eKtab
EN ع
تحولات الدرس الأدبي المقارن في الأردن
Read free sample

تحولات الدرس الأدبي المقارن في الأردن

by د. عباس عبد الحليم عباس

Page 1

النقد المقارن في الأردن... خطاطة عامة

أنجزت الحركة النقدية في الأردن تراثاً في مجال الدراسات الأدبية المقارنة، فخلال النصف الأخير من القرن العشرين، والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين، عكف النقاد والباحثون والأكاديميون في الأردن على إصدار مجموعة من الدراسات - (كتب وبحوث ومقالات) - تنم عن نشاط فاعل بمجالات المقارنة الأدبية بين الأدب المكتوب باللغة العربية، والآداب المكتوبة باللغات الأخرى (إنجليزية، وفارسية، وهندية، وروسية، وبلغارية، وألمانية، وفرنسية، وعبرية... وغيرها). ومن أبرز المقارنين في الأردن: (عز الدين المناصرة، يوسف بكار، خليل الشيخ، محمد شاهين، إحسان عباس، عيد دحيّات، فخري صالح، علي الشرع، زياد الزعبي) وغيرهم.

وبسبب تشتت الأعمال المنشورة في المجال المقارن في (دوريات ومجلات عربية وأجنبية مختلفة)، فضلاً عن (عدم تخصص) كثير من الباحثين والمقارنين من أصحاب هذه البحوث والدراسات في الحقل المقارن، لم تكن ملامح المقارنة الأدبية واضحة الوضوح المطلوب، بل لم تكن الأعمال الأدبية والنقدية المقارنة التي تم إنجازها معروفة أو مذكورة صراحة في المراجع التي تتناول حركة النقد الأدبي في الأردن، (باستثناء مؤلفات عز الدين المناصرة)، وهو الأمر الذي أظهر حاجة ماسة لدراسة استقصائية ترمي إلى الوقوف على الحجم الحقيقي لهذه الأعمال، وتتبعها بالنقد والتحليل، ليصار إلى تصنيفها وتبويبها، وتقييم نتائجها، وكشف تحولاتها المفضية إلى تطورات منهجية مهمة في سياق المقارنات الأدبية في عالمنا العربي.

وقد لاحظ الباحث الحالي أنّ خط سير البحوث والدراسات المقارنة في الأردن يبيّن لنا ثلاثة اتجاهات بارزة للمنجز المقارن للمقارنين، وهذه الاتجاهات هي:

1. المقارنات التراثية.

2. مقارنات أدب الحداثة.

3. مقارنات ثقافة العولمة وما بعد الحداثة.

ويمكن القول إنّ مجمل الأعمال المقارنة التي أنجزها هؤلاء دارت حول محورين مهمين:

الأول: أثر التراث الأدبي العربي في الأدب الغربي.

الثاني: أثر تراث الآخر في الأدب العربي.

هنا مثلاً كان (عز الدين المناصرة)، قد أنجز بحثه (بيجماليون بين توفيق الحكيم، وبرناردشو) عام (1969)، تحت إشراف: الدكتور محمود الربيعي، (جامعة القاهرة)، عندما تخصص في الأدب المقارن، منذ عام 1969.

Page 2

أما في مجال (المقارنة التراثية)، فقد أُنجزتْ عدة بحوث باتجاهين (من الذات إلى الآخر) و (من الآخر إلى الذات)، وهي تبيّن دور الأدب المقارن في توجيه الحوار الحضاري؛ فالدراسات التي أُنجزت في هذين المحورين حاولت تأصيل مبدأ (التبادل الثقافي والأدبي) بين تراثنا العربي وتراث الآخر (اليوناني والفارسي) وهو تبادل باتجاهين كما أشرت، هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن عدداً منها يكشف - لأول مرة - وبطريقة استقصائية حجم المعرفة التي امتلكها أحد التراثين من تراث الآخر، وطرق وصول هذه المعرفة وتفاصيل أخرى، لم نكن نعرفها من قبل، وإنّ الكشف عن طبيعة ذلك الحراك الثقافي والحضاري أمر في غاية الأهمية، "فكثيراً ما قيل - ويقال - إنّ المجتمع العربي المسلم قد أفاد من الفكر والثقافات الدخيلة، وفتح صدره وأبوابه على مصاريعها أمام المبادئ والثقافات المستوردة ولا بأس، بل من الواجب والحتم أن تكرر التجربة، وتعاد المحاولة بفتح عقولنا وقلوبنا لهذا الفكر بلا تحفّظ، وبلا قيود أو حدود، وأن نفعل كما فعل أسلافنا"(1) شريطة أن يتم ذلك ونحن في موقع الإنجاز والإنتاج، لا الأخذ والاستهلاك، وهو ما جعل الأجداد ينفتحون على تراث الآخر دون حرج: هنا كان (روحي الخالدي، وسليمان البستاني) قد تطرقا (عام 1904م) إلى علاقة (العرب بالشعر اليوناني)، وتطرق البستاني في بحثه الرائد لـ (هوميروس والعرب، عام 1904)، في مقدمة ترجمته لإلياذة هوميروس. وهنا يحضرني أيضاً ما كتبه (فهمي جدعان) عن (هوميروس عند العرب، عام 1971م) حيث أبان لنا في هذا البحث الطريف من الدراسات التراثية المقارنة طرفاً مهماً من موضوع التراث العلمي والأدبي المنحدر إلى العرب عن الإغريق، "فقد مضى زمن كان فيه الخوض في مسألة الأدب اليوناني عند العرب أمراً لا طائل وراءه. وقد سال مداد كثير من أجل هذه القضية، لكن دون جدوى، حتى لقد أصبح الجواب بصددها بداهة لا يرقى إليها أي شك". فالعرب لم يعرفوا إلا تراث الإغريق العلمي والفلسفي، وهم جهلوا جهلاً مطبقاً كل ما يتصل بالشعر والمسرح لأسباب متنوعة يظل أوجهها وأكثرها رجحاناً - نعني انبثاث العناصر الميثولوجية والدينية (الشركية) فيها - أمراً منازعاً فيه، لأن ادعاءً كهذا لابد أن يفترض أنّ العرب قد عرفوا، أولاً، مؤلفات هوميروس الشعرية في أصلها اليوناني بمعرفة حقيقية كافية، وأنهم، ثانياً، قد نبذوها لمعارضتها للمقررات العقيدية وللحساسية الدينية الإسلامية، وهذا أمر لم تقم عليه حتى الآن أية بيّنة. ثم إنه ينبغي أنْ يكون منّا على بال أنّ العرب لم يترددوا في نقل بعض النصوص الفلسفية اليونانية التي لا تخلو من عناصر محرمة دينياً... إننا لم نعرف حتى اللحظة الراهنة، هل نقل الشعر اليوناني إلى اللغة العربية أم لم يُنقل؟"(2) ومن هنا كان هذا السؤال هو محور قيام مثل هذه الدراسة التي نشرها فهمي جدعان عام 1971م في مجلة الأبحاث (الجامعة الأمريكية) ثم أعاد نشرها فيما بعد في كتاب (نظرية التراث: ودراسات عربية وإسلامية أخرى). ولا تفوتني الإشارة إلى أن بحث جدعان هذا يمكن تصوّر أهمية مبتغاه حين نعرف أن أبرز المتخصصين في التراث الأدبي الإغريقي لا يعلم شيئاً مما حاوله فهمي جدعان فقد أشار أحمد عتمان إلى مثل ذلك بقوله: "ولست أدري ماذا يمكن أن نقول نحن العرب بالنسبة لما تمتلكه مكتبتنا عن الأدب الإغريقي؟.. إننا لا نتجاوز الحقيقة إذا قلنا إنّ كل ما لدينا بالمكتبة العربية من الأدب الإغريقي لا يعدو أن يكون مجرد قشور طفيفة. وكل الجهود المبذولة من أيام طه حسين وحتى الآن تعد بمثابة جولات استطلاعية عامة وغير منظمة"(3). وهو الأمر الذي غيّرته الجهود المقارنة التي ندرسها. ربما كان جهد جدعان هذا أحد العوامل التي حفزت (إحسان عباس) لإنجاز دراسة فريدة سمّاها: (ملامح يونانية في الأدب العربي)(4). فرغ منها أيام وجوده أستاذاً زائراً بجامعة برنستون 1976م - 1977م، وهي عندي تاج الدراسات التراثية المقارنة التي أنجزت - ليس في الأردن فحسب، بل في العالم العربي بوجه عام. وكان (عز الدين المناصرة)، أول من أنصف مساهمة إحسان عباس في الأدب المقارن، في بحثه: (إحسان عباس، والنقد المقارن) في مجلة فصول المصرية، العدد 65، عام 2005م".

هذا ملمح بارز من ملامح الدراسات الأدبية المقارنة في مجال (المقارنات التراثية) مما أنجزته الحركة النقدية في الأردن. فيما يمكن الإشارة إلى ملمح آخر لا يقل أهمية في هذا الاتجاه (التراثي المقارن) وهو توجيه مسار المقارنات إلى العلاقة بين شعوب العالم الإسلامي على اختلاف لغاتهم، فكانت المقارنة بين الأدبين (الفارسي والعربي) عملاً في غاية الأهمية من الوجهة المقارنة، وقد تخصص فيها أهم أعلامها في الأردن الناقد الأكاديمي (يوسف بكار)(5). الذي غدا متخصصاً بأشهر شعراء فارس (عمر الخيام ورباعياته المعروفة)، وبالتأثيرات الأدبية بين العرب والفرس، قدماء ومحدثين، في هذا الميدان، حتى صدر له من الدراسات ذات العلاقة ما لم يصدره ناقد آخر، فكان بكَّار أحد أبرز المتخصصين في تراث الخيام وعلاقة الأدباء العرب به. وبطبيعة الحال ينضم إلى هذا كله دراسات تراثية مقارنة متفرقة، لنقّاد وأكاديميين ودارسين آخرين لا شك أنّ لها موقعها في سياق الدراسات الأدبية المقارنة في الأردن. ثمة عدد من الدراسات المنجزة عن (أثر الموشحات الأندلسية في شعر التروبادور) كما نجد عند إحسان عباس في دراسته لهذه المسألة في كتابه المشترك مع وداد القاضي وألبير مطلق (دراسات في الأدب الأندلسي) 1976م، وعند (عزّالدين المناصرة) في دراسته (النص... والآخر: الموشحات الأندلسية وشعر الطروبادور) في كتابه (النقد الثقافي المقارن: منظور جدلي تفكيكي، 1988م). وفي مقالة له عن (الموشحات والشعر الأوروبي بعنوان (بنية التفاعل)) في كتابه (الشعريات: قراءة مونتاجية، 1992م). وكذلك عند (إبراهيم ملحم) في دراسته (الحب عند الطروبادور: قراءة الفكر العربي والاستشراقي) أحد اثبت في كتابة (قراءة الآخر)، وجدير بالذكر أنّ الأكاديميين الأردنيين الذين تعلموا في (ألمانيا) تحديداً كتب بعضهم في موضوعات جديرة بالنقد والدراسة، وريما كانت ستحدث نقلة جيدة في مثل هذه الدراسات منهم: (خليل الشيخ، زياد الزعبي)، وأذكر منها ما كتبه (زياد الزعبي) عن (الأثر العربي في عنائيات الحب الألمانية ""minnesang). وكل هذا سيكون موضع عناية الباحث الحالي في دراسة أشمل عن النقد المقارن في الأردن.

ما سبق إطار عام للمقارنات التراثية وهي تمثل المحور الأول لوضعية الأدب المقارن في هذا البلد، أمَّا (المحور الثاني) المتعلق بالأعمال المقارنة الخاصة بأدب الحداثة فلربما مثّلت الكم الأكبر من حركة النقد الأدبي المقارن عندنا.. وثمة أسماء كثيرة يمكن رصدها في هذا الجانب، فبالإضافة إلى (مشاركة الأسماء السابقة) في هذه الدراسات، يمكن أن نذكر أسماء مثل: (محمد شاهين، فخري صالح، ديمة طهبوب، نضال الموسى، خليل الشيخ، بسام قطوس، ريما مقطش، إبراهيم خليل، إبراهيم السعافين، شكري الماضي، خالد الكركي، إلياس فركوح، حنان إبراهيم، أحمد مجدوبة، أحمد العرود، عبد القادر الربّاعي، قاسم المومني، محمد درابسة، محمد الخوالدة، محمد عصفور، محمد الخزعلي، أحمد الزعبي، محمد الزغول، عوني أبو غوش، عمر القيام، علي الشرع) وغيرهم.

Page 3

ويبدو أن أبرز القضايا التي شغلت الباحثين والدارسين في هذا المحور هي تلك التي اهتمت بالكشف عن استيعاب الإبداع العربي (شعراً ونثراً) لتجربة الحداثة في الإبداع العالمي، وحاولت الإجابة عن أسئلة مثل: إلى أي مدى استطاع الشاعر العربي الحديث أن يتمثل روح العصر، ويرسم - بالتالي - رؤية حداثية - فكراً وفناً، ويرتفع بتجربته الشعرية نحو أفق إنساني واسع، لا شأن ذاتي ضيّق. وهو الأمر الذي يصدق أيضاً على الروائي، والمسرحي، والفنان التشكيلي، وغيرهم. كل ذلك تحت مظلة رغبة جامحة في لقاء حضاري بات ضرورياً ولازماً بعد سنوات من العلاقة المضادة مع الآخر (الغرب/ المستعمر) والتحوّل بسهم الحركة الحضارية من (الصراع) إلى (الحوار)، وهنا يشير فخري صالح في هذا السياق إلى "أنّ تطوّر العلوم الاتصالية الحديثة، وازدياد عمليات التمازج والتلاقي بين الثقافات، وظهور تيارات ثقافية تعد الهجنة عنصراً إيجابياً من عناصر الثقافة يدخل الدراسات الأدبية المقارنة عالماً جديداً دشنته أقلام باحثين جدد من العالم الثالث، ينظرون إلى التجربة الاستعمارية وتأثير الغرب على ثقافات بلادهم التي كانت واقعة تحت عبء الاستعمار الأوروبي المباشر، نظرة جديدة... تتغير فيها النظرة الثنائية إلى ثقافة الآخر الأنا، كما يرى إدوارد سعيد"(6).

وفي إطار الجهود المقارنة الواقعة في أدب الحداثة مما أنجزه الباحثون والأكاديميون في الأردن يمكن أن نلاحظ اتساع دائرة المقارنات لتشمل العديد من الأجناس الأدبية والفنية في الشعر والرواية والقصة والمسرح والفن التشكيلي والسينما وفنون أخرى كالرقص والنحت وغيرها. وأكتفي في هذا المسار بثلاثة قد تكون دالّة على جهود مقارنة في الشعر، والرواية، والمسرح. فقد صدر كتاب (عز الدين المناصرة): (الأجناس الأدبية في ضوء الشعريات المقارنة) عام 2010. وكان قد صدر له أيضاً (علم الشعريات، 1992).

ففي الجانب الأول، وإضافة إلى ما كتبه جيل الرواد من المقارنين في الأردن من دراسات مقارنة في أدب الحداثة، تأتي دراسة (علي الشرع): (الفكر البروميثي والشعر العربي الحديث) الصادرة عام 1993م في نحو مئة وستين صفحة لتشير إلى نمط من الأعمال المقارنة التي تنحو منحى الكلية والشمولية في دراسة الظاهرة الأدبية المقارنة، وقد أعلن الباحث نفسه أن دراسته تمثل "جزءاً من اهتماماته في تعقب التحولات التي طرأت على الشعر العربي الحديث مضموناً ومنهجية فكر، وأسلوباً شعرياً. وقد اقتصرت هذه الدراسة على ما أسميته (بالفكر البروميثي)؛ أي ذلك الفكر المنسوب إلى (أسطورة بروميثيوس) الذي يقوم أصلاً على أساس التمركز حول الإنسان باعتباره كائناً متطوراً في عالمه الأرضي، وباعتباره إنساناً خالق حضارته، وباني تاريخه، ومسؤولاً عن مصيره في الوجود"(7).

ومع هذه الدراسة تراوح حول التمثلات الفكرية وتأثر الشاعر العربي الحديث بالمضامين التي تحملها هذه الأسطورة وكيفية توظيفها في محتوى القصيدة وبنائها العام. ولم يعتن الباحث - بطرف أو آخر - بالجانب الفني لتوظيف الأسطورة في شعرنا الحديث، فقد وجدنا باحثاً آخر وهو (إبراهيم خليل) يهمه كثيراً الجانب الفني الذي يسري في جسد القصيدة جرّاء تأثر صاحبها بظاهرة شعرية أو قضية أدبية أو شاعر ما، وذلك بيّن في بحثه الموسوم بـِ (تأثير فريدريكو غارثيا في شعر محمد القيسي) قائلاً بعد تتبع متقصٍ لمظاهر التأثّر: "نجد القيسي يستخدم ألفاظاً أسبانية مثل استخدامه كلمة (غيتاني) للدلالة على (الغجري) في (أيّها الغيتاني الطيب).. إلى جانب الإفادة من منهج لوركا القائم على محاكاة الأغاني الفلكلورية في شعره، وإخضاع القصيدة للنغمة الشجية التي ترافق الكثير من نماذج الغناء الشعبي. وهذه الظاهرة برزت في شعر محمد القيسي (وشعراء آخرين)، ابتداءً من قصيدة (الصمت والأسى) وظلّت تبرز في قصائده، وما تزال تلوح في بعض نتاجه الجديد من حين إلى آخر"(8).

وبالطبع فإن مثل هذه الدراسات المقارنة التي تتعقب ظاهر كلية أو جزئية في الإبداع الشعري تعقباً مقارناً إلى ثقافة الشاعر الحديث من جهة، وإلى قدرته وكفاءته في تطوير أدواته الشعرية من خلال الاطّلاع على تجارب أدبية عالمية، وهو ما فعله (إحسان عباس) في دراسته النقدية الفكرية لشعر (عبدالوهاب البياتي وعلاقته بالشعر التصويريين "imagists") مستنتجاً أن بين البياتي والتصويريين ملامح مشتركة، تجعل من البياتي في الشكل العام شاعراً تصويرياً، وتجعل الصورة قاعدة لقصيدته. ومن هذه الزاوية التصويرية يستطيع الناقد أن ينفذ إلى شعره بالدراسة والتحليل والحكم (والمقارنة). قبل أن يفارق البياتي التصويريين يتم اللقاء بينه وبين إليوت؛ لأن هذا الشاعر متأثر بالتصويريين إلى حدّ ما في شعره، فالبياتي وإيليوت يلتقيان أيضاً في ذلك التسجيل (الفوتوغرافي) لأجزاء الصورة، وخاصة الجانب غير المضئ منها.. أعني أنهما يضعان قاعدة جديدة للانتقاء ويتعلقان بما يسمى التوافه أو الأشياء التي يستعلي عليها الناس أو يهملونها عامدين، ومن هذه الأشياء يؤلفان المنظر العام.. وهذه الطريقة التي رأيناها عند التصويريين بها ترتفع الصور العادية إلى مرتبة الشعر وتنتحل قوته وسيرورته"(9). ثم يتابع إحسان عباس دراسة عناصر الفن المشتركة بين البياتي الشاعر وحركة الحداثة في الشعر العالمي.. وهو الأمر الذي اقترب من حدّ الكليّة والشمول في دراسته اللاحقة عن (اتجاهات الشعر العربي المعاصر) المنشورة 1978م، وقد وقف فيها على أبراز المضامين الفكرية والفنية التي ميّزت حركة الشعر العربي المعاصر، وصبغت شخصيتها، وهي وإن لم تكن دراسة مقارنة في الأصل، إلا أن المقارنات التي تضمنتها تشير إلى أن شعرنا العربي الحديث لا يمكن أن يقرأ القراءة الصائبة بعيداً عن حركة الحداثة Modernism وتأثيراتها الفكرية والفنية، وقد أشار محمد حوّر أحد أهم عوامل إنجاز هذه الدراسة هو "ربط هذا الشعر (الحديث) بالحركات التحررية في أرجاء العالم. فيتنام وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وغيرها... وتوحدّرموز التضحية بين لوركا وغيفارا وغسان كنفاني وكمال ناصر.."(10). وبطبيعة الحال توالت الدراسات المقارنة التي تقع في إطار التواصل بين الشعر العربي الحديث والمعاصر وشعر الحداثة العالمي عند أبراز شعرائه، فدرس المقارنون في الأردن العلاقات الأدبية بين أعلام هذا الشعر عند العرب (نازك، البياتي، نزار قبَّاني، أدونيس، المناصرة، درويش، القاسم، السياب، دُنقل، حجازي، الفيتوري، سعاد الصباح، ثريا ملحس،... وغيرهم). يضاف إلى هذا كله استمرار جيد في دراسات الحداثة المقارنة، لما بدأه النقاد في الأردن من اهتمام بمقارنة آداب الشعوب الإسلامية، فاهتمام (يوسف بكار) ومجموعة من المقارنين بالمقارنات بين العربية والفارسية مما تحدثت عنه في محور (المقارنات التراثية) يجد صداه عند بعض الباحثين اللاحقين، فها هو (بسام ربابعة) يكتب عن (تشابهات الشعر الحديث في الأدبين العربي والفارسي). كل ذلك في طار من التنوع البحثي الذي يضعنا أمام دراسات تناول بعضها تأثر وتأثير فني، وتمثل فكري، سيرورة ظاهرة أو ثيمة أدبية وغريه من موضوعات المقارنة ومجلاتها المتعددة كما نلحظ في المقارنات التي أجراها الباحثون الأردنيون في مجال الرواية، وهو المجال الثاني الذي سأشير إلى نماذج منه في سياق الحديث عن المحور الثاني (مقارنات أدب الحداثة). لعل هذه النماذج تتضمن ميزة مهمة وهي مشاركة نقاد وباحثين وأكاديميين متخصصين بلغات أخرى غير العربية، أبرزها اللغة الإنجليزية وآدابها، مثل: (نضال الموسى، أحمد مجدوبة، محمد شاهين، إلياس فركوح، فخري صالح حنان إبراهيم، تحرير حمدي، ديمة طهبوب، ريما مقطش) وغيرهم. ففي دراسته (THE ARABIC BILDUNGSROMAN: AGENERIC APPRAISAL) يناقش (نضال الموسى) (رواية تكوين الشخصية) بين الأدبين: العربي والغربي نشرها بالمجلة الدولية لدراسات الشرق الأوسط، بالإنجليزية، يعمل فيها على استنطاق مجموعة من النصوص السردية (الروائية والقصصية) لمجموعة من الكتّاب العرب (ذو النون أيوب، ويحي حقي، وسهيل إدريس، وتوفيق الحكم...) في محاولة لكشف مدى تحقق الشروط الموضوعية والفنية لرواية تكوين الشخصية في أعمالهم.

Page 4

وقد كتب الموسى نفسه دراسة بالعربية عن هذا المصطلح المهم عنوانها (رواية تكوين الشخصية: دراسة مقارنة) ماثلت في هدفها الدراسة المذكورة، ولكن على مستوى أوسع، حيث تتبع نماذج رئيسية لرواية تكوين الشخصية في الآداب (الألمانية، والفرنسية، والإنجليزية) في محاولة لكشف طريقة بناء الشخصية وتحولاتها في سياق الأحداث الكلية للرواية، وداخل أطرها الزمانية والمكانية، وهو ما تحقق للموسى عبر جهد نقدي تحليلي يؤكد أن الدراسة المقارنة لا تعني الاكتفاء بالتتبع الأفقي المحايد للظاهرة الأدبية، إنما هي قدرة الناقد على النفاد إلى أعماق العمل الأدبي، واستنطاق مكوناته من اجل الوصول إلى نتائج تحليلية ونقدية جديدة. إذ إنّ "الدراسة المقارنة كشف النقاب عن مواطن شبه جوهرية سواء من الناحية الثماتية أو البنيوية بين (رواية تكوين الشخصية) بهويتها الألمانية، وروايات إنجليزية وفرنسية تدور الأحداث فيها حول تتبع مراحل التطور الداخلي لبطل شاب، ووصف كفاحه من أجل تحقيق الذات.."(11).

وإذا انتقلنا إلى نماذج من الدرس المسرحي في حركة الأدب المقارن في الأردن، فيمكن القول بأن الجهود النقدية في هذا المجال أقل من سابقيها (مجال الشعر، ومجال الرواية) وبطبيعة الحال فإن أسباب ذلك تتعلق بتذبذب انتماء المسرح كجنس إبداعي، فهو تارة مصنّف في دائرة الأدب، وطوراً ينتسب إلى الفنون، فضلاً من أنّ الإبداع المسرحي العربي ذاته قليل نسبياً إذا ما قيس إلى حجم الإبداع في مجالي الشعر والرواية. وعلى أية حال فإن الأعمال الأردنية المقارنة في مجال المسرح موجودة، يمكن التمثيل بما كتبه نضال الموسى نفسه عن (دراسة صورة فاوست في مسرحية حامد إبراهيم: فاوست الجديد ومسرحية محمد سالم: عقد مع الشيطان، في ضوء الأدب المقارن) 1998م التي يهدف بها إلى دراسة صورة فاوست في الأدب العربي عند هذين المؤلفين في عملين مسرحيين، "ونظراً لتأثر الكاتبين بالتصوير الدرامي لقصة حياة فاوست في الأدب الأوروبي، فإن البحث يعرض في البداية الملامح الرئيسية لأسطورة فاوست... ويمهد لعقد مقارنات بين المسرحيات الأوروبية من جانب، ومسرحيتي (فاوست الجديد) و (عقد مع الشيطان) من جانب آخر، مما يسهم بالطبع في تفهّم أعمق لطبيعة الأحداث، وكذلك في الكشف عن مواطن الأصالة في كل من المسرحيتين العربيتين"(12). وقد استطاع الموسى توضيح التقاطعات الفكرية لدى كل من المؤلفين العربيين مع مضمون الأسطورة وتجلياتها، بالإضافة إلى الوقوف عند الجوانب الفنية للمعالجة الدرامية عندهما، وهو أمر يخرج الدراسة المقارنة من قمقمها التاريخي - كما أشرت سابقاً، ويفتح لها المجال واسعاً لتغدو عملاً نقدياً في المقام الأول، لذا وجدنا الباحث يعالج أموراً كثيرة ذات علاقة بالأسلوب البلاغي، وأجواء السخرية، والإسقاط التاريخي والواقعي، واللغة الإيمانية عن المعاناة الإنسانية، والجانب التصويري الهزلي وغير ذلك. وفي جانب المقارنات المسرحية أشير أيضاً إلى جهد سابق لجهد نضال الموسى، ولكنه أميل إلى التعليمية والأكاديمية، وهو جهد تطبيقي (عبد الرحمن ياغي) المعنون بـِ (في الجهود المسرحية: الإغريقية، الأوروبية، العربية) 1987م، الذي يشدد فيه على تأثر الحكيم بالمسرح الأوروبي، ولا سيما أنه (أي توفيق الحكيم) أقام في فرنسا، واطَّلع على مسرحها وثقافتها عن كثب، يقول ياغي: "بهذا القلب المنفعل أقبلالحكيم على باريس.. وبهذه الأذرع المنفتحة أقبلت باريس على الحكيم، وقد كانت الحركة المسرحية، بل الحركة الفنية قد بلغت ذروتها في مرحلة وجود الحكيم في فرنسا"(13). وتجدر الإشارة إلى أن دراسة ياغي تتركز قيمتها في تبيين مصادر الحكيم ومساراته بينها، والتأريخ لهذا المسارات، ولم يكن معنياً بالنقد والتحليل في مقارناته.

أما المحور الثالث للجهود النقدية في الأردن، فهو محور المقارنات الأدبية في تحولاتها الحالية، في ظل ما بعد الحداثة والعولمة ومجتمع المعرفة، والتواصل الإلكتروني، وسيادة النص المتشعب، ودراسات الترجمة، والنقد الثقافي، والحركات النسوية، وأدب ما بعد الكولونيالية وغير ذلك.

والملاحظ أن حركة النقد الأدبي عامة في الأردن، وحركة النقد المقارن لا تزال عند مداخل هذه المرحلة، ولما تتعمقها بعد، وربما كان الاسم الأبرز في هذه المرحلة نفسها، هو الشاعر والأكاديمي والناقد (عزالدين المناصرة)، نموذج الدراسة في هذا البحث. ومع ذلك فإن دراسات الناقد والمترجم فخري صالح تمثل إطلالة مهمة في هذا السياق، ولا سيما اهتماماته بإدوارد سعيد وكتاباته عن الثقافة، الإمبريالية، والاستشراق وغيرها.

أمّا (عزالدين المناصرة) فقد استطاع أن يتحول بالدرس الأدبي المقارن إلى وجهات جديدة، ومفاهيم جديدة أيضاً، أسمّي هذه المرحلة بمرحلة (المقارنين الجدد) إنْ صح هذا المصطلح. (فالمقارنون الجدد) وفي طليعتهم المناصرة هم من يبحثون عن ميادين جديدة، للدراسات المقارنة، ويؤسسون، بناء على ذلك، مفاهيم ومصطلحات جديدة أيضاً، وسيوضح البحث الحالي دور عزالدين المناصرة في تحقيق ذلك، وتأسيس هذه المرحلة الجديدة (مقارنات ما بعد الحداثة والعولمة) في حركة النقد الأدبي المقارن في الأردن، خصوصاً منذ كتابه (1988م)، أمّا (أقدم) دراسات (المناصرة) في مجال الأدب المقارن، فهي دراسته: (بيجماليون بين توفيق الحكيم وبرنارد شو) المنشورة (عام 1975م) في مجلة (الثقافة العربية) في بيروت، والتي سبق أن أنجزها عام (1969م)، تحت إشراف: الدكتور محمود الربيعي (جامعة القاهرة)، عندما تخصص (المناصرة) في الأدب المقارن.

Page 5

عز الدين المناصرة...فضاءات المقارنة

يمثل الناقد والأكاديمي (عزّ الدين المناصرة) اتجاهاً متفرّداً في الدراسات الأدبية المقارنة، فهو ناقد مختص بهذا النوع من البحوث على مستوى النظرية والتطبيق، أصدر مجموعة من الأعمال المهمة في هذا الاتجاه، سنفصّلها فيما بعد، كما أنّ المناصرة يصر على استخدام مصطلح (النقد المقارن) وليس (الأدب المقارن) لذا يتوجب علينا النظر إلى منجزه بشيء من الاختلاف عن منجز سابقيه ومجايليه من المقارنين الأردنيين، الذين تناولوا الدراسة المقارنة على أنها (تاريخ أدبي) أو (ظاهرة أدبية) فحسب.

وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ مصطلح (النقد المقارن) ظهر في أمريكا في نهاية الستينات كما يرى الدكتور حسام الخطيب، مضيفاً أنّ هذا المصطلح " ولد غامضاً مفتقراً إلى التحديد، وفي السبعينات أخذ جون فلتشر John Fletcher ينادي بالمصطلح من خلال بَرَمه بالشكلية الدوغمائية وإنكاره للتاريخانية التي تسير معصوبة العينين، وبالتالي محاولته إمساك العصا من الوسط. وهكذا رفض بوضوح كلا من التاريخ الأدبي والنظرية الأدبية، واختارت مجلته التي تنطق باسم (رابطة الأدب المقارن) في بريطانيا تسمية أخرى هي: Comparative Criticism A year book 1979 "(1)

فهل سار المناصرة بهذا الاتجاه الذي أرساه فلتشر؟ أم هناك فهم آخر لهذا المصطلح نلمسه في منجزاته البحثية في النقد المقارن والنقد الثقافي المقارن؟. هذه المنجزات التي يمكن ترتيبها على النحو الآتي:

1- السينما الإسرائيلية في القرن العشرين، بيروت، 1975، (الطبع السادسة، المؤسسة العربية، 1999).

2- النقد الثقافي المقارن، عمان، 1988 (وصدرت طبعة ثانية عام 1996 والأخيرة عن دار مجدلاوي، عمان، 2005).

3- الشعريات، 1992، الطبعة الثانية، دار مجدلاوي، 2007.

4- موسوعة الفن التشكيلي الفلسطيني (في مجلدين)، دار مجدلاوي، 2002.

5- إشكالات قصيدة النثر، 1998، رام الله، ط2: المؤسسة العربية، عمان، وبيروت، 2002.

6- لغات الفنون التشكيلية، عمّان، 2003.

7- الهوّيات والتعددية اللغوية (في ضوء النقد الثقافي المقارن) دار مجدلاوي، عمان، 2004.

8- علم التناص والتلاص (نحو منهج عنكبوتي تفاعلي) منشورات جامعة فيلادلفيا، عمان، 2006.

9- السماء تغنّي: (قراءة في تاريخ الموسيقا العربية)، دار مجدلاوي، عمّان، 2008.

10- فلسطين الكنعانية: (قراءة جديدة في تاريخ فلسطين القديم)، منشورات جامعة فيلادلفيا، 2009.

11- الثورة الفلسطينية في لبنان (1972-1982)، الدار الأهلية، عمَّان، 2010.

12- الأجناس الأدبية (في ضوء الشعريات المقارنة)، دار الراية، عمَّان، 2010.

13- شاعرية التاريخ والأمكنة، (حوارات مع الشاعر المناصرة)، المؤسسة العربية، عمان - بيروت، 2000.

14- لا أستطيع النوم مع الأفعى (حوارات مع الشاعر المناصرة)، دار مجدلاوي، 2011.

15- حارس النص الشعري، دار كتابات معاصرة، بيروت، 1993.

16- جمرة النص الشعري، منشورات اتحاد الكتاب العرب، 1995.

17- الجفرا والمحاورات، دار الكرمل، عمان، 1993.

18- (جميع وتحقيق) الأعمال الكاملة للشاعر الشهيد عبدالرحيم محمود، 1988، ط3، دار جرير، عمان، 2009.

19- امرؤ القيس الكندي، دار الراية، عمان، 2011.

20- تفكيك دولة الخوف، دار الراية، عمان، 2011.

21- بالحبر الكنعاني، نكتب لفلسطين (قراءات تاريخية)، تحت الطبع.

22- مملكة فلسطين الأدومية، دولة الزيادنة الفلسطينية، تحت الطبع.

Page 6

منهجية المقارنة.. وحصن المفاهيم

ولعل عناوين هذه الأعمال تقود إلى طبيعة التكوين المفاهيمي الجديد للدرس المقارن والدرس الثقافي عند المناصرة، فإذا كانت أبحاث الأدب المقارن - العربية الخاصة - منذ محمد غنيمي هلال (ت 1968م) وكتابه الرائد في هذا المجال (الأدب المقارن عام 1953) البداية الحقيقية للأدب المقارن في عالمنا العربي، فإنّ المفهوم الذي قدّمه هلال لمصطلح الأدب المقارن بطابعه الفرنسي ظلّ يتردد في أنحاء العالم العربي إلى حين رأى أنّ هذه المفهوم راوح عند (دراسة الصلات التاريخية بين الآداب، استناداً إلى مبدأي التأثر والتأثير، بمظاهرهما المختلفة، كالأصول الفنية العامة للأجناس والمذاهب الأدبية أو التيارات الفكرية، أو ما اتصل بطبيعة الموضوعات والمواقف والأشخاص التي تعالج أو تحاكى في الأدب، أو كانت تمس مسائل الصياغة الفنية، أو الأفكار الجزئية في العمل الأدبي)(2).

وقدّر لهذا المفهوم المستمد من (المدرسة الفرنسية في الأدب المقارن) أن يُتداول في العالم العربي لدى المقارنين اللاحقين، وقد " ظلّت المؤلفات العربية في هذا الحقل، وطوال العقدين أو الثلاثة الماضية، واقفة في مجملها تحت التأثير الغربي، سواء من الناحية المنهجية أو التطبيقية، بيد أنّ نوعاً من الاستقلال بدأ يظهر في السنوات الأخيرة في مؤلفات عدد من المقارنين العرب، منهم: (سعيد علوش وحسام الخطيب وعز الدين المناصرة)، خاصة بعد أن شعر الباحثون العرب بتشكّل تجربة عربية متنامية في المقارنة، وضعت الأسس وسمحت بالتوسع والانفتاح على مصادر منهجية وتطبيقية خارج أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية "(3).

وهنا أشير إلى استفادة الناقد عز الدين المناصرة من وجوده في أحد البلدان السلافية واطّلاعه مباشرة على المستجدات الأدبية هناك، فقد حصل عز الدين المناصرة على درجة الدكتوراه في الأدب المقارن في (جامعة صوفيا، 1981)، التي تخرَّج فيها الناقدان العالميان البلغاريان (تودوروف، وكريستيفا)، قبل هجرتهما إلى فرنسا، وعنوان أطروحته هو: (المؤثّر المشترك وأثر لغة الشعر العالمي في الشعر البلغاري: نيكولا فابتساروف؛ والشعر الفلسطيني، 1981)، وقد أعدها باللغة البلغارية، وهي محفوظة في مكتبة كيريل وميتودي الوطنية في صوفيا. ولا شك أنّ الاطلاع على تجربة المدرسة السلافية في منهجية المقارنة أفادت المناصرة كثيرا في تطوير أدواته وموضوعاته، ولا سيما أنّ هذه المدرسة " عنيت بآداب الضواحي من جهة، والآداب الشفوية من جهة أخرى، والآداب المهمشة، وآداب الأقليات من جهة ثالثة، وأنها منحت من تجارب غنية في التفاعل بين الآداب البعيدة عن آداب العالم الغربي التي ألفها القارئ العربي وفتن بها، ظنا منه أنها تمثل الذروة، بل المثال والمآل "(4).

كما أن المناصرة تخصص في الأدب المقارن عام 1969 في جامعة القاهرة. ثم بدأ ينشر نتاجه المقارن منذ (عام 1975)، ثم نشر كتابه الأول عام (1988)، وهو يؤسس لرؤية مفهومية خاصة في سياق تجديد المصطلح ودلالته، إذ يرى (المناصرة) أنّ الآليات التي وظّفت في الدراسة الأدبية المقارنة هي آليات نقدية بالدرجة الأولى، فإذا كانت " مصطلحات: التناص والتلاص، والمقارنة، والتوازي، والتأثير، والتأثّر، والتفاعل الثقافي، وجماليات القراءة، والنقد الثقافي، والأدب المقارن.... وغيرها، مجرد آليات لقراءة النص الأدبي والثقافي معاً، فإن مصطلح الأدب المقارن، لم يعد مناسباً إطلاقاً، وقد نقول: يجب التمييز بين (النقد الأدبي المقارن) و (النقد الثقافي المقارن) و (النقد الثقافي) و (المثاقفة) و (النقد الأدبي) على النحو التالي:

• النقد الأدبي المقارن: يقرأ النصوص الأدبية في علاقتها مع النصوص الأدبية خارج نطاق الأدب القومي الواحد.

• النقد الثقافي: يقرأ الأنساق المكبوتة داخل الأدب القومي الواحد، ويقرأ النصوص الثقافية القومية، داخل الثقافة الواحدة.

• النقد الثقافي المقارن: يقرأ النصوص الثقافية القومية في علاقتها مع النصوص الثقافية في ثقافات العالم.

• المثاقفة: تقتصر على المعنى الأنثروبولوجي، مع قراءة ما تلاها من تفاعل ثقافي طبيعي. لهذا ظلّت تحمل معنى التكيّف اللاإرادي.

• النقد الأدبي: يقرأ النص الأدبي، قراءة جمالية عامة، أو يختار مناهج للتطبيق على نصوص متعددة، ويتطرق بسرعة لمسألة التناص دون التعمق فيها، انطلاقاً من التقاليد النقدية. " (5)

Page 7

وبهذا يضعنا المناصرة أمام محاولة تأصيلية في تحديد منظومة مفهومية خاصة بنظرية المقارنة، وهو إجراء قلّ من سار به من المقارنين العرب، حتى الأوائل منهم، وعلى هذا الأساس يعد الدكتور عز الدين المناصرة هو أول منظّر بين المقارنين في فلسطين والأردن، والأقطار العربية الأخرى ينحو هذا النحو، وإنَّ ما قام به هاهنا ليؤكد لنا جانب الدقة العلمية في عمله المقارن، لأن تحديد هُويّة المصطلح تحديد لأطر المنهج وهويته، وخلاف ذلك هو محض اجتهادات فردية تقوم على مجرد افتراضات قد لا تسندها أي منهجية بحثية، أو نظرية علمية.

وبالعودة إلى تحديداته السابقة نستطيع الكشف عن الحلول الفكرية والمستندات الفلسفية التي أرساها (عز الدين المناصرة) لحل إشكالية المفاهيم في نظرية المقارنة، تلك التي عانت منها الدراسات الغربية، وتلتها العربية أيضاً، بشهادات كبار المقارنين في كلا الأدبين، لهذا فان تيغم (Van Tieghem) يعبّر عن إشكالية ذوبان الأدب المقارن، الذي هو دراسة العلاقات الأدبية بالتاريخ الأدبي، ويقول: " إنّ من الواجب أن نقدّم لجمهرة القرّاء لوحات تركيبية لعمر أدبي أو فترة أدبية طويلة إلى حدّ ما، تعطيهم فكرة صحيحة علىقدر الإمكان عن علاقات الآداب بعضها ببعض، وعن أمهات التأثيرات والتيارات العالمية... ولا بد لأمثال هذه الكتب العامة أن تكون مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالأبحاث التفصيلية "(6) أي بالجوانب الشكلية والموضوعية التي تكشف مرجعيات النصوص في عمليات التأثر والتأثير، وتداعيات ذلك كلّه، سواء أكان ذلك داخل إطار التاريخ الأدبي أو خارجه وبطبيعة الحال، فإن حدوث مثل هذه الإشكالية وغيرها راجع في جزء كبير منه إلى التماهيات المفهومية، والتداخلات الاصطلاحية التي تسبب مثل هذه الإرباكات المعرفية في كثير من الأحيان، وأكثر من هذا أنها تسبب صراعات اجتماعية أيضاً (7).

على كل حال لا أحد ينكر ما تعانيه أي منظومة مفهومية لأي حقل معرفي حال التأسيس، بل في سيروته واتجاهاته المستقبلية، وإنّ جهد الدكتور المناصرة في هذا الجانب لم ينحصر بتتبع هذه المشكلات، فهي مثارة ومبحوثة في أدبيات غربية وعربية كثيرة، إنما يشار إلى أنّ الصياغة التحديثية للدراسة المقارنة عند عز الدين المناصرة تتمثل في جُماع منجزه في هذا الإطار، فضلاً عن نظرته للمقارنة على أنها نتاج لسيرورة تاريخية ثقافية سياسية معا ً، لذا فقد كان تجنب الباحث المناصرة لدراسة أي ظاهرة ثقافية أو أدبية دراسة مقارنة بمعزل عن تأسيسات تاريخية عميقة لفهم جذور المقارنة، بمثابة بيان جديد (لنظرية المقارنة)، ففي حين " ولد الأدب المقارن أولاً من تطبيق أمبريقي للأدب والثقافة الأدبية"(8).

يتصور المناصرة أنّ هذه الولادة لم تكن بمثل هذا اليسر وهذه السهولة، وإنما ينبغي تتبع جذور أساسية لكشف هاجس (الإحساس بالعالم) كما أسماه المناصرة، وقد بدأ هذا الإحساس " لدى الأمم القديمة من خلال الحروب والتجارة والهجرات والاحتكاك الثقافي بين الحضارات، فقد كانت الأفكار تنتقل من مكان إلى آخر بالقبول أحياناً، وبالقوة في أغلب الأحيان، ويأتي انتقالها كتحصيل حاصل لاحتكاك يتم لسبب أو آخر. ولدينا عشرات الأمثلة على وجود فعلي لهذا الاحتكاك الذي خلق شعوراً واقعياً بوجود (آخر) و (آخرين) على هذا الكوكب، وخلق إحساساً بضرورة التعرف إلى الآخر واكتشافه. مع اختلاف صياغة (فكرة الآخر) ونموها، ومع اختلاف الأسباب التي تدعو إلى هذه المعرفة. ولكن كمية المعرفة القديمة للآخرين كانت ضئيلة، وظل (الإحساس بالعالم) اضطرارياً وذهنياً " (9).

ولتأكيد نظريته هذه راح عز الدين المناصرة يتتبع المناخات المختلفة التي واكبت هذا الإحساس، من ظروف تاريخية، وإنسانية، وعلمية، فضلاً عن ملابسات النشاط الاستشرافي، والهجمة الاستعمارية العنيفة على أرض المشرق، وما تبعها من اختلاق إسرائيل، كدولة عنصرية وسط العالم العربي.... هذا إلى جانب ما نجم عن (النهضة) وتأثيراتها الثقافية، ومظاهر الاتصال بالغرب، وظهور النفط وتحولاته الاجتماعية وغير ذلك. لذا يصر المناصرة على عدم براءة الفعالية المقارنة أو النشاط المقارن، وهو يضع أمام المحلل تساؤلاً مهماً حول فنية الظاهرة المقارنة، بمعنى هل المقارنة ظاهرة فنية فحسب؟! لعل الإجابة كامنة فيما ذهب إليه المناصرة من أن " الأدب المقارن نشأ بين أثرين:

• الأثر الإيديولوجي: عالمية القرن الثامن عشر التي تبلورت مع فكر فلسفة التنوير.

• الأثر العالمي: المناخ الذي ساد فرنسا في الربع الأول من القرن التاسع عشر، حيث كانت مناهج العلوم هي النموذج بالنسبة للأدب.

ولهذا ظلّ الأدب المقارن، يتأرجح بين محاولة تقليد دقة العلوم، وبين الإيديولوجيا وتحولاتها المتنوعة والمتصارعة " (10).

وعلى هذا الأساس يقرأ المناصرة كليّات الظاهرة الأدبية عبر محاولة لسبر بنية التفكير في المجتمع، وفي هذا السياق يحدد ملمحاً مهماً للثقافة العربية، ليكشف أنّ هذه الثقافة تحيا في نموذجين، وهو هنا يقدّم تحليلاً فكرياً عميقاً لكل منهما، ومع أنّه يلتقي مع تصنيف (أدونيس) لبنية الثقافة العربية المطروح في كتابه (الثابت والمتحوّل: بحث في الإبداع والإتباع عند العرب) إلا أنّ المناصرة يستخدم مصطلحي (التقني التحديثي / والسلفي) كما أنّ تحليله لآليات عمل كل منهما يتخذ مساراً موجهاً، يقول المناصرة: " نحن في العالم العربي أمام نموذجين: الأول تقني، والثاني سلفي. وفي النهاية يلتقي التحديثي مع السلفي في الوظيفة من حيث نفي الذات. فهما يختلفان في طرق وأساليب تأويل العالم فقط، لكنهما يخدمان هدفاً واحداً، وهو تكريس سلطة الدولة القطرية التابعة لمراكز القوى الرأسمالية العالمية.

أما السلفي، فهو يرفض التعرّف إلى الآخر، أو حتى الاعتراف بوجوده، كواقع موضوعي، ينبغي مواجهته أو محاورته. والسلفي يصرّ على تأطير الماضي كنموذج ثابت، ويرفعه إلى مرتبة القداسة التي لا تُمس، وهو أيضاً يرى في هذه الأصولية السلفية الماضوية، نموذجاً يحتذى في كل زمان ومكان، لمواجهة الأفكار الجديدة... وهكذا فإن القراءة السلفية تنطلق من قراءة المستقبل بواسطة الماضي بعد إعلائه... بل إنّ هذه القراءة السلفية تلتقي مع الإيمان الإمبريالي وبالتالي مع التبعية. وقد انعكس هذا الفهم على النص الأدبي والثقافي... أما التيار التقني فهو يغتصب الحداثة وينسبها لنفسه، لأنه يقدم مجرد ترجمة حرفية للنموذج الأورو - أمريكي، مع إضفاء صفة الحداثة والجدة عليه، فالتيار التقني يرى أن المسألة هي مسألة شكل، ولذا فهو يلجأ إلى التجريد هرباً من أمثلة الواقع، ولكي لا يتناقض مع سلطة الدولة التابعة القطرية التي ينتمي لها، يقيم صلة مع هذه السلطة لتبرير التبعية بوسائل جديدة جداً، ولكنها وسائل تكريس التبعية، لأن التيار التقني لا ينتجها، بل هو أحد عبيدها "(11).

أنجز (المناصر)، خمسة كتب أساسية في مجال (النقد المقارن) بشكل مباشر، وهي: (النقد الثقافي المقارن، 1988)، و(علم الشعريات، 1992)، و(الهُويات، والتعددية اللغوية، 2004)، و(علم التناص، والتلاص، 2006)، و(الأجناس الأدبية في ضوء الشعريات المقارنة، 2010).

Page 8

النقد الثقافي المقارن، وعلم التناص والتلاص: من الجمالي إلى الثقافي.. تحولات منهجية

إذن نحن أمام محاولة تأسيس خطاب نقدي يراهن على أهمية الإيديولوجيا في خلق تحولات ثقافية تحاور فلسفة التبعية والانغلاق، وتنكر التعددية والانفتاح، ومن خلال النص السابق، الذي اضطر الباحث إلى اقتباسه كاملاً، تتبدى وجهة نظر جريئة في انتقادها للذات والآخر، وتحليلها لمرتكزات التفاعل الأدبي بهدف فهم المزيد من شروط العمل المقارن، وفق ما سمّاه المناصرة بالمنظور الجدلي التفكيكي، متخذاً من جدليتي ماركس وهيغل رافداً أساسياً لمنظوره الجدلي، فإذا كان ماركس يرى أنّ الاقتصاد عامل حاسم في التشكيل الاجتماعي، فإن هيغل يبني جدليته على رهانات تاريخية وصراعية، وبالتالي فإن مصطلح (الجدل) الماركسي عند المناصرة يكرّس هذه الأبعاد في عمله. وكذلك فإنّ مصطلح (التفكيك) يستحضر مرجعيات (ديريدا) الهايدغرية ليدلل بها " على عملية تُمارس على البنية أو المعمار التقليدي للمفهومات المؤسّسة للأنطولوجيا أو الميتافيزيقا الغربية " (12).

وهو ما يهدف المناصرة إلى ممارسته لبناء قراءة ثقافية تنتقد (النسق) من خلال تكريس منجز نقدي مقارني تكاملي ينطلق من منظوره السالف الذكر (الجدلي التفكيكي) ليصوغ من خلاله فهماً نقدياً منهجياً لمشروع (النقد الثقافي المقارن) الذي يمثل الاستكمال الطبيعي (للنقد الأدبي)، وبداية (ما بعد- النقد الثقافي في المقارن) وهذا يعني أن (منهجية المقارنة) " لن تنتهي على الإطلاق، لأنها تحمل ثنائية متعارضة (الأنا / الآخر) بل تحمل عدة متعارضات. فلا تعارض بين النقد الأدبي... والنقد الثقافي المقارن، بل هما يكملان بعضهما بعضاً. لكن الإشكالية القائمة تبرز، حين نتساءَل: من أين نبدأ؟ وكيف يصبح النقد مثالياً حين نعالج النصوص، سواءً أكانت: أدبية أم ثقافية. ثم ما هي الحدود؟ قد تقول نظرية (النص الإلكتروني المتشعب) بأنه لا توجد حدود، ولكن النص الثقافي والنص الأدبي معاً، لهما هوُيّات، ولهما حدود. فنحن لا نستطيع محاكة النص، خارج خصائصه! الشائعة، ولا نستطيع أن نسمّي المعرفة العالمية في الإنترنت بأنها (بندورة)... لأن ما هو في الإنترنت، حتى لو تشعّب حتى نهاية العالم هو مجرد شبكة من الرموز المعرفية ذات طبيعة (ثقافية ونصية). تحمل خطابها الخاص وعلاقاتها الخاصة، وهويتها الخاصة المختلفة عن الآخرين"(13). اختلافاً يرى فيه المناصرة منفذاً نحو تحقيق طروحات (النزعة الثقافية المقارنة) وفق المنظور المشار إليه سابقاً (الجدلي التفكيكي)، وربما كان هذا المنظور المؤسس على فكر (الاختلاف) تطوير لطروحات إدوارد سعيد - باتجاه مختلف - لقد أسس سعيد لضديات ثنائية مبنية على قطيعة حادة تمثل متعاليات ثقافية يمكن وصفها بأنها مشخصنة، صاغتها ظروف خاصة، فنجد (الثقافة / والإمبريالية) (الامبريالية / والمقاومة) (الوطن - والمنفى) إلخ... بينما وسَّع (المناصرة)، المنظور الثنائي، نحو (المنظور التعددي).

ويمكن الإشارة إلى أنّ طبيعة المنهج لدى كل من المناصرة وسعيد هي التي قادت إلى مثل هذا الاختلاف، فإدوارد سعيد يستند إلى (الثنائية الضديَّة) بينما يحاول عزّ الدين المناصرة صياغة مسار منهجي مغاير، فهو وإنْ اتفق مع سعيد فكرياً، إلا أنه يؤسس لتوجه تقني خاص به، إذ يرمي المناصرة إلى وضع مزيج من التصورات الأولية للمشكلة، ومن ثم السير بقراءة ثقافية وفق معطيات جدلية تفكيكية أعلن عنها صراحة في بداية مشروع (النقد الثقافي المقارن) آخذاً بعين الاعتبار مستندات معرفية تقرها منهجية (النقد الثقافي) أساساً، لتقديم رؤى جديدة لفكر (ما بعد الحداثة) (وما بعد البنيوية) بوجه عام، وسوف يتبين أنّ المناصرة لا يبتعد كثيراً عن مفهوم النقد الثقافي عند فنسنت ليتش، لكنه يضيف لأول مرة كلمة (المقارن) إلى (النقد الثقافي) وقد لخصّها الغذامي بما يأتي:

أ - لا يؤطر النقد الثقافي عند ليتش فعله تحت إطار التصنيف المؤسساتي للنص الجمالي، بل ينفتح على مجال عريض من الاهتمامات وإلى ما هو غير جمالي، سواءً كان خطاباً أو ظاهرة.

ب - يستفيد النقد الثقافي من مناهج التحليل العرفية من مثل: تأويل النصوص، ودراسة الخلفية التاريخية، إضافة إلى إفادته من الموقف الثقافي النقدي والتحليل المؤسساتي.

Page 9

ج - يركز النقد الثقافي جوهرياً على أنظمة الخطاب وأنظمة الإفصاح النصوصي، كما هي لدى بارت وديريدا وفوكو، خاصة في مقولة ديريدا أنّ (لا شيء خارج النص) وهي مقولة يصفها ليتش بأنها بمثابة البروتوكول للنقد الثقافي (المابعد بنيوي) و معها مفاتيح التشريح النصوصي كما عند بارت، وحفريات فوكو. حيث يقدم ليتش مفهومه عن الأنظمة العقلية واللاعقلية كبديل لمصطلح إيديولوجيا. (14)

وعلى هذا الأساس فإنّ مزج المناصرة بين (المقارن / والثقافي) تحت مظلة مصطلح (النقد) هو محاولة لإعادة بناء دور النقد في الحياة الثقافية في ظل تحولات ثقافية واجتماعية كونية جديدة، فمنذ قرابة نصف قرن. كان الناقد يرى " أنّ للنقد دوراً كبيراً شمولياً ويفترض فيه أن يكون قوّة موجّهة ذات أثر في تحديد مسار الفكر كلّه، وأن يكون ذا فعل وظيفي إذ يصبح قادراً على أن يخدم، على نحو خفي أو مستعلن، قضايا مختلفة في المجتمع، ربما لم يكن من السهل تحديدها، وهذا كلّه - إن صَحّ - يومئ إلى إيمان عميق بدور النقد الأدبي في الحياة الفكرية والاجتماعية " (15).

غير أنّ هذا الدور لم يعد فاعلاً في المجتمع، ولا سيما في وقت تراجعت فيه جماهيرية النشاط الأدبي أمام الانتشار الطاغي للبث الفضائي وقنواته التي استأثرت بالجمهور، ولم تعن في برامجها بجوانب مهمة في مجال النقد الأدبي. وبذا يلمس المتتبع انحساراً واضحاً للنشاط النقدي في دوائر أكاديمية ضيّقة، وإذا تمكن المناصرة من إعادة تأهيل دور النقد الأدبي في منظومة منهجية جديدة ضمن معادلة: (المقارن / والثقافي) فلا شك أنّ ذلك سيعزز من دور النقد في الحياة، وتصبح له سلطته الفكرية في كشف طبيعة الخطاب (بأوجهه المختلفة) داخل الثقافة الواحدة، وكذلك كشف طبيعة التثاقف والتأثير المتبادل بين الخطابات في إطار العلاقات الأدبية الدولية.

وهي علاقات غدت أكثر وضوحاً ونماءً في ظل مجتمع المعرفة والتقدم الهائل في قطاعات الاتصال والترجمة المباشرة والآلية، إضافة إلى ثورة المعلوماتية وآثارها الواضحة في تقارب الثقافات منذ العقد الأخير من القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين، وقد صار لزاماً أن ندرك النقاشات المهمة حول العلاقة بين (الثقافة والتكنولوجيا) ونتساءَل مع المتسائلين " هل الثقافة تابعة للتقانة، أم التقانة تابعة للثقافة؟.... فالثقافة كما تقول لوردس أريزب المدير العام المساعد لليونيسكو لشؤون الثقافة، بحكم طبيعتها ترفض التهميش والاختزال، ولا يمكن أن تكون مجرد عامل مؤازر لعملية التنمية التكنولوجية، كما هي الحال عادة، فليس دورها - وما زال الحديث للوردس أريزب - أن تكون خادماً من أجل تحقيق الغايات المادية، بل يجب أن تكون الثقافة هي الأساس الاجتماعي الذي تقوم عليه هذه الغايات نفسها "(16).

ومهما يكن من أمر في نقاش العلاقة بين التقانة والثقافة، فإنه لا يخفى على أحد أن التقانة ساهمت في تسريع عملية نقل الثقافة (التثاقف) وفتحت الباب على مصراعيه أمام تفاعل الثقافات في جميع أنحاء العالم. وهو ما كان لا بد أن يساهم في تغيير النظرة إلى طبيعة العلاقة بين الثقافات والآداب، ولا سيما وقد بدأت الدراسات الترجمية Translation Studies، بفضل التقدم الهائل في منهجيات الترجمة - البشرية والآلية - تأخذ مكانها منافساً حقيقياً للبحوث والدراسات المقارنة، تماماً كما حاولت الدراسات الثقافية Cultural Studies أن تلغي الدراسات المقارنة، " والحقيقة أن الدراسات الترجمية يجب أن توضع في إطار نهوض (الدراسات الثقافية) و (دراسات ما بعد الكولونيالية) و (الدراسات الأنثوية) وكلها حقول جديدة تناطح الأدب المقارن وتزاحمه، وتأخذ عليه بالجملة والمفرقارتباط نشأته بالمركزية الثقافية الأوروبية والكولونيالية والفلسفة الوضعية ". (17)

ولعل مثل هذه الاتهامات والشبهات هي التي كانت وراء الحديث المستمر عن (أزمة الأدب المقارن)، وسبيل الخروج منها. ولنتذكر هنا أن مصطلح (المقارن / والمقارنة) لم يكن مخلصاً في كثير من الأحيان للحقل الأدبي، فالدراسات التربوية، والدينية والتاريخية والعلوم البحتية والتطبيقية ادّعت (وصلاً بليلي)، واستخدمت المقارنة في عملها، ولنتذكر أيضاً أن (مؤسسة الأدب المقارن) نفسها ظلّت عرضة للهجوم والنقد ردحاً طويلاً من الزمن...

إذن نحن نبحث عن أي مداولة فكرية تعمل على توجيه جديد للمعادلة، وإعادة صياغة لها، ويهمنا هنا ما قام به عزّ الدين المناصرة من مزج بين (الأدبي - والنقدي - والثقافي) مما يقتضي جعل (الدراسة المقارنة) مظلة لمناقشات مستفيضة يتداخل فيها النقد الأدبي، بالنسوي والثقافي ونظرية الأدب، وهو من خلال مجمل كتابه (النقد الثقافي المقارن: منظور جدلي تفكيكي) يبرهن على تضارب الآراء وتناقضها في قضية (الأدب المقارن) ويبرهن - كذلك - على أنّ الجدل الذي تورط فيه أعلام بارزون في هذا الاتجاه، ويذكر منهم فيلتشر، وجراهام بو، وفوكيما، وسوزان باسنيت، وماكولولي، وراين، وبعض نقاد النسوية... هو جدل بيزنطي..، لأن النشاط المقارن نشاط إنساني جوهري، وإن اختلفت المسمّيات.

Page 10

ولأن الذين هاجموا (مؤسسة المقارنة) يحرصون على فكرة المركزية Centrism وقداستها، ولعل بعضهم يعمد إلى تهميش هذه المؤسسة قصداً لغايات غير معلنة، وهي غايات أبسط تأويلاتها يقود إلى تداعيات تذكّرنا بالنزعة الكولونيالية نفسها " تقول سوزان باسنت Susan Bassnett بأن ماثيو آرنولد، قال عام 1857 م، ما يلي: (ليس بإمكاننا فهم حدث واحد أو أدب واحد بطريقة ترضينا، إلا بدراسة علاقته بأحداث أخرى، أو آداب أخرى). لكنّ كروتشه Croce هاجم الأدب المقارن، فموضوعه بالنسبة له، هواللاموضوع. أما تشارلز لزجيلي Gayley فيقول إنّ مجال الأدب المقارن هو: " مجتمع الإنسانية وطموحاتها المشتركة، أما فرانسواجوست Jost فيرى أنّ الأدب المقارن يقدم نظرة شاملة للأدب ولعالم الكتابة، ونظرة أدبية للعالم والكون الثقافي " (18).

بمعنى أننا نعود ثانية إلى المزج بين مفهومي (الأدب المقارن) و (الأدب العام) وكأننا نرجع إلى الوراء، ولا نتقدم نحو الأمام، لذا لا بدّ من حسم مثل هذه الحيرة والإرباكات التاريخية في تحديد مفهوم الأدب المقارن وطبيعة عمله، تلك المسألة التي ناقشها رينيه ويليك في حديثه عن عدد من المفاهيم النقدية Concepts of criticism. ولا شك أنً الطرح الذي ينحو بمفهوم المقارنة نحو وظيفة جديدة كفيل بحل المشكلة لنا، اتجه المناصرة هذا الاتجاه الذي يستثمر منهج (إدوارد سعيد) وليس طروحاته، في إقامة (نقد ثقافي مقارن) يوسع فاعلية المقارنة خارج مناخها الأدبي، وهو منهج " يقع في منطقة النقد الثقافي المقارن، وهي منطقة تلتقي مع تعريف الأمريكي (هنري ريماك) للأدب المقارن، من زاوية توسيع المقارنة خارج الأعمال الأدبية، وتلتقي في الوقت نفسه مع المنهج التاريخي الفرنسي التقليدي، لكن سعيد يرفض المناهج الوصفية الشكلانية كما يصفها، لأن هذه القراءات تتناقض مع جوهر مبدأ المقارنة الثقافية التوسيعية، التي لا تهتم (فقط) بجوانية النص وتركيبه الشكلي. فالنقد الثقافي المقارن يركز على مقارنة الثقافات ونصوصها وسردياتها المتنوعة والمختلفة، بدلاً من قراءة (الأدب المحض) " (19).

وهنا وجد المناصرة نوعاً من الدعم المنهجي للتحولات التي أسس لها في كتابه (النقد الثقافي المقارن) وراح يسقط نقاشات نقدية صرفة على النظرية المقارنة من خلال دراسات تطبيقية لعدد من الأعمال نشرها تباعاً وهي:

• أثر وليم فوكنر في رواية (نجمة) لكاتب ياسين.

• أثر وليم فوكنر في رواية (ما تبقى) لكم لغسان كنفاني.

• بيجماليون... بين برناردشو وتوفيق الحكيم، (1969)

• نيكولا فابتساروف في البلدان العربية.

• النص... والآخر: الموشحات الأندلسية وشعر الطروبادور.

وبالرغم من استخدام المناصرة لمصطلحات سائدة في الممارسة المقارنة كمصطلح (أثر) فإن الواقع التطبيقي يشير إلى توظيف المقولات الثقافية في مقاربة مقارنة، فعندما يبحث في المشكلة الجوهرية التي تطرحها الروايتان (نجمة) لكاتب ياسين، و (الصخب والعنف) لوليم فوكنر، يبرز (البحث عن النسق) كمنطلق نقدي عند المناصرة، يقول عز الدين:

" أولاً: تطرح الروايتان قضية صراع ثنائي بين شمال مستغل، بكسر الغين، وبين جنوب بكر انتهكه الشماليون. ففي رواية فوكنر، نجد الصراع بين شمال أمريكا الراقي صناعياً وبين الجنوب الأمريكي البكر ببراءَته. ويحكم الاستغلال هذه العلاقة إلى درجة الاغتصاب، ويطرح ياسين قضية صراع ثنائي هو الاغتصاب السائد بين شمال (فرنسا).وجنوب (الجزائر) ورغم أن نجمه من الناحية الواقعية نتاج عمليه (اغتصاب) إلا أن الحوار صعب، بل شبه مستحيل (ما أعلى الأسوار يا أماه!).

ثانيا: تتمركز فكره الروايتين حول محور العار والأخذ بالثأر، وتتوازى نجمة مع كاندي، وكاندي أيضا معشوقه من قبل عشاق كثيرين: فشقيقها كونتن الذي يدرس في هارفرد مصاب بعقده الشعور بالإثم، تجاه كاندي - الجنوب المغتصب - حتى إنه يتمنى لو يتزوجها، لكنه ينتحر لأنه يتعامل مع الزمن التقليدي المتوحش، برقه رومانتيكية، وبنجي شقيقها - المعتوه - يعشقها أيضا بعشق رائحه المطر، لأنها تشبه رائحة كاندي، أما كاندي نفسها فهي تتزوج ليكشف زوجها أنها حامل من رجل آخر "(20).

ومن خلال برهنته على العلاقة الموضوعية /المضمونية نجده ينطلق إلى تحليل نقدي يتابع من خلاله توطيد أسس هذه العلاقة، دون اهتمام بمحمولات مصطلح (تأثر / تأثير) وسياقتها التاريخية التي كان الباحث المقارن يجهد نفسه في البحث عنها. لكن المناصره اتجه اتجاها نقديا فنيا، ليكتشف أن معطيات كثيرة يمكن توظيفها في طريق المقارنة: كاللغة الروائية، والتقنيات الأسلوبية وطرق توظيف الزمن وغيره... ليصل إلى : إما نتيجة مفادها أنّ (رواية نجمة) لكاتب ياسين تقاطعت مع رواية فوكنر (الصخب والعنف) في مسائل عامة ، مثل: اللغة الشعرية الملحمية - صراع ثنائي بين شمال وجنوب - تشابه في رسم الشخوص ومصائرها، أسلوب التداعي والتحليل النفسي، لكن كاتب ياسين تأثر بفوكنر في أسلوب ترتيب الأزمنة ترتيبا عير منطقي، وفي حركة الرواية. وإيقاعها المتأثر.. لكننا نرى أن ياسين تفوق على ملحمية فوكنر في فصل اختطاف النجمة إلى جبل الناظور، وتوازى معه في لغته الشعرية بل كان أحيانا يتفوق عليه في نكهة اللغة.أذن لقد استفاد ياسين من موروث تقني أوروبي عام، واستفاد قليلا من فوكنر في التركيب دون أن نفقد إحساسنا بأن رواية (نجمة) رواية جزائرية عربية تماما، حتى لو كتبت بالفرنسية أو بأيه لغة أخرى(21).

ومع أننا نشيد بقدره الناقد على التحول بمفهوم المقارنة من سياقاته التاريخية إلى أفق نقدي ينبني على رهانات فنيه صرفه، إلا أن ثمة قضيتين مهمتين في هذا السياق هما: أنّ المناصرة يحاول أن يكون مخلصا لمنطلقاته النظرية التي تتأسس على نمط من التحول المنهجي في فلسفه الدراسات المقاربة التطبيقية السابقة بتحديد آليات نقدية / فنية / نصية لممارسة المقارنة بين روايتي كاتب ياسين (نجمة) ووليم فوكنر (الصخب والعنف) لذا فإن تناول المناصرة للحدث لم يركز كثيرا على (ماهية) بقدر ما ركز على (كيفية تقديمه) أي أسلوب عرضه , وهو بهذا يفلت من إسار الخوض في مسألة الفكرهة وأصلها وتحولاتها... ليستثني بالتالي أي أثر لمسألة (تاريخ الأفكار) التي تعد مصطلحا أساسيا في نظريات المقارنة التقليدية، وفي واقع الأمر فإن توجه المناصرة لمغادرة هذه المنطقة، والدخول إلى تخوم أخرى هو تكتيك مهم في سياق الخلاص من سيطرة النزعة التاريخية، ولاسيما تلك التي تأثرت عند المدرسة الفرنسي " فلا غرابة إن كنا نصادف إجماعا من الدارسين الفرنسيين على تحديد عدة الباحث المقارن في التالي:

أ- مؤرخ للآداب، إذ عليه أن يتجهز بثقافة تاريخية كافية،تمكّنه من وضع الأحداث الأدبية في إطارها التاريخي.

ب- الباحث المقارن، هو كذلك مؤرخ للعلاقات الأدبية بين الآداب (في عدة بلدان)"(22).