Page 1
مقدمة
البنية أو الهيكل أهم عامل لخلود نتاج الروح.
Charles Baudelaire, «Notes nouvelles sur Edgar Poe»
الشعر العربي القديم، ونقصد هنا بصفة عامة الشعر الذي يعود نظمه إلى ما بين سنة 500 ميلادية وسنة 656 هجرية/1258 ميلادية، أو ما يتضمنه عصر ما قبل الإسلام وعصر صدر الإسلام والعصران الأموي والعباسي، كان دائماً يُعتبر من قبل العرب أنفسهم إنجازاً ثقافيّاً عظيماً.(1) ففي الحقبة ذاتها أشار النقاد إلى الشعر العربي كدليل واضح على بلاغة العرب، وهي ملكة في نظر هؤلاء يمتاز بها العرب على بقية شعوب العالم. وفي تلك الحقبة قام الرواة بجمع كم هائل من الشعر ثم تدوينه، واستمر من تبعهم في حفظ الدواوين ورعايتها إلى يومنا هذا. وبالتالي لا يُعد غريباً في العصر الحديث أن نسمع عالماً عربيّاً يشيد بالشعر القديم ويتحدث عن المساهمة الحضارية الكبرى من الشعراء القدماء، ونذكر هنا ملاحظات جرجي زيدان (ت 1914) على سبيل المثال: «... قد ترتب على هذا التفاوت في المواهب امتياز كل أمة بآداب أجادت فيها... كامتياز اليونان بالفلسفة والشعر القصصي والتمثيل... وامتاز الرومان بوضع الشرائع والنظم السياسية والاجتماعية... وامتاز الهنود بوضع القصص الخرافية على ألسنة الحيوانات... وأما العرب فقد ملأوا الدنيا شعراً».(2)
ومع ذلك، تعرضت القصيدة العربية القديمة إلى هجوم في الغرب خلال القرن ونصف القرن الماضي حيث اُتهمت بالتفكك، وفي بعض الأحيان بالتصنع والرتابة. فنجد النحوي الألماني ويلهالم أهلواردت عام 1856 يعلق على القصيدة العربية قائلاً: «إنها ليست وحدة متكاملة أبداً».(3) أصبح ذلك المعتقد السلبي أن القصيدة العربية لا تتسم بالتلاحم سائراً بين المستشرقين وأدى إلى إلقاء مصطلحات عليها مثل «ذرية» أو «نووية»، كما ورد في موسوعة الإسلام (الطبعة الأولى، 1934): «الشعر العربي في جوهره نووي؛ فهو سلسلة أقوال متفرقة قابلة للتراكم ولكن غير قابلة للجمع والانسجام».(4) ولقي هذا الحكم الصادر عن الغرب تقبلاً من قبل عدة نقاد عرب، وظلّ هذا يتردد في أوساط علمية حتى سبعينات القرن الماضي. أما في العصر الحالي، فأبرز مؤيد لنظرية «الذرية» هو أستاذ الأدب العربي بجامعة أوكسفورد في بريطانيا، جيرت فان جيلدر- على أنه لا يلوم الشعر العربي القديم في عدم تلاحمه. وبنظره إن القصائد العربية القديمة لم تكن تهدف إلى التلاحم أصلاً. ولكن قبل مناقشة أفكاره النقدية، من المفيد أولاً أن نعيد الأدراج ونستذكر المناقشات الأساسية حول مفهوم الوحدة العضوية.
ورد أول طرح لهذا المفهوم في حوار جرى بين العالم الإغريقي الشهير سقراط وطالبه فايدروس، حوار سجله أفلاطون طالب سقراط الآخر. في الحوار يذكر سقراط أن كل مقال لا بد أن يتخذ شكلاً محدداً يوجد فيه كل جزء في موقعه الطبيعي. بهذا الصدد يقول: «من المفترض أن يشبه كل مقال كائناً حيّاً بجسمه الخاص، فهو ناقص طبعاً لو افتقر إلى رأس أو قدميْن. هكذا فمن المفترض أن يوجد بالمقال وسطٌ وطرَفان تتناسق أجزاؤهما وتنسجم مع الكل». ويضرب مثالاً على عمل فني غير موفق، قطعة رثاء تتكون من أربعة أبيات يمكن قراءتها في أي ترتيب دون أن يؤثر ترتيب القراءة في المعنى، لذلك فلا يمتلك بداية ولا وسطاً ولا نهاية. وحسب قول سقراط أيضاً يجب أن تتعلق جميع أجزاء المقال بالفكرة الرئيسة.(5) ثم أضاف أرسطو إلى ما تقدم به سقراط، موضحاً بأن اتحاد الأعضاء يجب أن يكون كاملاً بحيث «يختل ويهتز الكل إذا تم نقل أو سحب أي عضو منها».(6) ومنذ ذلك الحين بقيت هذه الأفكار (أو مفهوم الوحدة العضوية باختصار) بمثابة نقطة الارتكاز في مجال النقد الأدبي.
غير أنه من المحتمل أن نسمع ممن يرغب في صد النقد الاستشراقي التقليدي عن تراث الشرق أن الوحدة العضوية مفهوم غربي دخيل وغير صالح لتقييم القصائد العربية. وردّاً على هذا الرأي نستدعي رأي أرسطو من جديد. ففي رسالته عن الشعر، في سياق مقارنة يعقدها بين التاريخ والشعر، يصرح بأن التاريخ يعالج الوقع المعيّن ـ ما قد حدث بالفعل ـ بينما يعالج الشعر العام أو المشترك ـ ما قد يحدث لأي واحد منا. إن الشعر بنظر أرسطو يعبر عن شعور يشعر به الإنسان في موقف ما، ومن ثَمَّ طالما فهمنا موقف الشاعر فباستطاعتنا تصور أنفسنا مكانه والتعاطف معه. هكذا يكون الشعر إنسانيّاً وعالميّاً: يُظهر لنا ردود فعل طبيعية لمواقف معيّنة ويعبر عن مشاعر وأحاسيس إنسانية في تلك المواقف. (هنا يمكننا المقارنة بقول الشاعر والناقد الإنجليزي الكبير من القرن الثامن عشر، سامويل جونسون: «إن الشعر يخص أهواء الناس التي لا تتغير، بدلاً من عادات الناس التي تتغير وتختلف من شعب إلى آخر»(7)). وإذا وافقنا أرسطو وسلمنا بأن الشعر بطبعه إنساني وعالمي ـ وهو مبدأ ظلّ سائداً منذ وقت أرسطو ـ فمن المنطقي أن يكون مقياس الشعر عالميّاً أيضاً. وهذا يعود بنا إلى الوحدة العضوية، المقياس الأساسي والشامل للصنعة الأدبية.
البنية أو الهيكل أهم عامل لخلود نتاج الروح.
Charles Baudelaire, «Notes nouvelles sur Edgar Poe»
الشعر العربي القديم، ونقصد هنا بصفة عامة الشعر الذي يعود نظمه إلى ما بين سنة 500 ميلادية وسنة 656 هجرية/1258 ميلادية، أو ما يتضمنه عصر ما قبل الإسلام وعصر صدر الإسلام والعصران الأموي والعباسي، كان دائماً يُعتبر من قبل العرب أنفسهم إنجازاً ثقافيّاً عظيماً.(1) ففي الحقبة ذاتها أشار النقاد إلى الشعر العربي كدليل واضح على بلاغة العرب، وهي ملكة في نظر هؤلاء يمتاز بها العرب على بقية شعوب العالم. وفي تلك الحقبة قام الرواة بجمع كم هائل من الشعر ثم تدوينه، واستمر من تبعهم في حفظ الدواوين ورعايتها إلى يومنا هذا. وبالتالي لا يُعد غريباً في العصر الحديث أن نسمع عالماً عربيّاً يشيد بالشعر القديم ويتحدث عن المساهمة الحضارية الكبرى من الشعراء القدماء، ونذكر هنا ملاحظات جرجي زيدان (ت 1914) على سبيل المثال: «... قد ترتب على هذا التفاوت في المواهب امتياز كل أمة بآداب أجادت فيها... كامتياز اليونان بالفلسفة والشعر القصصي والتمثيل... وامتاز الرومان بوضع الشرائع والنظم السياسية والاجتماعية... وامتاز الهنود بوضع القصص الخرافية على ألسنة الحيوانات... وأما العرب فقد ملأوا الدنيا شعراً».(2)
ومع ذلك، تعرضت القصيدة العربية القديمة إلى هجوم في الغرب خلال القرن ونصف القرن الماضي حيث اُتهمت بالتفكك، وفي بعض الأحيان بالتصنع والرتابة. فنجد النحوي الألماني ويلهالم أهلواردت عام 1856 يعلق على القصيدة العربية قائلاً: «إنها ليست وحدة متكاملة أبداً».(3) أصبح ذلك المعتقد السلبي أن القصيدة العربية لا تتسم بالتلاحم سائراً بين المستشرقين وأدى إلى إلقاء مصطلحات عليها مثل «ذرية» أو «نووية»، كما ورد في موسوعة الإسلام (الطبعة الأولى، 1934): «الشعر العربي في جوهره نووي؛ فهو سلسلة أقوال متفرقة قابلة للتراكم ولكن غير قابلة للجمع والانسجام».(4) ولقي هذا الحكم الصادر عن الغرب تقبلاً من قبل عدة نقاد عرب، وظلّ هذا يتردد في أوساط علمية حتى سبعينات القرن الماضي. أما في العصر الحالي، فأبرز مؤيد لنظرية «الذرية» هو أستاذ الأدب العربي بجامعة أوكسفورد في بريطانيا، جيرت فان جيلدر- على أنه لا يلوم الشعر العربي القديم في عدم تلاحمه. وبنظره إن القصائد العربية القديمة لم تكن تهدف إلى التلاحم أصلاً. ولكن قبل مناقشة أفكاره النقدية، من المفيد أولاً أن نعيد الأدراج ونستذكر المناقشات الأساسية حول مفهوم الوحدة العضوية.
ورد أول طرح لهذا المفهوم في حوار جرى بين العالم الإغريقي الشهير سقراط وطالبه فايدروس، حوار سجله أفلاطون طالب سقراط الآخر. في الحوار يذكر سقراط أن كل مقال لا بد أن يتخذ شكلاً محدداً يوجد فيه كل جزء في موقعه الطبيعي. بهذا الصدد يقول: «من المفترض أن يشبه كل مقال كائناً حيّاً بجسمه الخاص، فهو ناقص طبعاً لو افتقر إلى رأس أو قدميْن. هكذا فمن المفترض أن يوجد بالمقال وسطٌ وطرَفان تتناسق أجزاؤهما وتنسجم مع الكل». ويضرب مثالاً على عمل فني غير موفق، قطعة رثاء تتكون من أربعة أبيات يمكن قراءتها في أي ترتيب دون أن يؤثر ترتيب القراءة في المعنى، لذلك فلا يمتلك بداية ولا وسطاً ولا نهاية. وحسب قول سقراط أيضاً يجب أن تتعلق جميع أجزاء المقال بالفكرة الرئيسة.(5) ثم أضاف أرسطو إلى ما تقدم به سقراط، موضحاً بأن اتحاد الأعضاء يجب أن يكون كاملاً بحيث «يختل ويهتز الكل إذا تم نقل أو سحب أي عضو منها».(6) ومنذ ذلك الحين بقيت هذه الأفكار (أو مفهوم الوحدة العضوية باختصار) بمثابة نقطة الارتكاز في مجال النقد الأدبي.
غير أنه من المحتمل أن نسمع ممن يرغب في صد النقد الاستشراقي التقليدي عن تراث الشرق أن الوحدة العضوية مفهوم غربي دخيل وغير صالح لتقييم القصائد العربية. وردّاً على هذا الرأي نستدعي رأي أرسطو من جديد. ففي رسالته عن الشعر، في سياق مقارنة يعقدها بين التاريخ والشعر، يصرح بأن التاريخ يعالج الوقع المعيّن ـ ما قد حدث بالفعل ـ بينما يعالج الشعر العام أو المشترك ـ ما قد يحدث لأي واحد منا. إن الشعر بنظر أرسطو يعبر عن شعور يشعر به الإنسان في موقف ما، ومن ثَمَّ طالما فهمنا موقف الشاعر فباستطاعتنا تصور أنفسنا مكانه والتعاطف معه. هكذا يكون الشعر إنسانيّاً وعالميّاً: يُظهر لنا ردود فعل طبيعية لمواقف معيّنة ويعبر عن مشاعر وأحاسيس إنسانية في تلك المواقف. (هنا يمكننا المقارنة بقول الشاعر والناقد الإنجليزي الكبير من القرن الثامن عشر، سامويل جونسون: «إن الشعر يخص أهواء الناس التي لا تتغير، بدلاً من عادات الناس التي تتغير وتختلف من شعب إلى آخر»(7)). وإذا وافقنا أرسطو وسلمنا بأن الشعر بطبعه إنساني وعالمي ـ وهو مبدأ ظلّ سائداً منذ وقت أرسطو ـ فمن المنطقي أن يكون مقياس الشعر عالميّاً أيضاً. وهذا يعود بنا إلى الوحدة العضوية، المقياس الأساسي والشامل للصنعة الأدبية.
Page 2
إضافة إلى ذلك، فإنه من الخطير جدّاً الافتراض بأن الوحدة العضوية مبدأ جمالي ظهر عند الحضارة الغربية، ولو أن فيلسوفيْن إغريقييْن ينتميان إلى القرن الرابع قبل الميلاد (أي أفلاطون وأرسطو) أول من دوّنا المبدأ بحسب علمنا. فقد كان المصريون القدامى على دراية تامة بالمبدأ حتماً عندما بنوا الأهرام العظيمة. حقّاً، فمن الصعب العثور على عمل فني أو معماري آخر يتصف بالوحدة بصورة أكمل. إن كل هرم يتكون من قاعدة ووسط وقمة حيث تبدو الأجزاء للمشاهد كشكل واحد. وعلى الرغم من استعمال مليون ونصف المليون قطعة على وجه التقريب، في بناء هرم خوفو مثلاً، فإنه من المتعذر علينا أن لا نلحظ أي قطعة مضافة ولا نحكم عليها بالزيادة. وإن أزيلت قطعة واحدة منها أصبحت البنية كلها ناقصة. وهكذا يبدو أن مبدأ التلاصق البنيوي، بالأحرى، ينبثق من رغبة إنسانية في خلق نظام من فوضى، وفي بناء وحدة من أجزاء مبعثرة.
وعليه ينبغي قياس الشعر العربي القديم بمقياس الوحدة العضوية وإثبات وحدته وتمسكه، إذا أردنا نبذ الانتقاد الاستشراقي التقليدي.
لكن من الأنسب، في رأي الأستاذ فان جيلدر، أن نكف عن المطالبة بوجود الوحدة العضوية في الشعر العربي القديم. وفي كتابه (Beyond the Line: Classical Arabic Literary Critics on the Coherence and Unity of the Poem, 1982) يسعى إلى إظهار عدم اهتمام النقاد العرب القدماء بالتلاصق البنيوي ذاكراً أمثلة تدل على اهتمام هؤلاء بجودة البيت المنفرد. وفي خاتمته يشير إلى اللامبالاة منهم على حد اعتباره بشأن السياق، ويصل إلى استنتاج مفاده أن الشعراء أنفسهم لم يدركوا أهمية الوحدة أصلاً في الشعر، وبالتالي لم يهدفوا إلى نظم قصائد متلاصقة (الظاهر، حسب هذا الرأي، أن الشعراء لم يجدوا غضاضة في خلق أشعارهم بطريقة عارضة وعشوائية).
من الواضح أن منطق فان جيلدر ـ انطلاقاً من تركيز بعض النقاد على تفرد البيت الواحد وصولاً إلى استخلاص ما لم يكن في حسبان الشعراء ـ أخرق نوعاً ما. وزدْ على ذلك أن انشغاله بعدم إشارة النقاد إلى الوحدة العضوية يتضمن رؤية للنقد الأدبي غير مرتبطة بالزمن. ففي العصور السابقة للعصر الحديث، اتخذ الناقد مسؤولية الحكم على العمل الفني، من خلال اختباره، ومن ثَمَّ الإقرار بالجيد وذم الرديء، كي يتعلم ويتهذب الشعراء ويرتقي المجتمع. ويتطابق هذا مع ما نجده في كتاب(Literary Criticism in Medieval Arabic-Islamic Culture, 1997) للباحثة وين ـ شين أويانغ، حيث تبيّن أن مفهوم النقد قديماً يعني تنقية القيّم من بين الأشعار المنظومة وفضح الساقط منها وكشف حالات السرقة.(8) وفي القرن الثامن عشر كان النقد لا يزال يعني ـ بالأساس ـ الحكم، كما يظهر لنا من قراءة بسيطة في أعمال سامويل جونسون مثلاً. وظلّ مفهوم النقد يُفهم على هذا النحو حتى جاء سامويل تايلور كولوريدج، الشاعر والناقد الإنجليزي البارز، وارتأى عام 1817 أن القصيدة المعتمدة أو الصحيحة «لا بد أن تشكل وحدة، بحيث تساند وتشرح الأجزاء بعضها بعضاً»،(9) وبعد ذلك أصبح النقاد يعتبرون أن وظيفتهم كشف ترابط القصيدة وتبيين طريقة التوحد. بالطبع، الكشف عن الوحدة العضوية الذي شرع فيه النقاد لزم منهم تفسير معنى القصيدة الجوهري وتوضيح أهمية كل جزء فيما يتعلق بهذا المعنى. وهكذا وصلنا مع مرور الوقت إلى المفهوم الحديث للنقد الأدبي، أي محاولة تفسير الرسالة آخذة جميع الأجزاء في الاعتبار.
يختتم فان جيلدر الكتاب بطلب بسيط ألا وهو أن نترك القصيدة العربية القديمة تتفكك، مصرّاً على أنها ما زالت قابلة للتقدير رغم عدم ترابطها.(10) ويضيف إلى ذلك في مقالة يقارن فيها بين متعة قراءة قصيدة متفككة ومتعة تناول طعام متعدد الوجبات. حسب فان جيلدر، عندما يقرأ المرء القصيدة أو يتناول الطعام «لا يتأمل الكل ولا يقارن بين ما قد مضى وما هو موجود وما هو قادم، وإنما يتلذذ بكل جزء على حدة».(11) لذا يدعونا أن نجلس ونسترخي ونستمتع بما يُقدّم لنا، دون الإفراط في التأمل (علماً بأن هذا قد يسبب سوء الهضم).
بيد أن الوضع في مجال نقد القصائد العربية القديمة، كما سبقت الإشارة إليه، بات يتغير منذ سبعينات القرن الماضي. ونجد فان جيلدر، على الرغم من احتلاله منصباً مرموقاً في أوكسفورد، يُعتبر من القليلين الذين يروجون الآن فكرة «الذرية». وقد همّ عدد كبير من الباحثين، منهم ريموند شيندلين وكمال أبو ديب وعدنان حيدر وأندراس هاموري وستيفان سبيرل وجيمز مونتجوميري وجولي ميسامي وياروسلاف ستيتكيفيتش وسوزان ستيتكيفتش وجيمز مونرو، بدراسة الشعر العربي القديم من جديد وأعادوا النظر فيه. على سبيل التحديد ركزوا على القصيدة بدلاً من التركيز على الأبيات بشكل منفصل وأقوال النقاد القدماء. وفي تحليلاتهم أخذوا يثبتون أن القصيدة تتسم بقدر كبير من التلاصق والانسجام.
وتثبت الوحدة العضوية في الشعر العربي القديم إذا ما نظرنا إلى هيكله، الذي يعتمد كثيراً على النظم الدائري وهو على الأرجح أسلوب النظم الأكثر انتشاراً في هذا الشعر. خلافاً للقصيدة المنظومة على هيئة تتابعية، القصيدة المنظومة وفقاً لمبادئ النظم الدائري تسلك مسلكاً دائريّاً يعود بعد تجاوز الوسط إلى ما تقدم ويعود عند النهاية إلى نقطة البداية (على هيئة: أ ـ ب ـ ج ـ ب1 ـ أ1) ـ وهذا النمط سيتبين أكثر عند مناقشتنا القصائد. لقد اُكتشفت في العصر الحديث أمثلة كثيرة من النظم الدائري في أدبيات مختلفة قديمة وحديثة.(12) وصاحب الفضل في اكتشاف هذا الأسلوب في الأدب العربي هو جيمس مونرو، حيث بيّنه في عدة أعمال من النثر والشعر وخصوصاً في أزجال ابن قزمان الأندلسي (ت 555/1160). وتُبنى دراستنا هذه على أساس بحث مونرو بما أنها تسعى لإثبات أن النظم الدائري شائع في الشعر العربي القديم، إذ نجده في أزمنة مختلفة من القرن السادس الميلادي حتى القرن الثالث عشر، وفي أماكن مختلفة من شبه الجزيرة العربية إلى الأندلس، وفي ميادين أدبية مختلفة كالمدح والهجاء والفخر والغزل.
وعليه ينبغي قياس الشعر العربي القديم بمقياس الوحدة العضوية وإثبات وحدته وتمسكه، إذا أردنا نبذ الانتقاد الاستشراقي التقليدي.
لكن من الأنسب، في رأي الأستاذ فان جيلدر، أن نكف عن المطالبة بوجود الوحدة العضوية في الشعر العربي القديم. وفي كتابه (Beyond the Line: Classical Arabic Literary Critics on the Coherence and Unity of the Poem, 1982) يسعى إلى إظهار عدم اهتمام النقاد العرب القدماء بالتلاصق البنيوي ذاكراً أمثلة تدل على اهتمام هؤلاء بجودة البيت المنفرد. وفي خاتمته يشير إلى اللامبالاة منهم على حد اعتباره بشأن السياق، ويصل إلى استنتاج مفاده أن الشعراء أنفسهم لم يدركوا أهمية الوحدة أصلاً في الشعر، وبالتالي لم يهدفوا إلى نظم قصائد متلاصقة (الظاهر، حسب هذا الرأي، أن الشعراء لم يجدوا غضاضة في خلق أشعارهم بطريقة عارضة وعشوائية).
من الواضح أن منطق فان جيلدر ـ انطلاقاً من تركيز بعض النقاد على تفرد البيت الواحد وصولاً إلى استخلاص ما لم يكن في حسبان الشعراء ـ أخرق نوعاً ما. وزدْ على ذلك أن انشغاله بعدم إشارة النقاد إلى الوحدة العضوية يتضمن رؤية للنقد الأدبي غير مرتبطة بالزمن. ففي العصور السابقة للعصر الحديث، اتخذ الناقد مسؤولية الحكم على العمل الفني، من خلال اختباره، ومن ثَمَّ الإقرار بالجيد وذم الرديء، كي يتعلم ويتهذب الشعراء ويرتقي المجتمع. ويتطابق هذا مع ما نجده في كتاب(Literary Criticism in Medieval Arabic-Islamic Culture, 1997) للباحثة وين ـ شين أويانغ، حيث تبيّن أن مفهوم النقد قديماً يعني تنقية القيّم من بين الأشعار المنظومة وفضح الساقط منها وكشف حالات السرقة.(8) وفي القرن الثامن عشر كان النقد لا يزال يعني ـ بالأساس ـ الحكم، كما يظهر لنا من قراءة بسيطة في أعمال سامويل جونسون مثلاً. وظلّ مفهوم النقد يُفهم على هذا النحو حتى جاء سامويل تايلور كولوريدج، الشاعر والناقد الإنجليزي البارز، وارتأى عام 1817 أن القصيدة المعتمدة أو الصحيحة «لا بد أن تشكل وحدة، بحيث تساند وتشرح الأجزاء بعضها بعضاً»،(9) وبعد ذلك أصبح النقاد يعتبرون أن وظيفتهم كشف ترابط القصيدة وتبيين طريقة التوحد. بالطبع، الكشف عن الوحدة العضوية الذي شرع فيه النقاد لزم منهم تفسير معنى القصيدة الجوهري وتوضيح أهمية كل جزء فيما يتعلق بهذا المعنى. وهكذا وصلنا مع مرور الوقت إلى المفهوم الحديث للنقد الأدبي، أي محاولة تفسير الرسالة آخذة جميع الأجزاء في الاعتبار.
يختتم فان جيلدر الكتاب بطلب بسيط ألا وهو أن نترك القصيدة العربية القديمة تتفكك، مصرّاً على أنها ما زالت قابلة للتقدير رغم عدم ترابطها.(10) ويضيف إلى ذلك في مقالة يقارن فيها بين متعة قراءة قصيدة متفككة ومتعة تناول طعام متعدد الوجبات. حسب فان جيلدر، عندما يقرأ المرء القصيدة أو يتناول الطعام «لا يتأمل الكل ولا يقارن بين ما قد مضى وما هو موجود وما هو قادم، وإنما يتلذذ بكل جزء على حدة».(11) لذا يدعونا أن نجلس ونسترخي ونستمتع بما يُقدّم لنا، دون الإفراط في التأمل (علماً بأن هذا قد يسبب سوء الهضم).
بيد أن الوضع في مجال نقد القصائد العربية القديمة، كما سبقت الإشارة إليه، بات يتغير منذ سبعينات القرن الماضي. ونجد فان جيلدر، على الرغم من احتلاله منصباً مرموقاً في أوكسفورد، يُعتبر من القليلين الذين يروجون الآن فكرة «الذرية». وقد همّ عدد كبير من الباحثين، منهم ريموند شيندلين وكمال أبو ديب وعدنان حيدر وأندراس هاموري وستيفان سبيرل وجيمز مونتجوميري وجولي ميسامي وياروسلاف ستيتكيفيتش وسوزان ستيتكيفتش وجيمز مونرو، بدراسة الشعر العربي القديم من جديد وأعادوا النظر فيه. على سبيل التحديد ركزوا على القصيدة بدلاً من التركيز على الأبيات بشكل منفصل وأقوال النقاد القدماء. وفي تحليلاتهم أخذوا يثبتون أن القصيدة تتسم بقدر كبير من التلاصق والانسجام.
وتثبت الوحدة العضوية في الشعر العربي القديم إذا ما نظرنا إلى هيكله، الذي يعتمد كثيراً على النظم الدائري وهو على الأرجح أسلوب النظم الأكثر انتشاراً في هذا الشعر. خلافاً للقصيدة المنظومة على هيئة تتابعية، القصيدة المنظومة وفقاً لمبادئ النظم الدائري تسلك مسلكاً دائريّاً يعود بعد تجاوز الوسط إلى ما تقدم ويعود عند النهاية إلى نقطة البداية (على هيئة: أ ـ ب ـ ج ـ ب1 ـ أ1) ـ وهذا النمط سيتبين أكثر عند مناقشتنا القصائد. لقد اُكتشفت في العصر الحديث أمثلة كثيرة من النظم الدائري في أدبيات مختلفة قديمة وحديثة.(12) وصاحب الفضل في اكتشاف هذا الأسلوب في الأدب العربي هو جيمس مونرو، حيث بيّنه في عدة أعمال من النثر والشعر وخصوصاً في أزجال ابن قزمان الأندلسي (ت 555/1160). وتُبنى دراستنا هذه على أساس بحث مونرو بما أنها تسعى لإثبات أن النظم الدائري شائع في الشعر العربي القديم، إذ نجده في أزمنة مختلفة من القرن السادس الميلادي حتى القرن الثالث عشر، وفي أماكن مختلفة من شبه الجزيرة العربية إلى الأندلس، وفي ميادين أدبية مختلفة كالمدح والهجاء والفخر والغزل.
Page 3
تبعاً للنهج الحديث في النقد الأدبي، تركز هذه الدراسة على قصائد معيّنة وتقدم تفسيرات لمغازيها. وقد تم اختيار القصائد التالية نظراً لأهميتها في التراث وتمثيلها لأزمنة وأمكنة وأنواع أدبية مختلفة. وهي: معلقة امرئ القيس (ت 542) ولامية العرب للشنفرى (ت حوالى 575) ومعلقة لبيد (ت حوالى 40/661) وثلاث قصائد رثاء للخنساء (ت حوالى 25/646) وقصيدة غزل لجميل (ت 82/701) وقصيدة هجاء لجرير (ت حوالى 111/730) وخمرية لأبي نواس (ت حوالى 200/815) وقصيدة مدح لأبي تمام (ت حوالى 232/846) وقصيدة مدح للمتنبي (ت 354/965) وغزل لابن زيدون (ت 463/1071) وقصيدتا زجل لابن قزمان (ت 555/1160) وخمرية صوفية لابن الفارض (ت 632/1235) وقصيدة تصف تجربة تاجر لبهاء الدين زهير (ت 656/1258).
بالطبع تفسير مغزى الشعر مشروع شخصي قد يسفر عن قراءات متباعدة حسب تركيز ومهارات القارئ. في هذا السياق ذكر الناقد الأمريكي هارولد بلوم أن القارئ القوي «يجد نفسه في ورطة مَن يريد إعادة تدوين الماضي، فمن جهة يرغب في اكتشاف علاقته بالحقيقة... ومن جهة أخرى يرغب في فتح النصوص الموروثة لتتقبل معاناته الشخصية، أو ما يريد تسميته معاناة التاريخ».(13) ولسنا بصدد الزعم بأن ما يلي أكثر من مجرد قراءات شخصية للقصائد، ومن المعروف أن الأعمال العظيمة بطبيعتها قابلة لقراءات متعددة. ولكن يبدو أنه من الحكمة استذكار قول أليكساندر بوب من «إنشاء حول النقد»:
أنت الذي يود الحكم بالطريقة السليمة،
اِعرفْ جيداً شخصية كل شاعر قديم؛
وقصته وموضوعه وغرضه في كل صفحة،
ودينه ووطنه والمنطق السائد في عصره:
بدون هذه الاعتبارات جميعاً أمام البصر،
قد تثير اعتراضات تافهة ولكنك لن تنتقد.
وعليه حاولنا عدم الانجراف والابتعاد في تيار تأويل خاص يؤدي إلى قراءات تعني شخصاً واحداً فقط، بل سعينا قدر المستطاع أن نستذكر سياق الشاعر التاريخي والأدبي وأن نقرأ كل قصيدة تمشّياً وتعاطفاً مع الشاعر.
إيضاحاً، نصرح في البداية أن هذه الدراسة تستهدف ثلاثة أغراض أساسية. أولاً، تسعى إلى توفير مقدمة شاملة للشعر العربي القديم. ثانيّاً، تسعى إلى توسيع نطاق الرؤية وتقديم القصائد في ضوء أشمل بحيث يسهل على القارئ المقارنة بين الحضارات. من المؤمل ألا ينظر القارئ إلى القصائد كأنها من تراث منفصل ـ مع أن القصائد فريدة بلا شك ومنتمية إلى تراث فذ في سجل الإنسانية ـ بل المؤمل أن ينظر إليها كجزء لا يتجزأ من تراث واحد عظيم متعدد الثقافات. وثالثاً، تحاول الدراسة أن تضيف إلى الحوار الذي يدور حول موضوع التلاصق وأن تشارك في دفن ذلك المعتقد الغريب الذي يقول بعدم تلاحم الشعر العربي القديم.
الفصل الأول
انتصار امرئ القيس
بالطبع تفسير مغزى الشعر مشروع شخصي قد يسفر عن قراءات متباعدة حسب تركيز ومهارات القارئ. في هذا السياق ذكر الناقد الأمريكي هارولد بلوم أن القارئ القوي «يجد نفسه في ورطة مَن يريد إعادة تدوين الماضي، فمن جهة يرغب في اكتشاف علاقته بالحقيقة... ومن جهة أخرى يرغب في فتح النصوص الموروثة لتتقبل معاناته الشخصية، أو ما يريد تسميته معاناة التاريخ».(13) ولسنا بصدد الزعم بأن ما يلي أكثر من مجرد قراءات شخصية للقصائد، ومن المعروف أن الأعمال العظيمة بطبيعتها قابلة لقراءات متعددة. ولكن يبدو أنه من الحكمة استذكار قول أليكساندر بوب من «إنشاء حول النقد»:
أنت الذي يود الحكم بالطريقة السليمة،
اِعرفْ جيداً شخصية كل شاعر قديم؛
وقصته وموضوعه وغرضه في كل صفحة،
ودينه ووطنه والمنطق السائد في عصره:
بدون هذه الاعتبارات جميعاً أمام البصر،
قد تثير اعتراضات تافهة ولكنك لن تنتقد.
وعليه حاولنا عدم الانجراف والابتعاد في تيار تأويل خاص يؤدي إلى قراءات تعني شخصاً واحداً فقط، بل سعينا قدر المستطاع أن نستذكر سياق الشاعر التاريخي والأدبي وأن نقرأ كل قصيدة تمشّياً وتعاطفاً مع الشاعر.
إيضاحاً، نصرح في البداية أن هذه الدراسة تستهدف ثلاثة أغراض أساسية. أولاً، تسعى إلى توفير مقدمة شاملة للشعر العربي القديم. ثانيّاً، تسعى إلى توسيع نطاق الرؤية وتقديم القصائد في ضوء أشمل بحيث يسهل على القارئ المقارنة بين الحضارات. من المؤمل ألا ينظر القارئ إلى القصائد كأنها من تراث منفصل ـ مع أن القصائد فريدة بلا شك ومنتمية إلى تراث فذ في سجل الإنسانية ـ بل المؤمل أن ينظر إليها كجزء لا يتجزأ من تراث واحد عظيم متعدد الثقافات. وثالثاً، تحاول الدراسة أن تضيف إلى الحوار الذي يدور حول موضوع التلاصق وأن تشارك في دفن ذلك المعتقد الغريب الذي يقول بعدم تلاحم الشعر العربي القديم.
الفصل الأول
انتصار امرئ القيس
Page 4
شغل الحياة أن نتقدم
Samuel Johnson, The Idler
أول قصيدة نقرأها هي المعلقة لامرئ القيس (ت 542 م) لكون صاحبها من أقدم شعراء عصر ما قبل الإسلام ولكونه بالطبع شاعراً عظيماً. وتفيد المصادر بشخصية جريئة وجذابة بدرجة فائقة. قيل إنه ابن حُجر آخر ملوك كندة، وكندة قبيلة يمنية كانت قد انتقلت شمالاً وصارت عند ولادة الشاعر (حوالى 500 م) تسيطر على وسط شبه الجزيرة العربية. لكن ميل الشاعر المستمر نحو نظم الغزل وإثارة الفضائح أزعج والده حتى طرده، فانضم الابن إلى مجموعة صعاليك وكرس وقته للصيد والشرب ومطاردة الصبايا اللواتي عثر عليهن. وحين أتاه خبر مقتل أبيه من قبل متمردين، لم يدع الخبر يؤثر في لعبة النرد التي كان بصددها وقتذاك، وحث شريكه على القيام بدوره قائلاً: «اليوم خمر وغداً أمر».(14) بعد الإسراف في الشرب بدأ حملة انتقامية في اليوم التالي هدفها قتل مائة رجل من عشيرة المتمردين، وكان في صدد تحقيق مراده إلى أن تخلى عنه حلفاؤه، فاتجه إلى قبائل أخرى طالباً المساعدة. وتنقل بينها لفترة يطلب النصر من غير نتيجة، وأخيراً دفعته الرغبة في الانتقام واسترداد سلطة أبيه إلى زيارة بلاط الامبراطور جوستنيان في القسطنطينية. تعاطف جوستنيان معه وبعث معه جيشاً إلا أنه فيما بعد أرسل له ثوباً مسموماً كهدية شخصية (كان قد علم أن امرأ القيس، خلال نزوله على البلاط، أقام علاقة غرامية مع ابنته(15)). ولحقت الهدية به حين كان يقترب من أنقرة فأصيب بقروح صديدية ومات. لذلك يلقب أحياناً بـ«ذي القروح» وأحياناً بـ«الملك الضليل»، غير أن «امرأ القيس» إنما هو لقبٌ أيضاً (اسمه الأصلي حُندُج) يعني «رجل الشدة».
تلك باختصار سيرة امرئ القيس الأسطورية. وحديثاً أصبح بإمكاننا، بفضل البحث القيم لعرفان شهيد، أن ندقق أكثر ونتحدث بثقة عما جرى على الأقل في نهاية حياته. يُذكر أن التفصيل بشأن الثوب المسموم مستعار من قصة «نيسوس» الإغريقية. لكن، كما يؤكد لنا د.شهيد، الراجح أن امرأ القيس اتجه بالفعل إلى القسطنطينية ليستعين بالامبراطور. فقد كان الروم متعاهدين مع كندة منذ سنة 502 وأرسلوا إليها بين سنتيْ 530 و531 بعثة دبلوماسية من أجل التحالف ضد الفرس، فلم يكن غريباً للملك المزعوم أن يتوجه إلى الروم ليحصل على العون في حملته ضد أعدائه. أما إذا كان قد وصل إلى القسطنطينية فذلك يبقى مجهولاً، ولكن الظاهر أن الشاعر كان موجوداً في أنقرة عندما حل على المدينة الطاعون الدملي سنة 542، وهو الطاعون الذي تفشى في أنحاء منطقة الشرق الأدنى خلال السنوات ما بين 541 و544، فأصيب امرؤ القيس وفي أنقرة مات ودفن.(16)
أما بالنسبة إلى امرئ القيس الشاعر، فكان مشهوراً في العصر القديم كصاحب الفضل في إدخال مواضيع عديدة على الشعر، وعموماً يُعتبر أول شاعر عربي عظيم. صحيح أن الشعراء العرب السابقين له هم وراء ستار من الغموض، إلا أنه من الراجح جدّاً أن الشاعر كان ـ خلافاً للظن السائد في العصر القديم ـ يساهم في تراث قائم آنذاك ويعالج مواضيع مألوفة، إذ من الصعب أن نتصور فنّاناً يخترع ويبتكر من العدم. ويدل رقي الفن في القصيدة في هذه المرحلة على مدة طويلة سابقة من التطور. إذن الأصح ألا نعتبر امرأ القيس أول شاعر عربي عظيم، بل أول شاعر عربي عظيم نعرفه.
المعلقة التي سنقرأها واحدة من سبع ـ أوعشر حسب الرواية ـ معلقات من عصر ما قبل الإسلام التي قيل إنها كتبت بماء الذهب وعلقت على جدار الكعبة. ومعلقة امرئ القيس عادة ما تنسب إلى مرحلة شباب الشاعر قبل مقتل أبيه. هذه النسبة تبدو منطقية لأن القصيدة خالية من إشارات إلى الثأر، وهو موضوع يرد في عدة قصائد له؛ وفي الوقت نفسه لا تنم عن قلة الخبرة؛ وعليه فيمكن نسبتها إلى أواخر شبابه. ومنذ إنشادها للمرة الأولى استقبلت بترحاب شديد وإعجاب، وليس من المبالغ القول بأن معلقة امرئ القيس أشهر قصيدة على الاطلاق والأبعد تأثيراً في الشعر العربي.
Samuel Johnson, The Idler
أول قصيدة نقرأها هي المعلقة لامرئ القيس (ت 542 م) لكون صاحبها من أقدم شعراء عصر ما قبل الإسلام ولكونه بالطبع شاعراً عظيماً. وتفيد المصادر بشخصية جريئة وجذابة بدرجة فائقة. قيل إنه ابن حُجر آخر ملوك كندة، وكندة قبيلة يمنية كانت قد انتقلت شمالاً وصارت عند ولادة الشاعر (حوالى 500 م) تسيطر على وسط شبه الجزيرة العربية. لكن ميل الشاعر المستمر نحو نظم الغزل وإثارة الفضائح أزعج والده حتى طرده، فانضم الابن إلى مجموعة صعاليك وكرس وقته للصيد والشرب ومطاردة الصبايا اللواتي عثر عليهن. وحين أتاه خبر مقتل أبيه من قبل متمردين، لم يدع الخبر يؤثر في لعبة النرد التي كان بصددها وقتذاك، وحث شريكه على القيام بدوره قائلاً: «اليوم خمر وغداً أمر».(14) بعد الإسراف في الشرب بدأ حملة انتقامية في اليوم التالي هدفها قتل مائة رجل من عشيرة المتمردين، وكان في صدد تحقيق مراده إلى أن تخلى عنه حلفاؤه، فاتجه إلى قبائل أخرى طالباً المساعدة. وتنقل بينها لفترة يطلب النصر من غير نتيجة، وأخيراً دفعته الرغبة في الانتقام واسترداد سلطة أبيه إلى زيارة بلاط الامبراطور جوستنيان في القسطنطينية. تعاطف جوستنيان معه وبعث معه جيشاً إلا أنه فيما بعد أرسل له ثوباً مسموماً كهدية شخصية (كان قد علم أن امرأ القيس، خلال نزوله على البلاط، أقام علاقة غرامية مع ابنته(15)). ولحقت الهدية به حين كان يقترب من أنقرة فأصيب بقروح صديدية ومات. لذلك يلقب أحياناً بـ«ذي القروح» وأحياناً بـ«الملك الضليل»، غير أن «امرأ القيس» إنما هو لقبٌ أيضاً (اسمه الأصلي حُندُج) يعني «رجل الشدة».
تلك باختصار سيرة امرئ القيس الأسطورية. وحديثاً أصبح بإمكاننا، بفضل البحث القيم لعرفان شهيد، أن ندقق أكثر ونتحدث بثقة عما جرى على الأقل في نهاية حياته. يُذكر أن التفصيل بشأن الثوب المسموم مستعار من قصة «نيسوس» الإغريقية. لكن، كما يؤكد لنا د.شهيد، الراجح أن امرأ القيس اتجه بالفعل إلى القسطنطينية ليستعين بالامبراطور. فقد كان الروم متعاهدين مع كندة منذ سنة 502 وأرسلوا إليها بين سنتيْ 530 و531 بعثة دبلوماسية من أجل التحالف ضد الفرس، فلم يكن غريباً للملك المزعوم أن يتوجه إلى الروم ليحصل على العون في حملته ضد أعدائه. أما إذا كان قد وصل إلى القسطنطينية فذلك يبقى مجهولاً، ولكن الظاهر أن الشاعر كان موجوداً في أنقرة عندما حل على المدينة الطاعون الدملي سنة 542، وهو الطاعون الذي تفشى في أنحاء منطقة الشرق الأدنى خلال السنوات ما بين 541 و544، فأصيب امرؤ القيس وفي أنقرة مات ودفن.(16)
أما بالنسبة إلى امرئ القيس الشاعر، فكان مشهوراً في العصر القديم كصاحب الفضل في إدخال مواضيع عديدة على الشعر، وعموماً يُعتبر أول شاعر عربي عظيم. صحيح أن الشعراء العرب السابقين له هم وراء ستار من الغموض، إلا أنه من الراجح جدّاً أن الشاعر كان ـ خلافاً للظن السائد في العصر القديم ـ يساهم في تراث قائم آنذاك ويعالج مواضيع مألوفة، إذ من الصعب أن نتصور فنّاناً يخترع ويبتكر من العدم. ويدل رقي الفن في القصيدة في هذه المرحلة على مدة طويلة سابقة من التطور. إذن الأصح ألا نعتبر امرأ القيس أول شاعر عربي عظيم، بل أول شاعر عربي عظيم نعرفه.
المعلقة التي سنقرأها واحدة من سبع ـ أوعشر حسب الرواية ـ معلقات من عصر ما قبل الإسلام التي قيل إنها كتبت بماء الذهب وعلقت على جدار الكعبة. ومعلقة امرئ القيس عادة ما تنسب إلى مرحلة شباب الشاعر قبل مقتل أبيه. هذه النسبة تبدو منطقية لأن القصيدة خالية من إشارات إلى الثأر، وهو موضوع يرد في عدة قصائد له؛ وفي الوقت نفسه لا تنم عن قلة الخبرة؛ وعليه فيمكن نسبتها إلى أواخر شبابه. ومنذ إنشادها للمرة الأولى استقبلت بترحاب شديد وإعجاب، وليس من المبالغ القول بأن معلقة امرئ القيس أشهر قصيدة على الاطلاق والأبعد تأثيراً في الشعر العربي.
Page 5
ومع ذلك ففي القرن الماضي أصبحت القصيدة الشهيرة موضع شك لدى نقاد غربيين وعرب، حيث أثار الناقد سلومون غاندز عام 1913 شكوكاً حول تناسق القصيدة ولمس فيها صنع راو لاحق. فهو يرى أن «القصيدة لا يمكن وصفها أبداً بالتجانس، وإنما تظهر لنا كعمل شخص همّه أن يختار من قصائد امرئ القيس الأجزاء الأحسن وأن يضعها في قصيدة طويلة مغطاة بقافية واحدة».(17) كذلك أقام طه حسين الدنيا بعد ذلك بـ12 سنة ولم يقعدها زاعماً أن أغلبية الشعر المنسوب إلى عصر ما قبل الإسلام في الحقيقة تعود إلى منتحلين ظهروا بعد صدر الإسلام.(18) ويشمل الشعر المنتحل ديوان امرئ القيس باستثناء أقسام قليلة منه حسب زعمه. وفيما يتعلق بالمعلقة، يقرّ طه حسين باحتمال الصحة والأصالة للجزءين الأخيريْن فقط. ويعتقد أن شخصية الشاعر غائبة عن القصيدة بشكل عام وأن القصيدة ككل تمثل نموذجاً واضحاً للتكلف والتصنع.(19)
يقف وراء هذه التهم كلها الاعتقاد بتفكك القصيدة، ولم تأت أي محاولات من قبل النقاد لتغيير هذا الظن بشأن المعلقة حتى سبعينات القرن الماضي. في ذلك العقد برزت بحوث لكمال أبو ديب وعدنان حيدر تطبّق معايير بنيوية على القصيدة وتظهر أنها مبنية وفقاً لخطة.(20) وتبعتهما سوزان ستيتكيفتش عام 1983 لتنتقد المقاربة البنيوية مما أدى إلى قراءتها الدقيقة للمعلقة عام 1993 بناءً على نظرية المرور باختبار (rite of passage) للمنظّر فان جينيب.(21) ورغم الاختلاف في المقاربة، تُظهر هذه القراءات جميعاً تسلسلاً واحداً في جوهره في القصيدة (سواء من السلبي إلى الإيجابي أو من الحاجة إلى سد الحاجة أو من الافتراق إلى الانضمام) وهكذا تدحض ادعاء عدم الربط. وقراءتنا مستمدة من هذه القراءات وتظهر تسلسلاً مماثلاً غير أنها مستنبطة بشكل رئيسي من تحليل حديث لمحمد صديق.(22) يعتبر الأستاذ صديق القصيدة نموذجاً متقارباً للـ(Bildungsroman) الحديثة، وهي رواية تركز على نمو الشخصية وتطورها الروحي. وفي الحقيقة هذه القصيدة، مثل (Bildungsroman)، ترينا صراعاً يحدث في خلد بطل يحاول أن يتأقلم مع واقعه، وفي النهاية تُغني إدراكنا ووعينا من خلال تجربته.
قبل أن نحلل القصيدة، من المفيد أن نتساءل أولاً لماذا تم نظمها؟ لنستبعد بعض الاحتمالات أولاً. مما يظهر لنا أن القصيدة لم يكن المقصود منها إسعاد ممدوح (كان الإمام علي، كرّم الله وجه، يُجلّ امرأ القيس لعدم تكسبه من شعره وعدم نظمه جراء الرهبة(23)). لقد درس كلنتون بايلي سياق القصيدة البدوية المعاصرة وذكر أنها «تنظم إما من أجل إرسال معلومات معينة هامة أو من أجل التخلص من تبعات تجربة عاطفية عميقة».(24) إذا كان المقصود من المعلقة إرسال معلومات معينة، الأمر الذي يستبعد بسبب كثرة المبالغة فيها والتركيز على شخص واحد، كانت القصيدة ستهم المستمعين الأصليين في المقام الأول وربما المؤرخين بعد ذلك. لكنها ظلت تهم مستمعين طوال 15 قرناً من الزمن. بالتأكيد كانوا وما زالوا يتفاعلون معها، ومن ثم نستنتج أن المعلقة نظمت من أجل التعبير الشخصي. تُرى ماذا قصد امرؤ القيس بشأن تجربته الشخصية، بحيث أنه أثار اهتمام الآخرين كثيراً بصورة متواصلة على مدى عصور؟ فلنول انتباهنا للقصيدة حتى نعرف الإجابة.
المعلقة قابلة للتقسيم إلى خمسة أقسام كما يلي:
أ الأبيات 1-9
ب الأبيات 10-41
ج البيت 42
ب1 الأبيات 43-66
أ1 الأبيات 67-78 (25)
وسنناقش الآن كل قسم على حدة، ثم نقدم تلخيصاً لتشابك الأقسام كي تتضح وحدة القصيدة.
أ
1 قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكـــــْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ بِسِقْطِ اللـِّوَى بَيْنَ الـدَّخُولِ فَحَوْمَلِ(26)
2 فَتُوضِحَ فَــــالمِقْرَاةِ لَمْ يَعْفُ رَسْمُهَا لِمَا نَسَجَتْهَا مِـــنْ جَنُوبٍ وَشَمـــْأَلِ(27)
3 تَــــرَى بَعَرَ الأَرْآمِ فِـــي عَــرَصَاتِهَا وَقِيعَـــانِهَـــا كَــــــأَنّــَهُ حَبُّ فُلْفُلِ
4 كَـأَنِّــي غَـــدَاةَ البَيْنِ يَـــوْمَ تَحَمَّلُوا لَــدَى سَمُرَاتِ الحَــيِّ نَاقِفُ حَنْظَلِ(28)
5 وُقُــوفاً بِهـَا صَحْبِي عَلـــَــيَّ مَطِيَّهُمْ يَقــُولُــونَ لاَ تَهْلِـــكْ أَسًــى وَتَجَمَّلِ
6 وَإِنَّ شِفَـــائِــــــــي عَبْرَةٌ مُهَرَاقَـــةٌ فَهــَلْ عِنْدَ رَسْمٍ دَارِسٍ مِـــنْ مُعَوَّلِ(29)
7 كَــدَأْبِكَ مـِنْ أُمِّ الحُوَيْـــــرِثِ قَبْلَهَا وَجَــارَتِهَا أُمِّ الــرَّبَابِ بِمَــأْسَــــلِ(30)
8 إِذَا قَامَتَــــــا تَضــَوَّعَ المِسْكُ مِنْهُمَا نَسِيمَ الصَّبَا جَــاءَتْ بِرَيّـــَا القَرَنْفُلِ(31)
9 فَفَاضَتْ دُمُـــــوعُ العَيْنِ مِنِّـي صَبَابَةً عَلَى النَّحْرِ حَتَّى بَـلَّ دَمْعِيَ مِحْمَلِي(32)
يقف وراء هذه التهم كلها الاعتقاد بتفكك القصيدة، ولم تأت أي محاولات من قبل النقاد لتغيير هذا الظن بشأن المعلقة حتى سبعينات القرن الماضي. في ذلك العقد برزت بحوث لكمال أبو ديب وعدنان حيدر تطبّق معايير بنيوية على القصيدة وتظهر أنها مبنية وفقاً لخطة.(20) وتبعتهما سوزان ستيتكيفتش عام 1983 لتنتقد المقاربة البنيوية مما أدى إلى قراءتها الدقيقة للمعلقة عام 1993 بناءً على نظرية المرور باختبار (rite of passage) للمنظّر فان جينيب.(21) ورغم الاختلاف في المقاربة، تُظهر هذه القراءات جميعاً تسلسلاً واحداً في جوهره في القصيدة (سواء من السلبي إلى الإيجابي أو من الحاجة إلى سد الحاجة أو من الافتراق إلى الانضمام) وهكذا تدحض ادعاء عدم الربط. وقراءتنا مستمدة من هذه القراءات وتظهر تسلسلاً مماثلاً غير أنها مستنبطة بشكل رئيسي من تحليل حديث لمحمد صديق.(22) يعتبر الأستاذ صديق القصيدة نموذجاً متقارباً للـ(Bildungsroman) الحديثة، وهي رواية تركز على نمو الشخصية وتطورها الروحي. وفي الحقيقة هذه القصيدة، مثل (Bildungsroman)، ترينا صراعاً يحدث في خلد بطل يحاول أن يتأقلم مع واقعه، وفي النهاية تُغني إدراكنا ووعينا من خلال تجربته.
قبل أن نحلل القصيدة، من المفيد أن نتساءل أولاً لماذا تم نظمها؟ لنستبعد بعض الاحتمالات أولاً. مما يظهر لنا أن القصيدة لم يكن المقصود منها إسعاد ممدوح (كان الإمام علي، كرّم الله وجه، يُجلّ امرأ القيس لعدم تكسبه من شعره وعدم نظمه جراء الرهبة(23)). لقد درس كلنتون بايلي سياق القصيدة البدوية المعاصرة وذكر أنها «تنظم إما من أجل إرسال معلومات معينة هامة أو من أجل التخلص من تبعات تجربة عاطفية عميقة».(24) إذا كان المقصود من المعلقة إرسال معلومات معينة، الأمر الذي يستبعد بسبب كثرة المبالغة فيها والتركيز على شخص واحد، كانت القصيدة ستهم المستمعين الأصليين في المقام الأول وربما المؤرخين بعد ذلك. لكنها ظلت تهم مستمعين طوال 15 قرناً من الزمن. بالتأكيد كانوا وما زالوا يتفاعلون معها، ومن ثم نستنتج أن المعلقة نظمت من أجل التعبير الشخصي. تُرى ماذا قصد امرؤ القيس بشأن تجربته الشخصية، بحيث أنه أثار اهتمام الآخرين كثيراً بصورة متواصلة على مدى عصور؟ فلنول انتباهنا للقصيدة حتى نعرف الإجابة.
المعلقة قابلة للتقسيم إلى خمسة أقسام كما يلي:
أ الأبيات 1-9
ب الأبيات 10-41
ج البيت 42
ب1 الأبيات 43-66
أ1 الأبيات 67-78 (25)
وسنناقش الآن كل قسم على حدة، ثم نقدم تلخيصاً لتشابك الأقسام كي تتضح وحدة القصيدة.
أ
1 قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكـــــْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ بِسِقْطِ اللـِّوَى بَيْنَ الـدَّخُولِ فَحَوْمَلِ(26)
2 فَتُوضِحَ فَــــالمِقْرَاةِ لَمْ يَعْفُ رَسْمُهَا لِمَا نَسَجَتْهَا مِـــنْ جَنُوبٍ وَشَمـــْأَلِ(27)
3 تَــــرَى بَعَرَ الأَرْآمِ فِـــي عَــرَصَاتِهَا وَقِيعَـــانِهَـــا كَــــــأَنّــَهُ حَبُّ فُلْفُلِ
4 كَـأَنِّــي غَـــدَاةَ البَيْنِ يَـــوْمَ تَحَمَّلُوا لَــدَى سَمُرَاتِ الحَــيِّ نَاقِفُ حَنْظَلِ(28)
5 وُقُــوفاً بِهـَا صَحْبِي عَلـــَــيَّ مَطِيَّهُمْ يَقــُولُــونَ لاَ تَهْلِـــكْ أَسًــى وَتَجَمَّلِ
6 وَإِنَّ شِفَـــائِــــــــي عَبْرَةٌ مُهَرَاقَـــةٌ فَهــَلْ عِنْدَ رَسْمٍ دَارِسٍ مِـــنْ مُعَوَّلِ(29)
7 كَــدَأْبِكَ مـِنْ أُمِّ الحُوَيْـــــرِثِ قَبْلَهَا وَجَــارَتِهَا أُمِّ الــرَّبَابِ بِمَــأْسَــــلِ(30)
8 إِذَا قَامَتَــــــا تَضــَوَّعَ المِسْكُ مِنْهُمَا نَسِيمَ الصَّبَا جَــاءَتْ بِرَيّـــَا القَرَنْفُلِ(31)
9 فَفَاضَتْ دُمُـــــوعُ العَيْنِ مِنِّـي صَبَابَةً عَلَى النَّحْرِ حَتَّى بَـلَّ دَمْعِيَ مِحْمَلِي(32)
Page 6
تبدأ هذه القصيدة، مثل قصائد كثيرة تنتمي إلى عصر ما قبل الإسلام، في منتصف شريط الأحداث عند دار مهجورة. كان الشاعر ورفيقاه يسيرون في الصحراء على نياقهم وإذا بهم يعثرون على أطلال تمتع فيها الشاعر في زمن مضى بأوقات طيبة مع حبيبته. وفي هذا الموقع بالذات وسط شبه الجزيرة العربية لم يعف بعد الآثارَ نسيجُ الرياح ووجودُ الأرآم. رؤية المكان مهجوراً، كما كان إثر مغادرة قبيلة الحبيبة، ترجع بالشاعر إلى ذلك الصباح الحزين. يومها انعزل الشاعر بشجر السمرات ليبكي بكاءً مرّاً ولكن أصحابه حاولوا تعزيته. والآن يجد نفسه يشعر بالعواطف عينها. وعلى عكس نصائح أصدقائه، يعلم أن طريقة الشفاء تكمن في انهمار الدموع. البيت 7 يواصل الاستبطان، فمن عاداته أن يعبر عما في داخله عندما يواجه فقدان الحبيبة/الحبيبات. حين قامت ذات يوم أم الحويرث وأم الرباب وانبعث نحوه شذاهما لم يتمالك نفسه فبكى. البيت 9 يعود إلى الحاضر ويقفل القسم الأول بذرف الدموع. من البيت 1 نتوقع من الشاعر ـ سواء بمشاركة رفيقيْه أم بدون ذلك ـ أن يستجيب ويلبي دعوته لنفسه ولرفيقيْه. أخيراً يتهالك الشاعر تماماً ويبلل صدره.
اعتبر النقاد القدماء المطلع «أفضل ابتداء صنعه شاعر» لأنه يستحضر الوقوف والموقع والحبيبة والشعور بالحنين في مصراع واحد.(33) علاوة على ذلك، لاحظنا كيف يخلق الابتداء ترقباً يشتد شيئاً فشيئاً حتى يحدث الفعل المرتقب في البيت 9. ونضيف بأن القسم الأول يخلق الجو المناسب لبقية القصيدة ويهيئ المستمع لاستيعاب الهيكل، إذ يبدأ القسم بمشهد في الحاضر تتبعه ذكريات، وفي الوسط يصرح عما يعاني قلبه، ثم يعود إلى الماضي مرة أخرى قبل أن يرجع في النهاية إلى الحاضر وإلى حل للأزمة. وهو، كما سنلاحظ، مسلك القصيدة.
وبالفعل قد يتخيل المستمع المرهف الحس أنه مشترك في الدراما. معلوم أن الشاعر يتفاعل في القصيدة مع رفيقيْن، لكن الراوي الذي يمثل وقت الإنشاد الشاعر، يقول للمستمع «نبك» و«ترى» و«كدأبك». فضلاً عن ذلك قد يستعمل الإيماء ليبين من يقصد. شاء أم أبى المتلقي يجد نفسه مشتركاً في الغم.
والغم حسب التقدير لن ينجرف بسهولة. لقد بكى الشاعر سابقاً عند السمرات بسبب فقدان الحبيبة وهنا يبكي من جديد. إذن لا البكاء ولا الزمن قد خفض من ألمه. بل على العكس، ويله قد عظم لأن الخبرة علمته أنه فقدها بالفعل. عند التأمل ندرك أكثر فأكثر عمق أزمته. وعمق هذه الأزمة يوحي بأن الشفاء الوجداني سيكون عملية شاقة ـ على الأقل ـ وقد يتطلب خطباً استثنائيّاً.
ب
10 أَلاَ رُبَّ يَــــــــوْمٍ لَكَ مِنْهُنَّ صـَالِحٍ وَلاَ سِيَّمَا يَــــــــــوْمٍ بِدَارَةِ جُلْجُلِ(34)
11 وَيــــَوْمَ عَقَرْتُ لِلْعَـــــذَارَى مَطِيَّتِي فَيَا عَجَباً لِــــــــــــرَحْلِهَا المُتَحَمَّلِ
12 فَظَـلَّ العَــذَارَى يَـــــرْتَمِينَ بِلَحْمِهَا وَشَحْمٍ كَهُــدَّابِ الـــدِّمَقْسِ المُفَتَّـلِ
13 وَيَـــوْمَ دَخَلْتُ الخِــدْرَ خِـدْرَ عُنَيْزَةٍ فَقَالَتْ لَكَ الــوَيْلاَتُ إِنَّكَ مُرْجِلِـي(35)
14 تَقُولُ وَقَــدْ مَـــــالَ الغَبِيطُ بِنَا مَعــاً عَقَرْتَ بَعِيرِي يَــا امْرَأَ القَيْسِ فَانْزِلِ(36)
15 فَقُلْتُ لَهَا سِيرِي وِأَرْخِــي زِمَامَــــهُ وَلاَ تُبْعِدِينِـــي مِـــنْ جَنَاكِ المُعَلَّلِ(37)
16 فَمِثْلِكِ حُبْلَــــى قَدْ طَرَقْتُ وَمُرْضِعٍ فَأَلْهَيْتُهَا عَــــنْ ذِي تَمَائِـــمَ مُحْوَلِ(38)
17 إِذَا مَا بَكَــــى مِنْ خَلْفِهَا انْصَرَفَتْ لَهُ بِشِقٍّ وَتَحْتِــــي شِقُّهَا لَـــمْ يُحَــــوَّلِ
18 وَيَــــوْماً عَلـَى ظَهْرِ الكَثِيبِ تَعَذَّرَتْ عَلَـــيَّ وَآلَــتْ حَلْفَةً لَـــمْ تَحَلَّـــــلِ
19 أَفَــاطِــمَ مَهْـــلاً بَعْضَ هـذَا التَّدَلُّلِ وَإِنْ كُنْتِ قَدْ أَزْمَعْتِ صَرْمِـي فَأَجْمِلِي
20 أَغــــــَرَّكِ مِنِّــــي أَنَّ حُبَّكِ قَاتِلِــي وَأَنَّــكِ مَهْمــَا تَــأْمُـرِي القَلْبَ يَفْعَـلِ
21 وَإِنْ تَــكُ قـَدْ سَاءَتْكِ مِنِّــــي خَلِيقَةٌ فَسُلِّــي ثِيَابِـــي مِـــنْ ثِيَابِـــكِ تَنْسُلِ
22 وَمــَا ذَرَفَتْ عَيْنَــــاكِ إِلاَّ لِتَضْرِبِــي بِسَهْمَيْــكِ فِــــي أَعْشَارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ(39)
23 وَبَيْضَةِ خِــدْرٍ لاَ يُــرَامُ خِبَاؤُهــــــَا تَمَتَّعْتُ مِـــنْ لَهْـــوٍ بِهـــَا غَيْرَ مُعْجَلِ
24 تَجَاوَزْتُ أَحْـرَاساً إِلَيْهـــــَا وَمَعْشَراً عَلَـــيَّ حِــرَاصاً لَــوْ يُسِرُّونَ مَقْتَلِــي
25 إِذَا مـــــَا الثُّرَيَّا فِـي السَّمَاءِ تَعَرَّضَتْ تَعَرُّضَ أَثْنَــاءِ الــــوِشَاحِ المُفَصَّـــلِ
26 فَجِئْتُ وَقــــَدْ نَضَتْ لِنَوْمٍ ثِيَـــابَهـَا لَـــــدَى السِّتْرِ إِلاَّ لِبْسَــةَ المُتَفَضـــِّلِ
27 فَقَـالَتْ يَمِينَ اللــــهِ مــا لَـكَ حِيلَةٌ وَمَـــا إِنْ أَرَى عَنْكَ الغَوَايَـةَ تَنْجَلِي(40)
28 فَقُمْتُ بِهَــا أَمْشــِي تَجُرُّ وَرَاءَنَــــــا عَلَــى إِثْرِنَـــا أَذْيـَالَ مِرْطٍ مُرَحَّــلِ(41)
29 فَلَمَّا أَجَزْنَــــــا سَاحَةَ الحَيِّ وَانْتَحَى بِنَا بَطْــنُ خَبْتٍ ذِي قِفـــَافٍ عَقَنْقَلِ(42)
30 هَصَرْتُ بِفَــــــوْدَيْ رَأْسِهَا فَتَمَايَلَتْ عَلَـــيَّ هَضِيمَ الكَشْحِ رَيَّــا المُخَلْخَلِ
31 مُهَفْهَفَــةٌ بَيْضَاءُ غَيْرُ مُفــــــَاضــــَةٍ تَرَائِبُهَــا مَصْقُولَــــةٌ كـَالسَّجَنْجَــلِ(43)
32 تَصــُدُّ وَتُبْدِي عَــــنْ أَسِيلٍ وَتَتَّقِــي بِنَاظِرَةٍ مِــنْ وَحْشِ وَجْــرَةَ مُطْفــِلِ(44)
33 وَجِيدٍ كَجِيدِ الرِّيــــــمِ لَيْسَ بِفَاحِشٍ إِذَا هِـــــيَ نَصَّتْـــهُ وَلاَ بِمُعَطَّــــلِ(45)
34 وَفَـــرْعٍ يَزِيــنُ المَتْنَ أَسْوَدَ فَاحِـــمٍ أَثِيثٍ كَقِنْـــوِ النَّخْلَـــــةِ المُتَعَثْقـِلِ(46)
35 غَـــدَائِرُهُ مُسْتَشْزِرَاتٌ إِلـَــى العُلــَى تَضِـلُّ العِقَاصُ فِـي مُثَنّــًى وَمُرْسَـلِ(47)
36 وَكَشْــحٍ لَطِيفٍ كَـــالجَدِيـلِ مُخَصَّرٍ وَســـَاقٍ كَـأُنْبُوبِ السَّقِــيِّ المُذَلَّلِ(48)
37 وَيُضْحِي فَتِيتُ المِسْكِ فَــوْقَ فِرَاشِهَا نَؤُومُ الضُّحَـى لَمْ تَنْتَطِقْ عَـنْ تَفَضُّلِ(49)
38 وَتَعْطُو بـــِرَخْصٍ غَيْرِ شَثْنٍ كَــأَنـــَّهُ أَسَارِيــعُ ظَبْـيٍ أَوْ مَسَاوِيـكُ إِسْحِلِ(50)
39 تُضِـــيءُ الظَّـــلاَمَ بِالعِشــَاءِ كَـأَنَّهَا مَنَـــــارَةُ مُمْسَـــى رَاهِبٍ مُتَبَتِّـــــلِ
اعتبر النقاد القدماء المطلع «أفضل ابتداء صنعه شاعر» لأنه يستحضر الوقوف والموقع والحبيبة والشعور بالحنين في مصراع واحد.(33) علاوة على ذلك، لاحظنا كيف يخلق الابتداء ترقباً يشتد شيئاً فشيئاً حتى يحدث الفعل المرتقب في البيت 9. ونضيف بأن القسم الأول يخلق الجو المناسب لبقية القصيدة ويهيئ المستمع لاستيعاب الهيكل، إذ يبدأ القسم بمشهد في الحاضر تتبعه ذكريات، وفي الوسط يصرح عما يعاني قلبه، ثم يعود إلى الماضي مرة أخرى قبل أن يرجع في النهاية إلى الحاضر وإلى حل للأزمة. وهو، كما سنلاحظ، مسلك القصيدة.
وبالفعل قد يتخيل المستمع المرهف الحس أنه مشترك في الدراما. معلوم أن الشاعر يتفاعل في القصيدة مع رفيقيْن، لكن الراوي الذي يمثل وقت الإنشاد الشاعر، يقول للمستمع «نبك» و«ترى» و«كدأبك». فضلاً عن ذلك قد يستعمل الإيماء ليبين من يقصد. شاء أم أبى المتلقي يجد نفسه مشتركاً في الغم.
والغم حسب التقدير لن ينجرف بسهولة. لقد بكى الشاعر سابقاً عند السمرات بسبب فقدان الحبيبة وهنا يبكي من جديد. إذن لا البكاء ولا الزمن قد خفض من ألمه. بل على العكس، ويله قد عظم لأن الخبرة علمته أنه فقدها بالفعل. عند التأمل ندرك أكثر فأكثر عمق أزمته. وعمق هذه الأزمة يوحي بأن الشفاء الوجداني سيكون عملية شاقة ـ على الأقل ـ وقد يتطلب خطباً استثنائيّاً.
ب
10 أَلاَ رُبَّ يَــــــــوْمٍ لَكَ مِنْهُنَّ صـَالِحٍ وَلاَ سِيَّمَا يَــــــــــوْمٍ بِدَارَةِ جُلْجُلِ(34)
11 وَيــــَوْمَ عَقَرْتُ لِلْعَـــــذَارَى مَطِيَّتِي فَيَا عَجَباً لِــــــــــــرَحْلِهَا المُتَحَمَّلِ
12 فَظَـلَّ العَــذَارَى يَـــــرْتَمِينَ بِلَحْمِهَا وَشَحْمٍ كَهُــدَّابِ الـــدِّمَقْسِ المُفَتَّـلِ
13 وَيَـــوْمَ دَخَلْتُ الخِــدْرَ خِـدْرَ عُنَيْزَةٍ فَقَالَتْ لَكَ الــوَيْلاَتُ إِنَّكَ مُرْجِلِـي(35)
14 تَقُولُ وَقَــدْ مَـــــالَ الغَبِيطُ بِنَا مَعــاً عَقَرْتَ بَعِيرِي يَــا امْرَأَ القَيْسِ فَانْزِلِ(36)
15 فَقُلْتُ لَهَا سِيرِي وِأَرْخِــي زِمَامَــــهُ وَلاَ تُبْعِدِينِـــي مِـــنْ جَنَاكِ المُعَلَّلِ(37)
16 فَمِثْلِكِ حُبْلَــــى قَدْ طَرَقْتُ وَمُرْضِعٍ فَأَلْهَيْتُهَا عَــــنْ ذِي تَمَائِـــمَ مُحْوَلِ(38)
17 إِذَا مَا بَكَــــى مِنْ خَلْفِهَا انْصَرَفَتْ لَهُ بِشِقٍّ وَتَحْتِــــي شِقُّهَا لَـــمْ يُحَــــوَّلِ
18 وَيَــــوْماً عَلـَى ظَهْرِ الكَثِيبِ تَعَذَّرَتْ عَلَـــيَّ وَآلَــتْ حَلْفَةً لَـــمْ تَحَلَّـــــلِ
19 أَفَــاطِــمَ مَهْـــلاً بَعْضَ هـذَا التَّدَلُّلِ وَإِنْ كُنْتِ قَدْ أَزْمَعْتِ صَرْمِـي فَأَجْمِلِي
20 أَغــــــَرَّكِ مِنِّــــي أَنَّ حُبَّكِ قَاتِلِــي وَأَنَّــكِ مَهْمــَا تَــأْمُـرِي القَلْبَ يَفْعَـلِ
21 وَإِنْ تَــكُ قـَدْ سَاءَتْكِ مِنِّــــي خَلِيقَةٌ فَسُلِّــي ثِيَابِـــي مِـــنْ ثِيَابِـــكِ تَنْسُلِ
22 وَمــَا ذَرَفَتْ عَيْنَــــاكِ إِلاَّ لِتَضْرِبِــي بِسَهْمَيْــكِ فِــــي أَعْشَارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ(39)
23 وَبَيْضَةِ خِــدْرٍ لاَ يُــرَامُ خِبَاؤُهــــــَا تَمَتَّعْتُ مِـــنْ لَهْـــوٍ بِهـــَا غَيْرَ مُعْجَلِ
24 تَجَاوَزْتُ أَحْـرَاساً إِلَيْهـــــَا وَمَعْشَراً عَلَـــيَّ حِــرَاصاً لَــوْ يُسِرُّونَ مَقْتَلِــي
25 إِذَا مـــــَا الثُّرَيَّا فِـي السَّمَاءِ تَعَرَّضَتْ تَعَرُّضَ أَثْنَــاءِ الــــوِشَاحِ المُفَصَّـــلِ
26 فَجِئْتُ وَقــــَدْ نَضَتْ لِنَوْمٍ ثِيَـــابَهـَا لَـــــدَى السِّتْرِ إِلاَّ لِبْسَــةَ المُتَفَضـــِّلِ
27 فَقَـالَتْ يَمِينَ اللــــهِ مــا لَـكَ حِيلَةٌ وَمَـــا إِنْ أَرَى عَنْكَ الغَوَايَـةَ تَنْجَلِي(40)
28 فَقُمْتُ بِهَــا أَمْشــِي تَجُرُّ وَرَاءَنَــــــا عَلَــى إِثْرِنَـــا أَذْيـَالَ مِرْطٍ مُرَحَّــلِ(41)
29 فَلَمَّا أَجَزْنَــــــا سَاحَةَ الحَيِّ وَانْتَحَى بِنَا بَطْــنُ خَبْتٍ ذِي قِفـــَافٍ عَقَنْقَلِ(42)
30 هَصَرْتُ بِفَــــــوْدَيْ رَأْسِهَا فَتَمَايَلَتْ عَلَـــيَّ هَضِيمَ الكَشْحِ رَيَّــا المُخَلْخَلِ
31 مُهَفْهَفَــةٌ بَيْضَاءُ غَيْرُ مُفــــــَاضــــَةٍ تَرَائِبُهَــا مَصْقُولَــــةٌ كـَالسَّجَنْجَــلِ(43)
32 تَصــُدُّ وَتُبْدِي عَــــنْ أَسِيلٍ وَتَتَّقِــي بِنَاظِرَةٍ مِــنْ وَحْشِ وَجْــرَةَ مُطْفــِلِ(44)
33 وَجِيدٍ كَجِيدِ الرِّيــــــمِ لَيْسَ بِفَاحِشٍ إِذَا هِـــــيَ نَصَّتْـــهُ وَلاَ بِمُعَطَّــــلِ(45)
34 وَفَـــرْعٍ يَزِيــنُ المَتْنَ أَسْوَدَ فَاحِـــمٍ أَثِيثٍ كَقِنْـــوِ النَّخْلَـــــةِ المُتَعَثْقـِلِ(46)
35 غَـــدَائِرُهُ مُسْتَشْزِرَاتٌ إِلـَــى العُلــَى تَضِـلُّ العِقَاصُ فِـي مُثَنّــًى وَمُرْسَـلِ(47)
36 وَكَشْــحٍ لَطِيفٍ كَـــالجَدِيـلِ مُخَصَّرٍ وَســـَاقٍ كَـأُنْبُوبِ السَّقِــيِّ المُذَلَّلِ(48)
37 وَيُضْحِي فَتِيتُ المِسْكِ فَــوْقَ فِرَاشِهَا نَؤُومُ الضُّحَـى لَمْ تَنْتَطِقْ عَـنْ تَفَضُّلِ(49)
38 وَتَعْطُو بـــِرَخْصٍ غَيْرِ شَثْنٍ كَــأَنـــَّهُ أَسَارِيــعُ ظَبْـيٍ أَوْ مَسَاوِيـكُ إِسْحِلِ(50)
39 تُضِـــيءُ الظَّـــلاَمَ بِالعِشــَاءِ كَـأَنَّهَا مَنَـــــارَةُ مُمْسَـــى رَاهِبٍ مُتَبَتِّـــــلِ
Page 7
40 إِلَـــى مِثْلِهَا يَـرْنُـــو الحَلِيمُ صَبَابَــةً إِذَا مـــَا اسْبَكَرَّتْ بَيْنَ دِرْعٍ وَمِجْـوَلِ(51)
41 كَبِكـــْرِ المُقَــانَــاةِ البَيَــاضَ بِصُفْرَةٍ غَـــذَاهـَا نَمِيرُ المــَاءِ غَيْرَ مُحَلَّـــلِ(52)
القسم (ب)، وهو استمرار للنسيب أي البداية المعنية بالحبيبة (النسيب بدأ في القسم أ بالمشهد عند الأطلال)، يكشف عن استراتجية الشاعر في التعامل مع ألمه. يواجه الحزن بتذكر مناسبات سعيدة وأمثلة دالة على تغلبه على الشدائد. يستخدم الشاعر الاستراتيجية ذاتها في قصائد أخرى (متذكراً في إحداها بعد تشكي حب قد انصرف، «فَيَا رُبَّ مَكْرُوبٍ كَرَرْتُ وَرَاءَهُ»). وهذه مقاربة معقولة جدّاً إذ فحوى الذكريات من المفروض أن يشجعه. وفي المعلقة تعني الذكريات أنه قد تمتع بصحبة نساء متنوعات في وقت مضى. وعليه فمن المنطقي أن يتوقع الآن أخرى –أو أخريات حتى ـ أن تحل\يحللن محل الحبيبة. وأحب بعض هؤلاء حبّاً شديداً في فترة عابرة، والبيّن أنهن لا يهممنه الآن. إذن من المتوقع أن يتغلب كذلك على هوسه الحالي.
يبدأ الشاعر برنامجه من العلاج العقلي مباشرة بعد تهافته. يستذكر أولاً يوميْن مرحيْن: يوماً عند دارة جلجل ويوماً قضاه في مكان ما مع عذارى. الشراح القدامى ربطوا الإشارتيْن بقصة طريفة تقودنا بطريقة سلسة إلى الأبيات حول عنيزة (13-15). باختصار تصف القصة يوماً بادر فيه امرؤ القيس صبايا كن يستحممن في بركة (دارة) تدعى جلجل. ومبدياً سرعة خاطره، جمع ملابسهن في ركام وجلس عليه ثم أعلن أن كل واحدة منهن لا بد أن تخرج إذا أرادت ملابسها. احتجت الصبايا صارخات وملتمسات لكن الشاعر رفض التحرك. وبعد ساعات خرجن من الماء واحدة تلو الأخرى حتى خرجت عنيزة الأكثر حياءً. فقام الشاعر بذبح ناقته احتفالاً وتغدوا جميعاً. وعندما حان وقت الانصراف، وافقت الصبايا على تقسيم حمل امرئ القيس على مطيهن. ولم تحمل ناقة عنيزة من حمله فطلب امرؤ القيس منها أن تحمله هو.(53)
هذه القصة ممتعة حقّاً، لكنها تبدو أظرف من أن تُصدَّق، خصوصاً عندما نكتشف أن ثقافات عديدة ترويها بصورة أو بأخرى والخلاصة ترد في (Motif-Index of Folk-Literature) لِستيث تومسون (انظر ك 1335: «تكون نساء الحوض بلا حيلة حين تؤخذ ملابسهن»).(54) عند هذه النقطة يساعدنا الباحث كلنتون بايلي على أن نفهم كيف تلتصق قصة كهذه بالقصيدة وتتوغل في الشروح. كل قصيدة، كما يلاحظ، تنشأ من سياق سردي، ولكن بينما تُحفظ القصيدة، من مصير السياق عادة أن يُنسى. وحين يحدث ذلك «يشكل الراوي قصة جديدة مبنية قدر المستطاع على إشارات موجودة في القصيدة تدل على التجارب التي أدت إلى نظم القصيدة. بالطبع يحاول الراوي أن يجعل القصة مسلية وربما مفيدة أكبر قدر ممكن».(55) وهكذا تتحسن القصص؛ وتتكاثر أيضاً حسب شعبية القصيدة وعدد الرواة. لقد أثبتت الباحثة سمحة علوية هذه الظاهرة الأخيرة فيما يتعلق بإحدى القصائد المعاصرة (حيث قال لها راو عن القصيدة: «كل راو عنده قصته الخاصة»).(56) ولكن مع مرور الزمن يجري الانتخاب الطبيعي بحيث تصل أفضل قصة إلى مسمع العالم في نهاية المطاف.
وقبل أن نصرف النظر عن ظاهرة سرد القصص ونعتبرها إطلاقاً للعنان والخيال وابتعاداً عن التعامل الجاد مع النص، يجدر بنا أن نفكر في ما يقوم به الرواة حقيقة: فهم من دلائل القصيدة يشكلون قصة تشرحها، أو بعبارة أخرى هم بصدد الوظيفة الرئيسة في النقد الأدبي، ألا وهي شرح العمل وتحديد المعنى. وقد يحلم النقاد المعاصرون أن تستهوي قراءاتهم الجمهور كما تستهويهم قصة دارة جلجل. أيّاً كان الأمر، ما زال علينا تفسير الأبيات 10-12. وللأسف، بدون السياق أو السرد الأصلي، لا يمكننا تحديد المعنى بالضبط. يكفينا أن نقول، من السياق الشعري، إن الذكريات تخص كرم الشاعر وقدرته على إسعاد الحسناوات.
الأبيات 13-15 تتعلق بيوم بارز آخر في ذهن الشاعر اعتلى فيه هودج عنيزة.(57) ومع أنها اعترضت على هذه الخطوة الفظيعة رفض النزول؛ وتقوده الذكرى حتى إلى تذكر أعمال أفظع. يشكل البيتان 15-16، اللذان يعتبران من أفحش الأبيات على الإطلاق في الشعر العربي القديم، ردّاً مناسباً على اعتراضات عنيزة. يتذكر هنا أن حبالى ومرضعات ـ من بين جميع النساء هن الأقل ميلاً لاستقبال محاولات الرجال في استمالتهن، ولا سيما من رجل غير الزوج ـ قد استسلمن له. بالإضافة إلى ذلك، لم يسبب ضيق المكان حرجاً، كما يشهد مثال الأم وهي تلتوي لتعتني برضيعها. حري بعنيزة المعارضة الجالسة في هودجها أن تتعظ. وعلى مستوى آخر، يعكس تسلسل الأحداث اهتمام الشاعر بإبلاغ رسالة إلى نفسه. مهما كان الخط الزمني لهذه الوقائع الافتراضية، يتبع الفشلَ النجاحُ الباهر. والمجموعة التالية من الذكريات تكرر النمط حيث أن الشاعر، بعد استحضار الصد الرهيب من قبل فاطمة الفاتنة (18-22)، يختتم ذكرياته باستذكار ظفر رائع آخر. هكذا يوصل إلى نفسه الفكرة بأنه يستعيد سلامته ويعود إلى العز بعد انتكاسات.
41 كَبِكـــْرِ المُقَــانَــاةِ البَيَــاضَ بِصُفْرَةٍ غَـــذَاهـَا نَمِيرُ المــَاءِ غَيْرَ مُحَلَّـــلِ(52)
القسم (ب)، وهو استمرار للنسيب أي البداية المعنية بالحبيبة (النسيب بدأ في القسم أ بالمشهد عند الأطلال)، يكشف عن استراتجية الشاعر في التعامل مع ألمه. يواجه الحزن بتذكر مناسبات سعيدة وأمثلة دالة على تغلبه على الشدائد. يستخدم الشاعر الاستراتيجية ذاتها في قصائد أخرى (متذكراً في إحداها بعد تشكي حب قد انصرف، «فَيَا رُبَّ مَكْرُوبٍ كَرَرْتُ وَرَاءَهُ»). وهذه مقاربة معقولة جدّاً إذ فحوى الذكريات من المفروض أن يشجعه. وفي المعلقة تعني الذكريات أنه قد تمتع بصحبة نساء متنوعات في وقت مضى. وعليه فمن المنطقي أن يتوقع الآن أخرى –أو أخريات حتى ـ أن تحل\يحللن محل الحبيبة. وأحب بعض هؤلاء حبّاً شديداً في فترة عابرة، والبيّن أنهن لا يهممنه الآن. إذن من المتوقع أن يتغلب كذلك على هوسه الحالي.
يبدأ الشاعر برنامجه من العلاج العقلي مباشرة بعد تهافته. يستذكر أولاً يوميْن مرحيْن: يوماً عند دارة جلجل ويوماً قضاه في مكان ما مع عذارى. الشراح القدامى ربطوا الإشارتيْن بقصة طريفة تقودنا بطريقة سلسة إلى الأبيات حول عنيزة (13-15). باختصار تصف القصة يوماً بادر فيه امرؤ القيس صبايا كن يستحممن في بركة (دارة) تدعى جلجل. ومبدياً سرعة خاطره، جمع ملابسهن في ركام وجلس عليه ثم أعلن أن كل واحدة منهن لا بد أن تخرج إذا أرادت ملابسها. احتجت الصبايا صارخات وملتمسات لكن الشاعر رفض التحرك. وبعد ساعات خرجن من الماء واحدة تلو الأخرى حتى خرجت عنيزة الأكثر حياءً. فقام الشاعر بذبح ناقته احتفالاً وتغدوا جميعاً. وعندما حان وقت الانصراف، وافقت الصبايا على تقسيم حمل امرئ القيس على مطيهن. ولم تحمل ناقة عنيزة من حمله فطلب امرؤ القيس منها أن تحمله هو.(53)
هذه القصة ممتعة حقّاً، لكنها تبدو أظرف من أن تُصدَّق، خصوصاً عندما نكتشف أن ثقافات عديدة ترويها بصورة أو بأخرى والخلاصة ترد في (Motif-Index of Folk-Literature) لِستيث تومسون (انظر ك 1335: «تكون نساء الحوض بلا حيلة حين تؤخذ ملابسهن»).(54) عند هذه النقطة يساعدنا الباحث كلنتون بايلي على أن نفهم كيف تلتصق قصة كهذه بالقصيدة وتتوغل في الشروح. كل قصيدة، كما يلاحظ، تنشأ من سياق سردي، ولكن بينما تُحفظ القصيدة، من مصير السياق عادة أن يُنسى. وحين يحدث ذلك «يشكل الراوي قصة جديدة مبنية قدر المستطاع على إشارات موجودة في القصيدة تدل على التجارب التي أدت إلى نظم القصيدة. بالطبع يحاول الراوي أن يجعل القصة مسلية وربما مفيدة أكبر قدر ممكن».(55) وهكذا تتحسن القصص؛ وتتكاثر أيضاً حسب شعبية القصيدة وعدد الرواة. لقد أثبتت الباحثة سمحة علوية هذه الظاهرة الأخيرة فيما يتعلق بإحدى القصائد المعاصرة (حيث قال لها راو عن القصيدة: «كل راو عنده قصته الخاصة»).(56) ولكن مع مرور الزمن يجري الانتخاب الطبيعي بحيث تصل أفضل قصة إلى مسمع العالم في نهاية المطاف.
وقبل أن نصرف النظر عن ظاهرة سرد القصص ونعتبرها إطلاقاً للعنان والخيال وابتعاداً عن التعامل الجاد مع النص، يجدر بنا أن نفكر في ما يقوم به الرواة حقيقة: فهم من دلائل القصيدة يشكلون قصة تشرحها، أو بعبارة أخرى هم بصدد الوظيفة الرئيسة في النقد الأدبي، ألا وهي شرح العمل وتحديد المعنى. وقد يحلم النقاد المعاصرون أن تستهوي قراءاتهم الجمهور كما تستهويهم قصة دارة جلجل. أيّاً كان الأمر، ما زال علينا تفسير الأبيات 10-12. وللأسف، بدون السياق أو السرد الأصلي، لا يمكننا تحديد المعنى بالضبط. يكفينا أن نقول، من السياق الشعري، إن الذكريات تخص كرم الشاعر وقدرته على إسعاد الحسناوات.
الأبيات 13-15 تتعلق بيوم بارز آخر في ذهن الشاعر اعتلى فيه هودج عنيزة.(57) ومع أنها اعترضت على هذه الخطوة الفظيعة رفض النزول؛ وتقوده الذكرى حتى إلى تذكر أعمال أفظع. يشكل البيتان 15-16، اللذان يعتبران من أفحش الأبيات على الإطلاق في الشعر العربي القديم، ردّاً مناسباً على اعتراضات عنيزة. يتذكر هنا أن حبالى ومرضعات ـ من بين جميع النساء هن الأقل ميلاً لاستقبال محاولات الرجال في استمالتهن، ولا سيما من رجل غير الزوج ـ قد استسلمن له. بالإضافة إلى ذلك، لم يسبب ضيق المكان حرجاً، كما يشهد مثال الأم وهي تلتوي لتعتني برضيعها. حري بعنيزة المعارضة الجالسة في هودجها أن تتعظ. وعلى مستوى آخر، يعكس تسلسل الأحداث اهتمام الشاعر بإبلاغ رسالة إلى نفسه. مهما كان الخط الزمني لهذه الوقائع الافتراضية، يتبع الفشلَ النجاحُ الباهر. والمجموعة التالية من الذكريات تكرر النمط حيث أن الشاعر، بعد استحضار الصد الرهيب من قبل فاطمة الفاتنة (18-22)، يختتم ذكرياته باستذكار ظفر رائع آخر. هكذا يوصل إلى نفسه الفكرة بأنه يستعيد سلامته ويعود إلى العز بعد انتكاسات.
Page 8
تشمل الأبيات 23-41 الذكرى الأطول والأكثر تفصيلاً من الذكريات الغرامية. في هذه الأبيات يلتقي فتاة موصوفة ببيضة الخدر، مثلها مثل العديد من الفتيات اللواتي غازلهن الشاعر. وبالاستعارة يوحي بأنها زهراء البشرة وبالغة الرقة وطاهرة ذات حرمة. ومع ذلك قد تجاهل الشاعر المصمم المخاطر وشق طريقه إلى خدرها ليلاً، حيث غلبها إقدامه وجاذبيته حتى غامرت بنفسها أيضاً ورافقته إلى مكان منعزل. ويقدّم لنا من خلال مراقبته تلك الليلة عن كثب وصفاً دقيقاً لها تزيد من إثارته وحيويته تشبيهه لها بنباتات وحيوانات صحراوية. حسب معايير المجتمع العربي في عصر ما قبل الإسلام، تتجسد هي المرأة المثالية: فاحمة الشعر، جميلة التكوين، بضة، وكسول. وتحليها وعدم استيقاظها مبكراً للعمل يدلان على الثراء؛ فبدلاً من أن تكد، تبقى في خيمتها مرتاحة تراعي جمالها.
يغلق الشاعر الحلقة بصورة لافتة للنظر تؤكد جمال تلك المرأة وطهارتها وجاذبيتها الجسدية. يضيء وجهها الظلام كما يضيئه مصباح راهب. ويبرز البيت التالي (40)، من بين الأشعار الغزلية الكثيرة جدّاً في التراث العربي، كتعبير فريد في قوته عن قدرة المرأة على الإثارة. هنا يرنو رجل رزين إلى الجسم الطري مرتجفاً من الرغبة، الصورة التي دعت شاعريْن عظيميْن على الأقل إلى تقليدها أو استلهامها.(58) ويكمل الشاعر الحلقة بمقارنة أخرى شبيهة بالاستعارة في بدايتها. التشبيه هنا ببيضة يشير مرة أخرى إلى بياض المرأة وعفتها، كما يشعرنا باكتمال دائرة الوصف.
ج
42 تَسَلَّتْ عَمَايَاتُ الرِّجَــــالِ عَنِ الصِّبَا وَلَيْسَ فُؤَادِي عَنْ هَـــــوَاكِ بِمُنْسَلِ(59)
يتميز البيت 42 عما سبقه في القسم ( ب)، ويكمل النسيب الطويل. يستيقظ الشاعر من أحلام اليقظة ويكشف هنا عن حالة فؤاده. إن الرجل ما زال يفكر في الحبيبة، وخلافاً للآخرين لن يتسلى عن فقدانها أبداً. ويوجه كلامه للحبيبة متحدثاً إليها للمرة الأولى باستخدام الضمير المتصل «كِ». ينبغى ألا نفسر هذا البيت كإشارة إلى بيضة الخدر تلك، لأنها كانت تمثل نساء عديدات قد غازلهن وليس امرأة معينة تسيطر على أفكاره. إذن بعد مراجعة الماضي، يعود الشاعر ويلخص لنا ماضيه ومستقبله. ومن ناحية الأسلوب، الجناس في «تسلت» و«منسل» كنوع من رد العجز على الصدر ـ وهذا من المحسنات البديعية النادرة إلى حد ما في شعر امرئ القيس ـ يساهم بإبراز البيت في سياق القصيدة.
ويُذكر أن طول هذا النسيب ونهايته يجعلانه استثنائيّاً. يمتد نسيب المعلقة، على عكس معظم النسائب في الشعر من عصر ما قبل الإسلام التي لا تربو عن الـ10 أبيات أو الـ15 بيتاً، إلى 42 بيتاً طائلاً بذلك على أي نسيب آخر في قصيدة من عصر ما قبل الإسلام. وبالإضافة إلى ذلك، تعاكس النهاية التوقعات كلية. تقول ناتالي خانقان في دراستها للنسائب في مجموعة «المفضليات»: «يبدو أنه هناك تطور متكرر داخل النسيب من الحزن إلى شيء من الانفراج، من الصبا إلى الوقار».(60) وهذا يماثل استنتاج الباحثة ريناتي جاكوبي في دراسة أخرى للنسيب، حيث تقول إن «التصريحات بأبدية الحب تكاد تكون نادرة وتستعمل فقط من أجل التوكيد».(61) لذا فالتعبير في البيت 42 يعارض التقليد، وزد على ذلك أن هذا الشعور لا يرد في بيت آخر في ديوان امرئ القيس ويخالف منهجه الخليع المفهوم من شعره. يسبق التعبير ـ وهذه مفاجأة كبرى عندما نذكر القائل ـ الموقف العذري بشأن الالتزام مدى الحياة (ويصل النقاش إلى ذلك في الفصل الخامس). كل هذه العوامل تثير الاهتمام لدى المستمع عند هذه النقطة وتضيف إلى استثنائية المعلقة.
لكن بعد التأمل، يدرك المرء أن هذا النسيب بالذات يتطور بشكل منطقي من الموقف في بداية القصيدة. في الاستهلال يغرق الشاعر في أعماق اليأس، وحتى يصل إلى مزاج أسعد عليه أن يبذل جهداً جهيداً ـ يتماشى هذا مع المنطق تماماً. ولكن من جهة أخرى، تشير ردة فعله في القسم (أ) إلى أن العلاج المباشر لن يكفي. مع أنه أجهش بالبكاء عند فراق الحبيبة (ما يُجلي الغم، حسب تجربته)، نراه يبكي مرة أخرى في (أ) حين تستفزه الأطلال. ليس من الغريب إذن أن برنامجه من استحضار الذكريات الإيجابية لا ينفعه وبالتالي يعود في النهاية إلى هاجسه القديم. هذه الحبيبة بالذات (على الأرجح الأخيرة من السنة الماضية لأنها، حسب التقدير، المرأة التي لا تزال تستحوذ على خياله) لا يمكنه طردها من خلده.(62)
وإذا أخذنا علم النفس في الاعتبار، باستطاعتنا أن نفهم بصورة أوضح لماذا الفشل المحتم مصير جهوده العقلية. فالملحوظ أنه يفرض على وعيه ذكريات سعيدة تعاكس تيار أفكاره (على سبيل المقارنة، الذكريات في القسم [أ] من غداة الفراق وأيضاً مغادرة الأمّيْن، أم الحويرث وأم الرباب، هي أمثلة لتذكر تلقائي لا مجبر). فإنه من غير المتوقع تصدي الأيام المستذكرة والمسترجعة بقوة الإرادة لموجة من التحسر الحقيقي. لإزالة الغم يجب أن تجري أفكاره مجراها الخاص نحو مناطق أكثر بهجة.
بهذا الصدد قد قال سامويل جونسون: «إن التحليق الطبيعي لوجدان الإنسان ليس من متعة إلى متعة، بل من أمل إلى أمل».(63) من ثَمَّ إذا قاوم الشاعر الطبيعة بعودته في النسيب إلى متع رائعة، فالسبب يعود جزئيّاً إلى عدم وجود شيء مبهج في المستقبل القريب. أمجاده الماضية لا تعني بالضرورة أن المزيد منها ينتظره في الغد وبعده. إذن ما زال الشاعر هنا بلا أمل، حتى بعد تذكره سلسلة من النجاحات الباهرة. ونظراً لتشبثه الشديد بحبيبة مفقودة، يبدو أن التسلي مستحيل.
يغلق الشاعر الحلقة بصورة لافتة للنظر تؤكد جمال تلك المرأة وطهارتها وجاذبيتها الجسدية. يضيء وجهها الظلام كما يضيئه مصباح راهب. ويبرز البيت التالي (40)، من بين الأشعار الغزلية الكثيرة جدّاً في التراث العربي، كتعبير فريد في قوته عن قدرة المرأة على الإثارة. هنا يرنو رجل رزين إلى الجسم الطري مرتجفاً من الرغبة، الصورة التي دعت شاعريْن عظيميْن على الأقل إلى تقليدها أو استلهامها.(58) ويكمل الشاعر الحلقة بمقارنة أخرى شبيهة بالاستعارة في بدايتها. التشبيه هنا ببيضة يشير مرة أخرى إلى بياض المرأة وعفتها، كما يشعرنا باكتمال دائرة الوصف.
ج
42 تَسَلَّتْ عَمَايَاتُ الرِّجَــــالِ عَنِ الصِّبَا وَلَيْسَ فُؤَادِي عَنْ هَـــــوَاكِ بِمُنْسَلِ(59)
يتميز البيت 42 عما سبقه في القسم ( ب)، ويكمل النسيب الطويل. يستيقظ الشاعر من أحلام اليقظة ويكشف هنا عن حالة فؤاده. إن الرجل ما زال يفكر في الحبيبة، وخلافاً للآخرين لن يتسلى عن فقدانها أبداً. ويوجه كلامه للحبيبة متحدثاً إليها للمرة الأولى باستخدام الضمير المتصل «كِ». ينبغى ألا نفسر هذا البيت كإشارة إلى بيضة الخدر تلك، لأنها كانت تمثل نساء عديدات قد غازلهن وليس امرأة معينة تسيطر على أفكاره. إذن بعد مراجعة الماضي، يعود الشاعر ويلخص لنا ماضيه ومستقبله. ومن ناحية الأسلوب، الجناس في «تسلت» و«منسل» كنوع من رد العجز على الصدر ـ وهذا من المحسنات البديعية النادرة إلى حد ما في شعر امرئ القيس ـ يساهم بإبراز البيت في سياق القصيدة.
ويُذكر أن طول هذا النسيب ونهايته يجعلانه استثنائيّاً. يمتد نسيب المعلقة، على عكس معظم النسائب في الشعر من عصر ما قبل الإسلام التي لا تربو عن الـ10 أبيات أو الـ15 بيتاً، إلى 42 بيتاً طائلاً بذلك على أي نسيب آخر في قصيدة من عصر ما قبل الإسلام. وبالإضافة إلى ذلك، تعاكس النهاية التوقعات كلية. تقول ناتالي خانقان في دراستها للنسائب في مجموعة «المفضليات»: «يبدو أنه هناك تطور متكرر داخل النسيب من الحزن إلى شيء من الانفراج، من الصبا إلى الوقار».(60) وهذا يماثل استنتاج الباحثة ريناتي جاكوبي في دراسة أخرى للنسيب، حيث تقول إن «التصريحات بأبدية الحب تكاد تكون نادرة وتستعمل فقط من أجل التوكيد».(61) لذا فالتعبير في البيت 42 يعارض التقليد، وزد على ذلك أن هذا الشعور لا يرد في بيت آخر في ديوان امرئ القيس ويخالف منهجه الخليع المفهوم من شعره. يسبق التعبير ـ وهذه مفاجأة كبرى عندما نذكر القائل ـ الموقف العذري بشأن الالتزام مدى الحياة (ويصل النقاش إلى ذلك في الفصل الخامس). كل هذه العوامل تثير الاهتمام لدى المستمع عند هذه النقطة وتضيف إلى استثنائية المعلقة.
لكن بعد التأمل، يدرك المرء أن هذا النسيب بالذات يتطور بشكل منطقي من الموقف في بداية القصيدة. في الاستهلال يغرق الشاعر في أعماق اليأس، وحتى يصل إلى مزاج أسعد عليه أن يبذل جهداً جهيداً ـ يتماشى هذا مع المنطق تماماً. ولكن من جهة أخرى، تشير ردة فعله في القسم (أ) إلى أن العلاج المباشر لن يكفي. مع أنه أجهش بالبكاء عند فراق الحبيبة (ما يُجلي الغم، حسب تجربته)، نراه يبكي مرة أخرى في (أ) حين تستفزه الأطلال. ليس من الغريب إذن أن برنامجه من استحضار الذكريات الإيجابية لا ينفعه وبالتالي يعود في النهاية إلى هاجسه القديم. هذه الحبيبة بالذات (على الأرجح الأخيرة من السنة الماضية لأنها، حسب التقدير، المرأة التي لا تزال تستحوذ على خياله) لا يمكنه طردها من خلده.(62)
وإذا أخذنا علم النفس في الاعتبار، باستطاعتنا أن نفهم بصورة أوضح لماذا الفشل المحتم مصير جهوده العقلية. فالملحوظ أنه يفرض على وعيه ذكريات سعيدة تعاكس تيار أفكاره (على سبيل المقارنة، الذكريات في القسم [أ] من غداة الفراق وأيضاً مغادرة الأمّيْن، أم الحويرث وأم الرباب، هي أمثلة لتذكر تلقائي لا مجبر). فإنه من غير المتوقع تصدي الأيام المستذكرة والمسترجعة بقوة الإرادة لموجة من التحسر الحقيقي. لإزالة الغم يجب أن تجري أفكاره مجراها الخاص نحو مناطق أكثر بهجة.
بهذا الصدد قد قال سامويل جونسون: «إن التحليق الطبيعي لوجدان الإنسان ليس من متعة إلى متعة، بل من أمل إلى أمل».(63) من ثَمَّ إذا قاوم الشاعر الطبيعة بعودته في النسيب إلى متع رائعة، فالسبب يعود جزئيّاً إلى عدم وجود شيء مبهج في المستقبل القريب. أمجاده الماضية لا تعني بالضرورة أن المزيد منها ينتظره في الغد وبعده. إذن ما زال الشاعر هنا بلا أمل، حتى بعد تذكره سلسلة من النجاحات الباهرة. ونظراً لتشبثه الشديد بحبيبة مفقودة، يبدو أن التسلي مستحيل.
Page 9
ب 1
43 أَلاَ رُبَّ خَصْمٍ فِيكِ أَلــْوَى رَدَدْتُـــهُ نَصِيحٍ عَلَـــى تَعـْذَالِـــهِ غَيْرِ مُـؤْتَلِ(64)
44 وَلَيْلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ أَرْخَـــى سُدُولَــهُ عَلَــــيَّ بــِأَنْـــوَاعِ الهُمُومِ لِيَبْتَلِــــي
45 فَقُلْتُ لـــــَهُ لَمَّــا تَمَطَّــى بِصُلْبـــِهِ وَأَرْدَفَ أَعْجَــــازاً وَنَــــاءَ بِكَلْكَـــلِ
46 أَلاَ أَيُّهَــا اللَّيْلُ الطَّوِيـــلُ أَلاَ انْجَلِـي بِصُبْحٍ وَمــــَا الإِصْبَاحُ فِيـكَ بِأَمْثَـــلِ
47 فَيـَا لَكَ مِـنْ لَيْـــلٍ كَـــأَنَّ نُجُومَـــه بِكُـــلِّ مُغَــارِ الفَتْلِ شُــدَّتْ بِيَذْبُلِ(65)
48 كَــأَنَّ الثُّرَيَّـا عُلِّقَتْ فِــي مَصَامِهَــــا بِأَمــْرَاسِ كَتَّانٍ إِلَــــى صـُمِّ جَنْدَلِ(66)
49 وَقـَدْ أَغْتـَدِي وَالطَّيْرُ فِـــــي وُكُنَاتِهَا بِمُنْجَرِدٍ قَيْــــدِ الأَوَابِــــدِ هَيْكَـــلِ(67)
50 مِكَــرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِــلٍ مُـــدْبِــرٍ مَعـــــاً كَجُلْمُــودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَـلِ
51 كُمَيْتٍ يَــزِلُّ اللِّبْدُ عَنْ حــَالِ مَتْنِـــهِ كَمَـا زَلـَّـتْ الصَفْــــوَاءُ بِــالمُتَنَزِّلِ(68)
52 عَلَــى الـذَّبْلِ جَيَّاشٍ كَأَنَّ اهْتِزَامــــَهِ إِذَا جَاشَ فِيـهِ حَمْيُـهُ غَلـــْيُ مِرْجَلِ(69)
53 مِسَحٍّ إِذَا مَا السَّابِحَاتُ عَلـَى الوَنَـــى أَثَـــرْنَ الغُبَارَ بِالكَــدِيـــدِ المُرَكّـَلِ(70)
54 يَــزِلُّ الغُــــلاَمُ الخِفُّ عَنْ صَهَوَاتـِهِ وَيُلْـــوِي بِأَثْــوَابِ العَنِيفِ المُثَقَّـلِ(71)
55 دَرِيـــرٍ كَخُـذْرُوفِ الــوَلِيدِ أَمـــَرَّهُ تَتَابُـــعُ كَفَّيْـــهِ بِخَيْطٍ مُـــوَصّـــَلِ(72)
56 لَـــهُ أَيْطَــلاَ ظَبْــيٍ وَسَاقَـــا نَعَامَــةٍ وَإِرْخَــاءُ سِرْحَـــانٍ وَتَقْرِيبُ تَتْفُـلِ(73)
57 ضَلِيعٍ إِذَا اسْتَــدْبَرْتَــهُ ســـَدَّ فَرْجـَهُ بِضَــافٍ فُوَيْقَ الأَرْضِ لَيْسَ بِأَعْــزَلِ(74)
58 كَـــأَنَّ سَرَاتـَهُ لَـــدَى البَيْتِ قَائِمـــاً مـــَدَاكُ عَرُوسٍ أَوْ صَلاَيــَةُ حَنْظَـلِ(75)
59 كـــَأَنَّ دِمــــــَاءَ الهَادِيَـاتِ بِنَحــْرِهِ عُصَـــارَةُ حِنَّــــاءٍ بِشَيْبٍ مُـــرَجّـــَلِ
60 فَعَنَّ لَنــــــَا سِـــرْبٌ كَــأَنَّ نِعَاجَـهُ عَـــذَارَى دَوَارٍ فِي مُـــلاَءٍ مُــذَيَّلِ(76)
61 فَـــأَدْبَــــرْنَ كــَالجَزْعِ المُفَصَّلِ بَيْنَهُ بِجِيـدِ مُعَـــمٍّ فِـــي العَشِيرَةِ مُخْـــوَلِ
62 فَــأَلْحَقَنَا بِــــــالهَادِيَـــاتِ وَدُونــَهُ جَــوَاحِرُهـــَا فِـــي صَرَّةٍ لَمْ تَزَيّـَلِ(77)
63 فَعَـــادَى عِــــدَاءً بَيْنَ ثَـــوْرٍ وَنَعْجَةٍ دِرَاكـــاً وَلَـــمْ يُنْضَـحْ بِمَـــاءٍ فَيُغْسَلِ
64 فَظَـــــلَّ طُهَاةُ اللَّحْمِ مِنْ بَيْنِ مُنْضِجٍ صَفِيفَ شِـــوَاءٍ أَوْ قَــــدِيرٍ مُعَجَّـلِ(78)
65 وَرُحْنَا يَكــــَادُ الطَّرْفُ يَقْصُرُ دُونَــهَ مَتَـــى مَـــا تَــرَقَّ العَيْنُ فِيهِ تَسَهَّـلِ(79)
66 فَبَاتَ عَلَيــــــْهِ سَرْجُـــهُ وَلِجَامـــُهُ وَبَـــاتَ بِعَيْنِـــي قَائِماً غَيْرَ مُرْسَــــلِ
يوجد شبه كبير بين القسم (ب) والقسم (ب1) من ناحيتيْ الهيكل والموضوع. فمثلما حدث في (ب)، يفتتح الشاعر الأجزاء من القسم بأدوات ظرفية كـ«ألا ربَّ» (43) وَواو ربَّ (44)؛ كذلك «وقد» + المضارع (49) تشير إلى فعل معتاد أو متكرر من قبل الشاعر. ويوازي الوصف المطول (11 بيتاً) لحصان مثالي الوصف المطول (12 بيتاً) لامرأة مثالية، ونسمع مرة أخرى في (ب1) عن عذارى ووليمة. نلاحظ أيضاً هنا أن الشاعر يرجع إلى ذكريات ترفع معنوياته: هذه الذكريات تثبت قوته وسيطرته على الرجال في حين أنها في (ب) أثبتت فحولته وجاذبيته أمام النساء. من المفترض أن نعتبر استرجاع الماضي هذا في (ب1) ضمن سياق فقدان الحبيبة كاستراتيجية للتعامل مع ألمه وأحزانه. وفي قصيدة أخرى، بعد نسيب يأسف فيه على فقد ثلاث حبيبات، يقول:
وَإِنْ أُمْسِ مَكْرُوبـــــــاً فَيَا رُبَّ بُهْمَةٍ كَشَفْتُ إِذَا مَا اسْوَدَّ وَجْـــــهُ الجَبَانِ(80)
وَإِنْ أُمْسِ مَكْرُوبــــاً فَيَا رُبَّ غَـــارَةٍ شَهِدْتُ عَلَــى أَقَبَّ رَخـــــْوِ اللَّبَانِ(81)
43 أَلاَ رُبَّ خَصْمٍ فِيكِ أَلــْوَى رَدَدْتُـــهُ نَصِيحٍ عَلَـــى تَعـْذَالِـــهِ غَيْرِ مُـؤْتَلِ(64)
44 وَلَيْلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ أَرْخَـــى سُدُولَــهُ عَلَــــيَّ بــِأَنْـــوَاعِ الهُمُومِ لِيَبْتَلِــــي
45 فَقُلْتُ لـــــَهُ لَمَّــا تَمَطَّــى بِصُلْبـــِهِ وَأَرْدَفَ أَعْجَــــازاً وَنَــــاءَ بِكَلْكَـــلِ
46 أَلاَ أَيُّهَــا اللَّيْلُ الطَّوِيـــلُ أَلاَ انْجَلِـي بِصُبْحٍ وَمــــَا الإِصْبَاحُ فِيـكَ بِأَمْثَـــلِ
47 فَيـَا لَكَ مِـنْ لَيْـــلٍ كَـــأَنَّ نُجُومَـــه بِكُـــلِّ مُغَــارِ الفَتْلِ شُــدَّتْ بِيَذْبُلِ(65)
48 كَــأَنَّ الثُّرَيَّـا عُلِّقَتْ فِــي مَصَامِهَــــا بِأَمــْرَاسِ كَتَّانٍ إِلَــــى صـُمِّ جَنْدَلِ(66)
49 وَقـَدْ أَغْتـَدِي وَالطَّيْرُ فِـــــي وُكُنَاتِهَا بِمُنْجَرِدٍ قَيْــــدِ الأَوَابِــــدِ هَيْكَـــلِ(67)
50 مِكَــرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِــلٍ مُـــدْبِــرٍ مَعـــــاً كَجُلْمُــودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَـلِ
51 كُمَيْتٍ يَــزِلُّ اللِّبْدُ عَنْ حــَالِ مَتْنِـــهِ كَمَـا زَلـَّـتْ الصَفْــــوَاءُ بِــالمُتَنَزِّلِ(68)
52 عَلَــى الـذَّبْلِ جَيَّاشٍ كَأَنَّ اهْتِزَامــــَهِ إِذَا جَاشَ فِيـهِ حَمْيُـهُ غَلـــْيُ مِرْجَلِ(69)
53 مِسَحٍّ إِذَا مَا السَّابِحَاتُ عَلـَى الوَنَـــى أَثَـــرْنَ الغُبَارَ بِالكَــدِيـــدِ المُرَكّـَلِ(70)
54 يَــزِلُّ الغُــــلاَمُ الخِفُّ عَنْ صَهَوَاتـِهِ وَيُلْـــوِي بِأَثْــوَابِ العَنِيفِ المُثَقَّـلِ(71)
55 دَرِيـــرٍ كَخُـذْرُوفِ الــوَلِيدِ أَمـــَرَّهُ تَتَابُـــعُ كَفَّيْـــهِ بِخَيْطٍ مُـــوَصّـــَلِ(72)
56 لَـــهُ أَيْطَــلاَ ظَبْــيٍ وَسَاقَـــا نَعَامَــةٍ وَإِرْخَــاءُ سِرْحَـــانٍ وَتَقْرِيبُ تَتْفُـلِ(73)
57 ضَلِيعٍ إِذَا اسْتَــدْبَرْتَــهُ ســـَدَّ فَرْجـَهُ بِضَــافٍ فُوَيْقَ الأَرْضِ لَيْسَ بِأَعْــزَلِ(74)
58 كَـــأَنَّ سَرَاتـَهُ لَـــدَى البَيْتِ قَائِمـــاً مـــَدَاكُ عَرُوسٍ أَوْ صَلاَيــَةُ حَنْظَـلِ(75)
59 كـــَأَنَّ دِمــــــَاءَ الهَادِيَـاتِ بِنَحــْرِهِ عُصَـــارَةُ حِنَّــــاءٍ بِشَيْبٍ مُـــرَجّـــَلِ
60 فَعَنَّ لَنــــــَا سِـــرْبٌ كَــأَنَّ نِعَاجَـهُ عَـــذَارَى دَوَارٍ فِي مُـــلاَءٍ مُــذَيَّلِ(76)
61 فَـــأَدْبَــــرْنَ كــَالجَزْعِ المُفَصَّلِ بَيْنَهُ بِجِيـدِ مُعَـــمٍّ فِـــي العَشِيرَةِ مُخْـــوَلِ
62 فَــأَلْحَقَنَا بِــــــالهَادِيَـــاتِ وَدُونــَهُ جَــوَاحِرُهـــَا فِـــي صَرَّةٍ لَمْ تَزَيّـَلِ(77)
63 فَعَـــادَى عِــــدَاءً بَيْنَ ثَـــوْرٍ وَنَعْجَةٍ دِرَاكـــاً وَلَـــمْ يُنْضَـحْ بِمَـــاءٍ فَيُغْسَلِ
64 فَظَـــــلَّ طُهَاةُ اللَّحْمِ مِنْ بَيْنِ مُنْضِجٍ صَفِيفَ شِـــوَاءٍ أَوْ قَــــدِيرٍ مُعَجَّـلِ(78)
65 وَرُحْنَا يَكــــَادُ الطَّرْفُ يَقْصُرُ دُونَــهَ مَتَـــى مَـــا تَــرَقَّ العَيْنُ فِيهِ تَسَهَّـلِ(79)
66 فَبَاتَ عَلَيــــــْهِ سَرْجُـــهُ وَلِجَامـــُهُ وَبَـــاتَ بِعَيْنِـــي قَائِماً غَيْرَ مُرْسَــــلِ
يوجد شبه كبير بين القسم (ب) والقسم (ب1) من ناحيتيْ الهيكل والموضوع. فمثلما حدث في (ب)، يفتتح الشاعر الأجزاء من القسم بأدوات ظرفية كـ«ألا ربَّ» (43) وَواو ربَّ (44)؛ كذلك «وقد» + المضارع (49) تشير إلى فعل معتاد أو متكرر من قبل الشاعر. ويوازي الوصف المطول (11 بيتاً) لحصان مثالي الوصف المطول (12 بيتاً) لامرأة مثالية، ونسمع مرة أخرى في (ب1) عن عذارى ووليمة. نلاحظ أيضاً هنا أن الشاعر يرجع إلى ذكريات ترفع معنوياته: هذه الذكريات تثبت قوته وسيطرته على الرجال في حين أنها في (ب) أثبتت فحولته وجاذبيته أمام النساء. من المفترض أن نعتبر استرجاع الماضي هذا في (ب1) ضمن سياق فقدان الحبيبة كاستراتيجية للتعامل مع ألمه وأحزانه. وفي قصيدة أخرى، بعد نسيب يأسف فيه على فقد ثلاث حبيبات، يقول:
وَإِنْ أُمْسِ مَكْرُوبـــــــاً فَيَا رُبَّ بُهْمَةٍ كَشَفْتُ إِذَا مَا اسْوَدَّ وَجْـــــهُ الجَبَانِ(80)
وَإِنْ أُمْسِ مَكْرُوبــــاً فَيَا رُبَّ غَـــارَةٍ شَهِدْتُ عَلَــى أَقَبَّ رَخـــــْوِ اللَّبَانِ(81)
Page 10
التسلسل الفكري هنا من الوقوف في وجه الظلام إلى ركوب الحصان يظهر لنا مألوفاً. ويلي هذا في القصيدة نفسها وصف لحصان يعيد إلى الأذهان وصف الحصان في المعلقة. في كلا القصيدتين هدف التسلسل أن يجعل الشاعر يشعر بالتحسن.
يبدأ البيت 43 من حيث انتهى النسيب، وقد أدى تركيز الشاعر اليائس على حبيبته إلى العذل ممن هم أكثر رشداً وتوازناً. وفي نبرة متبجحة يتذكر أنه ردهم الواحد تلو الآخر. هنا قد يجادل مدقق بأنه يخلط بين القوة والتعنت، لكن بغض النظر عن ذاك، من الواضح أنه يقصد مدح النفس لتحمله المضايقات وثباته ضد خصوم لداد. لذا على المستوى الموضوعي، بينما يمسك البيت بخيط الحبيبة، يتوجه في الوقت نفسه نحو موضوع جديد. لكن على مستوى البنية (باستخدام «ألا ربَّ») والنبرة، الواضح أن البيت يحدد بداية لقسم جديد.
يستذكر الشاعر في الأبيات 44-48 كم من ابتلاء امتحن صبره وذلك من خلال الصراع المجازي مع الليل. ووجود الذكرى هنا في القصيدة يعني ـ كما كان ربما متوقعاً من التصاقه بالحبيبة ـ أن الشاعر قد نزل إلى حضيض وجداني. إن الليل يغرقه همّاً، ويستمر في وصف هذا الامتحان الطويل باستعارة مشهورة: الليل في بطئه يشبه جملاً راغباً عن الوقوف والمغادرة. لا بل الليل متوقف تماماً، فالثريا تبدو للمرء معلقة في السماء، مربوطة بأمراس كتان إلى صخور هائلة. بصور حيوية كتلك يعبر الشاعر عن اليأس اللانهائي، وترديده الصراخ «ألا» في البيت 46 (أَلاَ أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلاَ انْجَلِي) يشير بدوره إلى ذلك القنوط.(82)
في هذا القسم بشكل خاص، نرى دلائل على قوة شخصية الشاعر وشجاعته. يأمر الليل أن ينجلي علماً بأن الصباح لن يكون أحسن بالنسبة إليه. حقيقة إنه من طبعه أن يجاهد ويقاوم الشدة، كما تؤكد لنا الأشعار من ديوانه. على سبيل المثال، في إحدى قصائده يرد على تشكيك فتاة في جاذبيته متحدياً:
أَلاَ زَعَمَتْ بَسْبَاسَــةُ اليَــوْمَ أَنَّنِـــي كَبِرْتُ وَأَنْ لاَ يُحْسِنُ اللَّهْـوَ أَمْثَالِــــي
كَذَبْتِ لَقَدْ أُصْبِي عَلَــى المَرْءِ عِرْسَهُ وَأَمْنَعُ عِرْسِي أَنْ يُزَنَّ بِهــــَا الخَالِـي(83)
يحلل جيمز مونتجوميري قصيدة رثاء لامرئ القيس لا يستسلم فيها إلى التشاؤم، بل يختتم القصيدة على نغمة أمل واستحقاق الحق، مؤكداً احتمال الأخذ بثأر القتيل.(84) وربما الدليل الأكثر تمزيقاً لنياط القلب الدال على روحه غير القابلة للقهر يوجد في قصيدة تبدو أنها نُظمت بعد إصابته بالطاعون الدملي. فيها يعبر عن الفزع من المرض الذي أضعفه لدرجة أنه لم يعد بوسعه ارتداء قميصه. ولكن حتى هذه الحالة لم تستطع إرغامه على الإذعان، كما يوضح البيت الأخير ـ المتفائل رغم الموقف ـ من القصيدة:
أَلاَ إِنَّ بَعْــــدَ العُــــــدْمِ لِلْمَرْءِ قِنْوَةً وَبَعْدَ المَشِيبِ طُــــــولَ عُمْرٍ وَمَلْبَسَا
يعكس تصديه لظروف صعبة ما سماه أندراس هاموري «الشاعر كبطل».(85) وفي المعلقة تبرز بطولة الشاعر في رفضه القاطع للانغماس في الحزن رغم الغم الجاثم عليه. ويقول هوراس، الناقد الروماني، في فن الشعر إنه «لا يكفي أن تكون القصائد جميلة؛ عليها أن تؤثر فينا وتقود القلب كما تشاء».(86) ومحاولة الشاعر هنا الارتقاء من الاكتئاب مرة بعد أخرى من شأنها أن تلهم القارئ الصبر والشجاعة والمواظبة.
ينبغي أن نتطرق هنا إلى أربعة أبيات زائدة ترد أحياناً في هذا المكان في المعلقة.(87) يذكر أنها ترد في أحد الشرحيْن الأساسييْن مع الملاحظة أن أغلبية الرواة يعتبرونها دخيلة.(88) ولأسباب عدة نوافق على رأيهم الغالب. أولاً، تعكس الأبيات موقفاً من الإشفاق على النفس والتواضع غائب كلية في القصيدة وغير مناسب لأمير فخور. والملحوظ أن صاحب هذه الأبيات لا يقاوم الحظ السيئ بل يتقبله ويبحث عن شريك في بؤسه. يضاف إلى ذلك أن امرأ القيس، حين يتحدث في الديوان عن قطع مسافات في البيداء، يتحدث عن قطعها على متن ناقة سريعة وصلبة، بينما هنا يشير الشاعر إلى المشي على الأقدام. أخيراً، هذا الجزء يخل بالتحول الزمني من الليل (48) إلى الصباح الباكر (49) الذي يساهم في ربط الجزء المتعلق بالليل والجزء المتعلق بالحصان. باختصار، الرأي الغالب قديماً والدلائل الموجودة في القصيدة تحول دون الإقرار بأن هذه الأبيات جزء من القصيدة.
يشرع الشاعر في وصف حصانه المثالي ببيتيْن متميزيْن. فبخلاف الطيور الساكنة في وكناتها، الحصان النشيط يصطاد الطرائد في العراء، والحصان سريع لدرجة أنه، كما يظهر للعين، يكر ويفر ويقبل ويدبر في آن واحد. وفي الشطر الثاني للبيت 50، يقول لنا الشاعر إن الحصان، بالإضافة إلى سرعته، يسطو على الطرائد بقوة «جلمود صخر حطه السيل من عل». والأبيات التالية تثبت أكثر بأن هذا الحصان حيوان مثالي، متحلٍ بصفات تقابل ما للمرأة المثالية في القسم (ب). كما يجسد الفرس صفات ذكورية بحتة، فهو سريع وقوي وضامر ونشيط.
يبدأ البيت 43 من حيث انتهى النسيب، وقد أدى تركيز الشاعر اليائس على حبيبته إلى العذل ممن هم أكثر رشداً وتوازناً. وفي نبرة متبجحة يتذكر أنه ردهم الواحد تلو الآخر. هنا قد يجادل مدقق بأنه يخلط بين القوة والتعنت، لكن بغض النظر عن ذاك، من الواضح أنه يقصد مدح النفس لتحمله المضايقات وثباته ضد خصوم لداد. لذا على المستوى الموضوعي، بينما يمسك البيت بخيط الحبيبة، يتوجه في الوقت نفسه نحو موضوع جديد. لكن على مستوى البنية (باستخدام «ألا ربَّ») والنبرة، الواضح أن البيت يحدد بداية لقسم جديد.
يستذكر الشاعر في الأبيات 44-48 كم من ابتلاء امتحن صبره وذلك من خلال الصراع المجازي مع الليل. ووجود الذكرى هنا في القصيدة يعني ـ كما كان ربما متوقعاً من التصاقه بالحبيبة ـ أن الشاعر قد نزل إلى حضيض وجداني. إن الليل يغرقه همّاً، ويستمر في وصف هذا الامتحان الطويل باستعارة مشهورة: الليل في بطئه يشبه جملاً راغباً عن الوقوف والمغادرة. لا بل الليل متوقف تماماً، فالثريا تبدو للمرء معلقة في السماء، مربوطة بأمراس كتان إلى صخور هائلة. بصور حيوية كتلك يعبر الشاعر عن اليأس اللانهائي، وترديده الصراخ «ألا» في البيت 46 (أَلاَ أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلاَ انْجَلِي) يشير بدوره إلى ذلك القنوط.(82)
في هذا القسم بشكل خاص، نرى دلائل على قوة شخصية الشاعر وشجاعته. يأمر الليل أن ينجلي علماً بأن الصباح لن يكون أحسن بالنسبة إليه. حقيقة إنه من طبعه أن يجاهد ويقاوم الشدة، كما تؤكد لنا الأشعار من ديوانه. على سبيل المثال، في إحدى قصائده يرد على تشكيك فتاة في جاذبيته متحدياً:
أَلاَ زَعَمَتْ بَسْبَاسَــةُ اليَــوْمَ أَنَّنِـــي كَبِرْتُ وَأَنْ لاَ يُحْسِنُ اللَّهْـوَ أَمْثَالِــــي
كَذَبْتِ لَقَدْ أُصْبِي عَلَــى المَرْءِ عِرْسَهُ وَأَمْنَعُ عِرْسِي أَنْ يُزَنَّ بِهــــَا الخَالِـي(83)
يحلل جيمز مونتجوميري قصيدة رثاء لامرئ القيس لا يستسلم فيها إلى التشاؤم، بل يختتم القصيدة على نغمة أمل واستحقاق الحق، مؤكداً احتمال الأخذ بثأر القتيل.(84) وربما الدليل الأكثر تمزيقاً لنياط القلب الدال على روحه غير القابلة للقهر يوجد في قصيدة تبدو أنها نُظمت بعد إصابته بالطاعون الدملي. فيها يعبر عن الفزع من المرض الذي أضعفه لدرجة أنه لم يعد بوسعه ارتداء قميصه. ولكن حتى هذه الحالة لم تستطع إرغامه على الإذعان، كما يوضح البيت الأخير ـ المتفائل رغم الموقف ـ من القصيدة:
أَلاَ إِنَّ بَعْــــدَ العُــــــدْمِ لِلْمَرْءِ قِنْوَةً وَبَعْدَ المَشِيبِ طُــــــولَ عُمْرٍ وَمَلْبَسَا
يعكس تصديه لظروف صعبة ما سماه أندراس هاموري «الشاعر كبطل».(85) وفي المعلقة تبرز بطولة الشاعر في رفضه القاطع للانغماس في الحزن رغم الغم الجاثم عليه. ويقول هوراس، الناقد الروماني، في فن الشعر إنه «لا يكفي أن تكون القصائد جميلة؛ عليها أن تؤثر فينا وتقود القلب كما تشاء».(86) ومحاولة الشاعر هنا الارتقاء من الاكتئاب مرة بعد أخرى من شأنها أن تلهم القارئ الصبر والشجاعة والمواظبة.
ينبغي أن نتطرق هنا إلى أربعة أبيات زائدة ترد أحياناً في هذا المكان في المعلقة.(87) يذكر أنها ترد في أحد الشرحيْن الأساسييْن مع الملاحظة أن أغلبية الرواة يعتبرونها دخيلة.(88) ولأسباب عدة نوافق على رأيهم الغالب. أولاً، تعكس الأبيات موقفاً من الإشفاق على النفس والتواضع غائب كلية في القصيدة وغير مناسب لأمير فخور. والملحوظ أن صاحب هذه الأبيات لا يقاوم الحظ السيئ بل يتقبله ويبحث عن شريك في بؤسه. يضاف إلى ذلك أن امرأ القيس، حين يتحدث في الديوان عن قطع مسافات في البيداء، يتحدث عن قطعها على متن ناقة سريعة وصلبة، بينما هنا يشير الشاعر إلى المشي على الأقدام. أخيراً، هذا الجزء يخل بالتحول الزمني من الليل (48) إلى الصباح الباكر (49) الذي يساهم في ربط الجزء المتعلق بالليل والجزء المتعلق بالحصان. باختصار، الرأي الغالب قديماً والدلائل الموجودة في القصيدة تحول دون الإقرار بأن هذه الأبيات جزء من القصيدة.
يشرع الشاعر في وصف حصانه المثالي ببيتيْن متميزيْن. فبخلاف الطيور الساكنة في وكناتها، الحصان النشيط يصطاد الطرائد في العراء، والحصان سريع لدرجة أنه، كما يظهر للعين، يكر ويفر ويقبل ويدبر في آن واحد. وفي الشطر الثاني للبيت 50، يقول لنا الشاعر إن الحصان، بالإضافة إلى سرعته، يسطو على الطرائد بقوة «جلمود صخر حطه السيل من عل». والأبيات التالية تثبت أكثر بأن هذا الحصان حيوان مثالي، متحلٍ بصفات تقابل ما للمرأة المثالية في القسم (ب). كما يجسد الفرس صفات ذكورية بحتة، فهو سريع وقوي وضامر ونشيط.