Page 1
هذه الحكايات
بعد اجتماعات طويلة ومكثفة في بداية عام 9 8 8 1م بأحد كنائس مدينة نيو برونزويك بولاية نيوجرسي بالولايات المتحدة الأمريكية، صادق مجموعة شبان أمريكان متحمسين على تأسيس منظمة تدعى الإرسالية العربية الأمريكية هدفها الرئيسي التبشير بالمسيحية في منطقة الخليج والجزيرة العربية·
ولم تكد تنتهي تلك الاجتماعات التي قادها الدكتور لانسنج Dr. Lansing وثلاثة من مساعديه هم: جيمس كانتين James Contine وصموئيل زويمرSamuel Zwemer وفيليب فيلبسPhilip Phelps حتى راح هؤلاء المبشرون في صياغة أهداف الإرسالية ووضع آليات عملها ومصادر تمويلها وتشكيل فرق العمل وغير ذلك·
كان الهدف الرئيسي للإرسالية الأمريكية هو تحويل أهالي الخليج والجزيرة العربية إلى المسيحية، أما اختيار الاسم فكان يهدف إلى إزالة أية شكوك من العرب نحو أنشطة التبشير·
ويذكر المبشران زويمر وكانتين أهم الأسباب التي دعت لاختيار المنطقة بقولهما:
إن من بين الدوافع للعمل في (الجزيرة العربية) أولاً الأسباب التاريخية· إن للمسيح حق في استرجاع الجزيرة العربية· وقد أكدت الدلائل التي تجمعت لدينا في الخمسين سنة الأخيرة على أن المسيحية كانت منتشرة في هذه البلاد في بداية عهدها· وهناك دلائل أثرية واضحة على وجود الكنيسة المسيحية هناك؛ ولهذا فإن من واجبنا أن نعيد هذه المنطقة إلى أحضان المسيحية
وبجانب تلك الأسباب النظرية انتهزت الإرسالية وقادتها الأوضاع السيئة السائدة آنذاك في المنطقة حيث الجهل والتخلف وانتشار الفقر وسيطرة البريطانيين على الساحلين الجنوبي والشرقي للجزيرة العربية، لتبدأ خططها وتبحث عن مصادر تمويلها·
ومن اجتماعات في كنائس نيو برونزويك إلى أخرى، إلى توزيع مهام وجمع تبرعات ودراسة مبادئ اللغة العربية، انتهت كلها بقرار بدء التنفيذ وسفر المبشرين إلى المنطقة·
ففي البدء يسافر أحد مؤسسي الإرسالية وهو جيمس كانتين في منتصف شهر أكتوبر من عام 9 8 8 1م إلى سوريا ومنها إلى القاهرة ثم عدن لاختيار الأماكن المناسبة لبدء عمل الإرسالية، ثم لحق به المبشر الآخر صموئيل زويمر الذي يزور جنوب اليمن· وخلال تلك الزيارات اختار مبشرو الإرسالية الإقامة في بيروت بلبنان لبضعة أشهر لجمع المعلومات ودراسة اللغة العربية والتدرب على استخدامها·
Page 2
وانتهت دراسات كانتين وزويمر الميدانية ولقاءاتهما مع مبشري الكنائس الأوروبية الأخرى المنتشرة في بلاد الشام خصوصاً، إلى اختيار مدينة البصرة بجنوب العراق كمركز رئيسي لأعمال الإرسالية في منطقة الخليج والجزيرة العربية وقاعدة لعملياتهم·
فبعد استقرار بسيط في العاصمة بغداد بدا لكانتين كما يقول الباحث الدكتور عبدالله ناصر السبيعي في بحثه حول نشاط الإرسالية الأمريكية، بدا له أن البصرة هي أفضل مكان يمكن أن تنطلق منه الإرسالية نحو تحقيق أهدافها التبشيرية، وذلك لكثافة سكانها وسهولة الوصول إليها، وموقعها الاستراتيجي الذي يميزها عن بقية الأماكن التي زارها خاصة وأنها قد تسهل مهمة النفاذ إلى عمق الجزيرة العربية، ويتجلى ذلك من رسالة بعث بها كانتين إلى مقر الإرسالية يبرر فيها اختياره للبصرة بقوله: يبدو أن هذا المكان (البصرة) هو الأنسب لفتح ثغرة نحو الهدف
وعلاوة على ذلك حصلت الإرسالية ومنذ الأيام الأولى على تعاون الإرساليات المسيحية الأخرى العاملة في العراق مثل المجلس المسيحي للشرق الأوسط وجمعية الكنيسة التبشيرية وغيرها·
ولم يكن اختيار مدينة البصرة ــ حسب رأي المؤرخ الكويتي الدكتور عبدالمالك التميمي في كتابه التبشير في منطقة الخليج العربي ــ قاعدة ومحطة أولى لعملياتهم أمراً اعتباطياً بل أمراً مدروساً، فقد كان موقع هذه المدينة يتمتع بأهمية استراتيجية في المنطقة كلها لأنها تسيطر على الرأس الشمالي للخليج العربي· وكانت الحكومة الأمريكية قد سبق لها أن أنشأت قنصلية هناك واستطاع المبشرون الأمريكيون أن يعيشوا ويعملوا تحت حمايتها· وقد كان في هذا عون كبير لهم خاصة في الوقت الذي كانت فيه تحت سيطرة الدولة العثمانية، وكان صموئيل زويمر وجيمس كانتين أول رائدين للعمل التبشيري في تلك المحطة، ولهذا كانا أول من واجه ردود فعل المواطنين وقياداتهم الدينية بالإضافة إلى السلطات التركية
وقد بدأت نشاطات وفعاليات المبشرين الأمريكان في البصرة بالعمل مـع أوائـل عـام 1 9 8 1م· فـفي تلـك الأيـام نشـط المبشـرون ــ والذين كان يرافقهم في معظم الأحيان موزعو كتب مسيحيون عرب من أهل الشام ــ في توزيع وبيع الكتب والكراريس مثل الإنجيل والكتاب المقدس وغيرها، والدخول كذلك في نقاشات ساخنة مع أهالي البصرة حول المسيحية والإسلام·
غير أن تلك الأيام غير العادية بالنسبة للعراقيين وكذلك للمبشرين الأمريكان لاقت معارضة وعداء شديدين من جانب السلطات التركية التي كانت تحكم العراق· فكانت تفرض على أعضاء الإرسالية شروطاً قاسية للعمل وتصادر في كثير من الأحيان كتبهم وكراريسهم وتضطهد مبشريهم، وأحياناً تعتقلهم وتفقل مكتباتهم، كما كانت السلطات التركية تدخل في مواجهات سياسية متعددة مع الأمريكان عن طريق القنصليات·
وبالمقابل كان تمتع المبشرين بالجنسية الأمريكية مبرر تدخل حكومتهم وقنصلياتها في أغلب الأحيان وضغطها المستمر على الأتراك، مما سهل الكثير من عمل مبشري الإرسالية الأمريكية في البصرة وجنوب العراق عموماً·
Page 3
ورغم تلك الصعوبات إلا أن الإرسالية الأمريكية بدأت عملها بالتبشير ليس وسط البصرة وأهاليها فقط، بل قام أعضاؤها بالكثير من الرحلات القصيرة والطويلة لمدن وقرى جنوب العراق تحديداً، كانوا يوزعون فيها الكتب، ويفتحون المكتبات الصغيرة ويحاولون إقامة العلاقات مع الأهالي البسطاء·
وبجانب الرحلات والجولات قامت الإرسالية ببناء بعض الأبنية الضرورية مثل مدرسة البنات وإقامة مسكن قريب من المدرسة لسكن أعضاء الإرسالية، ثم إنشاء مكتبة داخل أسوار مجمع مدرسة البنين بالعشار وسط مدينة البصرة·
واهتمت الإرسالية كذلك بالعمل الطبي كثيراً في البصرة· وقدم المبشرون خدمات طبية هدفها الأساس تبشيري لأهالي البصرة والقرى والمدن المجاورة، وكان في البداية على شكل مستوصف صغير يديره طبيب واحد وممرضة·
ثم توسعت خدمات الإرسالية في جنوب العراق عندما حصلت على ترخيص بناء مستشفى هو مستشفى لانسنج التذكاري والذي أقيم عام 9 0 9 1م·
وخارج التبشير والطب والرحلات استغلت الإرسالية الأمريكية أوضاع الجهل البائسة في جنوب العراق وانتشار الأمية في تنصير الأهالي عبر التعليم بعد فشلها في توزيع الكتب والطب·
ففي عام 8 0 9 1م سمحت السلطات التركية للمبشر مورديك بافتتاح أول مدرسة للإرسالية بالبصرة بعد جهود مضنية وتدخلات سياسية أيضاً·
وبدأت المدرسة بثلاثين تلميذاً، وكانت معظم مناهجها باللغة العربية، وسميت مدرسة الأولاد باسم مدرسة الرجاء العالي، أما مدرسة البنات التي أنشئت فيما بعد فقد سميت مدرسة الرجاء للبنات ومن الواضح أن أهداف المدرستين والتعليم عموماً عند مبشرى الإرسالية الأمريكية هو تنصير التلاميذ· فقد كان أحد الدروس اليومية للتلاميذ مثلاً هو قراءة الإنجيل وتفسيره، كما أن النشيد اليومي للتلاميذ هو أدعية مسيحية خالصة!
وبعد حوالي أربع سنوات من استقرار عمل الإرسالية الأمريكية في البصرة، انطلق مبشروها إلى المدن العراقية الكبيرة والصغيرة في الجنوب· ففي نهاية عام 5 9 8 1م بدأ العمل في مدينة العمارة ثم في مدينة الناصرية· وفي عام 7 9 8 1م افتتحوا مكتبة للكتاب المقدس في كلتا المدينتين·
وبجانب بعض مدن جنوب العراق تواجد أعضاء الإرسالية الأمريكية في العاصمة بغداد، غير أن ذلك التواجد لم يكن له نفس النشاط والخدمات والحماس مثل فرع البصرة· وقد يكون السبب الأهم في عدم اهتمام الإرسالية ببغداد، رغم كونها العاصمة، هو وجود إرساليات تبشيرية أوروبية وأمريكية أخرى في بغداد ولها تواجد كبير، علاوة على أن الإرسالية كانت تعتمد على البصرة لأنها قاعدة انطلاق لجميع رحلاتها وأعمالها التبشيرية وخدماتها الطبية والتعليمية لجميع بلدان الخليج التي أسست فيها مراكز هامة فيما بعد مثل البحرين عام
2 9 8 1م·
Page 4
كان هذا المشهد الغريب والمثير في مدن وقرى جنوب العراق تحديداً مع رجال يرتدون بدلات فاخرة وقبعات ويتجولون بكتب مسيحية وسط شوارع قذرة وبيوت متواضعة، كان هذا المشهد هو بداية صراع حضاري متعدد الجوانب ومتنوع القوى مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين في العراق·
فقد شهد العراق ومنطقة الخليج والجزيرة العربية تحدياً حضارياً كبيراً لم تألفه من قبل، وصراعاً فكرياً ودينياً وثقافياً واجتماعياً خطيراً بين مبشرين أطباء خريجي أعرق الجامعات الأمريكية، تقف من ورائهم مؤسسات دينية تدعمهم مادياً ومعنوياً، وبين شعوب بسيطة لم يكن معظمهم يعرفون حتى القراءة والكتابة، لكنهم كانوا يقدسون معتقداتهم الدينية ويعيشون في تواضع لا يعرف ضجيج الآلات الحديثة التي راحت تغزو أوروبا وأمريكا آنذاك·
ورغم عدم التكافؤ في هذا الصراع إلا أن التبشير وجد مقاومة كبيرة غير متوقعة وبأساليب بسيطة، ولذلك عانت الإرسالية الأمريكية ــ برغم تظاهرها بالنجاح ــ من صعوبات كبيرة وهائلة كتب عنها أحد المبشرين قائلاً: من أشق المهام وأكثرها صعوبة الانخراط في أعمال التبشير، خاصة إذا ما كانت تجري وسط جمهور، ليس فقط لا يدرك ما تبشر به، ولكنه يعلم ويؤمن بنقيض ما تبشر به· أما إذا كان المبشرون أغراباً وافدين من بلاد أخرى بعيدة ليست لها صلة ولا رابط فالمشكلة أكبر والمشقة أكثر تعقيداً وريبة وحذراً
وفي صفحات هذا الكتاب يجد القارئ بعض حكايات قديمة عن العراق تناثرت بين نهري دجلة والفرات معظمها صار له في ذمة الروزنامة أكثر من مائة عام·
لكن هذه الحكايات التي قمت بإعدادها وترجمتها من اللغة الانكليزية من نصوصها الأصلية ــ مع بعض التعديلات والصياغة ــ والتي نشرتها المجلة الدورية للإرسالية الأمريكية الجزيرة العربية المنسية (Neglected Arabia)، كانت في الأصل مجرد تقارير وانطباعات كتبها المبشرون عن أعمالهم وأنشطتهم ورحلاتهم، وأيضاً عن مغامراتهم والحوادث التي جرت لهم في العراق عموماً في الفترة بين عامي 0 0 9 1 - 5 3 9 1م·
ولا تكشف أهمية هذه الحكايات كونها تصور الحياة في بعض المدن والقرى العراقية وظروف المعيشة وطبائع الناس وجغرافية المدن ووسائل المواصلات آنذاك فقط، بل إنها أيضاً تتحدث عن بعض العادات الاجتماعية في بداية القرن العشرين، وتروى مدى تمسك العراقيين بدينهم ورفضهم للمحاولات التبشيرية المحمومة لتنصيرهم والتحول عن دينهم·
من فرق تبشير أمريكية لا تملك سوى حماس نشر الديانة المسيحية والحضارة الغربية وسط بسطاء العراق عبر أدوات مثل كتب الإنجيل ومشارط الطب وطباشير التعليم، تغير الغزاة بعد عشرات السنين إلى غزاة آخرين من نفس البلاد اليوم جاءوا بجيوش جرارة (لتحرير) العراقيين من الديكتاتورية ونشر الحرية
من فرق التبشير إلى غزاة الجيوش المتطورة مضت الآن أكثر من مائة عام بين غزو وغزو، بين تبشير بديانة إلى غزو عسكري يمتلك كل التكنولوجيا والقوة والمال·
وبين تلك الغزوات جرت في مياه أنهار العراق حوادث كثيرة وانقلابات لا تحصى وتواريخ لا تعد، وبين تلك الغزوات أيضاً تناثرت حكايات ومغامرات ومواجهات، والكثير من الثرثرة فوق دجلة·
خالد البسام
البحرين
Page 5
لا مفر من صيف العراق!
بجانب أعمال الطب اشتغل عضوا الإرسالية الأمريكية في العراق المبشر فرد بارني والمبشر شارون توماس في أعمال التبشير في مدن العراق المختلفة منذ نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين·
وفـي شهـر أبريـل عـام 0 0 9 1م كتـب المبشران تقريراً عن أعمال التبشير والطب في مدينتي البصرة وبغداد وبعض المدن الأخرى· وفي البداية كتب المبشر بارني يقــول:
بينما أكتب الآن، هناك إزعاج شديد فوق رأسي حيث تمر الأقدام وهي تقرع وتكسر بالمجارف في مبنى الإرسالية· وهذه الأعمال سببها عمال ينقلون ألواح القرميد من الأرض إلى السقف تمهيداً لإصلاح بعض الدعامات المكسورة، مع أن الوعود كانت منذ عام مضي بأن هذه الأعمال سوف تكتمل·
لقد كانت هذه تجربة لنا في الصبر، وخاصة في الشهور القليلة الماضية بالنسبة للإرسالية التي ذهبنا إلى صاحب الأرض عدة مرات في الأسبوع لاستعجاله في البناء· ولكننا حصلنا على أعذار على نحو قياسي بخصوص الفشل في الإيفاء بتعهداته نحو المستقبل·
وبعض الإصلاحات التي نقوم بها في إرسالية البصرة بالعراق هي من أجل راحتنا كمبشرين وأطباء، وبعضها الآخر نقوم به من أجل سلامة أمننا هنا·
وبناء الإرسالية الذي نسكنه الآن هو مبنى قديم جداً، لكننا نأمل مع الانتهاء من الإصلاحات الحالية أن نقوم بالمزيد من الإصلاحات قريباً·
ومنذ حوالي أربعة شهور مضت كانت هناك بدايات للعمل في وسط النساء في البصرة، وقد كانت النتائج لذلك العمل مشجعة جداً·
فقد قامت حنان، وهي والدة بائع الكتب المسيحية المتجول ميشا والسيدة الورعة، قامت بزيارة إلى بيوت العديد من النساء في البصرة مؤخراً·
وواصلت حنان عملها هذا بكل نشاط حتى الأسابيع القليلة الماضية عندما اضطرت إلى التوقف لحاجاتها لرعاية إحدى قريباتها المريضة·
وعلى العموم فقد وجدت حنان ثلاث درجات يمكن إن يجدها أي ناشط في هذا الموضوع وفي كل مكان وهي أن الناس إما عدائيون أو غير مبالين أو مرحبين بوجودها·
ولعل المستقبل المرْضي المفرح لتلك المحاولات هي أن عدد الطبقات المرحبة نسبياً يكبر ويكبر بصورة لم نتوقعها وهذا يظهر لنا أيضاً بأن الباب لدخول رسالة المسيح أصبحت مفتوحة على مصراعيها·
وكم يبدو العمل بين النساء غريباً عند الناس هنا، فكم مرة قدم البعض لحنان بعض المال بعد مناقشة وقراءة الكتاب المقدس، متصورين أنها تقوم بهذا العمل من أجل الحصول على مقابل مادي! هؤلاء الناس الفقراء الطيبون لا يعرفون بالطبع أي شيء عن سعادة أرواحهم وخيرها، ولم يكونوا يدركون كيف تأتي امرأة إليهم وتتحدث عن الله وكتابه المقدس، فلقد ظن المساكين أن هذه المرأة لا يمكن تأتي إليهم الا مقابل المال فقط·
Page 6
فهم لم يتعلموا حتى الآن بأن الكتاب المقدس هو بالمجان يمكن ان يحصلوا عليه· وإننا نعطيهم إياه لكي نثبت لهم ولأنفسنا كم هو شيء بدون مال وبدون ثمن
ولعل هذه البداية أثبتت لنا درساً هاماً وواضحاً وهو أن هناك في البصرة ساحة جيدة بخصوص العمل بين النساء، وكسب تأييدهن·
وخلال هذه الفترة قمنا بالعديد من الجولات خارج مدينة البصرة والعراق· وقد كانت الجولة الأولى هي للكويت التي يشاع بأنها ستكون المحطة الأولى لخط حديدي جديد· وقد قام بزيارة الكويت كل من مساعد المستوصف وموزع الكتب·
وأظهرت هذه الرحلة للكويت عدة أشياء هامة تتعلق بهذا البلد منها أن الكويت وخاصة بالنسبة لبائع الكتب لن يوجد مستقبل باهر فيها بسبب الأمية العالية· ولكن الأطباء يستطيـعون العمـل هنـا رغـم مضايقــة النـاس لهـم بأنهـم مشـركون، كمـا أن الأطبـاء يستطيعـون الذهاب إلى نجد عبرها وإلى أبعد مكان يريدونه في الجزيرة العربية·
أما المكان الثاني الذي قمنا بزيارته فكان مدينة الناصرية وذلك عبر نهري دجلة والفرات، وفي هذه الجولة حقق موزع الكتب يعقوب فيها نجاحاً جيداً، فقد استطاع في هذه الجولة بيع عدد كبير من الكتاب المقدس، والأهم خاصة هو ما حاوله عبر بيع الكتب زرع بذور المسيحية في المنطقة لتنتج الثمار في المستقبل·
وفي أماكن أخري أيضاً كان موزع الكتب يجري مع الناس أحاديث شيقة حول المسيح عيسى، وخلال الأسابيع القليلة الماضية فإن الجولات التي قمنا بها لمدن مثل الزبير وأبوخصيب حققت نتائج ممتازة ونجاحاً جيداً في التبشير وعرض أفكارنا·
غير أن المدن السابقة روي عنها في تقارير أخرى حكايات سيئة عن التعصب بين أهلها وكان من المستحيل الدخول إلى بعضها أصلاً· لكنني أستطيع أن أقول بأنه حتى ولو كانت تلك المدن صعبة ومتعصبة، فإنني واثق من أنها ستبقى مفتوحة لمبشرينا ولموزعي كتبنا·
إن الجو الحار في العراق على وشك أن يبدأ، وهذا يعرض الرحالة إلى خطر كبير على الصحة، ولكن مع برودة الجو فإننا نأمل في دفع عملنا مرة أخرى·
ويكتب المبشر شارون توماس عن بغداد عام 0 0 9 1م قائلاً:
في بداية هذه الموسم ذهبنا إلى بغداد للتغيير وحصلنا على فوائد كثيرة من هذه الرحلة خاصة لزوجتي السيدة توماس، بجانب بعض الأفكار الجديدة للعمل كسبناها من رؤيتنا للعمل الطبي الممتاز المقام هنا في إرسالية بغداد·
فلدى الإرسالية هنا مستوصفان وطبيبان مؤهلان، وأحد الطبيبين يعمل في بغداد منذ أربع عشرة سنة، وهو بالتالي لديه خبرة في مساعدة الناس هنا·
وأثناء وجودنا في بغداد قمنا برحلة مع الدكتور ستروك حيث زرنا بقايا آثار مدينة بابل القديمة، وقد استمتعنا بتلك الرحلة كثيراً بالرغم من عدم وجود أشياء كثيرة يمكن مشاهدتها، لكن هل يمكن تخيل شعوري وأنا أقف فوق معبد بعل وهو أحد الآلهة عند الكنعانيين والفنيقيين· ووسط دمار المدينة الفارسية العتيقة فإنه لا يمكن مشاهدة أي شيء سوى بقايا الأساسيات المتهدمة للجدران والشوارع·
وقد سمعت أن الحكومة الألمانية قامت مؤخراً بعمليات حفر واستكشاف في بابل·
وطبعاً فلا مفر من الصيف في العراق فهو على وشك أن يبدأ بدرجة حرارة مقدارها 4 0 1 فرنهيت تحت الظل· وفي الشهر القادم ستكون الحرارة على الأرجح بمعدل 2 1 1 فرنهيت درجة تقريباً· والجميع في مدينة البصرة سيكونون بخير، باستثناء لسعات الحر اللاهبة التي جعلت الأطفال من الآن يعانون من الحر·
وبخصوص مستوصف الإرسالية في البصرة، فقد بدأ المرضى في التوافد على المستوصف كل صباح بعد شروق الشمس بفترة قصيرة، وفي الأسبوع الماضي قمت بمعالجة حوالي 0 0 2 مريض· وأظن أن عدد المرضى هذا الأسبوع سيحافظون على نفس تلك الأرقام·
وفي النهاية فإنني أتمنى أن أخبركم عن بعض هؤلاء المرضى في المستقبل·
Page 7
العراقيون يمزقون كتب التبشير!
في بداية عام 1 0 9 1م قام المبشر الأمريكي هاري وريزم برحلة في مدن وقرى جنوب العراق مستخدماً مركباً بخارياً تجول به في نهر دجلة الشهير·
وعن تلك الرحلة وحكاياتها كتب المبشر هاري وريزم يقول في مجلة الإرسالية الأمريكية:
بين واحد من المركبين الإنكليزيين النهريين ركبت المركب البخاري الذي يطوف نهري دجلة والفرات واتخذت طريقي عبره في رحلة بجنوب العراق·
لقد تركت كوت العمارة حيث بدأت الرحلة· والواقع أنه يجب عليّ أن أكتب عن الكثير من الأشياء المهمة التي رأيتها على سواحل دجلة وخاصة عن طلاب الكتاب المقدس في مكان يدعى عزير وهو موقع من المفروض أن تكون موجودة فيه بقايا أحد الأنبياء، وهنا ترى قطعاناً من الغنم هنا وهناك ترعاها راعيات غنم لسن سوى فتيات صغيرات·
عندما وصلنا إلى العمارة أصبحنا على اتصال لأول مرة مع الموظفين الأتراك، وذلك بسبب أن كل شيء يجب أن يمر على مبنى الجمارك حيث يلزم علينا إحالة كتبنا إلى المدققين في الجمارك· وكانت النتيجة أن تسعة من الكتب المقدسة تم احتجازها في الجمارك·
لقد كان اعتراض الموظف واضحاً وهو أنه إذا أردنا الحصول على الكتب فيجب علينا دفع بقشيش من النقود· ولكنني أملاً في أن هذه الكتب ستقرأ إما من الموظف التركي نفسه أو من قبل أصدقائه، سمحت له بالاحتفاظ بها ولم أعطه أي بقشيش!
وبعد ذلك ذهبنا إلى نزل صغير يستطيع استيعابنا في هذه الفترة· غير أن الصناديق القليلة المملوءة بأغراضنا وثيابنا وكتبنا لم تصل إلا بعد بدء الزوار في زيارتنا والحديث معنا·
قيل وقتها أن أجنبياً قد وصل إلى المدينة، ولذلك فإن الناس تريد أن تعرف عن أسباب مجيئة وأهدافه· لذلك قام موزع الكتب عندنا ميشا بفتح صندوق الكتب وإطلاع الناس على الإنجيل والكراريس المسيحية·
وتدريجياً فإن الناس أصبحوا أكثر جراءة، بعدما كان العرب في الماضي يخشون من الأوروبيين، خاصة بعد أن صار المتعلمون منهم يستطيعون القراءة والإطلاع·
ولعـل هذا ما فتح طريق الاعتراضات علينا· وخلال بضع ساعات جلس الكثير من العرب في الأرض العارية بينما جلست أنا فوق الصندوق·
Page 8
وقد تمت الترجمة بيننا وبين العرب بواسطة موظفين أتراك جاءوا لمعرفة ما إذا كانت جوازاتنا تحتوي على إقامة في العراق أم لا·
وبكثير من الصبر تحملنا تدقيق الموظفين الأتراك المتواصل مدركين في الوقت نفسه بأنهم جاءوا إلينا لبحث أية حجة ضدنا لطردنا من العراق·
ترتبط المنطقة الواقعة بين كوت العمارة على دجلة والناصرية على نهر الفرات بمجرى من الماء صالح للملاحة في موسم المد·
وبعد تأخير معتاد من قبل العرب غادرنا كوت العمارة في قارب صغير يدعى بيلم بينما وقف العشرات من الرجال والنساء والأطفال يطالعوننا ونحن نغادر المدينة·
لقد كانت المدينة الأولى التي وصلناها صغيرة ومتواضعة ونزلنا في أحد الخانات·
وفي الصباح الباكر استيقظت على صيحات وصراخ يصدران من الأسفل، وعندما نظرت من النافذة رأيت مشهد علم شرقي أصابني بالقشعريرة·
ومن المؤكد أنه لا يمكن القيام بأشياء كثيرة بالنسبة لمدينة مضطربة جداً، لكننا قد غامرنا· وحيث أن ميشا موزع الكتب لم يلق معاملة طيبة، فقد قام الناس في أحد المرات بأخذها من يده وتمزيق الكتب وبعثرتها في الشارع، وفي النهاية استطاع ميشا في هدوء التقاط الأوراق الواحدة بعد الأخرى وتجميعها·
وفي العصر زارنا مجموعة قليلة من العرب في الخان الذي نسكن فيه·
ورغم تلك الزيارات ومحاولات التبشير هنا وهناك، إلا أنه مع ذلك فإن القليل يمكن إنجازه في هذه المدينة الصغيرة ولهذا السبب فقد غادرناها في اليوم التالي إلى مدينة أخرى تدعى كالا
ولكون المدينة صغيرة هي الأخرى، فقد قررنا أن لا نبقى فيها سوى وقت قصير· وجلسنا في بيت عبدالله المسيحي الكلداني· وقد جرت مناقشات طيبة حول الأمور الدينية وأقمنا الصلوات أيضاً في نفس البيت، والمسيحي عبدالله يقف هنا وحيداً في هذه المدينة المسلمة·
وبعد أن ركبنا القارب الصغير وتم توديعنا غادرنا المدينة ورافقنا عبدالله في رحلتنا إلى الشطرة التي وصلناها في اليوم التالي·
وأثناء سيرنا لاحظت بعض الأشياء في الريف العراقي· فالأرض كلها وهبت لزراعة القمح ولقطعان المراعي· كذلك ترى الصبيان الرعاة يُلهون أنفسهم باللعب ببعض الآلات الموسيقية·
Page 9
وفي الليل فإن الهواء يتخلله عواء كريه لابن آوى الذي كان يقترب جداً كلما اقتربنا من الساحل· كانت قطعان الأغنام تأتي مرتين في اليوم إلى حافة النهر لكي تشرب، وبينما كنا نسير عبر النهر رأيت بعض الأغنام منحشرة في الطين حيث لم تتمكن من الوصول إلى الحافة· وكم كانت الأغنام بائسة في صياحها، ولكن كم كان الصِّبية الرعاة سريعين في إنقاذها!
لقد وصلنا إلى الشطرة بعد فترة من غروب الشمس، وكالعادة حصلنا على مكان نأوى فيه في النزل الموجود· وهذه المدينة كبيرة في حجمها ولذلك بقينا فيها أربعة أيام· وبسرعة أقمنا صداقات مع الذين جرت معهم مناقشات طيبة في غرفتي في النزل أو في المقهى·
وقام ميشا بمجهودات كبيرة بعرض كتبه للبيع لكنها تعرضت للهجوم مثل المدينة السابقة· فقد قام الناس بحذفها وتمزيقها ورميها في الهواء·
ولكن مرة أخرى استطاع بصبره وإخلاصه الشرقي جمع أوراق الكتب بعد ذلك حتى استطاع ترتيب صفحاتها، وبينما كان يجمع الكتب تحولت الريح إلى صالحه، وعندها قام رجل جرئ من بين العرب وأخذ الكتاب المقدس وبدأ يقرأه، وشجع تصرف هذا العربي غيره من العرب، ورغم ذلك فإنه تم دعوة العرب بالمدينة إلى تحريم قراءة كتب الإنجيل التي يوزعها ميشا، وإن كانوا قد عاملوه معاملة ألطف هذه المرة·
وبين هؤلاء كان هناك رجل لم تكن لديه الشجاعة لشراء الإنجيل علناً، فقد جاء هذا الرجل إلى غرفتي في النزل في ساعة متأخرة من الليل، وبعد قراءة وأحاديث لبعض الوقت قام وأخذ نسختين من الأنجيل معه·
في اليوم التالي وكان يوم الأحد لم يتم بيع أي نسخ من الإنجيل·
لكن جاء حوالي أربعين شخصاً لشراء الإنجيل في نفس اليوم إلا أنهم أجلوا ذلك حتى الغد، وفي اليوم التالي جاءوا بأعداد أكبر·
لقد أشفق المبشر على هؤلاء العرب الذين جاءوا للتعرف على المسيح، فقد جلس الجميع القرفصاء وأسندوا ظهورهم على الجدار، وتجمعت أحذيتهم البالية في أكوام أمام مدخل إقامتنا، وكل واحد منهم كان يقرأ بصوت عالٍ في نفس الوقت· كما أن الكثير من الموظفين الأتراك والجنود جاءوا إلينا أيضاً وبعضهم غادروا المكان وهم يخفون الإنجيل تحت ثيابهم حتى لا يكتشفهم الملالي في الخارج·
وبينما كنت في المقهى واجهني أحد العرب بقوله: لماذا تأتون إلى هنا ومعكم كتبكم؟ نحن لا نريدها· لكن محاولاتكم المستمرة هي تشبه من يحاول سحب حجر البئر بواسطة الحبل!
وقد شعرت من هذا الكلام أن قلوب المسلمين ليست سهلة لفتحها أو إقناعها·
وكنا نود البقاء مدة أطول في مدينة الشطرة، ولكننا آثرنا الرحيل· وبدأنا المغادرة متجهين إلى الناصرية·
وفي طريقنا إلى الناصرية فوجئنا بوابل من المطر ينهمر فوق رؤوسنا بينما نحن في شهر مارس، ولكننا استطعنا الحصول على ملجأ يقينا من المطر في جانب الطريق وكان هذا الملجأ هو كوخ لأحد العرب، ونمنا ليلة في سفينة البيلم الذي كان يتسع لنوم ستة أشخاص بالكاد· وهذا العدد كان يشمل البحارة الثلاثة وميشا موزع الكتب وعبدعلي خادمي، وأنا· وبعد رحلة مثيرة وصلنا سالمين إلى الناصرية·
ومع الأسف كان وصولنا إلى الناصرية يعني نهاية كل حركة ونشاط في أجسادنا أو ما تبقى منها في الرحلة فقد أنهكنا التعب والجوع تماماً·
فبسبب شوقنا الشديد للطعام والشراب الخاص بنا والذي افتقدناه طوال أسبوعين من الرحلة، بسبب ذلك لم أطق صبراً وقمت باستعجال طبخ الطعام· وحدث أن سقط قدران وهما يغليان فوق رجلي، وأصابني ذلك بحروق وحمى أقعدتني في سريري لفترة·
وفي النهاية غادرنا الناصرية بسرعة نوعاً ما ربما بسبب مرضى، وبعد خمسة أيام وصلنا إلى البصرة أخيراً·
كان حساب الرحلة باختصار هو ثلاثة أسابيع استغرقت لياليها مسافة ألف ميل!
Page 10
كتب ممزقة·· وحوادث خطرة!
قاد المبشر الأمريكي إف· جي· بارني فرق تبشير متعددة في العراق أوائل القرن العشرين·
ويروي المبشر بارني في تقرير كتبه لمجلة الإرسالية الأمريكية الجزيرة المنسية فصولاً من حكايات باعة الكتب ببعض المدن العراقية في شهر أكتوبر عام 1 0 9 1م حيث يقول:
لأول مرة أتخلى عن دور الراوي في هذا التقرير عن حملات التبشير المسيحي في العراق· فسأقوم في السطور التالية بترك باعة وموزعي الكتب المسيحية بالحديث عن حكاياتهم وتجاربهم في المدن والقرى·
لكن قبل أن أترك المهمة لموزعي الكتب لابد أن أؤكد على أن الشهور الثلاثة الماضية كانت حافلة بالإنجاز· وساعدنا الطقس على أن تكون معظم أعمالنا التبشيرية ناجحة·
ويمكنني القول أن بيع الكتاب المقدس كان جيداً· وقد قمت مؤخراً بجرد مرتجعات هذا العام· ووجدت أن العدد الإجمالي لبيع الكتاب كان 0 4 7 1 نسخة، وهي تزيد بنسبة 71 في المائة عن السنة الماضية، وتزيد بنسبة 44 في المائة عن السنتين الماضيتين·
ومن المؤكد أن هذا النجاح يقتضي منا الإقرار بفضل الله علينا، خاصة إذا أدركنا الظروف الكثيرة المشاكسة التي سادت هنا خلال العام·
يقول موزع الكتب المسيحية يعقوب عن عمله التبشيري في مدينة العمارة التي مكث فيها لمدة خمسة شهور:
لقد كنت أفتتح مكتبة بيع الكتب في المدينة يومياً· وخلال بقائي في المكتبة وجدت أن أكثر سكان المدينة يأتون إلينا للزيارة· ولم أجد أية معارضة لعملنا باستثناء الأيام القليلة الأخيرة عندما اعتبر بعض الناس أن الشجار الذي وقع بين إنكليزي وتركي حول الكويت شيء يخص الإرسالية والتبشير· ولذلك حاول بعض الأهالي مضايقتي اعتقاداً منهم بأن مكتبتنا لديها علاقة خاصة مع هذا الإنكليزي·
ولم تؤثر هذه الحادثة الصغيرة في عملنا بالعمارة على الإطلاق، بل كان الكثير من الناس يأتون إلى المكتبة ويجرون مناقشات وأحاديث دينية مختلفة·
وهناك بعض الرجال من أهالي المدينة منحوني الأمل في تحقيق آمال، وأعطوني الحرية في الكلام بكل بصراحة وقول الصدق حول ديننا المسيحي·
وفي بعض الأحيان كان الكثير من الناس يأتون إلى مكتبتنا التي لم تكن تتسع لهم أحياناً·
وعادة فالمسلمون يعترفون بأن هناك حاجة للإصلاح في بلادهم وليس في المسائل الاقتصادية فحسب، ولكن على الأخص في القضايا الدينية·
فبعضهم يقولون أنهم يودون أن يصبحوا مسيحيون ولكن الوقت الآن غير ملائم وليست هناك حرية!