eKtab
EN ع
ثورات العرب في القرن الحادي والعشرين
Read free sample

ثورات العرب في القرن الحادي والعشرين

by عمار عزون

Page 1

المقدمة

التغير ميزة الطبيعة البشرية الفطرية ومتطلبات التطور التاريخي، وهو سنّة كونية وحتميّة تاريخيّة لا مناص منه إن عاجلاً أو آجلاً؛ فهو سنّة الحياة وسيرورة التاريخ المتحرك المبني على التغيير والتجديد، لأن الطبيعة لا تحتمل الجمود والركود والفراغ المخالف لسنن الحياة، فالظروف تتبدل والأحوال تتغير، حتى الحيوانات لا تلبث حتى تُغيّر شعرها أو وبرها أو صوفها وحتى جلدها شأن الأفعى مثلاً: فتتخلص من جلدها بعملية الانسلاخ للتخلص من الثوب القديم المملوء بالطفيليات؛ فالتغيير والتجديد ضرورة إنسانية وحيوانية وجمادية وهو أهم ملامح الحياة ومظاهرها. قال تعالى:(وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) [سورة آل عمران: الآية 140] إما أن يكون التغيير من الأسوأ إلى الأفضل والأحسن والأكمل نحو التقدم والصعود وهو من طبيعة الشعوب وما تتوق له، إذن فالتغيير للأفضل يتعلق بمدى نوعية فلسفة التغيير وفهم الواقع، ومدى صدق الرجال وقيمهم ومسار تغييرهم والتزامهم بقواعد سنن الاجتماع ووعيهم بالأخطار المحيطة بهم. فالتغيير للأفضل والخير ظاهرة صحية وهو مطلوب؛ لأن البقاء للأصلح وليس للأقوى، لأن الفساد في الأرض والظلم والاستبداد عرض طارئ ومرحلة هشة. قال تعالى(فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ)[سورة الرعد: الآية 17].
أما أن يكون التغيير إلى سيء أو أسوأ بالانقضاض عليها من المفسدين أو بسياسة الاحتواء والالتفاف عليها، فتصبح المحصلة في درجة الصفر وتعود الأوضاع إلى المربع الأول أو أسوأ، وقد يصطبغ مشروع التغيير بسلسلة من أعمال التخريب والدمار لهشاشة البناء الاجتماعي الذي كان حصيلة لأنظمة متعفنة ربّت أجيالاً على الحقد بين طوائف المجتمع للتشويش على مطالب الشعوب المشروعة مستعملة الأزلام من المرتزقة للدخول في صراع دموي مع الشعوب من أجل توريطهم وإيهامهم بإمكانية الحلّ الأمني، وبأن لا استقرار بعدهم. وقد يحدث التغيير بالقوة نظراً لإيمان مجموعات به نتيجة معتقدات أفرادها وتصوّرهم أو بسبب حسن النية والحماسة المفرطة وعدم فقه المنهج التغييري، أو استدراج الاحتجاجات السلمية لعسكرتها لتبرير استخدام القوة. لذلك من الخطأ أن نضع الثورات في قالب واحد، لأن لكل ثورة خصائص من حيث طبيعة النظام وتركيبة المؤسسات الأمنية والعسكرية، ومن حيث الواقع الجغرافي، ومن حيث النسيج الطائفي والقبلي والعرقي، وهذا لا يعني أيضاً الفصل بين القواسم المشتركة للشعوب من حيث الخصائص والإحساس، والشعور المشترك كوحدة واحدة في الأهداف الجوهرية للتحرر من الاستبداد والظلم، ويتم ذلك وفق مفهوم منهج سليم وصحيح في مفهوم الحرية ومفهوم حرية المواطنة لحصانة الوطن، لأنهما أساس مشترك لصمّام أمان الوحدة الوطنية بإعادة الأمور إلى نصابها.
فلا استغناء لأحدهما عن الآخر بالكف عن إلحاق الأذى والضرر بتفكيكهما أو بطغيان أحدهما على الآخر، وهو الحل الذي يصون الطرفين من الانقضاض الداخلي والأجنبي، وهذا التحرر الحقيقي من الأنظمة السلطوية العربية، والتحرر من الأنظمة الغربية الخادعة بشعار الديمقراطية بقيادة أمريكية أو الأنظمة الغربية الشرقية الانتهازية بقيادة روسيا الاتحادية. قال صبحي غندور: «إن الفهم الصحيح لمعنى «الحرّية» هو في التلازم المطلوب دائماً بين «حرّية المواطن» و«حرّية الوطن» وبأنّ إسقاط أيٍّ منهما يُسقط الآخر حتماً. فهل ما يحدث الآن في المنطقة العربية هو تعبيرٌ عن هذا الفهم الصحيح لمعنى الحرّية؟! طبعاً، من الخطأ وضع كلّ الثورات والانتفاضات العربية في سلّةٍ واحدة، ثمّ تأييدها والتضامن معها تبعاً لذلك. فالمعيار هو ليس المعارضة فقط أو أسلوب المسيرات الشعبية، بل الأساس لرؤية أيٍّ منها هو السؤال عن هدف هذه الانتفاضات، ثمّ عن هويّة القائمين عليها. فمنذ انطلاقة الثورة التونسية أولاً، ثمّ المصرية لاحقاً، تأكّدت أهميّة التلازم المطلوب بين الفكر والأسلوب والقيادات، في أيِّ حركة تغييرٍ أو ثورة وبأنّ مصير هذه الانتفاضات ونتائجها سيتوقّف على مدى سلامة هذه العناصر الثلاثة معاً[1].
إن التطرف في التغيير في العالم العربي على الخصوص كان نتيجة الاستبداد الفكري والثقافي والفساد المالي والسياسي في غياب العدل..لذلك كان التطرف في هذا العالم أقوى شراسة من التطرف في العالم الغربي، لأن الغرب لا يزال يُحدّث ويتحدث بالغزو بل يقاتل من أجل مصالحه. هذا القتال الذي لا يزال الغرب يحافظ عليه هو في منهجنا الإسلامي المسمى «باب الجهاد» وحذفه من قاموس المناهج التربوية ومن الواقع مما شجّع التطرف في البلدان الإسلامية والعربية على الخصوص، لأن الله الذي خلق النفس البشرية هو الذي شرّع هذا الفرض، لأن هناك نفوساً لا تريد الحياة وتعشق الشهادة في سبيل الله، فلا يمكن أن نسقط هذا المفهوم من القاموس الإسلامي وغلق الحدود على من يريد الشهادة من أجل فلسطين، بل أصبح الاستخفاف بالمقاومة من بعض الزعماء شيئاً طبيعياً؛ فالغرب لا يسمي ذلك غزواً ولا حتى قتالاً أو بالأحرى «محاربة الإرهاب بعدما صنعوه»[2] .
Page 2
فالغرب ينظم أفراده المتطرفين ويُحشّدهم على شكل جيوش، ثم يدربهم وينصب قواعده الحربية في كل أنحاء العالم بذريعة محاربة الإرهاب. وليفرّغ شحناتهم القتالية لجيوشه، وبالتالي ليقضوا على كل تطرف في بلدانهم قد يصيبهم من بني جلدتهم. لم يقتلوهم في صراعات داخلية ولم يسجنوهم بل غزوا بهم العالم الإسلامي والعربي. بل أكثر من ذلك وعلى مستوى الانتخابات الداخلية لا يحقق أي رئيس نجاحاً باهراً إلا بشنّ حرب خارجية ويصبح كل قتيل من دم المسلمين صوتاً إضافياً ورصيداً انتخابياً ورأياً عامّاً في مصلحته. أما نحن فنقاتل بعضنا البعض بشعاراتهم وأسماء فُرضت علينا إلى أن يصبح البلد مهيأ لهم للتدخل في شؤوننا الداخلية ونصبح عرضة لكل باب شر، لأننا كبلنا الطاقات المقاومة التي تصنع الحياة، ولم ننظمها في جيوش لتحرير الأراضي المسلوبة المغتصبة وإرجاع الحقوق العربية والإسلامية وعلى رأسها قضية فلسطين.
إن ما يجري في العالم العربي من حراك جماهيري واسع، ما هو إلا تعبير صادق عن وجدانه وضميره، وتعبير عن وجوده وشعوره العام بالتغيير التلقائي بأيدٍ عربية وليس صناعة غربية.
ولا هو بأيدٍ خفية مشبوهة من الداخل ولا هي إيحاءات إمبريالية خارجية، ولا هي ثورات قومية أو حزبية أو طائفية ولا هي ثورات طبقية، ولا هو مجرد حالات تمرد وافتعال أزمة، ولا هي انقلابات عسكرية دموية أو تحرك آني وظرفي فرضه الواقع المعاش، ولا هو حراك ضدّ ردود أفعال أو حتى انتقام من أوضاع اقتصادية متردية كما يتوهم البعض أو مجرد انتقام من أشخاص وتبديلهم بآخرين، فهذا الحراك أولاً وقبل كل شيء هو رغبات شعوب وليست ثورة أحد، خرجت من رحمه «من الشعب وإلى الشعب» بكل أطياف المجتمع ومكوناته وأجياله؛ فالشعب وحده من يملك الثورة وله حق العزل والتنحية وحق الاصطفاء والاختيار، وعلى الأنظمة تلبية إرادة الشعوب لسحب البساط من كل أشكال التدخل قبل غرق السفينة.
وقد حاولت قـراءة المشهد الثوري في جميع الاتجاهات وبموضوعية لإثراء ما بين السطور ووضع النقاط على الحروف باستقراء تجارب ثورات عربية سلمية وشبه سلمية ودموية، ونقل وقائع وأحداث قد يصعب استحضار إحساس مشاهدها بعد حين، وقد نخطئ التشخيص لعدم اكتمال الصورة الحقيقية الكاملة وبلورة المشهد بكل أبعاده. لقد نجحت بسلميتها في تونس ومصر، ونجحت بالعنف في ليبيا، وبدرجة أقل في اليمن [3].
ولكل ثورة تجربة خاصة ورصيد في المنهج التغييري، وتحليلي لتلك الظاهرة المثيرة لم يكن من باب مشروعيتها أو غير مشروعيتها من الناحية الشرعية أو المواثيق الدولية والقوانين العرفية، وهذا من اختصاص رجال القانون والفقهاء، وقد ساند معظم العلماء الأكابر من كل أنحاء العالم هذا الحراك الشعبي وأشادوا بوعي الشعوب الرافضة لحكم الاستبداد. فمن جهةٍ، ليس من الإنصاف أن نستفتي الفقه الإسلامي لحل أزمات ليس مسؤولاً عنها بعد إبعاده عن الساحة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وكل شؤون الحياة، ومن جهة أخرى ليست هذه الثورات ببدع في الطبيعة البشرية والسنن الاجتماعية، لأن ما يحدث في العالم العربي من تحولات سياسية واجتماعية للحصول على الحرية والتخلص من الاستبداد والظلم والفساد قد تم في الدول الأوروبية وعلى الخصوص فرنسا في سنة 1789،وقضت الثورة على الاستبداد والظلم وإلغاء الملكية المطلقة والامتيازات الإقطاعية للطبقة الارستقراطية.
[وهذا لا يعني استنساخ كل التجارب المرّة والحلوة أو أن الثورات غير قابلة للنقد أو أنها لا تخلو من تجاوزات وسلبيات].
ونجحت فرنسا بإقامة الجمهورية الثانية وتنازل الملك لويس فيليب عن العرش الملكي، وسارت على وتيرته الدول الأوروبية الأخرى ألمانيا والنمسا.. لتحطيم الرجعية والأمبراطوريات وأسقطوا كل النظم الإقطاعية والنفوذ الديني. وساد آنذاك شعار - الحرية - العدل- المساواة. ثم جاءت الثورة البلشفية في روسيا الاتحادية 1917 وما حدث في أوروبا «الكتلة الشرقية» سنة 1989 بعد الحرب الباردة بسقوط الأنظمة الاشتراكية بعد أن ترقت إلى مراتب الديكتاتوريات العربية.. إلى الثورة الأوكرانية «البرتقالية» سنة 2004 وانهيار الأحزاب الشيوعية في أوروبا الشرقية، وتوحدت أوروبا بعد إسقاط الديكتاتوريات والقضاء على الحكم الفردي واقتلاع الأسر العاجزة على الإصلاح وعلى محاربة الفساد من جذوره، فالأولى أسرة آل بوربون في فرنسا والثانية الأسرة القيصرية في روسيا.
إلى متى ستظل الشعوب العربية صامتة مكتوفة الأيدي، راضية بالدون، قابلة بهذا الفشل الكمي في كل المجالات، قابلة بهذا الوضع المتعفن المزمن، صابرة على الأنواء ولغة الوعيد والتهديد والاضطهاد والتخوين والاستضعاف والإفقار والتيئيس تنتظر استجابة القدر وتدفع ثمن أخطاء الاستبداد.
Page 3

صحوة الشعوب العربية

عاشت الشعوب العربية والإسلامية ردحاً من الزمن تحت وطأة الاستبداد في أجواء تسلطية ظالمة تدعي امتلاك الحلول وتُمثّل الكمال، وظن الكثير أن هذه الشعوب العظيمة التي حملت رسالة الخير للعالم وأنصفت المظلومين لن تقوم لها قائمة، ولن تنهض من سباتها العميق وستبقى غافلة عما يجري حولها، غافلة عن دورها وكرامتها وعزّتها، وفقدت الثقة حتى في نفسها وفي قدرتها واستصغرتها وأشربت كأس الذل واستكانت لواقعها واستمرأت على التفريط في حقوقها، مُكبلة بقيود الغثائية وفقدان الأمل وراوضها الانبطاح والصمت وسُلبت إرادتها بين المطرقة والسندان وبين الحديد والنار، بل أصبحت الشعوب العربية مستثنية من الديمقراطية وخارجة عن دائرة صنع القرار بقابليتها كل مَن يحكمها تتقاذفها الوحوش كالقطعان السائبة، ولم يصدق أحد أن تنتفض هذه الشعوب التي غُيّبت عن المشهد السياسي منذ عشرات السنين؛ ومع نهاية عام 2010 تجاوزت الشعوب كابوس الخوف والشعارات ونزعت ثوب الاستكانة وفاجأت الانتفاضات الوطنية الشعبية العالم وأخذتهم على حين غرّة، وتحولت إلى ثورات عارمة وصاخبة وغير متوقعة وغير مسبوقة من حيث حدوثها وطبيعتها وقدرتها الفريدة وتعاظمها واستمرارها وانتشارها الناري في الهشيم الرافض لأي نوع حكم جبري.
فاجأت السلطة والمعارضة والنخب والمفكرين بصمودها وشجاعتها، وصلابة مطالبها واستثنائياتها الساخنة بهذا الزخم الجماهيري الثائر، وهذه التضحية بالغالي والنفيس، فاجأت السياسيين والمحللين من كل التلاوين، فاجأت القاصي والداني بكل المعايير والمقاييس من دوائر الاستخبارات الوطنية والعالمية وأثبتت فشلهم وآتاهم الله من حيث لم يحتسبوا فخرّ عليهم السقف من فوقهم، وإذا بشمس العرب «الثورات الربيعية» تميط الظلام وتطلق شرارتها من تونس الخضراء سيدي بوزيد «بشرارة الزيتونة» قرطاجة التي هي امتداد لحضارة الشام «الحضارة الفينيقية» لتصل إلى الأزهر أرض الكنانة أم الحضارات، وتعم وتيرة تلك الموجات من الاحتجاجات العارمة مُختلف أنحاء الوطن العربي فتشتعل جذوتها بتلك السرعة الفائقة، وتتحول من العفوية إلى التنظيم، ومن الاحتجاج إلى الانتفاضة ثم إلى الثورة، ومن المطالبة بالإصلاحات إلى التغيير، ومن المطالبة بإسقاط الرئيس إلى إسقاط النظام ومحاكمته..لقد قالت الشعوب كلمة واحدة جامعة شاملة «نريد إسقاط النظام» ورسّخت في مطالبها ثلاثة محاور أساسية: - الحرية- العزّة - العدالة الاجتماعية-.
انطلقت من تونس «ثورة الياسمين» إلى مصر «ثورة الكرامة» واليمن «ثورة الحرية» وليبيا «ثورة المختار» وسوريا «ثورة الأحرار» قالتها الشعوب ولن تعود؛ لأن الشعوب نسخة من بعضها من قيم وأخلاق وطهارة وعفة وشجاعة وإحساس، متطابقة في فكرها ومسار سلوكها.
نعم إن الأمة الإسلامية تضعف لكنها لا تموت، تضعف لكنها لا تذوب ولا تلين وإذا نهضت الأمة فلا محيص لهم، لأن إرادة الشعوب حيّة ولا تقهر. قال أبو القاسم الشابي:
إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلابدّ أن يستجـيب القـدر
ولابـدّ للـيل أن يـنجـلــي ولابـدّ لـلـقيــد أن ينكسر
إن هذه الثورات[4] الوطنية العربية المطالبة بالحرية والعزّة والكرامة واسترداد المجد العربي والإسلامي إلى المسرح التاريخي، وإعادة السيادة الى الشعوب والشعور بالذات لإزاحة أنظمة طاغية أغلقت باب الحرية، وكممت الأفواه وأخرست الألسن بقبضتها الأمنية الإجرامية، وأبعدت الكفاءات، وشتّتت الأمة الإسلامية في ظل استقرار مغشوش وإرادة مزورة، ونهبت الثروات فاستشرى الفساد بشكل مُمنهج في مناحي الحياة كلها في غياب العدالة الاجتماعية وسوء الأحوال المَعيشية وازدياد معدّلات البطالة، إلى الإساءة لحقوق الإنسان والازدراء به، فأصبح عدد السجون يضارع عدد المدارس.
ولكن حتى لو كانت هذه الاحتجاجات عفوية في البداية ولم تكن وفق خريطة طريق محددة المعالم من الناحية التخطيطية والبشرية ولم تكن واضحة الأهداف والوسائل، فقد بلورت في مراحلها أثناء الاحتجاجات بمساهمات كل الفعاليات والمفكرين والهياكل الحزبية والنقابية في ديناميكية التأطير للحراك الشعبي بمتابعة جادة لتصبح ثورات حقيقية «ثورات بيضاء» وبإرادة قوية متماسكة نحو تشكيل مناخ ديمقراطي، وليست المسألة اجتماعية صرفة حتى في الدول الفقيرة كما تريدها الأنظمة السلطوية بالحلول الترقيعية وتجزئة الحرية وفصل الجانب السياسي والثقافي عن الأزمة. وبدل أن تعطي الحلول الجذرية الشاملة تقدم الوعود الكاذبة بالإصلاحات الاجتماعية وكأن الشعوب جائعة، وتقدم الحلول الأمنية وحوار أزيز الرصاص والاتهامات..ولّت هذه الأنظمة الباغية الفاشية وجوهها شطر واشنطن والغرب وولت ظهورها لشعوبها، وشجعت الفكر المنحرف والتطرّف وقابلية الاستعمار بتربية الناشئة على الخنوع والذل بمناهجها التربوية وفق شروط الغرب، مما أدى إلى عدم الاستقرار في المناهج التربوية، والأخلاقية التي لا تتناسب مع قيمنا وثوابت الأمة، وتولد عن ذلك جيل ضعيف النفس يدين الحراك السياسي ويدعو إلى الانحلال والانحطاط الأخلاقي والقبول بالأمر الواقع الفاسد والرضا بالابتزاز الداخلي البيروقراطي الإداري واللامبالاة تجاه العملاء المدعمين من الغرب بالتبعية المطلقة لهم بإبرام الصفقات المشبوهة، وتبييض الأموال بالاختلاس والرشى، وخدمت تلك الأنظمة المغرورة مشروع الاحتلال بامتياز من أجل المحافظة على السلطة، وهذا الأخير عامل أساسي آخر في تفجير الأحداث، فالأمة الإسلامية تملك مقومات القوة والنهضة مما يجعلها قادرة على الخروج من التخلف، لأن التاريخ يصنع من عمل الشعوب إذا وجدت القيادة الراشدة «موسى هذا العصر لإغراق الفراعين» وتهميش الفاسدين المفسدين في الأرض..
Page 4
إن حراك الشعوب كان تحصيل حاصل لانتكاسات سياسات فاشلة خرقاء، ونتاجاً طبيعياً ضد إفلاس أنظمة سلطوية ظالمة تحجر على العقل والفكر وجميع شرايين التعبير، وتحتكر كل المصادر باستغلال النفوذ السلطوي لامتصاص خيرات الشعوب والاستحواذ عليها بغير حق والتحكم في قوت الناس وأرزاقهم بتوزيع غير عادل، فاتسعت الهوة بين طبقات المجتمع، وتحول الجميع لخدمة الاقتصاد الريعي، والعبث بمقومات الأمة والدوس على منابع ثقافتها وهويتها فذاقت الشعوب الويلات من تراكم المظالم وتعاطي القهر من الأنظمة الغاشمة في انتهاك سلسلة من حقوق المواطنة التي تكفلها دساتيرهم المزعومة.
وتلك هي القراءة المتفحصة لأسباب الثورات غير المباشرة، لذلك من الخطأ حصرها أو اجتزاؤها أو اختزالها في الضغط الاجتماعي المباشر «الجانب المادي» واعتبارها ثورة بطون أو ثورة جياع من دون النظر إلى جوهر المطالب المعنوية من فقدان الحرية والعزة والعدالة والتحرر من التبعية والهيمنة الأجنبية، ونشأت نهضة الشعوب على خلفيّة حُكم متحجر ومنحط فقرّرت التغيير برغبة فطرية عفوية تلقائية لنصرة المستضعفين على بغي الظالمين، وثارت الشعوب بدافع إيماني وصحوة فكر ووعي سياسي بعودة الروح والإحساس بالذات وإحياء الضمير العربي كروح يسري في جسم الأمة بيقظة غير مسبوقة وبعناصر وطنية محضة، لأن الثورة ولدت من رحم الشعوب ولم تأت من فراغ. [يرى البعض من أصحاب نظرية المؤامرة من السياسيين والمفكرين والمثقفين ورجال الصحافة بأن الثورات العربية هي جزء من مؤامرة غربية تتجه نحو إعادة تشكيل سياسة المنطقة العربية، وتتقاطع هذه الفكرة في تفسير الأحداث ومن وراء نشوبها مع أصحاب المنطق الشمولي من الزعماء المستبدين ليضفوا الشرعية بانتحال شتى المعاذير لقتل المنتفضين والهروب من الأمر الواقع وتأجيل الانتفاضات وتخويف المترددين من عدم الالتحاق بالركب الثوري أو فهم مجريات الأحداث، وتحميل الضحية بدل الجلاد، وتتقاطع أيضاً تلك النظرية مع الطبقة الغنية وأصحاب المشاريع خوفاً على مصالحهم الخاصة وليس من أجل مصلحة الوطن، بل تتقاطع فكر المؤامرة والطعن في شرعية الثورات مع بعض القوى الكبرى كروسيا التي تُسخّر إعلامها لهذا الغرض، وخصوصاً في أحداث سوريا، وهناك البعض الآخر ينفي صفة التآمر بمباغتة الثورات التي أربكت الغرب والشرق مما يُثبت عفويتها، لأن فتيل الثورة والسبب المباشر «محمد البوعزيزي» ولو كانت له علاقة بالخارج لمّا وصل إلى هذا الحدّ من الحقارة، ومما يثبت عفوية الثورات أيضاً بأنها شعبية لم تكن بتخطيط مسبق ولا تحت أي غطاء بقيادات سياسية معروفة بعضويتها مع الخارج، ولمّا طاولت الثورات الحلفاء من الزعماء الدائمين المخلصين من دول محور الاعتدال ممّن يؤدون دوراً وظيفياً لمصلحة الامبريالية وما تخلت عنهم بتلك السهولة مما يدل على خطأ فعل المؤامرة وصفاء عفوية الثورات. ومن حق أي طرف أن يقول هذا أو ذاك، لكن من غير المعقول أن نربط فعل المؤامرة بالقمع أو التدخل الخارجي، أو نربط الأمن والغذاء بحتمية الاستبداد، أو نربط الفوضى والحرب الأهلية بعزل الحكام الفاسدين، أو الصمت وتبرير العنف والجرائم وقتل الأبرياء بحجة المؤامرة].
قال سلمان العودة: «ما استُخدمت نظرية المؤامرة تاريخياً إلا لتقديس الذات وتشرير الآخرين، واللعب على الناس باستعطافهم على الضحية المزعومة».
وأَمْتَنَّ الله على الشعوب العربية بمعجزات النصر، لأن ضريبة الحرية ليست طريقاً سهلاً بلا تكاليف. قال تعالى (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ)[سورة القصص: الآية 5].
صحت الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج، وأحست بساعة التغيير قد دقت وبدأ الوعي يدب في نفوسها ونزعت رداء الخوف المركب، ولم يعد بالإمكان التغاضي عما يحدث لإنهاء الاستبداد وحواجزه على مساحة الحياة الكريمة، وبدأت تنهار أركان أنظمة خلّدت في السلطة وتكلست وربضت على رقاب الأمة بعناوين فارغة، فتارة باسم الشرعية التاريخية أو الوطنية، وتارة باسم الجمهورية أو الملكية الوراثية، ومرّة باسم الممانعة أو المؤامرة.. إن المعوقات والمطبّات في طريق الثورات لن تنتهي وليس بالأمر الهيّن البسيط أن ينجز كل شيء بتلك الطفرة الارتجالية وأن تنتقل الثورة من التسيّب إلى الانتماء وهيكلة المؤسسات والانتقال من مرحلة الاضطراب إلى الاستقرار برؤية مستقبلية واضحة وشاملة، والخروج من إدارة الأزمات واحتوائها إلى حل الأزمة وإيجاد البدائل الأفضل نحو عقد اجتماعي متماسك ونحو تنمية مستديمة إلا بعد التخلص من الثورة المضادة، وانتشال آثار الأنظمة البائدة من زبانيتهم وحاشيتهم وعصابتهم الظلامية التي ملكت المال والإعلام وعاشوا في أوهام بمناورتهم السياسية للتسلل لواذاً في مفاصل السلطة ومراكز القرار والنفوذ ردحاً من الزمن، وبعد تغيير تلك العقليات وتغيير نمط التفكير في ظل حكم الأنظمة السلطوية لتهيئة مناخ التعايش في ظل العقد الجديد الذي يتسم بالحرية التي لا تمس بأمن المواطن والوطن، ولا بقيم المجتمع وأصالته في إطار الدولة المدنية «الأهلية»، دولة الحق والقانون لا دولة عسكرية استخباراتية، ولا دولة أمنية بوليسية، ولا دولة ثيوقراطية دينية ولا دولة حزب أو طائفة.
Page 5

حُكم سلاطين الاستبداد في الدول العربية

استفادت الأنظمة السلطوية من تباين تيارين متناقضين أثناء الحرب الباردة. [الشرق «الشيوعي» والغرب «الرأسمالي» وكان العالم العربي بين ثنائية لا خيار له سواها بين حلف شمال الأطلسي وحلف وارسو][5].
واستغلت الأنظمة السلطوية هذا الصراع بين الإسلاميين والشيوعيين لترسيخ المنهج الاشتراكي أو الرأسمالي، ونشر الفكر التغريبي وضاعت الطاقات في صراعات داخلية بين تلك الثنائيات العدائية المصطنعة.
وبسقوط المعسكر الشيوعي بقي المارد من الإسلاميين الذين طالما ظلوا يحاولون إصلاح ما أفسدته تلك المناهج التغريبية في صحوة عارمة وصمود لا نظير له في مواجهة تلك الحملات العدائية للأمة، فوجهت إليهم كل التُهم من رجعية وتخلف وظلامية وأسيء إليهم بأشد العذاب الجسدي والنفسي وجردوهم من كل مقومات الترقية والتخلص من البعض منهم بالسجن أو الاغتيال بحجة مسوغات التطرف ومحاربة الإرهاب حتى لو كان التطرف من بقايا فلول العلمانيين أو من تنظيماتهم الشكلية، ووصل الحدّ إلى أن أصبح المسلم «رجعي» أو «إرهابي» والمقاومة «إرهاب»[6] وأبيحت دماؤهم للشرق والغرب على السواء، وجثم هؤلاء اللصوص المتغطرسون على صدور الشعوب باسم الوطنية والشرعية التاريخية الثورية، وللأسف داسوا على مبادئ الثورات وتناسوا كل بيانات التحرر ونكصوا على عقيبيها، وكانوا عبئاً على شعوبهم واستخدموا أجهزة الدولة لمراقبة حركاتهم والتجسس عليهم.
واستخدم هؤلاء أموال الأمة لشراء الذمم والإعلام للشائعات والتخوين والتشويه لتكوين مخزون بشري من الذين لهم قابلية الذل لكل استحقاقات أو طوارئ، وباستخدام علماء البلاط بإصدار فتاوى لمصلحتهم للتستر بالدين، وتعاطوا مع الجانب الأمني والهياكل التنظيمية من الحزب الحاكم والجمعيات والنقابات لإخراجهم في مسيرات موازية للمعارضة الحقيقية، وانقلبوا على رصيد الشعوب التربوي الأخلاقي التحريري الذي أقيمت عليه الثورات الشعبية لطرد المحتل، وقضوا على المؤسسات التربوية من المعاهد الإسلامية والقيم الثابتة فضاعت الكرامة والنخوة، وأحكم الحصار على كل ما له صلة بتراثنا الصافي باسم التطور والحرية ومكافحة الفقر والجهل والمرض، واللعب على مفهوم تحرير المرأة[7] وهي تُمْنن على شعوبها بالأمن والإطعام، وهي كل شيء وتُمثّل الكمال المطلق والدائم بحكمها المزعوم.
أما الشعوب فهي تابعة أو نائمة أو مُغيّبة، وظلت الأنظمة ترفع تلك الشعارات منذ الاستقلال حسب التبعية في حالة من التذبذب بين هؤلاء وأولئك.
[«الاشتراكية خيار لا رجعة فيه والرأسمالية خيار المستقبل» أما الإسلام يمكن أن يراجع فهو غير قادر على إحداث التطور، لذلك نحترمه ونمجّده في مكانه ولا يحق له التحرك لتغطية الساحة البشرية، فهو منهج للتبرك لا علاقة له بشؤون الحياة].
هذه الأنظمة الكلاسيكية التي نصّبها الاستدمار بعد التحرر وخلفت بعضها الحكم بانقلابات عسكرية أو بعملية التوريث أو بتزوير الانتخابات «99.99 في المائة»، وحكمت شعوبها بالحديد والنار في ظل حكم الطوارئ، فكان الغرب يتعلل بوجود الأنظمة الديكتاتورية في البلدان العربية على أساس أن العرب لا يريدون الديمقراطية أو لعدم وجود بديل آخر لضعف المعارضة التي أُنهكت تحت الاستبداد أو بتماهيها مع مصالحه. قال خليفة بن قارة: «..أغلق النظام العربي نفسه على مجموعة من المستفيدين الذين لا يرى منهم ولا يسمع غير ما يجب أن يراه ويسمعه، وخرّب أرضية المعارضة التي هيأتها الشعوب وتدحرج المجتمع العربي نحو الأسفل، إلى أن سجّل مستويات غير مسبوقة في الظلم الاجتماعي والتخلف الاقتصادي والقهر الثقافي في وقت حصّن فيه نفسه بشرذمة قابلة كل شيء وأقامت جداراً سميكاً بينه وبين الشعب.
وبالتالي لا يمكن أن يسمع من ورائه آلام الأمة ولا تأوهاتها المتصاعدة كما لم يحس قط أن السيول الجارفة تحاصره من كل جانب»[8].
وكان اهتمام الغرب بتلك الزمرة الطاغية الموغلة في الفساد على حساب الشعوب؛ وحُنطت هذه الأنظمة على كراسي الحكم لخدمة مصالح الغرب، وقد استفاد النظام المصري بفزاعة التخويف من التنظيم الإسلامي كحركة الجهاد وخصوصاً حركة الإخوان المسلمين التي أصابته بمرض الهستيريا على مدى حكمه، وصادر أموالهم وحاكمهم في محاكم عسكرية، بل قمع كل من سوّلت له نفسه الخروج عن بيت الطاعة من اليساريين الشرفاء، وسلّم الكثير من المقاومين للموساد الإسرائيلي، وخان القضية الفلسطينية بالضغط على الفلسطينيين وجرّم المقاومة في فلسطين، وساهم في غزو غزة، وضرب عليها حصاراً مقيتاً ببناء الجدار الفولاذي كسد منيع، وحرّض على ضرب المقاومة في لبنان، وشلّ دور الجامعة العربية بتجميد تحركاتها وأصبح أداة لتفرقة العرب والمسلمين مستعملاً سياسة المحاور وشكل تياراً معتدلاً لخدمة إسرائيل وقطع العلاقات مع إيران وتمادى في التحريض عليها، ووافق على غزو الصومال وإدخاله في حرب أهلية.
Page 6
وأضعف العلاقة مع الدول الإفريقية بغيابه المستمر في القمم الإفريقية، واستعمل سياسة فرق تسد بالتحريض بين الأقباط والمسلمين، وأخرج شعب مصر العظيم من معادلة الصراع الصهيوني إلى دائرة الصراع العربي، وباعهم بثمن بخس بالتمسك بمعاهدات السلام التي لا تسمن ولا تغني من جوع، وأصبح كنزاً إستراتيجياً للعدوّ وأحرص الناس على مصالح إسرائيل أكثر من الإسرائيليين أنفسهم لا يدخر جهداً يصب في رضاهم ورضا أمريكا، وابتدع معارضة مستأنسة هزيلة في فترة 1987 - 1989 ومنع الأحزاب الفاعلة والقوى السياسية من المشاركة فحاصرها، بل عمل على إضعافها بالتهميش والإبعاد والتشويه والاعتقال، وقزّم دور مصر العظيمة على المستوي المحلي والإقليمي والدولي، وظل يمثل إسرائيل كوكيل عنها وحوّل الشعب المصري إلى شعب مقهور وخدام ضعفاء، وأفشل معظم القمم العربية بالتشويش أو التخويف، وتعاون مع الاميركيين سنة 2003 لغزو بغداد عاصمة هارون الرشيد كما تعاون معهم في التسعينيات فأرسل جيشه وبنات مصر إلى الأمريكان، وما انتهى دوره حتى ترك شوكة في حلقة الأمن القومي المصري وهي دولة السودان الجديدة وعطّل مشاريع النهضة واعتمد على المعونات والمساعدات خصوصاً الأمريكية فأرهن سياسة البلد وأوصل مصر إلى دولة غثائية، دولة الرجل المريض «جثة بلا روح».
إن معظم زعماء الأنظمة العربية يشبهون زعيمهم الأكبر حسني مبارك الذي علمهم السحر، فانتهجوا منهجه الدبلوماسي القابل للإملاءات الأجنبية؛ أغلقت هذه الأنظمة السلطوية الشرنقة على نفسها من بداية تولي قادتها السلطة لترسيخ أجندة الحكم الفردي التسلطي، فهم لا يرون إلا أنفسهم، ويتعاملون مع الماضي «الإرث التاريخي» باستهتار وتغلق باب التوظيف إلا في المجال البوليسي، وقد بلغ عدد أمن نظام مصر مثلاً المليون ونصف بحيث تكلف خزينة الدولة ملايين الدولارات، وقد فاق ذلك أمن الصين الشعبية التي عدد سكانها مليار وثلاثمائة، وبلغ أمن تونس البوليسي حوالى ربع مليون ومعظمهم باللباس المدني.
ومن أولويات هذه الأنظمة السلطوية إعادة صياغة الدستور على مقاسها لسد الطريق في وجه كل معارضة قوية بقوانين جائرة ومواد مانعة حتى لا يتسنى للمعارضة الترشح بذريعة عدم القدرة إذا لم تشملها القوانين الجائرة، وتمنح للمعارضة الضعيفة المصطنعة كديكور للظهور إلى الرأي العام الرسمي بأنها دولة ديمقراطية. ومن أولويات هذه الأنظمة أيضاً تسخير أموال الشعب برجال أعمال مشبوهين وتشكيل هياكل تنظيمية حزبية من الضعفاء المتملقين الموالين لهم «الطابور الخامس» لينافسوها في إطار التعددية المزعومة وإظهار التنوع في الساحة السياسية وهم مجرد أرانب تتسابق، وقد تُسخرهم في الحوار كمعارضين أحرار؛ هذه الحفنة الفراعنة لا تؤمن بشعوبها، ولا تؤمن بالديمقراطية رغم أن البحر انشق أمامهم؛ لأنهم يطبقون منهج فرعون.قال تعالى:(قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ)[سورة غافر: الآية 29] وقال تعالى(إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)[سورةالقصص: الآية 4].
إنّ هذا يدل على أنّ القتل من فعل المفسدين..ولما تُعاين تلك الأنظمة الغرق بعد فشلهم في لعبة العصا والجزرة ولم تغنهم قواتهم الأمنية العلانية والسرية الخاصة والعامة مما تعلمه الشعوب وما لا تعلمه لتتجه نحو الحلول التبعضية لزيادة عمر النظام الفاشل المستبد، فتبادر بالإصلاحات والتنازلات الشكلية باستنساخ نسيج النظام بوجوه قديمة جديدة بأجندتهم، لطرح بعض التنازلات من تعديل بعض المواد في الدستور والوعد برفع حالة الطوارئ عند انتفاء المانع. وقد تعترف الأنظمة بجزء من الأخطاء علانية باتهام بطانتهم التي نقلت إليهم الحقائق مزورة، وقد تضحي ببعض رموزها الذين تورطوا معهم في الفساد والتعذيب لاحتواء الغضب وقتل شعلة الانتفاضة..وتبدأ سيناريوهات انتقال السلطة، فمثلاً الرئيس حسني مبارك رأس العملاء وزعيمهم الذي جرهم إلى الخنوع والتطبيع.
ولما أصبح حكمه قاب قوسين أو أدنى راح يراوغ بتعيين عمر سليمان كنائب له بعد ثلاثين سنة من الحكم، وخاطب شعبه بعجرفة معلناً تشبثه بالسلطة والموت على أرض مصر مذكراً بما قدمه، وأنه مسؤول عما يحدث وسوف يحاسب كل من تسبب في التخريب والقتل، ولم يعتذر لشهداء الثورة. وهذا القائد السفاح معمر القذافي ينتهج سلوك زميله حسني مبارك ولم يقدّم اعتذاره لقتلاه من قبل مرتزقته، ويتجاهل شهداء الثورة من الشعب الليبي العظيم، وسار على منوالهما علي صالح وبشار الأسد.. مما يدل على أن الأنظمة العربية تُحكم عصابات من العبيد ولا تحكم شعوبها.. وهذا نظام بن علي البوليسي بعد الانقلاب على الحبيب بورقيبة ليرسّخ نظامه على شاكلته، فأخرج المرأة من مجالها الطبيعي بدعوى التحرر وكأن الله سبحانه وتعالى ظلم المرأة حتى يأتي هؤلاء الأقزام ليحرروها، واعتبر الحج استنزافاً للعملة الصعبة، وألغى كل ما له علاقة بالإسلام، وهمّش دور جامع الزيتونة بالتضييق على رجاله العلماء، فقضى على كل مقومات الشعب بكل وسيلة لتغريبه وطمس هويته، وأبعد الشعب التونسي عن قضايا أمته العربية والإسلامية، لكن الشعب التونسي حافظ على هويته رغم التغريب والإبعاد الذي راهن عليه النظام لتحويله عن المحيط العربي والإسلامي. وهذا النظام البعثي الذي نادى بالحرية فملأ المعتقلات، ونادى بالإصلاحات فطهر الجيش من الوطنيين، ونادى بالاشتراكية فقسم الثروة على شيعته «أصحاب الولاء والطاعة المطلقة من كل الملل والنحل» وتبنى القضية الفلسطينية وهو أول من دخل في صراع مع منظمة التحرير الفلسطينية، وقد كشفت الأحداث صورته الحقيقية التآمرية على شعبه بعد أن استباح دماءهم وأعراضهم، وسخّر كل إمكانيته الحربية الحديثة في كل مدن سورية وحوّلها إلى بلد منكوب بكل المعايير، لكن الشعب السوري العربي الأصيل منتصر على شبل الأسد المفترس، ومن يزرع الشوك يحصد الجراح.
Page 7

بين الحكمين الجمهوري والملكي

إن معظم دول العالم العربي هي أنظمة حكم سلطوي غاشم «حكم جبري»، وتملك أسوأ السجلات حول حقوق الإنسان، وتملك خبرة مُمنهجة في فنون الترهيب أو في فنون التعذيب بتوزيع قسط الظلم على كل أفراد المجتمع، والمسؤولون فيها جميعاً من خريجي مدرسة الاستبداد والفساد..
وهذه الديكتاتوريات على أنواعها: من الملهم والزعيم الأوحد، وجلالة الملك والسلطان، والقائد الفذّ، وخادم الأمة وصانع التاريخ، وصاحب السمو والمعالي، وفخامة الرئيس، وولي النعمة، والمنقذ للأمة، والأمير المفتدى، تُمجّد الذات وتخشى الديمقراطية وتعمل وفق مناهج مستوردة لا تسمح لها بالتطور التكنولوجي. وصدق الشاعر في هذا الوصف:
ومما يزهدني في أرض أندلس أسماء معتمد فيه معتضد.
ألقاب مملكة في غير موضعها كالهرّ يحكي انتفاخاً صولة الأسد.
فهي لا تحكم شعوبها بالسياسة، بل جُبلت كلها على حكم شعوبها بالقبضة الحديدية والغلظة والجفاء على كل ضمير حيّ وإسكات كل صوت حرّ ولجمه ولو كان طنين النحل، والقضاء على كل حركة ولو كان دبيب النمل، وتعالت على شعوبها بنمط تفكيرها البالي الضبابي.
فزعماؤها بعيدون عن نبض الشارع وهم فوق النقد وفوق القانون وفوق الدساتير ضاربين مصالح الشعوب عرض الحائط، وتواصوا بوحدة عمل مشتركة وتنسيق محكم ومثمر في وزارة الإعلام للتعتيم على قضايا الشعوب بعدم التدخل في شؤون أي بلد، وفي وزارة الداخلية بهدف كبت الحريات الشخصية بهراوات أمنهم، لذلك لم نسمع إدانة واحدة من هذه الأنظمة الفاشية لإدانة الجرائم الحاصلة في حق شعوبها[9]، واستنسخت التجارب الفاشلة من بعضها بتقديم الحلول الأمنية بدل الحوار والمصارحة والاعتراف بالخطأ، بل لم توظف هذا الاستبداد في مصلحة الوطن بالتقدم التكنولوجي كما في الصين وروسيا. وللأسف كان استبداداً في خدمة العدوّ الإسرائيلي والأمريكي والغرب، ولم تتصالح مع شعوبها ولو مرة واحدة، ولم تقدم تنازلاً واحداً لأنّ مصلحتهم في المقام الأول.
إن بقاء الأنظمة بهذه العقلية المشغولة باستعباد شعوبها هي المؤامرة الحقيقية، لأنها استقرار للتخلف والفقر والمرض وصناعة الموت، واستقرار لأمن إسرائيل. شعارات ما أنزل الله بها من سلطان، لا تتردد إلا في العالم العربي من هذه اللّوبيات من زبائن النظام وبطانة السوء التي تحيط بهم. وهي التي صنعت الأنظمة السلطوية بشعاراتها المنافقة. حكم مطلق لا يسأل عما يفعل «خطوط حمراء في السياسة والاقتصاد..»، وحالة طوارئ لم تجف منابعها؛ ففي سوريا أكثر من أربعة عقود، وفي مصر 30 سنة، وفي الجزائر 19 سنة.. والسؤال المطروح دون إجابة في ظل تلك الأوضاع: كم شخصاً اعتقل دون محاكمة؟ وكم شخصاً مات تحت التعذيب، وكم ثكلى؟ وكم شخصاً اختطف وهو لا في قائمة الموتى ولا في قائمة الأحياء، وكم معوقاً؟ وكم شخصاً استعمل لمهام قذرة تحت الضغط..؟ وأصبحوا يصدرون إلى الغرب تكنولوجيا التعذيب بعد تحالف الكثير معهم، وقد ألصقوا الإرهاب بالإسلام والمسلمين وخوّفوا الغرب بالحكم الإسلامي وهم في الحقيقة أعداء للديمقراطية بغطاء محاربة التطرف، وأحسنوا في توزيع الفقر والرعب والخوف في نفوس الشعوب، وازدهروا في الفساد والرشوة والتزوير في كل مفاصل السلطة.
قال أحمد مطر: «فربما الماء يروب، ربما الزيت يذوب، ربما يُحمل ماء في ثقوب، ربما الزاني يتوب، ربما شمس الضحى تطلع من صوب الغروب، ربما يبرأ شيطان، فيعفو عنه غفار الذنوب، إنما لا يبرأ الحكام، في كل بلاد العرب من ذنب الشعوب»[10].
قال شريفي: «مهما تحدثنا عن حب الحكام العرب للكراسي لن نوفيهم حقهم فالجماعة لا تزعجهم كل الدماء التي سالت والتي تسيل، ولا تحرك فيهم أي شعور بالذنب أو النخوة أو حتى الشعور بالكرامة، ورمي المشنقة والرحيل بعيداً عن هذه الشعوب التي لا تفوت أي فرصة لتؤكد لهم كرهها ومقتها لهم، ومع هذا فهم يعتقدون أنهم أصحاب فضل على الشعوب، مع أن حصائلهم طيلة عقود لم تجلب سوى الدمار والجهل والفقر والمذلة والانتكاسات!»[11].
أما الحكومات فإنها نسخة طبق الأصل عن الأنظمة الهرمة المترهلة الأمنية وهي تابعة لهم باستعراضها الولاء لهم في تحركاتهم وأعمالهم وخطاباتهم؛ فمعظمهم يجترّ خطابات الزعماء بلغة التهديد والوعيد لتنفيذ إرادتهم بمحاكاة أساليبهم التسلطية، لأنهم معينون يمثلون الأنظمة، فانتشرت ظاهرة الفساد في الإدارة والأوساط السياسية، وانتشرت فضائح المحسوبية والمنسوبية والرشوة والاختلاس وسرقة المال العام، بل الغموض وعدم الشفافية في المصاريف وصولاً إلى التحايل على البنوك باستغلال الثغرات القانونية لنهب أموال الأمة، فتُنفّذ القوانين بتعليمات فوقية بكل حسم وبفروق كبيرة وبأساليب وحشية بدائية «حكم الغاب» بفرض هيبتها على البسطاء والضعفاء.
Page 8
وفشلت سياسة الحكومات في استثمار الموارد البشرية الشبابية بالبطالة، ولم تكن لها استراتيجية واضحة وجادة في التنمية، وفشلت في الجانب الثقافي بالغناء والرقص والمسلسلات الخليعة، وكذلك في الجانب الاجتماعي بالسرقة والتبذير، حتى في الرياضة كانت آخر الأمم، وفشلت في سياستها الخارجية بالخنوع والتخاذل والإتباع، ولم تقم هياكلها العوراء من المجالس النيابية أو مجالس الشيوخ أو مجالس الشورى أو مجالس الأمة بدورها المحصن لرقابة عمل الحكومات وأدائها بقوانين صارمة لمكافحة رموز الفساد.. بل أصبحوا غطاء للفساد وجزءاً من المشكلة باسم الشعب وباسم المجالس التشريعية، ولم نسمع في التاريخ أن الحكومات العربية اعتذرت لشعوبها ولو مرة واحدة ولم يحاكم مسؤول واحد على مدار تاريخ الاستقلال بسبب حجم الفساد الكبير الذي أخّر التطور والنمو.
وكانت هذه الأنظمة في الطليعة من حيث تسخير إمكانات الدولة لتحديث أمنهم الخاص المتنوع من الميليشيات والكتائب والمرتزقة على حساب الجيوش كقوة موازية، وتجهيزهم بأحدث الأسلحة الخفيفة والثقيلة وتكوينهم في مدارس سادتهم الخاصة، فيسخَّر لهم القسط الأكبر من ميزانية الدولة «الشعب» بالعملة الخاصة تحت مسمى حفظ الأمن وحفظ الوطن، ورغم ما يملكون من وسائل وقوة فهم يخافون من كل صيحة وتحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى، يخافون حتى من دبيب النمل من انضمامه إلى الانتفاضات الشعبية العارمة، لذلك يتعاملون بالعنف منذ البداية مع التظاهرات السلمية لتبرير الضعف. ولو كانوا أقوياء لما تغوّلوا على شعوبهم وتعاملوا معهم بسلوك حضاري، ووجهوا آلياتهم العسكرية لتحرير الأراضي العربية المحتلة، بل حتى في الأيام العادية لا يتنقلون إلا في سيارات مصفحة ومدرعة محروسين بكوكب من الأمن الخاص بتكلفة مادية «مئات من الدولارات» [معظم حكام العرب يعيشون في حالة هستيريا من قناة الجزيرة وأغلقوا مكاتبها، ويخافون من قطر وكأنها إمبراطورية، فضعف إعلامهم وضعف دورهم جعل دولة قطر وكأنها تؤدي دوراً غير طبيعي أكبر من حجمها، وعلى قطر أن تدخل مستشفى الإنعاش وأن تغلق الجزيرة حتى لا تُزعج الدول العربية النائمة].
ومن الصعب الإطاحة أيضاً بالحكومات الفاسدة في البلدان العربية؛ لأنّ الحكومات والأنظمة وجهان لعملة واحدة وهم شركاء في منظومة الفساد والقمع، فهم يخافون من كشف المستور فيتشبثون بالكرسي إلى آخر رمق، ولا يتركون السلطة إلا بنزيف من الدم أو بالتدخل الأجنبي «ساداتهم» الذين يعرفونهم كما يعرفون أبناءهم ويهابونهم كما يهابون الموت أو أشد.
قال عبد الرحمن بن خلدون: «فإن المَلك إذا كان قاهراً، باطشاً بالعقوبات، منقّباً عن عورات الناس وتعداد ذنوبهم، شملهم الخوف والذل، ولاذوا منه بالكذب والمكر والخديعة فتخلّقوا بها، وفسدت بصائرهم وأخلاقهم؛ وربما خذلوه في مواطن الحروب والمدافعات، ففسدت الحماية بفساد النيات، وربما أجمعوا على قتله لذلك تفسد الدولة ويُخرب السياج، وإن دام أمره عليهم وقهره فسدت العَصبية..»[12].
وهذا لا يعني أننا بصدد تجريح الأنظمة السلطوية وإبراز عوراتها دون استثناء، أو أن حكام العرب كلهم شياطين وحْشيّون غير وطنيين، وأن كل ما فعلوه باطل وغير صحيح، أو أن الشعوب معصومة أو هم ملائكة مقرّبون وكلهم على حق، لكن هناك أقلية من الناس لديها حاسة سادسة، فهم عبيد لا يستطيعون العيش السعيد إلا في ظل الاستعباد والحكم بالعصا.
فهم غير جاهزين لتبني الديمقراطية، لأنهم لا يعرفونها حتى في أنفسهم لذلك لا يحترمونها ولا يحترمون أهلها ويبغونها عوجاً ويعارضون كل شيء ويرفضون كل شيء ويعبرون بهمجية، لأنهم شبّوا على الخنوع والذل من حُكم الاحتلال ثم حُكم العسكر إلى حكم الاستبداد، وبالتالي لا يحسنون الكر في ظل الحرية التي تُحرجهم وتكشف عوراتهم بإعادة الحقوق الى أهلها وإعادة الكرامة والعزّة للمواطن بعد التحرر من عبودية البشر، «فهم أشبه بالجرذان التي تعيش في القنوات القذرة لا تريد أن تتنفس الهواء النقي».
ثورتا «الياسمين» تونس و«الكرامة» مصر
اغترت الأنظمة بقوة وسائلها الأمنية المتنوعة وراهنت عليها ولم تكترث بمآسي الشعوب، ولم تأخذ العبر والدروس مما يجري حولها من تحولات ولم تقرأ التاريخ.. فتمادت في التصدي لإرادة الشعوب بالعنف للبقاء في السلطة، وسواء أكانت أسباب الثورة مباشرة أو غير مباشرة، وسواء أكان الاختلاف في آليات التغيير من بلد إلى آخر من حيث الخلفية بنوع الحكم أو التباين الهيكلي الاقتصادي وآثار العولمة أو الظروف المعيشية.. فالقاسم مشترك بين الأنظمة في العداوة للديمقراطية والانحلال السياسي والعبث بمقدرات الشعوب المادية بانعدام الشفافية في المداخيل والمصاريف والصفقات خلف الكواليس وإجهاض كل المشاريع الخاصة التي لا تنتمي إلى بيت الطاعة حتى من أهل الاختصاص والإطارات والكفاءات الفاعلة.
وفوق ذلك الحكم بحالات الطوارئ[13]، والاستئثار بالسلطة واستبعاد الوطني والإسلامي على السواء بالممارسات التعسفية والسلوك العدواني؛ وتواكب مع ذلك تفاقم الفساد وتراكم الرشى والمحاباة وتجميد النمو الاقتصادي وسوء التسيير بحرمان المناطق النائية مما أدى إلى الاستياء والسخط العام لدى شرائح مكونات كل المجتمع على تراكم تلك الأوضاع الفاسدة الظالمة القاسية التي لم تعد قابلة للاستمرار ولم تعد مقبولة مما دفع تلك الفعاليات والتكتلات، بل دفع الشعوب بتلك الروح الوثابة الثائرة الغاضبة التي تعشق الحرية والكرامة بتقديم النفس للشهادة وجراء ذلك، إنقلب الواقع البائس الجامد العربي إلى زلزال عنيف وتحوّل إلى حركات اهتزازية لم تخطر على بال أحد، ولم تكن في الحسبان حتى في تصوّر الغرب، وإذا بفئة من الشباب المتحضّرين الذين لم يكونوا تحت شبكة الاستخبارات الأمنية وكاميرات المراقبة، فقلبوا الأوضاع السياسية رأس على عقب بشكل مفاجئ وأطاحوا بأربعة أنظم سياسية عاتية في الأرض.
Page 9
وكان الشباب من صناع تلك الملحمة الثورية، والسبب المباشر في تلك الظاهرة العلنية «البوعزيزية» التي أفاضت الكأس فأحرق الشاب البوعزيزي نفسه وأحرق معه تلك الأنظمة المستبدة [14].
إن شعب تونس مسالم ووديع وكريم ومتجانس، لكن الديكتاتوريات التي حكمته عقوداً من الزمن حاولت طمس هويته كما فعل زين العابدين بتنحية الحجاب، فغيرَّ منظومة الأسرة نحو الانحلال والتفسخ وحصر عدد المصلين بالبطاقات المغناطيسية وكبّل المساجد بخطب مدونة وشمّع الزيتونة وفُرض الانتماء والارتباط العضوي بحزب السلطة بالتحكم في لقمة العيش، فضلاً عن الظلم والقمع والكبت على الحركات المعارضة من الإسلاميين والقوميين واليساريين، ونالت حركة النهضة القسط الكبير من القتل والاعتقالات والتعذيب الانفرادي ولم تكن له سياسة اقتصادية شاملة وواضحة ومقننة مما أدى إلى التمييز بين المناطق التي عانت الويلات والإحباط واليأس فكان الضحية الأولى الذي أشعل الشرارة في تونس من تلك المنطقة المحرومة. [حسب تقارير منظمة العمل الدولية أن معدل البطالة بين الشباب العربي بلغ أكثر بقليل من 23 في المائة عام 2010 م. وأضافت أن هذه النسبة ترتفع في أوساط النساء إلى أكثر من 30 في المائة وأن مشاركتهن في سوق العمل العربية هي الأضعف على مستوى العالم إلى ضعف معدلات النمو الاقتصادي. وانتقدت المنظمة الدولية دور النقابات العمالية. وبغض النظر عن مدى صحة التقرير فالواقع العربي المزري المعاين قد يقلل من مصداقية تلك الأرقام لعدم الشفافية بتبليغ الحقائق].
لم تهدأ الثورة التونسية العارمة أكثر من ثلاثة أسابيع بلا هوادة، في مسيرات حاشدة بالآلاف إلى أن صارت مئات الآلاف من لفيف القوم، وتعقدت الأوضاع وتسارعت وتيرة الأحداث وتصاعد سقف المطالب، وقوبلت بالقمع والرصاص المطاطي الحي.. وأراد النظام أن يخلط الأوراق بإخراج المساجين وقتل البعض ليزرع الرعب فازداد النهب والحرق والإجرام والقتل، فلم يفلح وصمدت الثورة، فخرج زين العابدين على الشاشة واعتذر لأهل البوعزيزي، وتعهّد بالإصلاحات ومحاسبة المفسدين، واعترف بأنه غرر به من طرف حاشيته، لكن تسارع الأحداث وتطورها جعل الأمور أكثر تعقيداً.. فجاء بالخطاب الثاني، وقدم نداء للأمن بعدم استخدام الرصاص الحي، وتأسف على القتلى واصفاً أن العنف ليس من سمات التونسيين وطبيعتهم وأحدث تغيرات شكلية.. وتم بعد خطابه فتح المواقع المحجوبة في تونس كاليوتيوب بعد 5 سنوات من الحجب كما تم تخفيض أسعار بعض المنتجات الغذائية تخفيضاً طفيفاً، لكن الانتفاضة توسعت وارتفع سقف المطالب، وازداد الوضع تعفناً، ووصلت الاحتجاجات إلى القصور الحكومية، وقال في الخطاب الأخير: الآن فهمتك، وفهمت الجميع، البطال والمحتاج والسياسي وفهمت الكل.. ثم لاذ بالفرار إلى أرض الحرمين. كان للثورة التونسية الشعبية أثر كبير ساحر في إطلاق شرارة الغضب الشعبي في العالم العربي.
وتصل شرارة الزيتونة من تونس الخضراء إلى الأزهر، أرض الكنانة «القاهرة» التي قهرت الأعداء. فالأولى أطلقت الشرارة من سيدي بوزيد في تونس والثانية من السويس في مصر. لكن، وإن اختلفت الوسائل فالهدف واحد «الحرية والعدل ومحاربة الفساد والظلم»؛ هبت موجة الجماهير الغاضبة عن بكرة أبيها من المسلمين والمسيحيين وكل شرائح المجتمع المدني من القضاة وعلماء الأزهر والمحامين والأساتذة الجامعيين لإعادة الذات والمطالبة بالعدل الاجتماعي ومحاربة الكبت والظلم والتهميش والاستخفاف بهم. واستلهمت الثورة الشعبية المصرية من مهد ثورة الأشقاء التونسيين في كيفية التحرك بين الكر والفر والدخول من أبواب متفرقة لتشتيت الأمن ومواجهة التعتيم الإعلامي والشائعات والدعايات، فنشرت شاشة كبيرة في ميدان التحرير لمتابعة أخبار الجزيرة التي كانت تنقل الحقائق، وخرج المصريون بأعداد مهولة مصرّين على تجسيد التغيير في اليوم الموعود «يوم الثلاثاء 25 يناير/كانون الثاني 2011 [15] .
وكان وائل غنيم[16] محركاً لها عبر الانترنت وخصوصاً بعد خطاب حسني مبارك الذي أقال فيه الحكومة، فتمّ تعيين نائب له، وقوبل ذلك بالرفض التام، فبدأت وحدات الجيش تنزل إلى الشوارع لزرع الخوف وإطفاء لهيب النار المشتعلة. [عاد الوفد العسكري وقائد الأركان اللواء سامي عنان من أمريكا على خفض جناح السرعة].
كذلك فُرض حظر التجوال في المدن الكبرى الثلاث، القاهرة والإسكندرية وخصوصاً السويس المعروفة بماضيها الثوري، وضُرب ذلك القرار بعرض الحائط، لأن الخوف انتهى بسقوط الضحايا..وهذه طبيعة الثورات لا تهدأ بعد استعمال العنف، لأن القمع يولّد الحصانة.
لم يكن البعد الاجتماعي أساساً في الحراك الجماهيري[17] وإن كان ذلك عاملاً أصيلاً؛ فالطبقة المتوسطة هي التي حركت الشارع عن طريق الفيسبوك؛ لأن عالم الانترنت لا يوجد عند الطبقة التي هي تحت خط الفقر وهي الأكثرية في معظم البلدان العربية[18]، كما أنّ العامل النفسي الجريح تحت الكبت والتهميش والظلم والاستخفاف محور أساسي أيضاً في عملية الانفجار، وتسلط شرذمة على ثروات الشعوب بالسعي في الأرض فساداً ولا يجوز لأحد أن يتكلم في هذا الباب وهو عامل ثالث آخر مغذي للانفجار، ودرجت تلك الأنظمة على اتهام كل حراك معارض واعتباره غير وطني ورجعي، وتمّ وصف المحتجين بأنهم مثيرون للشغب تحرّكهم أيد خارجية، وربط كل تحرك شعبي بالمؤامرة والإمبريالية كما صرّح بذلك الرئيس المخلوع بن علي، وصرّح به عمر سليمان نائب الرئيس المخلوع حسني مبارك باتهام الإخوان المسلمين بالعنف، ووجه القائد معمر القذافي أصابع اتهامه إلى القاعدة وبن لادن بعد اتهام الشباب بحبوب الهلوسة، والكلام نفسه يصرّح به علي صالح من اليمن بقوله عن الاحتجاجات بأنها بفعل مخابرات إسرائيلية بإرادة أمريكية، وقال بشار الأسد موجّهاً الاتهام إلى الانتفاضات الشعبية بالاستعانة بالخارج بيد داخلية من بينهم الفلسطينيين؛ هذه المشاجب تعلّق عليها الأنظمة سوء تسيير إدارتها لشؤونها وتلفت الأنظار إلى مخاطر محدقة بالبلاد والعباد لتشوّه الانتفاضات والثورات وصدّها عن مطالبها الواضحة المشروعة التي تطـالب بالعدالة الاجتماعية ومحاربـة الفساد والمفسدين.. وبدأت عروش الأنظمة المستبدة تتزلزل تحت زحف الجماهير الغاضبة إلى اليمن والبحرين وليبيا[19].
Page 10
لم يعتذر الزعيم حسني مبارك في خطابه للشعب وتجاهل أرواح الشهداء، وبرر عنف الشرطة بأنها لحماية الشعب، وتعهد بالإصلاحات لاحتواء الأزمة ولم تشفع له تلك الكلمات، بل حتى أمريكا طالبته بمزيد من الإصلاحات وعدم استعمال العنف مع المتظاهرين. أما الخطاب الثاني فكان عاطفيًا وقال: لن أرحل، وسأموت هنا في مصر فكان له تأثير على الكثير. فقد حاول حسني مبارك في خطابه اللعب على العواطف وكاد أن يفلح وإذا بقافلة الجمال والخيول والسيارات المصفحة تدوس المتظاهرين في ساحة ميدان التحرير، فيزداد الضغط الجماهيري من كل حدب وصوب وتتضاعف الأعداد بالملايين ويرتفع سقف المطالبة من رحيل النظام إلى محاكمته، وقد أقاموا محاكمة تمثيلية في ساحة ميدان التحرير، ودعا ائتلاف ثورة 25 فيفري عمال مصر إلى عصيان مدني داخل المصانع والورش مع حماية الممتلكات التي هي ملك للشعب وليست للنظام، وكان الخطاب الثالث محاولة يائسة لعل وعسى.. يبدو أنه عازما على البقاء رافض مبدأ التنحي بالمطلق حتى لو فوض صلاحيته لنائبه، لذلك بدأ فارضاً نفسه من جديد للشعب المصري فيقول: مَنْ لا يعرف حسني مبارك، ويقول لن ننصت للإملاءات الخارجية وكأن هذه الملايين المطالبة بالرحيل شعب آخر، وهذا هو المنطق الصحيح لأنه اعتاد الإملاءات من الخارج، فلما جاءته من بني جلدته اعتبرها إملاءات، وخيّب آمال المتظاهرين بهذا الاستخفاف والبرودة، وجاء هذا الخطاب متأخراً وغير كاف ولم يلب مطالب الثورة الشعبية التي عزمت على الموت في ميدان التحرير أو في سجون الطاغية.
وهذا ما زاد في تأجيج مشاعر المواطنين وجعل المتظاهرين يتضاعفون إلى كل المراكز الحساسة، إلى قصر العروبة الرئاسي وقصر الاسكندرية، وتطورت الأحداث وتسارعت. وكان سيناريو انتقال السلطة التفويض. [والتفويض غير التنحي، تفويض صلاحيات: أي يعني الالتفاف على مطالب الجماهير، ويعني أنه سيرجع مرة أخرى، أي إلى نقطة الصفر؛ فالتفاوض غير الحوار، فالتفاوض على قواعد غير ملزمة].
قال صلاح الراوي: لا يجوز لمن ينوب عن رئيس الجمهورية طلب تعديل الدستور، أو حل مجلس الشعب أو مجلس الشورى أو إقالة الوزارة، مشيراً إلى أن حسني مبارك يراوغ بالشعب المصري وأن الإنابة لا تعني التفويض، موضحاً بالنصوص الدستورية والقانونية بأنها لا توجد مرادفات بل هي تتميز بالدقة التامة وكل لفظ يعني دلالة محددة[20].
وحاول نائبه عمر سليمان تهدئة الأوضاع مع المعارضة والأحزاب وإن كان هذا الترتيب جاء من البيت الأبيض الذي طالب بانتقال سلس للسلطة ليظهر للعالم أن التغيير بدأ فعلاً ابتداء بتعيين نائب لرئيس الجمهورية..
وكرّر عمر سليمان الخطأ ذاته،ولم يعتذر للشعب كزعيمه حسني مبارك وصرّح بأنه التقى بجميع القوى السياسية ومنهم من رفض ومنهم من استجاب ومنهم من طلب التأخير. وهدّد الإخوان المسلمين بأنها فرصة أخيرة لهم، ومن ناحية أخرى طلب منهم الحوار، وأضاف: لن يفلت أحد من العقاب من الذين قاموا بالعنف «البلطجة» في الوقت الذي يواجه فيه الشعب خراطيم المياه وقنابل الغاز والرصاص الحي وكل وسائل القمع.. وجمّع فئة من الشباب لم تكن تمثل شباب الثورة للقفز على المطالب وإسكات الرأي العام، لكن لما كشفت الأحزاب الفاعلة عن كثب نيّات النظام في التفاوض، وصرّحوا بعدم الرجوع خصوصاً الإخوان المسلمين الذين وضعوا النظام في تناقض كبير بعدما كانوا محظورين قانونياً من سنة 1954.. وظل الترقّب في ميدان التحرير بفارغ الصبر.. وإذا بالتلفزيون المصري يذيع عن خبر هام ومقتضب في السادسة من مساء الجمعة 11 فبراير/شباط 2011، ويعلن عمر سليمان النبأ على مضض فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، أيها المواطنون، في ظل هذه الظروف العصيبة التي تمر بها البلاد قرر الرئيس محمد حسني مبارك تخليه عن منصب رئيس الجمهورية، وكلف المجلس الأعلى للقوات المسلحة إدارة شؤون البلاد والله الموفق.
فالشعب المصري مثلاً: قال عبد الباري عطوان: «شعب أيوب (ع)، ولكن عندما ينفد صبره يتحول إلى شعب العمالقة الجبابرة يجرف كل من يقف أمام ثورته، مثلما فعل على مدى سبعة آلاف عام من تاريخه الحافل بكل ما هو مشرف. فإذا حارب، حارب بشجاعة ورجولة، وإذا صادق وسالم تحول إلى أنموذج في الوفاء بالعهود والوعود»[21].