Page 1
تحت حوافر الخيل
لو أردت الآن أن أبحث عن بداية هذه المشكلة ـ التي لا أدري كيف أصفها ولا ماذا أسميها ـ والتي كانت في البدء رفيقاً عابراً لعائلتنا، ثم أصبحت كابوسنا والسيف المسموم المسلَّط على مصيرنا، لضعت في كل سبيل. لقد ترعرعت، على كل حال في بيت غير بعيد عن ألعاب القمار، لقب الورق بمختلف أنواعه، والمراهنة على الخيل في السباق، أما طاولة الزهر ـ اللعب عن مصاري ـ فكانت شيئاً عادياً في منزلنا قرب المنارة. كان والدي صاحب مقهى على ساحل الروشة، وكان من المقامرين الأفذاذ المشهورين، وكان مرجع مقامري المحلة والمحلات المجاورة، في المدينة يعطي المراهنين كل يوم جمعة أو سبت «تعليمات» غالباً ما كانت تصيب. وهذا ما زاد في إقبال هواة سباق الخيل على الوالد الكريم، ومما جعل مقهانا ومنزلنا وحيثما وجد والدي، مقصداً لمختلف أنواع الناس.في البدء، كما أذكر، وكنا بعد أولاداً صغاراً حاولت أمي أن تقاوم أبي وتمنعه من لعب القمار بجميع أنواعه. وكانت امرأة قوية العزم، شديدة الوطأة، ذات عائلة قوية، ولم تكن عائلة والدي لتقل عنها قوة على كل حال، وكما أذكر، كنت مساء كل خميس أختار في زاوية المنزل، المحاط بحديقة جميلة من شجر البرتقال والأكي دنيا والتين، مكاناً خاصاً للنوم: فغداً يوم الجمعة، أي يوم عطلة. وأمي كانت تسميه «يوم الصرعة». ليلة الجمعة كنت لا أنام في فراشي العادي قرب أخوتي الصبيان، في الغرفة الداخلية، بل كنت، منذ مساء الخميس، ليلة الجمعة، أرقد على طاولة «تجليلة الفرشات»، وهي طاولة مستطيلة، عليها طراحة بيضاء بسيطة، والغطاء متوفر طبعاً. فالليلة مباركة.
كانت الطاولة موضوعة في زاوية ضائعة بين الكراسي والكنبايات، مما يجعل النوم عليها اختباء على طريقة الجن. والليلة مباركة، وغداً يوم الجمعة، الفطور فول بزيت وبندورة. ووجدت صعوبة في إقناع أمي، في البدء، لتسمح لي بالرقاد وحدي على تلك الطاولة. كنت أرتاح وأبتهج بالانفراد. لعلّي كنت في الحادية عشرة أو الثانية عشرة في تلك الأيام. لكن في صباح يوم الجمعة ذاك حضر ثلاثة من أخوالي ولم يمازحونا أو يلاعبونا، كما اعتادوا، بل قالوا لوالدي إنهم يريدون محادثته في أمر مهم. لم يرضوا أن يشاركونا «الترويقة». وحتى والدتي كفت عن الإلحاح في دعوتهم للمشاركة في الطعام، حين قال خالي الأكبر ابراهيم.
ـ لنا كلمة معك يا أبا زكريا.
قال أبي، بلهجة غير ودية، كما أذكر:
ـ تفضل تكلم.
ـ الأفضل أن نذهب إلى مكان آخر، أو غرفة أخرى.
ـ ولماذا الغرفة الأخرى؟ تكلم هنا.
قال خالي الثاني محمد علي، وكان أقل حدة:
ـ لماذا إدخال الأولاد في شؤوننا يا أبا زكور؟
تعالَ بنا إما إلى الدار، (كنا نتناول طعام الفطور في المطبخ) وإما إلى الحديقة.
أجاب والدي: «الأولاد فتيان صغار. لا يفهمون في هذه الأمور. وعلى كل حال تستطيعون أن تتكلموا». واتضح تماماً من لهجته أنه لا يريد أن يتحرك من مكانه. قال خالي الأصغر قاسم، بحدة الشباب:
ـ يجب أن نكلمك على انفراد. دون أن يسمع الأولاد، وذلك من أجل كرامتك.
توقف والدي عن مضغ لقمته. وحدج خالي قاسماً بنظرة حاول أن تكون هادئة لكنها كانت، رغماً عنه، مفعمة بغضب مكبوح وتهديد بكسر العظم، مبطن قليلاً.
ـ الموضوع كله مفهوم. وباستطاعتي أن أعطيكم جواباً مختصراً مفيداً. خيطوا بغير هذه المسلة! أنا حر في أموالي وأملاكي. والعمل في المقهى والحمد لله يسير على ما يرام. وهل قصرت يوماً بحق أختكم أو أولادها؟
أذعن أخوالي لرغبة والدي في مناقشة الأمر بحضورنا. كان أكبر أشقائي الصبيان زكريا في الخامسة عشرة. وكنا خمسة صبيان وأربع بنات.
قال خالي الأكبر: الذي يدهشني أنك رجل متدين، متمسك بأركان الإسلام، ومع ذلك تسمح لألعاب السباق والقمار أن تسلبك باستمرار قسماً كبيراً من أموالك.
أجابه والدي وهو يسوي، دون قصد طربوشه، مسدداً إياه إلى الامام بحيث أصبح الطربوش، يتخذ موقف التحدي لأخوالي الثلاثة:
ـ المثل يقول: ساعة لك. ساعة لربك.
Page 2
وكما أذكر، ظل أخوالي وقتاً طويلاً يحاولون إقناع والدي بترك السباق وألعاب القمار. ووصل الجميع إلى الصياح في النهاية؛ كان والدي يصيح: ألعاب القمار هي مهنتي! أنا ألاعب الناس لأسيِّر المقهى. هل تريدون أن أعتمد على ثمن فنجان القهوة أو نفس النارجيلة؟ أم تريدون أن أقلب المقهى لبيع السحلب والعرق سوس؟
صاح أحد أخوالي: في العام الماضي بعت ألف ذراع من أراضيك في زقاق الحمراء! فأين ثمنها الآن؟ عشرة آلاف ليرة! ألا تخاف الله في أموال أولادك؟ ها قد مر علينا خمسة عشر عاماً ونحن نواصل نصحك بلا فائدة. في البدء كانت ألعاباً بسيطة. إرساليات مع بقية السبقجية. ورقة بخمس ليرات. ورقة بعشر. وحين نبهتك أم زكريا، وكانت لا تزال عروساً في أسابيعها الأولى، سارعت إلى ضربها. وبعثت بها إلينا والدماء تنزف من فمها وعنقها. صحيح أننا عدنا لزيارتك في الليلة ذاتها. لكننا في النهاية، وعند المصالحة، أوضحنا لك أننا لا نحقد عليك، ولا نضمر لك إلا المحبة والخير. أنت صهرنا المحبوب. والصهر سند الظهر، كما يقول الناس عندنا. لكن ضرب الزوجة لأنها ترجو زوجها عدم الغرق في سباق الخيل ماذا تسميه يا أبا زكور؟
تساءل أبي غاضباً ـ هل سنعود إلى التاريخ القديم؟ الآن ماذا تريدون؟
قال خالي الأكبر ابراهيم، محاولاً أن يهدىء نبرته قدر استطاعته:
ـ لقد أصبح أولادك شباناً وفتيات، بعضهم بدأ يحصل على الشهادات، وبعضهم الآخر أصبح صالحاً للزواج. ولقد مللنا من كثرة النصيحة والوعظ والإرشاد طوال كل هذه السنين. لقد اهترأت مشّاياتنا ونحن رائحون غادون إلى عندك، ومن عندك. وعلى كل حال نحن في أكثر الأحيان نتكلم باسم أم زكريا.
كانت أمي تجلس عند زاوية «طبلية» السفرة، محولة وجهها عن وجه أبي، بعض الشيء، إما خجلاً، أو حرداً، أو من الغضب. وأردف خالي.
ـ والآن جئنا لنقول لك الكلمة الأخيرة. فإما أن تعيش «بحق الله» مثل سائر الخلق، وإما أن تعود أختنا إلى بيتنا. وأنت تتدبّر شأنك مع أولادك!
أدرك أبي أن التهديد ليس تهويلاً فارغاً أو كلاماً يلقى جزافاً في الهواء. كان أخوالي من المزارعين الصارمين، والرجال الأشداء، ولم يكن أبي يقل عنهم شدة وعزماً. لكنه كان، كما يبدو، في موقف أضعف، وعلى كل حال، كان يحسن المناورة والمسايرة. فقال لأخوالي.
ـ يا إخوان. والله العظيم ما لازم توصل بيننا المسائل لهون. قلت لكم: في المقهى ألاعب الناس لتسير الأمور على ما يرام!
ـ وفي بارك سباق الخيل يوم الأحد؟ هل يفوتك أحد لا تذهب فيه الى سباق الخيل؟
ـ هذه تسلية وحياة ابن العم ابراهيم!
ـ لعن الله هذه التسلية التي تكلفك مئات الليرات بل الألوف شهرياً، وأسبوعياً أحياناً.
ـ لا تبالغ يا أبا أحمد. مرة واحدة خسرت مبلغاً كبيراً. ومن الذي قال لك إن ثمن الأرض قد أنفقته كله. إنني أحتفظ بقسم كبير منه لتوسيع المقهى.
ـ إن شاء الله يكون ذلك صحيحاً. و«نجم الصحراء» ما قصته يا أبا زكريا.
نظر أبي في غضب نحو أمي. إنها وحدها التي يمكن أن تخبر أخوالي باعتزام والدي شراء جواد سباق. هو الجواد صاحب الاسم المذكور آنفاً.
قال أبي بعد أن نهض وصنع القهوة بنفسه لأخوالي وألح عليهم بشربها:
ـ يا إخوان. بالفعل سباق الخيل مصيبة. خصوصاً لمتوسطي الحال أمثالنا. والباشا «شاتيلا» نفسه، صاحب عشرات الجياد في السابق كان منذ أسبوعين عندنا، في المقهى، وكانت تحيط به جماعة كبيرة من الفتيان والرجال. هواة السباق، فقال لهم وهو يهز عصاه، ويفتل شاربيه الأبيضين:
ـ يا أولادي. لا تظنوا أن باستطاعة أحد أن يقتلع صنوبرة من بارك بيروت!
وضع خالي الأكبر فنجان القهوة على طاولة الطعام المنخفضة، وقال بعد أن رشف منه رشفة طويلة:
ـ وماذا فهمت من عبارة الباشا «شاتيلا» يا أبا زكور؟
صاح أحد أخوالي: في العام الماضي بعت ألف ذراع من أراضيك في زقاق الحمراء! فأين ثمنها الآن؟ عشرة آلاف ليرة! ألا تخاف الله في أموال أولادك؟ ها قد مر علينا خمسة عشر عاماً ونحن نواصل نصحك بلا فائدة. في البدء كانت ألعاباً بسيطة. إرساليات مع بقية السبقجية. ورقة بخمس ليرات. ورقة بعشر. وحين نبهتك أم زكريا، وكانت لا تزال عروساً في أسابيعها الأولى، سارعت إلى ضربها. وبعثت بها إلينا والدماء تنزف من فمها وعنقها. صحيح أننا عدنا لزيارتك في الليلة ذاتها. لكننا في النهاية، وعند المصالحة، أوضحنا لك أننا لا نحقد عليك، ولا نضمر لك إلا المحبة والخير. أنت صهرنا المحبوب. والصهر سند الظهر، كما يقول الناس عندنا. لكن ضرب الزوجة لأنها ترجو زوجها عدم الغرق في سباق الخيل ماذا تسميه يا أبا زكور؟
تساءل أبي غاضباً ـ هل سنعود إلى التاريخ القديم؟ الآن ماذا تريدون؟
قال خالي الأكبر ابراهيم، محاولاً أن يهدىء نبرته قدر استطاعته:
ـ لقد أصبح أولادك شباناً وفتيات، بعضهم بدأ يحصل على الشهادات، وبعضهم الآخر أصبح صالحاً للزواج. ولقد مللنا من كثرة النصيحة والوعظ والإرشاد طوال كل هذه السنين. لقد اهترأت مشّاياتنا ونحن رائحون غادون إلى عندك، ومن عندك. وعلى كل حال نحن في أكثر الأحيان نتكلم باسم أم زكريا.
كانت أمي تجلس عند زاوية «طبلية» السفرة، محولة وجهها عن وجه أبي، بعض الشيء، إما خجلاً، أو حرداً، أو من الغضب. وأردف خالي.
ـ والآن جئنا لنقول لك الكلمة الأخيرة. فإما أن تعيش «بحق الله» مثل سائر الخلق، وإما أن تعود أختنا إلى بيتنا. وأنت تتدبّر شأنك مع أولادك!
أدرك أبي أن التهديد ليس تهويلاً فارغاً أو كلاماً يلقى جزافاً في الهواء. كان أخوالي من المزارعين الصارمين، والرجال الأشداء، ولم يكن أبي يقل عنهم شدة وعزماً. لكنه كان، كما يبدو، في موقف أضعف، وعلى كل حال، كان يحسن المناورة والمسايرة. فقال لأخوالي.
ـ يا إخوان. والله العظيم ما لازم توصل بيننا المسائل لهون. قلت لكم: في المقهى ألاعب الناس لتسير الأمور على ما يرام!
ـ وفي بارك سباق الخيل يوم الأحد؟ هل يفوتك أحد لا تذهب فيه الى سباق الخيل؟
ـ هذه تسلية وحياة ابن العم ابراهيم!
ـ لعن الله هذه التسلية التي تكلفك مئات الليرات بل الألوف شهرياً، وأسبوعياً أحياناً.
ـ لا تبالغ يا أبا أحمد. مرة واحدة خسرت مبلغاً كبيراً. ومن الذي قال لك إن ثمن الأرض قد أنفقته كله. إنني أحتفظ بقسم كبير منه لتوسيع المقهى.
ـ إن شاء الله يكون ذلك صحيحاً. و«نجم الصحراء» ما قصته يا أبا زكريا.
نظر أبي في غضب نحو أمي. إنها وحدها التي يمكن أن تخبر أخوالي باعتزام والدي شراء جواد سباق. هو الجواد صاحب الاسم المذكور آنفاً.
قال أبي بعد أن نهض وصنع القهوة بنفسه لأخوالي وألح عليهم بشربها:
ـ يا إخوان. بالفعل سباق الخيل مصيبة. خصوصاً لمتوسطي الحال أمثالنا. والباشا «شاتيلا» نفسه، صاحب عشرات الجياد في السابق كان منذ أسبوعين عندنا، في المقهى، وكانت تحيط به جماعة كبيرة من الفتيان والرجال. هواة السباق، فقال لهم وهو يهز عصاه، ويفتل شاربيه الأبيضين:
ـ يا أولادي. لا تظنوا أن باستطاعة أحد أن يقتلع صنوبرة من بارك بيروت!
وضع خالي الأكبر فنجان القهوة على طاولة الطعام المنخفضة، وقال بعد أن رشف منه رشفة طويلة:
ـ وماذا فهمت من عبارة الباشا «شاتيلا» يا أبا زكور؟
Page 3
ـ فهمت أن السباق خراب بيوت. وأنا في نيتي منذ زمن أن أتوقف عن الذهاب إلى هناك بالمرة.
ـ إن شاء الله يكون ذلك صحيحاً. لقد سبق أن وعدتنا مراراً، صحيح ليس بهذه الصورة القاطعة. ولكن نرجو أن تكون مخلصاً هذه المرة.
أمسك والدي بيد خالي وقال له بشبه صياح:
ـ المسألة يا أبا أحمد ليست مسألة صدق وإخلاص. الآن أنا معك. حدثني عن مضار القمار اقتنعت معك. لكنني مساء السبت، ليلة الأحد، في بعض الأيام، أبدأ في رؤية المنامات، أرى أولاً عدداً لا يحصى من الناس داخلين بملابسهم الزاهية إلى ساحة السباق. شيء مثل يوم القيامة، ثم أبو زكور، محسوبك على المقعد الخشبي. بين الناس، أنا أجلس بريمو عادة. وترتفع أصوات كهدير الرعد. وتنطلق الجياد تحت نور الشمس، وهطول الأمطار، خيول حمراء وصهباء ودهماء وسوداء وبيضاء. أجمل ما خلق الله! وفي نهاية المنام أرى على لائحة خاصة أسماء الخيول الرابحة في جميع الجولات «جمرة» «أبو سعدى»، «أسد الصحراء»، «برق الليل». في الصباح أنهض، وهذه الأسماء تدوي في مخي، لا أكذب عليك، وحياة من أعطانا هذه النعمة (ويرفع أبي بيده رغيفاً) قليلاً ما تخطئ مناماتي. إنني أصلي قبل أن أنام، على نية التوفيق.
ـ شيء جميل. ناس يصلون ليرزقهم رغيف خبز وآخرون يسكعون ويركعون لكي يهتدوا إلى الجياد التي يمكن أن تربح «غانيان» أو «بلاسيه».
ويقول خالي الأصغر، قاسم: الصلاة أمر بها الله لغير هذه الأغراض.
يجيبه والدي: الصلاة صلة وصل بين الخالق والمخلوق. والباقي كلام مشايخ. الصلاة علاقة خاصة لطلب أي شيء.
بادر خالي الأكبر، محاولاً عدم فقدان الانفراج الذي ظهر بوعد والدي.
ـ نرجوك أن ترجىء دروس الفقه هذه لتلقيها في الأزهر إذا سافرت إلى مصر يوماً. المهم أنك أدركت جيداً أن السباق خراب بيوت. وأظن الكلام بيننا كلام رجال.
وابتسم خالي وهو يشير إلى شقيقاتي الفتيات: لقد أصبحت لديك عرائس يا أبا زكور. وما شاء الله على هؤلاء الفتيان. الناس جميعاً تقول إنهم الأول في صفوفهم. أبناؤنا يأتون دوماً إلى هنا للاستعلام عن كثير من المسائل والدروس من أولادك. وسانده خالي الأوسط: وهذا يدعوك لهجر السباق نهائياً يا أبا زكور. ألم تعتبر بما حدث لقريبنا وجارنا عبد الحليم ش... ألم يصبح «على الأرض يا حكم»، وصار على الحصير مع أهله وأولاده، ومشكلته أنه مزارع فلاح. ولم تبقَ لديه أرض يزرعها، وأصبح خاوي الوفاض، وبعد صلاة الجمعة، الأسبوع الماضي، فتحوا له محرمة ليعملوا له لمية لكي يأكل خبزاً مع أولاده.
قال أبي بلهجة رجولية: ـ يا إخوان شرفتم وأهلاً وسهلاً. ونصيحتكم على الرأس والعين. السباق ألغيناه. ومن «عقل لم يندم». منذ الآن إن شاء الله بدأت حياة جديدة.
ـ وعد شرف يا أبو زكور؟
ـ وعد شرف. وحياة النبي.
ـ كلامك يقيدك يا عبد الودود.
ـ وحياة شرف النبي وشرف القرآن سباق الخيل لن أقربه بعد الآن. تهللت وجوه أخوالي، أما وجه أمي فقد ظل منحرفاً بعض الشيء، ومتجهماً قليلاً، ولاحظ خالي الأكبر ذلك فسألها: ما بالك يا سعدية؟ نراك غير مسرورة من وعود أبي زكريا؟.
قالت أمي بصراحتها المعتادة، المفعمة جسارة: ـ سوف ننتظر تطبيق هذه الوعود لنحكم.
صاح خالي:
ـ لكن الرجل يحلف بشرف النبي وشرف القرآن!؟
فتحت أمي فاها لتتكلم. لكنها امتنعت في اللحظة الأخيرة. وابتسمت ابتسامة تكاد تبدو مغتصبة وقالت:
ـ خير إن شاء الله. وأنا شاكرة عطفكم يا أخوتي.
ـ إن شاء الله يكون ذلك صحيحاً. لقد سبق أن وعدتنا مراراً، صحيح ليس بهذه الصورة القاطعة. ولكن نرجو أن تكون مخلصاً هذه المرة.
أمسك والدي بيد خالي وقال له بشبه صياح:
ـ المسألة يا أبا أحمد ليست مسألة صدق وإخلاص. الآن أنا معك. حدثني عن مضار القمار اقتنعت معك. لكنني مساء السبت، ليلة الأحد، في بعض الأيام، أبدأ في رؤية المنامات، أرى أولاً عدداً لا يحصى من الناس داخلين بملابسهم الزاهية إلى ساحة السباق. شيء مثل يوم القيامة، ثم أبو زكور، محسوبك على المقعد الخشبي. بين الناس، أنا أجلس بريمو عادة. وترتفع أصوات كهدير الرعد. وتنطلق الجياد تحت نور الشمس، وهطول الأمطار، خيول حمراء وصهباء ودهماء وسوداء وبيضاء. أجمل ما خلق الله! وفي نهاية المنام أرى على لائحة خاصة أسماء الخيول الرابحة في جميع الجولات «جمرة» «أبو سعدى»، «أسد الصحراء»، «برق الليل». في الصباح أنهض، وهذه الأسماء تدوي في مخي، لا أكذب عليك، وحياة من أعطانا هذه النعمة (ويرفع أبي بيده رغيفاً) قليلاً ما تخطئ مناماتي. إنني أصلي قبل أن أنام، على نية التوفيق.
ـ شيء جميل. ناس يصلون ليرزقهم رغيف خبز وآخرون يسكعون ويركعون لكي يهتدوا إلى الجياد التي يمكن أن تربح «غانيان» أو «بلاسيه».
ويقول خالي الأصغر، قاسم: الصلاة أمر بها الله لغير هذه الأغراض.
يجيبه والدي: الصلاة صلة وصل بين الخالق والمخلوق. والباقي كلام مشايخ. الصلاة علاقة خاصة لطلب أي شيء.
بادر خالي الأكبر، محاولاً عدم فقدان الانفراج الذي ظهر بوعد والدي.
ـ نرجوك أن ترجىء دروس الفقه هذه لتلقيها في الأزهر إذا سافرت إلى مصر يوماً. المهم أنك أدركت جيداً أن السباق خراب بيوت. وأظن الكلام بيننا كلام رجال.
وابتسم خالي وهو يشير إلى شقيقاتي الفتيات: لقد أصبحت لديك عرائس يا أبا زكور. وما شاء الله على هؤلاء الفتيان. الناس جميعاً تقول إنهم الأول في صفوفهم. أبناؤنا يأتون دوماً إلى هنا للاستعلام عن كثير من المسائل والدروس من أولادك. وسانده خالي الأوسط: وهذا يدعوك لهجر السباق نهائياً يا أبا زكور. ألم تعتبر بما حدث لقريبنا وجارنا عبد الحليم ش... ألم يصبح «على الأرض يا حكم»، وصار على الحصير مع أهله وأولاده، ومشكلته أنه مزارع فلاح. ولم تبقَ لديه أرض يزرعها، وأصبح خاوي الوفاض، وبعد صلاة الجمعة، الأسبوع الماضي، فتحوا له محرمة ليعملوا له لمية لكي يأكل خبزاً مع أولاده.
قال أبي بلهجة رجولية: ـ يا إخوان شرفتم وأهلاً وسهلاً. ونصيحتكم على الرأس والعين. السباق ألغيناه. ومن «عقل لم يندم». منذ الآن إن شاء الله بدأت حياة جديدة.
ـ وعد شرف يا أبو زكور؟
ـ وعد شرف. وحياة النبي.
ـ كلامك يقيدك يا عبد الودود.
ـ وحياة شرف النبي وشرف القرآن سباق الخيل لن أقربه بعد الآن. تهللت وجوه أخوالي، أما وجه أمي فقد ظل منحرفاً بعض الشيء، ومتجهماً قليلاً، ولاحظ خالي الأكبر ذلك فسألها: ما بالك يا سعدية؟ نراك غير مسرورة من وعود أبي زكريا؟.
قالت أمي بصراحتها المعتادة، المفعمة جسارة: ـ سوف ننتظر تطبيق هذه الوعود لنحكم.
صاح خالي:
ـ لكن الرجل يحلف بشرف النبي وشرف القرآن!؟
فتحت أمي فاها لتتكلم. لكنها امتنعت في اللحظة الأخيرة. وابتسمت ابتسامة تكاد تبدو مغتصبة وقالت:
ـ خير إن شاء الله. وأنا شاكرة عطفكم يا أخوتي.
Page 4
بعد هذه الايمان المقدسة، وفي صباح الأحد التالي كان والدي يخبر حلقة من لاعبي سباق الخيل تجمعت حوله، في زاوية مقهانا، تحت شجرة أزدرخت، مطلة على أمواج البحر الزرقاء اللطيفة، قال:
ـ هذه الليلة، يا إخوان، رأيت الإمام الأوزاعي بنفسه ممتطياً فرساً بيضاء، تسير به الهوينا، في أزقة محلتنا رأس بيروت، بين الحقول والمنازل. اعترضت سبيله وقلت له: دون أن أعرف في البدء من يكون، السلام عليكم يا حضرة الإمام. نظر إليّ الرجل الوقور، الأبيض اللحية، الكبير العامة، وأجاب:
ـ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. كيف حالك يا أبا زكريا؟
ـ «الحمد لله. الحمد لله يا شيخي». ثم سرعان ما دهشت كيف عرف الرجل اسمي. كان شيء ما في أعماقي يقول لي: أنت في منام. وكل شيء جائز الآن. لكنني سألت الشيخ الوقور، الذي كانت تحيط بوجهه هالة من نور رباني:
ـ وكيف عرفت اسمي يا أستاذنا؟
ضحك الشيخ الفارس وقال: نحن يا محمد أبا زكريا، والحمد لله، من أهل الكشف، واسمك، بالنسبة إليّ، مكتوب، على جبينك.
سارعت وأمسكت بعنان الفرس البيضاء التي كان يمتطيها الإمام وقلت له: طيب، يا شيخي، بحق الرسول، ألا أعطيتني «تعليمة» جيدة، تصيب مئة بالمئة، أكسب بواسطتها ثروة كبيرة، وتكون الزيارة الأخيرة لميدان السباق، لكي أبر بقسمي المقدس لأشقاء حرمتي أم زكريا؟ أرجوك يا إمام. المسألة مسألة حرام وحلال. مسألة نبي ورب. نظر إليّ الشيخ وقد افترت شفتاه المكسوّتان بشعر شاربيه ولحيته البيضاء عن ابتسامة ساخرة وسألني:
ـ والمشايخ أهل الكشف تريد أيضاً أن يعطوك «تعليمات» لسباق الخيل؟ ألا تخجل يا أبا زكريا؟
ـ يا مولاي. أريد أن تكون هذه «التعليمة» العلاج والدواء. وستكون آخر زيارة لي إلى «بارك سباق الخيل» إن شاء الله. فقط ساعدني قليلاً يا مولاي.
أطرق الشخ يفكر ولا شك. وتمتمت شفتاه بتسابيح علوية. كانت فرسه تتململ تحته وقد نفذ صبرها لطول وقوفها تحت الشمس ولا شك. لكن الشيخ الإمام شدها من زمامها بقوة وقال لها كلمة واحدة، فهدأت تمام الهدوء، وأصبحت كقطعة الفضة المصبوبة الكبيرة. قال الشيخ وهو يفتح في عينيَّ ـ عينيه اللوزيتين الواسعتين المشعتين بإشعاع غريب:
ـ وهل تعدني، يا أبا زكريا، بأن زيارتك، الأحد القادم لسباق الخيل ستكون حقاً الزيارة الأخيرة إذا أعطيتك «تعليمة» ممتازة، تحقق لك كسباً كبيراً؟
ـ أعدك يا أستاذ، وأقسم لك بكل ما تريد.
ـ لا تقسم بشيء. حوافر الجياد مرسومة في دمائك منذ أن كنت طفلاً. منذ أن كان والدك المرحوم الحاج عبد الغفور يجلسك في حضنه وتنظر أنت إلى الجياد وهي تنطلق مرتدية قمصانها الملونة محركة سيقانها العجيبة، رافعة ذيولها الحمراء والبيضاء. لا تقسم لي بشيء. لكنني أكلمك كلام رجل لرجل.
ـ أنا بأمرك يا أستاذ. فقط تكرم عليّ بهذه «التعليمة» وسترى مني ما يرضيك، وستشهد وفاء الرجال بعهودهم.
قال لي الإمام وهو يشد بزمام فرسه البيضاء:
ـ هل تعرف الكتابة يا أبا زكريا؟
ـ أعرف قليلاً. وأنت تعلم أنني كنت أهرب دوماً من دروس الشيخ ياسين التي كان يعقدها تحت الجميزة. وكانت جوائزه للمجتهدين نقوع وقمر الدين.
ضحك الإمام الوقور. وقال: ذاكرتك ممتازة. احفظ، إذن، هذه «التعليمة»:
جوادان لفرعون إلعبهما. والعب أيضاً: «سهم الجبل». «عنفوان». «ملك الليل». «المريخ». «تيمورلنك». هذه الجياد لجميع الأشواط. ولا تلعب على غيرها. إلعب غانييه وبلاسيه وكل ما تريد. قل لجماعة البارولي يوسعوا نشاطهم هذا الأحد. فهذا اليوم سيكون يومكم. والآن السلام عليك يا ولدي. إسمح لي بالانصراف.
تقدمت مجدّداً ورددت للشيخ الإمام «تعليمة» السباق. فجاءت مضبوطة باستثناء اسم أحد الجياد. فقد قلت أنا «نجم الليل» فصحح لي الشيخ.
ـ بل «ملك الليل»، يا أبا زكريا لا «نجم الليل». هل نسيت أنّ «نجم الليل» مسحوب من اللعب لأن سائسه بالاتفاق مع الجوكي وصاحبه أعطوه بلعة انكشف أمرها منذ ثلاثة أسابيع. حقيقة كان الشيخ الإمام من أهل الكشف. لذلك فقد تقدمت لأقبّل يده، بعد هذه «التعليمة» المقدسة لكنه سحبها مني بسرعة وشدة وقال: والآن إسمح لي يا ولدي بالذهاب.
ـ هذه الليلة، يا إخوان، رأيت الإمام الأوزاعي بنفسه ممتطياً فرساً بيضاء، تسير به الهوينا، في أزقة محلتنا رأس بيروت، بين الحقول والمنازل. اعترضت سبيله وقلت له: دون أن أعرف في البدء من يكون، السلام عليكم يا حضرة الإمام. نظر إليّ الرجل الوقور، الأبيض اللحية، الكبير العامة، وأجاب:
ـ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. كيف حالك يا أبا زكريا؟
ـ «الحمد لله. الحمد لله يا شيخي». ثم سرعان ما دهشت كيف عرف الرجل اسمي. كان شيء ما في أعماقي يقول لي: أنت في منام. وكل شيء جائز الآن. لكنني سألت الشيخ الوقور، الذي كانت تحيط بوجهه هالة من نور رباني:
ـ وكيف عرفت اسمي يا أستاذنا؟
ضحك الشيخ الفارس وقال: نحن يا محمد أبا زكريا، والحمد لله، من أهل الكشف، واسمك، بالنسبة إليّ، مكتوب، على جبينك.
سارعت وأمسكت بعنان الفرس البيضاء التي كان يمتطيها الإمام وقلت له: طيب، يا شيخي، بحق الرسول، ألا أعطيتني «تعليمة» جيدة، تصيب مئة بالمئة، أكسب بواسطتها ثروة كبيرة، وتكون الزيارة الأخيرة لميدان السباق، لكي أبر بقسمي المقدس لأشقاء حرمتي أم زكريا؟ أرجوك يا إمام. المسألة مسألة حرام وحلال. مسألة نبي ورب. نظر إليّ الشيخ وقد افترت شفتاه المكسوّتان بشعر شاربيه ولحيته البيضاء عن ابتسامة ساخرة وسألني:
ـ والمشايخ أهل الكشف تريد أيضاً أن يعطوك «تعليمات» لسباق الخيل؟ ألا تخجل يا أبا زكريا؟
ـ يا مولاي. أريد أن تكون هذه «التعليمة» العلاج والدواء. وستكون آخر زيارة لي إلى «بارك سباق الخيل» إن شاء الله. فقط ساعدني قليلاً يا مولاي.
أطرق الشخ يفكر ولا شك. وتمتمت شفتاه بتسابيح علوية. كانت فرسه تتململ تحته وقد نفذ صبرها لطول وقوفها تحت الشمس ولا شك. لكن الشيخ الإمام شدها من زمامها بقوة وقال لها كلمة واحدة، فهدأت تمام الهدوء، وأصبحت كقطعة الفضة المصبوبة الكبيرة. قال الشيخ وهو يفتح في عينيَّ ـ عينيه اللوزيتين الواسعتين المشعتين بإشعاع غريب:
ـ وهل تعدني، يا أبا زكريا، بأن زيارتك، الأحد القادم لسباق الخيل ستكون حقاً الزيارة الأخيرة إذا أعطيتك «تعليمة» ممتازة، تحقق لك كسباً كبيراً؟
ـ أعدك يا أستاذ، وأقسم لك بكل ما تريد.
ـ لا تقسم بشيء. حوافر الجياد مرسومة في دمائك منذ أن كنت طفلاً. منذ أن كان والدك المرحوم الحاج عبد الغفور يجلسك في حضنه وتنظر أنت إلى الجياد وهي تنطلق مرتدية قمصانها الملونة محركة سيقانها العجيبة، رافعة ذيولها الحمراء والبيضاء. لا تقسم لي بشيء. لكنني أكلمك كلام رجل لرجل.
ـ أنا بأمرك يا أستاذ. فقط تكرم عليّ بهذه «التعليمة» وسترى مني ما يرضيك، وستشهد وفاء الرجال بعهودهم.
قال لي الإمام وهو يشد بزمام فرسه البيضاء:
ـ هل تعرف الكتابة يا أبا زكريا؟
ـ أعرف قليلاً. وأنت تعلم أنني كنت أهرب دوماً من دروس الشيخ ياسين التي كان يعقدها تحت الجميزة. وكانت جوائزه للمجتهدين نقوع وقمر الدين.
ضحك الإمام الوقور. وقال: ذاكرتك ممتازة. احفظ، إذن، هذه «التعليمة»:
جوادان لفرعون إلعبهما. والعب أيضاً: «سهم الجبل». «عنفوان». «ملك الليل». «المريخ». «تيمورلنك». هذه الجياد لجميع الأشواط. ولا تلعب على غيرها. إلعب غانييه وبلاسيه وكل ما تريد. قل لجماعة البارولي يوسعوا نشاطهم هذا الأحد. فهذا اليوم سيكون يومكم. والآن السلام عليك يا ولدي. إسمح لي بالانصراف.
تقدمت مجدّداً ورددت للشيخ الإمام «تعليمة» السباق. فجاءت مضبوطة باستثناء اسم أحد الجياد. فقد قلت أنا «نجم الليل» فصحح لي الشيخ.
ـ بل «ملك الليل»، يا أبا زكريا لا «نجم الليل». هل نسيت أنّ «نجم الليل» مسحوب من اللعب لأن سائسه بالاتفاق مع الجوكي وصاحبه أعطوه بلعة انكشف أمرها منذ ثلاثة أسابيع. حقيقة كان الشيخ الإمام من أهل الكشف. لذلك فقد تقدمت لأقبّل يده، بعد هذه «التعليمة» المقدسة لكنه سحبها مني بسرعة وشدة وقال: والآن إسمح لي يا ولدي بالذهاب.
Page 5
وحين مضى الشيخ الوقور الممتطي فرساً بيضاء وغاب عبر أزقة محلة رأس بيروت، رحت أنظر حولي في ذهول. وسألت أحد أصحاب الحوانيت الذي كان يراقب لقاءنا من بعيد، دون أن يسمع منه شيئاً كثيراً:
ـ من هو هذا الشيخ الوقور يا أبا زيدان؟
قال الدكنجي رسلان باندهاش وقد اتسعت حدقتا عينيه:
ـ ألم تعرف الرجل حقاً؟ هل ختم الله على بصرك وفهمك؟ أم أنك لست من مسلمي هذا البلد؟
قلت ـ والله لم أعرفه. فمن يكون؟
قال صاحب الحانوت:
ـ إنه الإمام الأوزاعي رضي الله عنه.
كان أكثر رجال وفتيان الجماعة المحيطة بوالدي، في مقهانا المجاور لساحل الروشة، يحتسون القهوة والشاي، وسرعان ما راحوا يسحبون أقلاماً وأوراقاً صغيرة من جيوبهم ليسجلوا عليها هذه «التعليمة» المباركة.
شاعت الحماسة بين اللاعبين. فالقائمة مباركة فعلاً. فضلاً عن أن الجياد التي وردت أسماؤها فيها قوية فعلاً و»مشنصة» منذ فترة ليست قصيرة. في ذلك الأحد، وفي الساعة الرابعة بعد الظهر حضر أخوالي إلى المقهى، فلم يجدوا أبي، بل وجدوا المعلم سعد الدين، رئيس الشغيلة يدير المقهى، الغاص بالزبائن.
ـ أين أبو زكريا؟
قال المعلم سعد الدين:
ـ نزل قليلاً إلى السوق ليحضر السمك.
ـ وهل يباع السمك في أيام الآحاد؟
ـ لقد انحشرنا. وسوف يحاول العثور على شيء ما.
تجهمت وجوه أخوالي. وساروا نحو إحدى زوايا المقهى. وجلسوا ينتظرون. لم يعد والدي إلا بعد أذان المغرب. جاء مسود الوجه، يلعن ويشتم. كان زائغ العينين، متوتر الأعصاب، يسب أكبر المراتب المقدسة فقد خسرت «القائمة المباركة» بكاملها. وحين اقترب منه المعلم أبو سعد الدين ليحدثه في شؤون المقهى قال له: ولا كلمة يا عبد الفتاح. فقط جئني بفنجان قهوة مرة إلى الغرفة الزجاجية رقم 5. ولا أريد أن أرى أحداً من الآن حتى نهاية السهرة. ـ أولاد عمك هنا. ـ أي أولاد عم؟ ـ أشقاء الست أم زكريا. استعاذ والدي بالله من الشيطان الرجيم وقال: أنا في الغرفة رقم 5. إذا كانوا يريدون شيئاً فليشرفوا. ولعل أبي أحس بفجاجة موقفه، فأخوالي زوار عنده، وفي مقهاه، وكأنما هم في منزله. فجلس قليلاً، يحتسي فنجاناً من القهوة المرّة، وفكر بعض الشيء، ثم نهض بوقفة كلها عزم وتصميم. تبعته والخوف يعتمل داخل نفسي. هل يتشاجر والدي وأخوالي؟ والدي كان في ميدان السباق. وأخوالي قادمون لسؤاله عن عهده وقسمه المقدس. وقفت غير بعيد عن الزاوية الظليلة التي كان يجلس فيها أخوالي والتي قصدها أبي، بقامته الطويلة، ومنكبيه العريضين، وطربوشه العثماني المستقيم.
ـ من هو هذا الشيخ الوقور يا أبا زيدان؟
قال الدكنجي رسلان باندهاش وقد اتسعت حدقتا عينيه:
ـ ألم تعرف الرجل حقاً؟ هل ختم الله على بصرك وفهمك؟ أم أنك لست من مسلمي هذا البلد؟
قلت ـ والله لم أعرفه. فمن يكون؟
قال صاحب الحانوت:
ـ إنه الإمام الأوزاعي رضي الله عنه.
كان أكثر رجال وفتيان الجماعة المحيطة بوالدي، في مقهانا المجاور لساحل الروشة، يحتسون القهوة والشاي، وسرعان ما راحوا يسحبون أقلاماً وأوراقاً صغيرة من جيوبهم ليسجلوا عليها هذه «التعليمة» المباركة.
شاعت الحماسة بين اللاعبين. فالقائمة مباركة فعلاً. فضلاً عن أن الجياد التي وردت أسماؤها فيها قوية فعلاً و»مشنصة» منذ فترة ليست قصيرة. في ذلك الأحد، وفي الساعة الرابعة بعد الظهر حضر أخوالي إلى المقهى، فلم يجدوا أبي، بل وجدوا المعلم سعد الدين، رئيس الشغيلة يدير المقهى، الغاص بالزبائن.
ـ أين أبو زكريا؟
قال المعلم سعد الدين:
ـ نزل قليلاً إلى السوق ليحضر السمك.
ـ وهل يباع السمك في أيام الآحاد؟
ـ لقد انحشرنا. وسوف يحاول العثور على شيء ما.
تجهمت وجوه أخوالي. وساروا نحو إحدى زوايا المقهى. وجلسوا ينتظرون. لم يعد والدي إلا بعد أذان المغرب. جاء مسود الوجه، يلعن ويشتم. كان زائغ العينين، متوتر الأعصاب، يسب أكبر المراتب المقدسة فقد خسرت «القائمة المباركة» بكاملها. وحين اقترب منه المعلم أبو سعد الدين ليحدثه في شؤون المقهى قال له: ولا كلمة يا عبد الفتاح. فقط جئني بفنجان قهوة مرة إلى الغرفة الزجاجية رقم 5. ولا أريد أن أرى أحداً من الآن حتى نهاية السهرة. ـ أولاد عمك هنا. ـ أي أولاد عم؟ ـ أشقاء الست أم زكريا. استعاذ والدي بالله من الشيطان الرجيم وقال: أنا في الغرفة رقم 5. إذا كانوا يريدون شيئاً فليشرفوا. ولعل أبي أحس بفجاجة موقفه، فأخوالي زوار عنده، وفي مقهاه، وكأنما هم في منزله. فجلس قليلاً، يحتسي فنجاناً من القهوة المرّة، وفكر بعض الشيء، ثم نهض بوقفة كلها عزم وتصميم. تبعته والخوف يعتمل داخل نفسي. هل يتشاجر والدي وأخوالي؟ والدي كان في ميدان السباق. وأخوالي قادمون لسؤاله عن عهده وقسمه المقدس. وقفت غير بعيد عن الزاوية الظليلة التي كان يجلس فيها أخوالي والتي قصدها أبي، بقامته الطويلة، ومنكبيه العريضين، وطربوشه العثماني المستقيم.
Page 6
قال والدي: ـ أهلاً بالشباب.
أجابه أخوالي بفتور ـ الحمد لله على السلامة يا أبا زكريا. هل عثرت على السمك المطلوب في السوق؟
وضحك أحد أخوالي.
سأل أبي مندهشاً: سمك؟ وأي سمك هذا؟
ـ هكذا قال لنا المعلم أبو سعد الدين، رئيس شغيلة المقهى. حين سألنا نحن عنك قال إنك نزلت إلى البلد لتشتري سمكاً للمقهى.
جلس والدي على كرسي قرب أخوالي وقال بلهجة هادئة جداً، بعثت الطمأنينة في قلبي:
ـ من أولها يا إخوان ولا من آخرها. أنا غير مستعد لبحث أموري الخاصة مع أحد. والآن أهلاً وسهلاً.
ـ وأين الأيمان المقدسة والقسم بشرف الله والرسول.
ـ أرجوكم. بيعونا هذه المسألة. ولن أقول كلمة أخرى غير ذلك. هل شربتم القهوة؟
ـ قهوتك مشروبة يا صهر. بس طالما المسألة هكذا. نحن نريد أن نقول لك أيضاً كلمة أخيرة، أختنا... سوف تذهب إلى بيت أبيها.
قال أبي، وقد عجبت لهدوء أعصابه، واحتفاظه برباطة جأشه، في ذلك الظرف العصيب:
ـ أختكم حرة في ذهابها ومجيئها.
ـ اتفقنا إذن.
ـ نعم اتفقنا. لكن أختكم ليست طنجرة أو صحناً لكي تتصرفوا بها كما يحلو لكم. يجب أن تشاوروها أيضاً.
ـ أم زكريا عندنا منذ الساعة الثانية بعد الظهر، أي منذ أن اتجهت أنت إلى ميدان الصنوبر المقدس...
ـ هكذا إذن؟
ـ نعم هكذا.
ـ أنتم الآن في محلي يا شباب. لكنني أذكركم بأن خراب البيوت غير هين. ولا تشجعوا أختكم على خراب بيتها.
قال خالي الأكبر، ابراهيم:
ـ أظن أنه اتضح تماماً من الذي يعمل لخراب البيت.
ـ يا جماعة هناك مسألة لا أفهمهما. هل طالبكم أحد بمبلغ استدنته أنا باسمكم. هل أتدخل أنا في بساتينكم ماذا تزرعون وماذا تجنون؟ لقد مضى علينا أكثر من سبعة عشر عاماً ونحن في هذه الحال. في النهاية أقول لكم بكل هدوء: إنني أرفض وصايتكم عليّ. لا أريد وصياً عليّ. العجنة التي كنتم ترسلونها إلى منزلي كل صباح، أوقفوها. أنا حر في بيتي ومقهاي وزوجتي وأولادي. والحمد لله لا يحدث سوى الخير لنا جميعاً. نعم. أنا أحب سباق الخيل. وأذهب وأتسلى ببعض المبالغ كل يوم أحد. فهل سألت يوماً أحداً منكم كيف يقضي أوقات تسليته؟ وكيف يزرع الباذنجان أو قرع السباحة؟
نهض أخوالي، وكان الظلام قد جن. وأضاءت مصابيح المقهى الكهربائية الضعيفة. ولم يبقَ في المكان سوى أقل من ربع الزبائن. وقال خالي الأوسط:
ـ إذن من الآن فراق بينك وبين شقيقتنا...
ونظر خالي الأكبر إبراهيم نظرة مهددة إلى والدي وقال له وهو يهز إصبعه بهدوء:
ـ كذلك نرجوك أن لا تحاول الذهاب لاستعادتها. لم يعد لك عندنا بيت عم.
سألهم أبي: وإذا ذهبت؟ إنها زوجتي. وأريد أن أسمع رغبة الانفصال منها. ثم للرجل كلمة في هذا الموضوع، على كل حال.
ـ ننصحك بأن لا تذهب. وسوف تسمع هذه الرغبة وكل ما تقوله زوجتك السابقة، في المحكمة الشرعية!
ـ إذن تريدون أن تكبروا المسألة؟
أجابه أخوالي بفتور ـ الحمد لله على السلامة يا أبا زكريا. هل عثرت على السمك المطلوب في السوق؟
وضحك أحد أخوالي.
سأل أبي مندهشاً: سمك؟ وأي سمك هذا؟
ـ هكذا قال لنا المعلم أبو سعد الدين، رئيس شغيلة المقهى. حين سألنا نحن عنك قال إنك نزلت إلى البلد لتشتري سمكاً للمقهى.
جلس والدي على كرسي قرب أخوالي وقال بلهجة هادئة جداً، بعثت الطمأنينة في قلبي:
ـ من أولها يا إخوان ولا من آخرها. أنا غير مستعد لبحث أموري الخاصة مع أحد. والآن أهلاً وسهلاً.
ـ وأين الأيمان المقدسة والقسم بشرف الله والرسول.
ـ أرجوكم. بيعونا هذه المسألة. ولن أقول كلمة أخرى غير ذلك. هل شربتم القهوة؟
ـ قهوتك مشروبة يا صهر. بس طالما المسألة هكذا. نحن نريد أن نقول لك أيضاً كلمة أخيرة، أختنا... سوف تذهب إلى بيت أبيها.
قال أبي، وقد عجبت لهدوء أعصابه، واحتفاظه برباطة جأشه، في ذلك الظرف العصيب:
ـ أختكم حرة في ذهابها ومجيئها.
ـ اتفقنا إذن.
ـ نعم اتفقنا. لكن أختكم ليست طنجرة أو صحناً لكي تتصرفوا بها كما يحلو لكم. يجب أن تشاوروها أيضاً.
ـ أم زكريا عندنا منذ الساعة الثانية بعد الظهر، أي منذ أن اتجهت أنت إلى ميدان الصنوبر المقدس...
ـ هكذا إذن؟
ـ نعم هكذا.
ـ أنتم الآن في محلي يا شباب. لكنني أذكركم بأن خراب البيوت غير هين. ولا تشجعوا أختكم على خراب بيتها.
قال خالي الأكبر، ابراهيم:
ـ أظن أنه اتضح تماماً من الذي يعمل لخراب البيت.
ـ يا جماعة هناك مسألة لا أفهمهما. هل طالبكم أحد بمبلغ استدنته أنا باسمكم. هل أتدخل أنا في بساتينكم ماذا تزرعون وماذا تجنون؟ لقد مضى علينا أكثر من سبعة عشر عاماً ونحن في هذه الحال. في النهاية أقول لكم بكل هدوء: إنني أرفض وصايتكم عليّ. لا أريد وصياً عليّ. العجنة التي كنتم ترسلونها إلى منزلي كل صباح، أوقفوها. أنا حر في بيتي ومقهاي وزوجتي وأولادي. والحمد لله لا يحدث سوى الخير لنا جميعاً. نعم. أنا أحب سباق الخيل. وأذهب وأتسلى ببعض المبالغ كل يوم أحد. فهل سألت يوماً أحداً منكم كيف يقضي أوقات تسليته؟ وكيف يزرع الباذنجان أو قرع السباحة؟
نهض أخوالي، وكان الظلام قد جن. وأضاءت مصابيح المقهى الكهربائية الضعيفة. ولم يبقَ في المكان سوى أقل من ربع الزبائن. وقال خالي الأوسط:
ـ إذن من الآن فراق بينك وبين شقيقتنا...
ونظر خالي الأكبر إبراهيم نظرة مهددة إلى والدي وقال له وهو يهز إصبعه بهدوء:
ـ كذلك نرجوك أن لا تحاول الذهاب لاستعادتها. لم يعد لك عندنا بيت عم.
سألهم أبي: وإذا ذهبت؟ إنها زوجتي. وأريد أن أسمع رغبة الانفصال منها. ثم للرجل كلمة في هذا الموضوع، على كل حال.
ـ ننصحك بأن لا تذهب. وسوف تسمع هذه الرغبة وكل ما تقوله زوجتك السابقة، في المحكمة الشرعية!
ـ إذن تريدون أن تكبروا المسألة؟
Page 7
ـ أنت الذي أردت. وشقيقتنا لا تستطيع أن ترى الخراب يزحف نحو منزلها، ونحو رزق أولادها، وتقف مكتوفة اليدين. أنت تعرف أن عندك امرأة تساوي أكثر من ثقلها ذهباً.
ـ وهل قلت أنا شيئاً في أحد الأيام عن أم زكريا يا جماعة؟
ـ نعرف جيداً أن المسألة ليست هنا.
ـ إذن أين هي المسألة؟ لعلها على درج خان البيض؟
قال له خالي الأكبر ـ أهنئك على دمك البارد وبساطتك المفتعلة، التي تغش البسطاء. والآن السلام عليكم. لنا عندك رجاء واحد يا عبد الودود. لا تجرب أن تقترب من محلتنا. وقد أعذر من أنذر.
ضحك أبي ضحكة مغتصبة، وقال:
ـ بل سأحضر الليلة بعد ساعة، وأشرب فنجان قهوة عندكم، ونتحدث في الأمر بهدوء ونتفاهم إن شاء الله.
ـ ليس في علمنا أن «فهمك غليظ» يا عبد الودود، أصبحت أختنا عندنا، ولا نريدك أن تأتي لاستعادتها. لقد انتهى الأمر بيننا، وسائر الأمور تبت فيها المحاكم. وإذا جئت إلى محلتنا، فلن تكون «مبسوطاً» تماماً. لقد أجبرتنا على أن نقول لك ذلك بالعربي الفصيح.
هز أبي رأسه ساخراً، بل ضاحكاً. وكان يستثير نقمة أخوالي وسخطهم الشديد. كان واضحاً أن كل طرف يرى المسألة من ناحية مختلفة.
وقال أبي: لي ولد رضيع هو حسن. فهل أخذته... معها. وكذلك ابنتي الصغيرة سهام، في عامها الثاني.
أجاب خالي الأكبر، والثلاثة يتخذون طريقهم نحو الباب الخارجي:
ــ الآن اسمح لنا يا أستاذ عبد الودود. خرجوا من المقهى. وغابوا في دجى الليل، بين صخور شوران، وبيوته القديمة المطلة على البحر.
وحين أحاط بوالدي جماعة لاعبي السباق، بعد نصف ساعة، راح الجميع يشتمون الأفراس البيضاء وراكبيها، كائناً من يكونون سواء تراءوا في المنام، أم ظهروا في اليقظة. فقد خسرت «التعليمة» خسارة فظيعة وتكبد والدي وأصدقاؤه مئات الليرات من الخسائر. ولكن كعادة مدمني المراهنات، سرعان ما انصرفوا إلى تحليل عوامل الخسارة والربح، واستعراض قوى الجياد التي تسابقت، وحضرت «الأراكيل» وفناجين الشاي والقهوة، وتلاشت صدمة الخسارة، ونهض أبي في ذلك الليل، مبكراً. ولم يمكث مع أصدقائه أكثر من ساعة. كنت أعلم جيداً أنه ذاهب إلى بيت جدي، حيث بساتين أخوالي، ليحاول استرضاء أمي، وإعادتها إلى المنزل.
كنت أريد أن أتبعه، لكنني تهيبت بل خفت. فأخوالي لم يخرجوا خروج الأهل من مقهانا، بل كانوا قد أصبحوا غرباء تماماً لا سيما عن أبي. كنت أريد أن أنصح والدي بعدم الذهاب تلك الليلة إلى منزل اخوالي لكنه كان شديد البأس والعناد، ومع ذلك قلت له قبل أن أتركه عند مفترق الطرق المؤدي إلى منزلنا، قرب عمود الكهرباء المطل على حقول التوت، والضفادع تنق نقيقاً متواصلاً مزعجاً:
ـ أبي. لا تذهب الليلة. دع أمي تنام هذه الليلة عند بيت جدي. في الصباح سوف تشتاق إلينا وتعود وحدها.
قال لي أبي في شبه انتهار: ـ إذهب أنت إلى المنزل الآن. وانتبه إلى دروسك أنت وأخوتك جميعاً.
اقترب أخي زكريا، وكان نحيلاً رقيق الجسم، وقد زادته كثرة الدرس نحولاً. كان في صف البريفيه. سألني:
ـ هل علمت؟! لقد خرجت أمنا من المنزل.
ـ علمت. وكنت في المقهى، وقد جاء أخوالك إلى هناك. وتجادلوا جدالاً مريراً مع والدنا.
ـ أمك أخذت معها أخانا الصغير حسن وأختنا الصغرى سهام.
ـ غداً تعود أمنا يا زكريا. هذه حالنا مع أبيك وسباق الخيل وأخوالك وأمك إلخ.
ـ أخشى أن لا تعود هذه المرة. لقد توترت الأمور تماماً. وقد انحنيت أقبّل يديها ورجليها لكي تتسامح وتصرف النظر عن الخروج إلى بيت جدنا فلم تصغِ إليّ ولم تقبل مطلقاً.
ـ هل أحضر لكم أحد الشغيلة طعاماً من المقهى؟
ـ وهل قلت أنا شيئاً في أحد الأيام عن أم زكريا يا جماعة؟
ـ نعرف جيداً أن المسألة ليست هنا.
ـ إذن أين هي المسألة؟ لعلها على درج خان البيض؟
قال له خالي الأكبر ـ أهنئك على دمك البارد وبساطتك المفتعلة، التي تغش البسطاء. والآن السلام عليكم. لنا عندك رجاء واحد يا عبد الودود. لا تجرب أن تقترب من محلتنا. وقد أعذر من أنذر.
ضحك أبي ضحكة مغتصبة، وقال:
ـ بل سأحضر الليلة بعد ساعة، وأشرب فنجان قهوة عندكم، ونتحدث في الأمر بهدوء ونتفاهم إن شاء الله.
ـ ليس في علمنا أن «فهمك غليظ» يا عبد الودود، أصبحت أختنا عندنا، ولا نريدك أن تأتي لاستعادتها. لقد انتهى الأمر بيننا، وسائر الأمور تبت فيها المحاكم. وإذا جئت إلى محلتنا، فلن تكون «مبسوطاً» تماماً. لقد أجبرتنا على أن نقول لك ذلك بالعربي الفصيح.
هز أبي رأسه ساخراً، بل ضاحكاً. وكان يستثير نقمة أخوالي وسخطهم الشديد. كان واضحاً أن كل طرف يرى المسألة من ناحية مختلفة.
وقال أبي: لي ولد رضيع هو حسن. فهل أخذته... معها. وكذلك ابنتي الصغيرة سهام، في عامها الثاني.
أجاب خالي الأكبر، والثلاثة يتخذون طريقهم نحو الباب الخارجي:
ــ الآن اسمح لنا يا أستاذ عبد الودود. خرجوا من المقهى. وغابوا في دجى الليل، بين صخور شوران، وبيوته القديمة المطلة على البحر.
وحين أحاط بوالدي جماعة لاعبي السباق، بعد نصف ساعة، راح الجميع يشتمون الأفراس البيضاء وراكبيها، كائناً من يكونون سواء تراءوا في المنام، أم ظهروا في اليقظة. فقد خسرت «التعليمة» خسارة فظيعة وتكبد والدي وأصدقاؤه مئات الليرات من الخسائر. ولكن كعادة مدمني المراهنات، سرعان ما انصرفوا إلى تحليل عوامل الخسارة والربح، واستعراض قوى الجياد التي تسابقت، وحضرت «الأراكيل» وفناجين الشاي والقهوة، وتلاشت صدمة الخسارة، ونهض أبي في ذلك الليل، مبكراً. ولم يمكث مع أصدقائه أكثر من ساعة. كنت أعلم جيداً أنه ذاهب إلى بيت جدي، حيث بساتين أخوالي، ليحاول استرضاء أمي، وإعادتها إلى المنزل.
كنت أريد أن أتبعه، لكنني تهيبت بل خفت. فأخوالي لم يخرجوا خروج الأهل من مقهانا، بل كانوا قد أصبحوا غرباء تماماً لا سيما عن أبي. كنت أريد أن أنصح والدي بعدم الذهاب تلك الليلة إلى منزل اخوالي لكنه كان شديد البأس والعناد، ومع ذلك قلت له قبل أن أتركه عند مفترق الطرق المؤدي إلى منزلنا، قرب عمود الكهرباء المطل على حقول التوت، والضفادع تنق نقيقاً متواصلاً مزعجاً:
ـ أبي. لا تذهب الليلة. دع أمي تنام هذه الليلة عند بيت جدي. في الصباح سوف تشتاق إلينا وتعود وحدها.
قال لي أبي في شبه انتهار: ـ إذهب أنت إلى المنزل الآن. وانتبه إلى دروسك أنت وأخوتك جميعاً.
اقترب أخي زكريا، وكان نحيلاً رقيق الجسم، وقد زادته كثرة الدرس نحولاً. كان في صف البريفيه. سألني:
ـ هل علمت؟! لقد خرجت أمنا من المنزل.
ـ علمت. وكنت في المقهى، وقد جاء أخوالك إلى هناك. وتجادلوا جدالاً مريراً مع والدنا.
ـ أمك أخذت معها أخانا الصغير حسن وأختنا الصغرى سهام.
ـ غداً تعود أمنا يا زكريا. هذه حالنا مع أبيك وسباق الخيل وأخوالك وأمك إلخ.
ـ أخشى أن لا تعود هذه المرة. لقد توترت الأمور تماماً. وقد انحنيت أقبّل يديها ورجليها لكي تتسامح وتصرف النظر عن الخروج إلى بيت جدنا فلم تصغِ إليّ ولم تقبل مطلقاً.
ـ هل أحضر لكم أحد الشغيلة طعاماً من المقهى؟
Page 8
ـ أحضروا، لكن ما من أحد من إخوتك أو أخواتك ذاق لقمة، ما عدا الصبيان الصغار.
وسمعت بكاء من داخل غرفة نوم البنات. ذهبت. كانت شقيقتي عائشة منطرحة على فراشها، مستغرقة في بكاء مرير. وعائشة هي الكبرى في الرابعة عشرة. كانت تنوح: ماما. ماما. الله يسامحك يا بابا! هيك خليت ماما تروح من البيت؟ وآخرتها مع هالسبق؟ كانت عائشة تبكي بمرارة وحرقة، وتتساءل: وآخرتها يا ربي؟ لماذا خلقت الخيول؟
جلست أحاول تهدئة أساها وحزنها، لكنني في النهاية انخرطت معها في البكاء.
وانضمت إلينا أختنا فاطمة وهي سمراء، في العاشرة، أما عائشة فشقراء، أو كستنائية الشعر، ذات عينين زرقاوين، وكانت نحيفة الجسم مثل أخي الأكبر زكريا، بعكس فاطمة، التي كانت مثلي بدينة بعض الشيء.
كان إخوتي الصبيان، هاشم وأحمد ورضوان، تتراوح أعمارهم بين الخامسة والثامنة، وجميعهم في المدرسة الابتدائية، «يتهارشون» على حجرية الدار ذات البلاط الأبيض المنقوش بمربعات سوداء. كان الطقس ربيعاً. وجميعنا على أهبة الامتحانات. صاح أخي هاشم وهو الأوسط بيني وبين زكريا شقيقنا الأكبر:
ـ يكفي لعباً يا أولاد. هيا إلى الدرس.
كان الصبيان الصغار قد تناولوا شيئاً من الطعام. حزنوا لخروج أمهم في البدء، ثم نسوا الأمر، وغمرتهم موجة الطيش، فانصرفوا إلى اللعب، في المقهى أولاً. عند الصباح، ثم في حديقة المنزل. وهم الآن يتصارعون على أرض الدار. أظن أن هاشماً كان أعقلنا، وإن كان أكثرنا شبهاً بوالدنا من ناحية القامة، والصوت، وقوة الشخصية. لم يكن أكبرنا، لكنه كان أحب الصبيان إلى بنات البيت، وبنات الجيران. كان وسيماً حقاً، وجميل المنطق. كنت في غرفة عائشة، أشاركها البكاء، كما أسلفت، حين دخل هاشم، وجلس على طرف الفراش، وأخرج محرمة من جيبه، على مرأى من عائشة، ووضع المحرمة على الحصير، ثم انطلق يبكي معنا بصوت مضحك غريب ويقول نائحاً: مبارح ماتت حماتي من أكل المهلبية! طلقت مرتي تايصير عندي حماة ثانية. «واع! واع!» كان حزن عائشة شديداً. فلم تؤثر فيها هذه الدعابة المضحكة؟ أما أنا، وقد كنت في نهاية وصلتي الباكية، فقد رحت أضحك تارة وأبكي تارة أخرى. وحين لاحظ هاشم أن عائشة لم تتأثر بمزاحه، قال يخاطبها:
ـ تذكرين يا عائشة أن هذه حالتنا منذ سنين. أبونا وأمنا يختلفان، بسبب السباق ثم يتراضيان بعد قليل. كبري عقلك يا عيوشة. الآن عندك مسؤوليات. ولو لهذه الليلة فقط إذا لم تعد أمنا مع والدنا. لقد فهمت من أخينا علي أن والدنا ذهب لإحضارها من بيت جدك. والآن عليك أن تتذكري أنه ما من شجار بين أبينا وأمنا دام أكثر من يومين. وعليك الآن أن تكوني أنت الأم مؤقتاً. وأمامك واجبات تجاه أشقائك الصبيان الصغار.
هدأ بكاء عائشة قليلاً، وراحت تشكو الحال بلهجة مريرة. وشاركها هاشم ثم قال لها: معك حق في كل شيء. ولكن ما ذنب الصبيان الصغار. وهل تقبلين أن يناموا ببذلاتهم الوسخة، وأيديهم وأرجِلهم ووجوهم القذرة، قومي وخذيهم إلى الحمام و»اصمتيهم» كالعادة.
قالت عائشة وقد تحركت في داخلها عاطفة غريبة ظهرت في ارتعاش صوتها: هذا كله صحيح. لقد فهمت عليك يا هاشم. وسأنهض إلى الصبيان الصغار على الفور.
وبعد قليل كان أكثرنا جالساً على هذه الكنبة أو تلك يراجع دروسه حين جاء أعمامي الثلاثة بكري وخالد وراشد وزوجاتهم وبعض أولادهم وإحدى عماتي؛ كان الأول دهاناً والثاني بائع كاز على الطنبر والثالث معلماً ابتدائياً. وسرعان ما فهموا موضوع غياب أمنا وأبينا، فجلسوا يهاجمون والدنا في البدء، ثم سرعان ما تحول هجومهم إلى الجانب الآخر، ضد أخوالي. قال عمي بكري: أشقاء أم زكريا هم الذين جعلوها تطمع. وماذا ينقصها في حياتها؟ أدام الله عليهم هذه النعمة. ورفع يده من تحت إلى فوق كأنه يضرب الفرشاة الآخيرة في جدار انتهى من دهانه.
وسانده عمي الأوسط خالد، بائع الكاز، قائلاً بلهجة لا تخلو من حدة وهو يفتل شاربيه الأسودين الكبيرين، المصفرين في بعض مواضعهما من كثرة التدخين، كما أظن:
ــ إنه تحكم. اصحابنا آل «تمر هندي» يريدون أن يتحكموا بأخينا. ونحن لا نرضى بهذا. متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟ ـ وختم موجة السخط هذه عمي الأصغر المعلم الابتدائي، إذ صاح: ـ هل السادة الأكارم، أنسباؤنا الأفاضل، آل «تمر هندي»، ابراهيم ومحمد علي وقاسم، هم أولياء أمر أخينا... ومن الذي جعلهم أوصياء عليه؟ إنهم لا يرون كدحه ليل نهار في المقهى، وتحسينه أراضيه في «خندق ديبو» و«السليخ» و«الزاوية». لا يرون سوى ذهابه يوم الأحد، ساعة أو ساعتين لكي يتسلى في التفرج على الخيل. وأنا أتساءل: هل حدث يوماً واحتاج إلى أنسبائنا الكرام بقرش واحد؟ هل ضايقهم بطلب ما، في يوم من الأيام؟ إنهم يقولون: المستقبل. المستقبل. ويقرأون علينا الجفر دوماً وهجوم الأعور الدجال. حلوا عنا بقا!
وقال عمي بكري، وهو متضايق ضمن سترته الكحلية التي لم يعتد ارتداءها إلا في المناسبات الهامة، والظاهر أنه كان مشتركاً هذا اليوم في عقد قران أحد الناس أو تعزية بمرحوم جديد، أو يهنىء بختان أحد صبيان المحلة:
ـ هؤلاء الجماعة، آل «التمر هندي» بدلاً من أن يدعوا الله إلى أن يهدي أخانا، ويرشده إلى الصراط المستقيم، ويلهمه أن يوقف بيع البيرة في مقهاه، وينفضوا يدهم من دس أنوفهم في مشاكله وشؤونه اليومية، فإنهم يشجعون زوجته أم زكريا دوماً على هجره.
وسمعت بكاء من داخل غرفة نوم البنات. ذهبت. كانت شقيقتي عائشة منطرحة على فراشها، مستغرقة في بكاء مرير. وعائشة هي الكبرى في الرابعة عشرة. كانت تنوح: ماما. ماما. الله يسامحك يا بابا! هيك خليت ماما تروح من البيت؟ وآخرتها مع هالسبق؟ كانت عائشة تبكي بمرارة وحرقة، وتتساءل: وآخرتها يا ربي؟ لماذا خلقت الخيول؟
جلست أحاول تهدئة أساها وحزنها، لكنني في النهاية انخرطت معها في البكاء.
وانضمت إلينا أختنا فاطمة وهي سمراء، في العاشرة، أما عائشة فشقراء، أو كستنائية الشعر، ذات عينين زرقاوين، وكانت نحيفة الجسم مثل أخي الأكبر زكريا، بعكس فاطمة، التي كانت مثلي بدينة بعض الشيء.
كان إخوتي الصبيان، هاشم وأحمد ورضوان، تتراوح أعمارهم بين الخامسة والثامنة، وجميعهم في المدرسة الابتدائية، «يتهارشون» على حجرية الدار ذات البلاط الأبيض المنقوش بمربعات سوداء. كان الطقس ربيعاً. وجميعنا على أهبة الامتحانات. صاح أخي هاشم وهو الأوسط بيني وبين زكريا شقيقنا الأكبر:
ـ يكفي لعباً يا أولاد. هيا إلى الدرس.
كان الصبيان الصغار قد تناولوا شيئاً من الطعام. حزنوا لخروج أمهم في البدء، ثم نسوا الأمر، وغمرتهم موجة الطيش، فانصرفوا إلى اللعب، في المقهى أولاً. عند الصباح، ثم في حديقة المنزل. وهم الآن يتصارعون على أرض الدار. أظن أن هاشماً كان أعقلنا، وإن كان أكثرنا شبهاً بوالدنا من ناحية القامة، والصوت، وقوة الشخصية. لم يكن أكبرنا، لكنه كان أحب الصبيان إلى بنات البيت، وبنات الجيران. كان وسيماً حقاً، وجميل المنطق. كنت في غرفة عائشة، أشاركها البكاء، كما أسلفت، حين دخل هاشم، وجلس على طرف الفراش، وأخرج محرمة من جيبه، على مرأى من عائشة، ووضع المحرمة على الحصير، ثم انطلق يبكي معنا بصوت مضحك غريب ويقول نائحاً: مبارح ماتت حماتي من أكل المهلبية! طلقت مرتي تايصير عندي حماة ثانية. «واع! واع!» كان حزن عائشة شديداً. فلم تؤثر فيها هذه الدعابة المضحكة؟ أما أنا، وقد كنت في نهاية وصلتي الباكية، فقد رحت أضحك تارة وأبكي تارة أخرى. وحين لاحظ هاشم أن عائشة لم تتأثر بمزاحه، قال يخاطبها:
ـ تذكرين يا عائشة أن هذه حالتنا منذ سنين. أبونا وأمنا يختلفان، بسبب السباق ثم يتراضيان بعد قليل. كبري عقلك يا عيوشة. الآن عندك مسؤوليات. ولو لهذه الليلة فقط إذا لم تعد أمنا مع والدنا. لقد فهمت من أخينا علي أن والدنا ذهب لإحضارها من بيت جدك. والآن عليك أن تتذكري أنه ما من شجار بين أبينا وأمنا دام أكثر من يومين. وعليك الآن أن تكوني أنت الأم مؤقتاً. وأمامك واجبات تجاه أشقائك الصبيان الصغار.
هدأ بكاء عائشة قليلاً، وراحت تشكو الحال بلهجة مريرة. وشاركها هاشم ثم قال لها: معك حق في كل شيء. ولكن ما ذنب الصبيان الصغار. وهل تقبلين أن يناموا ببذلاتهم الوسخة، وأيديهم وأرجِلهم ووجوهم القذرة، قومي وخذيهم إلى الحمام و»اصمتيهم» كالعادة.
قالت عائشة وقد تحركت في داخلها عاطفة غريبة ظهرت في ارتعاش صوتها: هذا كله صحيح. لقد فهمت عليك يا هاشم. وسأنهض إلى الصبيان الصغار على الفور.
وبعد قليل كان أكثرنا جالساً على هذه الكنبة أو تلك يراجع دروسه حين جاء أعمامي الثلاثة بكري وخالد وراشد وزوجاتهم وبعض أولادهم وإحدى عماتي؛ كان الأول دهاناً والثاني بائع كاز على الطنبر والثالث معلماً ابتدائياً. وسرعان ما فهموا موضوع غياب أمنا وأبينا، فجلسوا يهاجمون والدنا في البدء، ثم سرعان ما تحول هجومهم إلى الجانب الآخر، ضد أخوالي. قال عمي بكري: أشقاء أم زكريا هم الذين جعلوها تطمع. وماذا ينقصها في حياتها؟ أدام الله عليهم هذه النعمة. ورفع يده من تحت إلى فوق كأنه يضرب الفرشاة الآخيرة في جدار انتهى من دهانه.
وسانده عمي الأوسط خالد، بائع الكاز، قائلاً بلهجة لا تخلو من حدة وهو يفتل شاربيه الأسودين الكبيرين، المصفرين في بعض مواضعهما من كثرة التدخين، كما أظن:
ــ إنه تحكم. اصحابنا آل «تمر هندي» يريدون أن يتحكموا بأخينا. ونحن لا نرضى بهذا. متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟ ـ وختم موجة السخط هذه عمي الأصغر المعلم الابتدائي، إذ صاح: ـ هل السادة الأكارم، أنسباؤنا الأفاضل، آل «تمر هندي»، ابراهيم ومحمد علي وقاسم، هم أولياء أمر أخينا... ومن الذي جعلهم أوصياء عليه؟ إنهم لا يرون كدحه ليل نهار في المقهى، وتحسينه أراضيه في «خندق ديبو» و«السليخ» و«الزاوية». لا يرون سوى ذهابه يوم الأحد، ساعة أو ساعتين لكي يتسلى في التفرج على الخيل. وأنا أتساءل: هل حدث يوماً واحتاج إلى أنسبائنا الكرام بقرش واحد؟ هل ضايقهم بطلب ما، في يوم من الأيام؟ إنهم يقولون: المستقبل. المستقبل. ويقرأون علينا الجفر دوماً وهجوم الأعور الدجال. حلوا عنا بقا!
وقال عمي بكري، وهو متضايق ضمن سترته الكحلية التي لم يعتد ارتداءها إلا في المناسبات الهامة، والظاهر أنه كان مشتركاً هذا اليوم في عقد قران أحد الناس أو تعزية بمرحوم جديد، أو يهنىء بختان أحد صبيان المحلة:
ـ هؤلاء الجماعة، آل «التمر هندي» بدلاً من أن يدعوا الله إلى أن يهدي أخانا، ويرشده إلى الصراط المستقيم، ويلهمه أن يوقف بيع البيرة في مقهاه، وينفضوا يدهم من دس أنوفهم في مشاكله وشؤونه اليومية، فإنهم يشجعون زوجته أم زكريا دوماً على هجره.
Page 9
وهذا عيب. يوماً يأخذون أختهم، ويوماً يعيدونها إلى بيت أخينا كأنهم أعارونا منقرة كوسى، أو شوبكاً، ولم يعطونا عروساً، وأم أولاد. وسانده عمي خالد، بياع الكاز، وصاح كأنه ينادي على كازه في أزقة المحلة:
ـ والله عيب ونص! صار ابنها الأكبر في الخامسة عشرة من عمره.
وقال المعلم الابتدائي: لا تحتموا يا جماعة. روقوا كما يروق الزيت! بعد قليل تعود المياه إلى مجاريها كسابق عهدها. ونظر إلى ساعته كأنه يضبط حصة الدرس.
وأيده عمي الدهان: الأمر كما قلت. بعد ساعة أو ساعتين تعود الست أم زكريا مع صغيريها إلى منزلها، وينتهي كل شيء. وتدخلت عمتي نفيسة، وهي امرأة في حوالى الأربعين، نحيفة مثل زكريا وعائشة، لكنها سمراء فاحمة السمرة تتكلم بلهجة عصبية بعض الشيء:
ـ مهلاً يا جماعة. أنتم، ولا مؤاخذة يا أخوتي، تفصلون الأمور «على ذوقكم». لو كنت مكان أم زكريا لما فعلت إلا مثلها. صحيح أبو خير الدين (زوج عمتي، وكان هو أيضاً دهاناً وطراشاً) يشرب دمعة، ولكن من الأحد للأحد بطحة، مسألة غير هامة. على كل حال، لقد اتفقت معه على أنه كلما أفرغ بطحة عرق، وأنهى شربها، أكسرها على رأسه. وقاطعها عمي الأستاذ: عجيب، نحن بلغنا العكس. لقد أخبرونا أنك في تلك الليلة تهجمين على شنبه تبوسين منه الجانبين. هكذا قال لنا بعض جيرانكم. واحدهم مؤذن لا يمكن أن يكذب!
ـ لا والله. في تلك الليلة لا أسمح لزوجي «أبو خير الدين» أن يقترب مني. إنني أكره رائحة العرق من «سفر سنة». والآن نعود إلى أبي زكريا. لقد زادها في مسألة القمار. علمتم ولا شك أنه منذ أشهر باع قطعة أرض في «محلة قريطم» بعشرة آلاف ليرة.
ـ قام بتحسين المقهى بها.
قالت عمتي نفيسة بنبرة عصبية: تلك الأموال، ثمن الأرض، لم يصرف منها قرشاً واحداً على المقهى. لقد خسر المبلغ كله في ميدان السباق. وهذا حرام. هذا الرجل عنده أطفال وعنده شباب وعنده بنات، بعد أشهر أو سنوات قليلة يصبحن «تحت نصيبهن». وأبو زكريا يبدد أموال هؤلاء الأولاد القصر. عيب وحرام والله.
قال عمي بكري، الدهان: نفيسة، والله تقول عين الصواب. لكننا نتحدث عن تدخل آل التمرهندي.
ـ آل «التمرهندي» يتدخلون بسبب ما أذكره لكم. إنهم يريدون مصلحته ومصلحة ابنتهم وأولادها، إنهم يرون، بأم العين، الخراب الذي حل بعشرات ومئات قبله. صحيح الجماعة فلاحون مزارعون. لكن الحياة عجنتهم وخبزتهم.
قال عمي خالد، بياع الكاز: عشرات ومئات باعوا بيوتهم وأرزاقهم ووضعوها في أذناب الخيل، أموال الفقراء والعائلات الكريمة تصب في خزائن فرعون وفستق وسرسق وبندق والباشا شاتيلا وخرا كلاب وسائر مليونيرية أهل البلد. صحيح والله، لكن إخواننا آل «التمر هندي» يستطيعون بالكلمة الطيبة أن يقنعوا أخانا... وليس بلجوئهم كلما دق الكوز بالجرّة إلى أخذ شقيقتهم، وجعلها تحرد وتشمع الخيط هاربة من بيتها.
قالت عمتي نفيسة: هناك مسألة تنسونها. والآن أذكركم بها. وأسألكم: في أي يوم تشتد أعمال المقهى أكثر من سواه؟
أجاب عمي بكري: في يوم الأحد طبعاً.
ـ وفي أية ساعة؟
ـ بعد الظهر.
ـ وأين يكون أخوك المحبوب أبو زكريا في تلك الساعة.
ــ في ضيافة ميدان سباق بيروت... صحيح... معك حق. المسألة ملعونة، وآل التمر هندي على حق.
وتدخلت زوجات أعمامي في الحديث وتشابكت الأصوات، وارتفع صياح عدة نساء معاً، وكان بينهن من تحكي عن تطريز الغانفا وثانية عن مشاجرة حدثت داخل قن دجاج الدكنجي أبو سليم الذي كمش حارس المحلة يلعب لعبة «أنا النحلة ـ أنا الدبور» مع نزيهة زوجة الدكنجي داخل قن الدجاج. وقالت زوجة أحد أعمامي تجد للعاشقين العذر: طيب كان الطقس بارداً. إلى أين يذهبان؟ اقترح عمي، معلم الصفوف الابتدائية: سطح الفرن كان أنسب شيء للست بدور والشاطر حسن. ثم طلب أحد أعمامي منا أن نحضر ورقاً للعب. وسأل عمي بكري بين مازح وجاد:
ـ اللعب تسلاية أم عن مصاري؟
فحدجته زوجته بنظرة قاسية. فطمأنها قائلاً: الدق بربع ليرة، لا غير.
ـ والله عيب ونص! صار ابنها الأكبر في الخامسة عشرة من عمره.
وقال المعلم الابتدائي: لا تحتموا يا جماعة. روقوا كما يروق الزيت! بعد قليل تعود المياه إلى مجاريها كسابق عهدها. ونظر إلى ساعته كأنه يضبط حصة الدرس.
وأيده عمي الدهان: الأمر كما قلت. بعد ساعة أو ساعتين تعود الست أم زكريا مع صغيريها إلى منزلها، وينتهي كل شيء. وتدخلت عمتي نفيسة، وهي امرأة في حوالى الأربعين، نحيفة مثل زكريا وعائشة، لكنها سمراء فاحمة السمرة تتكلم بلهجة عصبية بعض الشيء:
ـ مهلاً يا جماعة. أنتم، ولا مؤاخذة يا أخوتي، تفصلون الأمور «على ذوقكم». لو كنت مكان أم زكريا لما فعلت إلا مثلها. صحيح أبو خير الدين (زوج عمتي، وكان هو أيضاً دهاناً وطراشاً) يشرب دمعة، ولكن من الأحد للأحد بطحة، مسألة غير هامة. على كل حال، لقد اتفقت معه على أنه كلما أفرغ بطحة عرق، وأنهى شربها، أكسرها على رأسه. وقاطعها عمي الأستاذ: عجيب، نحن بلغنا العكس. لقد أخبرونا أنك في تلك الليلة تهجمين على شنبه تبوسين منه الجانبين. هكذا قال لنا بعض جيرانكم. واحدهم مؤذن لا يمكن أن يكذب!
ـ لا والله. في تلك الليلة لا أسمح لزوجي «أبو خير الدين» أن يقترب مني. إنني أكره رائحة العرق من «سفر سنة». والآن نعود إلى أبي زكريا. لقد زادها في مسألة القمار. علمتم ولا شك أنه منذ أشهر باع قطعة أرض في «محلة قريطم» بعشرة آلاف ليرة.
ـ قام بتحسين المقهى بها.
قالت عمتي نفيسة بنبرة عصبية: تلك الأموال، ثمن الأرض، لم يصرف منها قرشاً واحداً على المقهى. لقد خسر المبلغ كله في ميدان السباق. وهذا حرام. هذا الرجل عنده أطفال وعنده شباب وعنده بنات، بعد أشهر أو سنوات قليلة يصبحن «تحت نصيبهن». وأبو زكريا يبدد أموال هؤلاء الأولاد القصر. عيب وحرام والله.
قال عمي بكري، الدهان: نفيسة، والله تقول عين الصواب. لكننا نتحدث عن تدخل آل التمرهندي.
ـ آل «التمرهندي» يتدخلون بسبب ما أذكره لكم. إنهم يريدون مصلحته ومصلحة ابنتهم وأولادها، إنهم يرون، بأم العين، الخراب الذي حل بعشرات ومئات قبله. صحيح الجماعة فلاحون مزارعون. لكن الحياة عجنتهم وخبزتهم.
قال عمي خالد، بياع الكاز: عشرات ومئات باعوا بيوتهم وأرزاقهم ووضعوها في أذناب الخيل، أموال الفقراء والعائلات الكريمة تصب في خزائن فرعون وفستق وسرسق وبندق والباشا شاتيلا وخرا كلاب وسائر مليونيرية أهل البلد. صحيح والله، لكن إخواننا آل «التمر هندي» يستطيعون بالكلمة الطيبة أن يقنعوا أخانا... وليس بلجوئهم كلما دق الكوز بالجرّة إلى أخذ شقيقتهم، وجعلها تحرد وتشمع الخيط هاربة من بيتها.
قالت عمتي نفيسة: هناك مسألة تنسونها. والآن أذكركم بها. وأسألكم: في أي يوم تشتد أعمال المقهى أكثر من سواه؟
أجاب عمي بكري: في يوم الأحد طبعاً.
ـ وفي أية ساعة؟
ـ بعد الظهر.
ـ وأين يكون أخوك المحبوب أبو زكريا في تلك الساعة.
ــ في ضيافة ميدان سباق بيروت... صحيح... معك حق. المسألة ملعونة، وآل التمر هندي على حق.
وتدخلت زوجات أعمامي في الحديث وتشابكت الأصوات، وارتفع صياح عدة نساء معاً، وكان بينهن من تحكي عن تطريز الغانفا وثانية عن مشاجرة حدثت داخل قن دجاج الدكنجي أبو سليم الذي كمش حارس المحلة يلعب لعبة «أنا النحلة ـ أنا الدبور» مع نزيهة زوجة الدكنجي داخل قن الدجاج. وقالت زوجة أحد أعمامي تجد للعاشقين العذر: طيب كان الطقس بارداً. إلى أين يذهبان؟ اقترح عمي، معلم الصفوف الابتدائية: سطح الفرن كان أنسب شيء للست بدور والشاطر حسن. ثم طلب أحد أعمامي منا أن نحضر ورقاً للعب. وسأل عمي بكري بين مازح وجاد:
ـ اللعب تسلاية أم عن مصاري؟
فحدجته زوجته بنظرة قاسية. فطمأنها قائلاً: الدق بربع ليرة، لا غير.
Page 10
وخلط عمي خالد الورق، وبدأ يوزع الأوراق، وفي هذه الأثناء دق الباب. وفتحته أنا، كان أحد أبناء محلة «الصنوبرة»، حيث يقطن جدي وأخوالي. سألني: هل يوجد رجال في المنزل يا عمو؟
قلت له: نعم. أعمامي هنا. قال: استدع واحداً منهم فقط. قل له تيسير التوتنجي يريد أن يقول لك كلمتين.
ولم يسمح لي تيسير ولا عمي بأن أسمع ما يدور بينهما. لكن عمي بكري حين عاد إلى الدار، حيث يتوزع أعمامي وزوجاتهم وأولادهم وعمتي نفيسة على الكنبات ذات القمصان البيضاء لم يستطع أن يتمالك نفسه فصاح:
ـ لقد ضرب آل التمر هندي أخانا أبا زكور بالسكاكين.
وارتفع الصياح في المنزل، وأصبح في شبه مأتم. قال عمي بكري:
ــ لقد أرادها آل «التمر صرماية» معركة، فلتكن معركة. إتبعوني يا أولاد إلى المنزل لنأخذ بنادقنا ونقاتل أولاد الكلب، سوف نفنيهم عن آخرهم، وسوف ننهب أبقارهم وحميرهم ولن نرحم الديوك. وتذهب نفيسة ـ وأم عصام، زوجة أحد أعمامي ـ إلى المستشفى لتفقد حالة أخينا...، وقال عمي بائع الكاز: إذا أخذ أخونا «لابور مفتوح» فيجب أن نطالب بتعويض لا يقل عن خمسة وعشرين ألف ليرة.
واقترح عمي، المعلم الابتدائي: لازم تلقطوا الحكيم من هلق وتبرطلوه. هذه نصف ليرة أفتتح بها التبرعات لهذا المشروع، قالت له نفيسة غاضبة: نصف ليرة؟! خليها معك كول فيها بسكوت وراحة! ضمير الحكما غالي يا أستاذ!
وحين أرادت زوجة عمي راشد، المعلم الابتدائي، أن تخرج مع الجماعة، سألها عمي الأستاذ:
ـ إلى أين؟
ـ ذاهبة إلى المستشفى.
ـ كلا. بل إبقي هنا مع الأولاد، فهذا ضروري وأفضل.
ـ صحيح. ولكن لماذا لم تطلب إلى غيري أن تفعل ذلك؟
ـ أرجوك يا وفاء. الأولاد بحاجة إلى رعاية الآن. والموقف لا يحتمل الجدال.
كانت قوى الأمن تنتظر أعمامي عند مفارق الطرق. فاعتقلتهم جميعاً مع بنادق الصيد العثمانية التي كانوا يمتشقونها. كان لدى عمي الأكبر جفت صيد ببوزين، لكنه لم يخرجه قائلاً لزوجته: إذا أخذته الحكومة، فالنبي كيك نفسه لن يستطيع أن يعيده إلينا. خليه مطرحه عالحيط. وبيدبرنا الله.
وكانت جراح والدي خطيرة، فقد تمزقت أحشاؤه بشدة، واحتاج لعمليات عديدة. وذهبت أنا ربما في اليوم الثالث أو الرابع بعد العمليات لزيارته. كان يرقد في سرير بمستشفى الجامعة الأميركية. كان هادىء الحركة، ذا وجه أصفر كالزعفران. وجهه أشبه بوجه جثّة منتهية، كتلك التي كنت أرى صورها في الصحف، بعد حوادث القتل. كنت أشعر بحرقة كبيرة في قلبي وأنا أرى أبي ممدداً عاجزاً على هذا النحو. لم يكن يستطيع الحركة. عيناه فقط تحركتا. أظنه عرفني، كان ثقيل اللسان.
ـ عوي... عوي... علـ... علـ... (كان يريد أن يناديني باسمي: علي).
كان في زيارته بعض الجيران وبعض زوجات أعمامي، وأختي عائشة، العجيب أن عائشة تمالكت نفسها، بل راحت تشجع والدنا وتقول له: لا بأس يا بابا. لا بأس. أيام وتعود إلى المنزل إن شاء الله.
فهم عليها ولا شك، إذ إنه رفع عينيه إلى سقف الغرفة، داعياً مبتهلاً.
وكان أخي زكريا يجلس في زاوية بعيدة بعض الشيء، وهو جامد الأسارير. كان يصر بأسنانه، ونقل إليَّ فكرته بسرعة. نعم، يجب الانتقام لوالدنا. ولكن ممن؟ أخوالي الآن في السجن. ووالدتنا بعيدة عنا. كيف تكون حالتك الآن يا أماه؟
بعد أسابيع طويلة خرج والدي من المستشفى، وبديهي أن أكثرنا سقط في امتحانات ذلك العام. وفكرنا، نحن الفتيان الكبار في ترك الدراسة، لكن المعلم أبو سعد الدين، رئيس شغيلة المقهى صرخ فينا:
ـ لا تفكروا في العمل ولا في المقهى. الأمور تسير على ما يرام. فكروا في دروسكم وفي مستقبلكم. ما حدث لوالدكم حادث عابر. وخالكم الذي ثبت عليه الجرم ـ كان هو الخال الأصغر قاسم يقضي الآن «محبوسيته» التي تزيد عن خمس سنوات. وقد باع أخوالكم نصف أراضيهم ليقوموا بنفقات تطبيب والدكم. من جهتي نصحته حين استعاد وعيه، أن لا يسمح بذلك، إذ كان يريد سعدية أمكم. لكنه لم يقبل بإيقاف عملية البيع. والأصح القول إنه كان ضائع الفكر والتقدير. وهكذا تعمقت جراح الانفصال بشدة بين والدكم ووالدتكم. إنني أكلمكم بكل صراحة لأنكم فتيان، لكن الظروف تتطلب منكم الآن أن تكونوا رجالاً. والآن، لقد آن أوان السنة الدراسية، فإلى المدارس أيها الفتيان والفتيات.
كانت أمي امرأة شديدة المراس، حسنة التدبير، سديدة الرأي، فقد تدبرت أمرها، خفية عن أبي، لتستطيع أن ترانا عند إحدى الجارات التي يبعد منزلها قليلاً عن بيتنا. وكانت تسأل زكريا أحياناً، وهي تداري ما يشبه الخجل الذي يكاد يعقد لسانها: وأبوك يا زكريا كيف حاله؟ يتلعثم زكريا. السؤال مفاجىء ومستغرب بعض الشيء، لكن من واجب زكريا أن يجيب، فيقول: أحسن إن شاء الله. لقد سمح له الطبيب بأن يسير قليلاً في الحديقة. ويسكت زكريا، وتكاد العبرات تخنق صوته. وهو لا يضيف إلى قوله إن والدنا كان يسقط في كل مرة يحاول فيها السير بمفرده، بدون معونة عمتي نفيسة، أو إحدى الممرضات اللواتي كان يرسلهن المستشفى لضرب الإبر، وإن بعض جراح والدنا كانت تنفتح مجدداً إثر سقوطه لا سيما إذا سقط على حجارة بركة المياه، أو اصطدم بجذع شجرة. وكان الأطباء يسارعون إلى رتق الجراح. ولم يشف والدنا، ظاهرياً، إلا في أواخر تشرين الثاني.
قلت له: نعم. أعمامي هنا. قال: استدع واحداً منهم فقط. قل له تيسير التوتنجي يريد أن يقول لك كلمتين.
ولم يسمح لي تيسير ولا عمي بأن أسمع ما يدور بينهما. لكن عمي بكري حين عاد إلى الدار، حيث يتوزع أعمامي وزوجاتهم وأولادهم وعمتي نفيسة على الكنبات ذات القمصان البيضاء لم يستطع أن يتمالك نفسه فصاح:
ـ لقد ضرب آل التمر هندي أخانا أبا زكور بالسكاكين.
وارتفع الصياح في المنزل، وأصبح في شبه مأتم. قال عمي بكري:
ــ لقد أرادها آل «التمر صرماية» معركة، فلتكن معركة. إتبعوني يا أولاد إلى المنزل لنأخذ بنادقنا ونقاتل أولاد الكلب، سوف نفنيهم عن آخرهم، وسوف ننهب أبقارهم وحميرهم ولن نرحم الديوك. وتذهب نفيسة ـ وأم عصام، زوجة أحد أعمامي ـ إلى المستشفى لتفقد حالة أخينا...، وقال عمي بائع الكاز: إذا أخذ أخونا «لابور مفتوح» فيجب أن نطالب بتعويض لا يقل عن خمسة وعشرين ألف ليرة.
واقترح عمي، المعلم الابتدائي: لازم تلقطوا الحكيم من هلق وتبرطلوه. هذه نصف ليرة أفتتح بها التبرعات لهذا المشروع، قالت له نفيسة غاضبة: نصف ليرة؟! خليها معك كول فيها بسكوت وراحة! ضمير الحكما غالي يا أستاذ!
وحين أرادت زوجة عمي راشد، المعلم الابتدائي، أن تخرج مع الجماعة، سألها عمي الأستاذ:
ـ إلى أين؟
ـ ذاهبة إلى المستشفى.
ـ كلا. بل إبقي هنا مع الأولاد، فهذا ضروري وأفضل.
ـ صحيح. ولكن لماذا لم تطلب إلى غيري أن تفعل ذلك؟
ـ أرجوك يا وفاء. الأولاد بحاجة إلى رعاية الآن. والموقف لا يحتمل الجدال.
كانت قوى الأمن تنتظر أعمامي عند مفارق الطرق. فاعتقلتهم جميعاً مع بنادق الصيد العثمانية التي كانوا يمتشقونها. كان لدى عمي الأكبر جفت صيد ببوزين، لكنه لم يخرجه قائلاً لزوجته: إذا أخذته الحكومة، فالنبي كيك نفسه لن يستطيع أن يعيده إلينا. خليه مطرحه عالحيط. وبيدبرنا الله.
وكانت جراح والدي خطيرة، فقد تمزقت أحشاؤه بشدة، واحتاج لعمليات عديدة. وذهبت أنا ربما في اليوم الثالث أو الرابع بعد العمليات لزيارته. كان يرقد في سرير بمستشفى الجامعة الأميركية. كان هادىء الحركة، ذا وجه أصفر كالزعفران. وجهه أشبه بوجه جثّة منتهية، كتلك التي كنت أرى صورها في الصحف، بعد حوادث القتل. كنت أشعر بحرقة كبيرة في قلبي وأنا أرى أبي ممدداً عاجزاً على هذا النحو. لم يكن يستطيع الحركة. عيناه فقط تحركتا. أظنه عرفني، كان ثقيل اللسان.
ـ عوي... عوي... علـ... علـ... (كان يريد أن يناديني باسمي: علي).
كان في زيارته بعض الجيران وبعض زوجات أعمامي، وأختي عائشة، العجيب أن عائشة تمالكت نفسها، بل راحت تشجع والدنا وتقول له: لا بأس يا بابا. لا بأس. أيام وتعود إلى المنزل إن شاء الله.
فهم عليها ولا شك، إذ إنه رفع عينيه إلى سقف الغرفة، داعياً مبتهلاً.
وكان أخي زكريا يجلس في زاوية بعيدة بعض الشيء، وهو جامد الأسارير. كان يصر بأسنانه، ونقل إليَّ فكرته بسرعة. نعم، يجب الانتقام لوالدنا. ولكن ممن؟ أخوالي الآن في السجن. ووالدتنا بعيدة عنا. كيف تكون حالتك الآن يا أماه؟
بعد أسابيع طويلة خرج والدي من المستشفى، وبديهي أن أكثرنا سقط في امتحانات ذلك العام. وفكرنا، نحن الفتيان الكبار في ترك الدراسة، لكن المعلم أبو سعد الدين، رئيس شغيلة المقهى صرخ فينا:
ـ لا تفكروا في العمل ولا في المقهى. الأمور تسير على ما يرام. فكروا في دروسكم وفي مستقبلكم. ما حدث لوالدكم حادث عابر. وخالكم الذي ثبت عليه الجرم ـ كان هو الخال الأصغر قاسم يقضي الآن «محبوسيته» التي تزيد عن خمس سنوات. وقد باع أخوالكم نصف أراضيهم ليقوموا بنفقات تطبيب والدكم. من جهتي نصحته حين استعاد وعيه، أن لا يسمح بذلك، إذ كان يريد سعدية أمكم. لكنه لم يقبل بإيقاف عملية البيع. والأصح القول إنه كان ضائع الفكر والتقدير. وهكذا تعمقت جراح الانفصال بشدة بين والدكم ووالدتكم. إنني أكلمكم بكل صراحة لأنكم فتيان، لكن الظروف تتطلب منكم الآن أن تكونوا رجالاً. والآن، لقد آن أوان السنة الدراسية، فإلى المدارس أيها الفتيان والفتيات.
كانت أمي امرأة شديدة المراس، حسنة التدبير، سديدة الرأي، فقد تدبرت أمرها، خفية عن أبي، لتستطيع أن ترانا عند إحدى الجارات التي يبعد منزلها قليلاً عن بيتنا. وكانت تسأل زكريا أحياناً، وهي تداري ما يشبه الخجل الذي يكاد يعقد لسانها: وأبوك يا زكريا كيف حاله؟ يتلعثم زكريا. السؤال مفاجىء ومستغرب بعض الشيء، لكن من واجب زكريا أن يجيب، فيقول: أحسن إن شاء الله. لقد سمح له الطبيب بأن يسير قليلاً في الحديقة. ويسكت زكريا، وتكاد العبرات تخنق صوته. وهو لا يضيف إلى قوله إن والدنا كان يسقط في كل مرة يحاول فيها السير بمفرده، بدون معونة عمتي نفيسة، أو إحدى الممرضات اللواتي كان يرسلهن المستشفى لضرب الإبر، وإن بعض جراح والدنا كانت تنفتح مجدداً إثر سقوطه لا سيما إذا سقط على حجارة بركة المياه، أو اصطدم بجذع شجرة. وكان الأطباء يسارعون إلى رتق الجراح. ولم يشف والدنا، ظاهرياً، إلا في أواخر تشرين الثاني.