام الدائر بأن ثمة لصوصًا يريدون الاحتماء بالمزار، فوجدتها فرصة سانحة كي أسطو على مسروقاتهم، فما إن وضع أحدهم رجله على عتبة الباب ملقيا صرته في عرض المزار، إلا وصحت بصوت متصنع مخيف: أيها الأموات قوموا جاءكم الأحياء·· ورحت أعقبها بنداءات مخيفة وأنا أركض وراءهم إلى أن تلاشوا في جنح الظلام· ودون أن آبه بالمطر جمعت مسروقاتهم ولملمت عشرة رؤوس من الأغنام المتفرقة وعدت إلى القرية·
 
وذات ليلة خريف تحققت أمنيتي في أن أطأ أرض المقبرة ليلا دون خوف، ولكن ليس لوحدي، إذ جاء والدي وطلب مني أن أحمل فانوسا لمرافقته إلى المقبرة، وذلك للمشاركة في مراسيم دفن والدة صاحب المقهى جارنا· جرى كل شيء بهدوء تحت جنح الظلام الدامس· ولم أحس بأي خوف أو رهبة من المقبرة التي كنا نعتبرها مكانا لا يمكن اقتحامه ليلا· كان عدد المرافقين لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة· وكان علينا نحن الثلاثة من حملة الفوانيس أن نقف على حافة القبر الذي كان جاهزا، كي يتمكن الحفار من وضع الجنازة في الركن المحفور على الجانب الأيسر من القبر· لم أستطع رؤية هذا الجزء بسبب الظلام، وظللت أجهله إلى أن تمكنت من رؤيته بوضوح عند دفن أبي·
Page 6
كنت أشبه مصعوقا لا يفقه شيئا مما يحيط به، ولا يصدق مايجري أمام عينيه· رجل واحد فقط تخلف عن الجماعة وهو العم قادر، الذي قال بصوت حزين: أنت رجل يا زوراب، هيا لنذهب إلى البيت، إنك يجب أن تسد الفراغ الذي تركه المرحوم والدك ولا تخذل روحه التي صعدت إلى السماء· ثم جاء قريب آخر، كان قد نزح من الريف إلى المدينة وراح يمدح والدي بشكل غريب· عرفت أنه ينافق، لأنني كنت متأكدا من أنه لا يصدق كلامه هو، وكنت أعرف أيضا بأنه لا ينافقني أنا، لأنني كنت لا شيء بالنسبة له، ولذلك جاء نفاقه كرد فعل تلقائي نتيجة مواجهته للموت، إذ إنه لا شك فكر في مصيره هو فكان نفاقه تكفيرا لذنوبه التي أراد أن يتخلص منها في هذه المناسبة المفزعة التي ذكرته بالجحيم، إذ إن التفكير في الآخرة أو الموت لا يصاحب المرء إلا في هذه المناسبات التي تأتي بصورة فجائية ومن حين لآخر· وعرفت فيما بعد، بعد التفكير العميق في سبب هذا النفاق، بأن ثمت تأنيب ضمير دفع لسان الرجل للإفصاح عن المديح، الذي لا شك كان الميت يفرح به لو سمعه قبل مفارقته للحياة· وأكد عليّ الرجل هو الآخر بأن أسد الفراغ الذى تركه أبي· هكذا إذن أصبحت بين عشية وضحاها رجلا بعد أن كنت صبيا مراهقا· علي إذن أن أسد الفراغ الذي تركه أبي، ولكن كيف؟ وهل يمكن لإنسان ما أن يسد الفراغ الذي يتركه غيره؟ هل هذا يعني أن أكون أبا للعائلة التي فقدت ربها؟·· إذا كان القدر قد حتم علي أن أكون كذلك، فلأكن· ولكن ما هي وسائلي في تحقيق ذلك؟
 
لم يبق أحد من الأقارب ومن أصدقاء والدي دون أن يسدي لي النصيحة اللازمة كي أكون رجلا وأسد الفراغ الذي تركه، ولكن أي واحد منهم لم يتطوع كي يشرح لي كيف؟ سوى العم قادر الذي نصحني أن أهتم بدروسي، وأنهي الدراسة بنجاح كما فعل أبي·
 
ورحت لا أطيق سماع أي نصيحة· كانوا إذ يسدون لي النصيحة، ينظرون إلي بشيء من العطف، كما لو أنني نعجة بين يدي قصاب· وكنت أعرف من خلال بريق عيونهم، أنهم غير مقتنعين بأن هذا الصبي الصامت سوف يسد الفراغ الذي تركه أبوه·
 
رافقني قادر إلى البيت الذي امتلأ بالنساء المولولات اللواتي كن يمثلن أكثر من أن يبدين حزنهن على الميت· وانتقلت عدوى البكاء المر إلى إخواني الصغار الذين لا يعرفون شيئا عن حقيقة الموت، الذي حولهم بين عشية وضحاها إلى يتامى· هناك لم أتمكن من السيطرة على الغصة المستعصية في حنجرتي، فهرعت إلى غرفتي كي أستغرق لوحدي في البكاء العميق·
Page 7
البكاء يعيد الراحة إلى النفس، وعندما ترتاح النفس، يعود الصفاء إلى الرأس، فيبدأ هذا بالتفكير· ورن صوت العم قادر في أذني: هذه هي الحياة، تأتي إليها عاريا وتتركها عاريا· ولكن من أين يأتي الإنسان؟ أين كانت روحي قبل أن تدخل جسدي؟ والى أين تذهب بعد أن تخرج من الجسد؟ هل كانت روحي تفكر مثلما أفكر أنا؟ ترى أين هو وطن الأرواح؟ قال أحد المعلمين ذات يوم: هناك وطنان للأرواح؛ الجنة والنار الأزلية، ثم علق متهكما: وأما أنت فمكانك بلا شك في الوطن الثاني· لم يهمني مكاني بقدر ما كان يهمني المكان الذي يوجد فيه الوطنان المذكوران وكيفية سريان الحياة فيهما·
 
بقيت في غرفتي أفكر في العناصر الأربعة التي شرحها لنا مدرس العلوم الطبيعية : الماء والهواء والنار والتراب· كان العم قادر إذن على حق حين قال بأننا خرجنا من التراب ونعود إليه، ولكنه رغم ذلك لم يصب كبد الحقيقة كما يقولون، فنحن لسنا من التراب وحده حسب، بل من الماء والهواء والنار· وها إن تفكيري اللعين يقودني إلى طرح أسئلة أخرى تتزاحم في رأسي بلا إرادة مني· من أين جاءت هذه العناصر الأربعة بدورها؟
 
لم يتمكن مدرس العلوم الطبيعية، الذي قال ذات يوم باعتداد بأن الإنسان يستطيع أن يجد الجواب الشافي لكل سؤال تطرحه الحياة، أن يشفي غليل أسئلتي·
 
كنت متعبا وحزينا جدا، أحسست بعناقيد الحزن تقتحم كل جزء من جسدي، تمنيت لو أن يدا سحرية تمتد إلى مواطن الحزن في أعماقي فتقتلعها كي أخلد إلى الراحة التي افتقدتها في الأسابيع الأخيرة· كنت بحاجة إلى نوم عميق بأحلام جميلة وخال من الكوابيس المزعجة· أردت أن أبقى مستلقيا في فراشي كى أقلع جذور الحزن المتشابكة في دمائي وأغفو ولو لعدة دقائق، ولكن كيف يمكن للآخرين تقبل مثل هذا الشيء ونحن في حالة عزاء· هذا اليوم خرجت الروح من جسد والدي المدعو رستم كريم زوراب، الروح ذهبت إلى مكان ما، مجهول لا يعرف به أحد، وأما جسده، فغطي بالتراب· وسوف يتحلل هناك في الظلام الأزلي ويتحول إلى ديدان تفترس بعضها، فيتحول الجسد كله إلى تراب· إنه لو ولد في الهند ومات هناك لأحرقوا جسده ليتحول إلى رماد· والنتيجة واحدة· أوصدت الباب واستلقيت على فراشي كي أبقى وحيدا مع أحزاني·
Page 8
على حافة الحلم الذي نقلني إلى بداية كينونتي، عرفت بأنني استنشقت الهواء لأول مرة في مطبخ· لم تكن القابلة رقيقة معي، إذ إنها حين ضربت بقوة على مؤخرتي، جاوبتها بضرطة قوية على وجهها، الأمر الذي لم تعهده من أي مولود جديد آخر· ورغم تألم أمي للضربة التي أوجعتها أكثر من أن توجعني أنا، فإن القابله صفعت مؤخرتي الصغيرة مرة أخرى قائلة: إنه يجب أن يصرخ بدل أن يضرط· ولم أكتف هذه المرة بالصراخ، بل وجهت نافورة رفيعة من البول على وجهها· طرحتني القابلة محتجة على مندر جنب صرصور رابض استهوته رائحة الدم، كي تعتني بأمي التي فقدت وعيها· وفي الوقت الذي بللت القابلة فيه وجه أمي بالماء وضربتها هي الأخرى بصفعة على وجهها، رفعتني مساعدتها وضمتني إلى صدرها الذي مازلت أحس بدفئه، قائلة وهي تشد وجهها على وجهي:
 
الضرطة والبول دليل الصحة والعافية يا امرأة·
 
تسلقت جدار الحلم عابرا إياه إلى الجانب الثاني· كانت أحزاني التي تقربني من نهاية العالم تشدني إلى عالم النوم، إلى عالم وردي· كنت مازلت أبكي· كنت بحاجة إلى من يعاملني كطفل· علمت أنني استسلمت للنوم، ورغم ذلك كانت الدموع تبلل وسادتي· كانت يد ناعمة تمسد ظهري برقة غريبة، ومما زاد في خدري ونشوتي أريج القرنفل· كنت أتمنى أن لا أستيقظ من الحلم· وتدفق شيء، ارتعش على أثره كل كياني، أحسست بأحزاني تسيل مع هذا الشيء إلى خارج ذاتي· ورغم عبوري جدار الحلم، أحسست باليد الرقيقة مازالت تمسد ظهري برقة أشد· إنها يد حقيقية ورائحة القرنفل هي الأخرى حقيقية، إذ إنني أحسست بحرارة الجسد الجالس لصق جسدي على سريري· وافتعلت النوم كي أواصل التمتع بنشوة المساج الذي خدر روحي قبل أن يخدر جسدي· عرفت المرأة التي جاءت تواسيني دون أن أنظر إلى وجهها، عرفتها من رائحة القرنفل· كانت امراة جميلة تمت إلينا بصلة قرابة بعيدة، امراة هادئه تعاون والدتي في شئون البيت، حيث تزورنا مرة أو مرتين في الأسبوع، دون أن أعرف شيئا عن زوجها الذي قالت والدتي إنه يعمل حارسا في إحدى المؤسسات التابعة للسكك الحديدية، وسمعت منها أيضا، وهي تتحدث ذات مرة إلى صديقة لها، بأنها عقيمة لا تنجب· كنت لا أنظر اليها كخالة أو قريبة من هذا النوع، بل كإمراة· وكنت أنتظر مجيئها إلينا بلهفة كبيرة، إذ إنها ما إن تنتهي من معانقة والدتي إلا وتعانقني أنا الاخر، فأحس بتكور نهديها وهما يهبطان على صدري، وبرائحة القرنفل تتسرب إلى أنفي، بيد أن ما كان يزعجني هو نظراتها اللاأبالية تجاهي، حيث تعتبرني صبيا صغيرا· ذات مرة أردت أن أوحي اليها بأنني لست صبيا بل شابا له رجولته التي تحن إلى أنوثتها· نظرت إلى عيني بود وعطف قائلة بصوت دافئ:
Page 9
أنت مثل ابني يا زوراب·
 
إذ ذاك تلاشى كل أوهامي· وذات يوم، بعد أعوام طويلة جدا، سمعت من والدتي تعليقا عابرا: الرجال كلاب· لم أفهم كلامها في حينه، ولكنني أدركت معناه فيما بعد·
 
أحسست أنها عرفت بأني أفتعل النوم، كما وأحست بالرعشة التي اجتاحت جسدي، ورغم ذلك عاملتني كصبي صغير، الأمر الذي جعلني أتغلب على حرجي· أحاطت وجهي بكفيها الدافئتين وهي تنحني علي، بحيث أحسست بأنفاسها وبرائحة القرنفل كسحابة تهب النشوة· قالت بصوت خافت:
 
زوراب، أنت لم تعد صبيا، هيا قم، عليك أن تسد الفراغ الذي تركه والدك·
 
جاء قريبي النازح من الريف إلى المدينة وطلب مني أن أتخذ مكاني في غرفة الضيوف لاستقبال المعزين الذين راحوا يتقاطرون إلى بيتنا· وبدا لي أن الذي أرسله هو العم قادر· إن هؤلاء المعزين تجدهم في كل مكان،لا عمل لهم سوى حضور الولائم والأعراس والمآتم، يأكلون ويشربون ويدخنون على حساب الآخرين، وينتظرون أن يتزوج أحدهم أو يموت كي يأكلوا ويشبعوا على حسابه لعدة أيام· ولما كنت لم أعش مثل هذه التجربة، لذا شرح لي قريبي كيفية استقبال المعزي واقفا والانتظار إلى أن يتخذ مكانه فالجلوس، ولا يجوز الترحيب به، إلا بعد قراءة سورة الفاتحة· بدأت بتمثيل الدور الذي أناطه بي· وقبل أن يمضي وقت قصير نبهني أحد الأقارب بأن هناك نقصا في مجمل حفل التأبين، وهو عدم وجود مقرىء لتلاوة القرآن على روح الميت، وقبل أن ينتظر جوابي، عرفني برجل ضعيف طويل، قائلا إنه من أقاربنا وإنه المقرىء الوحيد في وادي كفران، هذا الوادي الذي قال عنه أبي ذات مرة إنه الموطن الأصلي لعشيرتنا، وإن هذا المقرئ، سبق أن رافق هناك سائر الموتى إلى القبر· تصورت أن الرجل، كونه من أقاربنا ومن أبناء عشيرتنا وادي كفران، فلا بد أنه قد تبرع بما سيقوم به· وقبل أن أبدي موافقتي، بادر الرجل قائلا: إنه لا يطلب كثيرا، كونه من أقاربنا، ثلاثة دنانير فقط·
 
كنت أملك ربع الدينار فقط، حيث أودعه والدي عندي عند دخولنا المستشفى، وكنت لا أعرف إذ ذاك بأن هذا المبلغ هو كل ما خلفه لنا، ليس هذا حسب بل كنت لا أصدق ذلك· وظل المبلغ في جيبي دون أن أصرف منه فلسا واحدا· وقال لي يجب أن تقتصد كثيرا، إن مشاكلكم الجدية ستبدأ بعد موتي· ليتني استطعت التفرج على حياتكم من خلال كوة في القبر· إذ ذاك قلت في نفسي، ليتني كنت أستطيع أنا الآخر أن أتفرج على حفلة عرسك مع أمي من خلال العدم· وواصل، لا تعتمد على أحد· إن أقاربنا لن يساعدوكم، لأنهم يعتقدون بأننا أغنياء· لا أحد يصدق بأنني لم أترك لكم ثروة كبيرة··· هكذا إذن، وهذا هو القطر الذي يأتي بعده الغيث·
Page 10
والآن ينبغي علي أن أقتصد لأنه خلف وراءه مجموعة من الأولاد وأمًا حاملاً، وأسدّ، فعلا، الفراغ الذي تركه أبي، وأكون صريحا فظّاً مثله· قلت بكل برود وأنا أجلس في مكاني:
 
لا أحتاج إلى مقرىء·
 
قال المقرئ المزعوم، الذي عرفت فيما بعد أنهم يسمونه محمود الواوي، بكل وقاحة:
 
* هذه زندقة، كفر، إلحاد، كيف تستغني عن تلاوة القرآن الكريم على روح المرحوم؟ أهكذا تريد أن تسد الفراغ الذي تركه·
 
لم تكن لي أي رغبة في مناقشته، لأنني منذ أن وقعت عيناي عليه، لم أتخذه بجد، قلت ببرود ودون أن أنظر اليه:
 
إن كنت مستعدا للتبرع فلا مانع لدي، ولكن يجب أن أتأكد من أنك لا تغلط، لأن الأغلاط في تلاوة القرآن الكريم لا تجلب على روح الميت سوى اللعنات·
 
يبدو أن إهانتي للرجل قد تجاوزت الحد المطلوب، وإذ اختنقت الكلمات في حلقه، دفعه قريبي برفق قائلا:
 
هذا حفيد الشيخ زوراب يا ملا، واسمه زوراب أيضا، إنك لا تستطيع التغلب عليه، إنه هو نفسه يتلو القرآن الكريم في الجامع ويؤذن بين حين وآخر·
 
وامتلات زهوا لخروجي من المعركة الأولى منتصرا ورابحا في الوقت نفسه· ولا شك أن أقاربي سوف يقتنعون بجدارتي في سد الفراغ الذي تركه أبي·
 
توضأت بسرعة ورحت أتلو فالا من سورة يس الذي كنت قد تمرنت عليه· وبعد الانتهاء من التلاوة التي تفننت فيها، قلت بصوت ممطوط الفاتحة· وقرأ الجميع سورة الفاتحة بصوت خافت وهامس· وحين مسحوا لحاهم ووجوههم بيمناهم، قالوا: تقبل الله· وجاء أول اعتراف من شيخ طاعن في السن: هكذا تكون التلاوة وإلا فلا· وكان آخر التعليقات:
 
إنه ابن أبيه فعلا، لقد تمكن أن يسد الفراغ الذي تركه الأب·
 
كنت متأكدا من أن المادحين معجبون بالتلاوة وأنهم لا ينافقون، وأما كوني أغضبت سيبويه في قبره بسبب الأغلاط اللغوية، فمسألة لم تمر ببالهم، ورغم ذلك لم أتمكن من إخفاء زهوي·