eKtab
EN ع
تحت راية الرسول صلى الله عليه وسلم
Read free sample

تحت راية الرسول صلى الله عليه وسلم

by نزار أباظة

Page 1

ما قبل الرايات النبوية

كان زعماء قريش في أشد حالات الاستياء والإحباط حين يئسوا من محاصرة الرسول صلى الله عليه وسلم ليحولوا دون مغادرته مكة؛ فحين افتقدوه في بيته بعد أن عزموا على قتله وائتمروا به راحوا يفتشون عنه في كل مكان، وقد تملكهم غيظ شديد.

أخذوا يتتبعون مواقع الأقدام وهم بصراء بها، يسألون كل أحد.. كانت الشمس ملتهبة في ذلك اليوم الصائف في مكة، تحبس الناس في بيوتهم، تمنعهم من الخروج.. ومع كل هذا فقد خرجوا وعلى رأسهم أبو جهل، يتلهف أن يجد رسول الله، ولكنهم لم يقعوا له ولا لصاحبه أبي بكر على أي أثر.

وظهر النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة.. وتحقق لقريش ما كانت تخافه؛ فقد أصبح اليوم ممنَّعاً، وسيكون خطره عليهم قريباً. وكان الخطر فوق ما تصوروا.. وأكثر مما قدّروا.. وأشدّ مما فكروا..

ذلك أن الحرب المعلنة القادمة التي تحسب قريش حسابها بدأت بوادرها منذ تلك الساعة من الهجرة.

لن يستطيعوا أن يُعدُّوا لها مجابهة على مستوى ما سوف يجهز لها الرسول.. ولن تفيدهم أمانيهم، ولن يثمر مكرهم.

إنها الحرب القادمة..التي كان بإمكانهم أن يتجنبوها، ولكن لم يفعلوا!

منذ أعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام في مكة أيام الدعوة الأولى، والمشركون يخشون أن يجد من يناصره ويؤويه.. من أجل ذلك كانت قريش تترصد النبي في المواسم حين يفد العرب إلى مكة من أنحاء الجزيرة للحج.. تُحذِّرُ القبائل أن تسمع له؛ يرمونه بالسحر وبالجنون وبالشعر، ويحولون بينه وبين الناس لئلا تنتشر الدعوة، ولكي يبقى في الحصار قائماً فلا يستفيد من أمره شيئاً.

إلا أن قريشاً هي التي لم تستفد، وهي التي سوف تجني من عنادها ضرراً سيعود عليها، وهي التي ستذعن آخر الأمر، لأنّ أمر الله لن يستطيع أن يردَّه أحدٌ إذا جاء.

وسيعود رسول الله الذي خرج مستخفياً يرافقه رجل واحد معهما دليل.. يضربون في كبد الصحراء الملتهبة.. سيعود في عشرة آلاف رجل يتقدمون أمامه تحت راية عريضة ترفرف بالعزة، مكتوب عليها بخط لا يقرؤه إلا ذو بصيرة {إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (*) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً} [الفتح: 48/1-2].

ولم يكن الفتح فتح مكة، وإنما هو فتح الدنيا كلها، وهداية الأرواح إلى طريق الحق.. تحت راية الرسول.

Page 2

في ذلك الضحى المشرق من سنة عشر قبل الهجرة إلى المدينة وقف محمد بن عبد الله القرشي على جبل الصفا.. ونادى بأعلى صوته:

-واصباحاه!

كان ذلك نداء من يريد أن ينبئ الناس في الجاهلية بأمر جلل أو حادث مهم.. وما إن سمع القرشيون الصوت حتى أقبلوا عليه، يرهفون آذانهم لما يمكن أن يقوله ابن عبد المطلب زعيم قريش السابق.. ومن لم يستطع الخروج أرسل رسولاً لينظر الخبر. وإذ تكامل جمعهم، ورموه بأحداقهم قال:

-أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقيّ؟

قال قائلهم:

-نعم يا محمد.. ما جربنا عليك إلا صدقاً!

فقال بنبرة واضحة عالية جهيرة:

-فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد.

كانت تلك رسالة هامة، هي رسالة السماء، خبر كالصاعقة لم يعتد القرشيون على سماع مثله.. ولعل ذلك ترك في النفوس انطباعات شتى وردود فعل مختلفة. وجعل القوم يتفكرون عما وراء هذا الإنذار.

أما أبو لهب عمه، فقد تسخط لهذا الكلام، وعنُف على ابن أخيه فتفوه بجملة بقيت أبد الدهر:

-تباً لك سائر اليوم.. ألهذا جمعتنا؟!

كان لذلك الموقف ما بعده.. كان إيذاناً ببدء حرب عجيبة؛ لأنها حرب من طرف واحد، قرعت لها قريش طبولها الكبيرة الضخمة، أعلنت النفير العام؛ فما جاء به محمد بن عبد الله إنما هو بدعة وأي بدعة؛ إنها تقوِّض كل شي في مكة.. إنها تريد أن تحطم الأصنام، وترفع من شأن العبيد حتى تجعل لهم حقوقاً، وتسلب السادة زعامتهم المطلقة، وتفرض عليهم قيوداً لا يطيقونها بعد أن تزيل نخوة الجاهلية.. إنها شيء لا يطاق.

Page 3

كان الذين آمنوا بالرسول آنذاك بضعة نفر قليل، وهم مع قلتهم ضعفاء، فيهم أرقاء عبيد، وفيهم من لا قدرة له على المجابهة تلقاء ما جندت قريش من مكر وجبروت لإطفاء جذوة الإسلام.

ووثبت كل قبيلة على من آمن من أبنائها.. فنكلت بهم لتفتنهم عن دينهم، وضيقت عليهم.. ضربتهم بالسياط، وضعت في أطرافهم القيود، هددتهم، أهانتهم وقام السادة على مواليهم فأذاقوهم أفانين العذاب وويلاته؛ جروهم على الرمل المحرق في الهاجرة عراة، ووضعوا فوق صدورهم الصخور.. كووهم بالجمر وبالحديد المحمى.. وهم صابرون.

ولم ينج رسول الله من مكرهم وكيدهم، فنالوه بالأذى، وحاولوا قتله والعدوان عليه.. فسلّمه الله. والتجأ إلى ربه يدعوه.. لم يغب عن قلبه طرفة عين.. ولكنها الدعوة {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً *} [المزمل: 73/5] . فصبر ودعا إلى الصبر، فكان يمر على أصحابه يعذبون، فلا يملك إلا أن يقول:

-صبراً آل ياسر، فإن موعدكم الجنّة.

وكان هذا هو السلاح الوحيد في تلك المرحلة المبكرة من مجابهة الشرك، ولكن.. سيكون لها ما بعدها، فما من حال سيدوم. إنه جهاد الكلمة المشفوعة بالصبر والاحتمال.

وحين سأل المسلمون رسول الله أن يستنصر ربه وما كان ليمتنع عن هذا، كان يقول لهم يهوّن عليهم:

-كان الرجل فيمن كان قبلكم يُحفر له في الأرض، فيجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه، فيشق باثنين وما يصده ذلك عن دينه، ويمشّط بأمشاط الحديد ما دون لحمه عن عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه.. والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه.. ولكنكم تستعجلون[1].

وطالت الأيام بالمسلمين وبرسول الله صلى الله عليه وسلم، وامتدت سنوات يجابهون العذاب أفانين، لا يستطيعون أن يردوا حرب قريش التي كانت تتعاظم يوماً بعد يوم.

Page 4

استخدمت قريش لحرب النبي والمسلمين غير العذاب والأذى أفانين شتى؛ فجعلت تمكر بهم على نحو من حرب نفسية؛ فتستهزئ برسول الله، تطلب منه المعجزات، وتسخر بما جاء به، وتحتقر الضعفاء من المسلمين.. وفرضت عليهم حصاراً شديداً لئلا يفلتوا من مكة، فلما تسللوا لواذاً إلى الحبشة حاولوا إعادتهم فما أفلحوا.. ولما تعاظم أمر الإسلام شنّت عليهم حرباً إعلامية، فأخذت تحذر القبائل في المواسم أن يتبعوا رسول الله ورموه بالكذب والسحر والشعر، ولم يكن يأتي مكة امرؤ من الآفاق إلا وتقعد له تحول بينه وبين الوصول إلى النبي.. فما آمن له من العرب إلا أفراد قليلون آنذاك. وكان آخرَ ما تمخض عنه مكرُها حربٌ اقتصادية واجتماعية بآن معاً فتحالفت قريش على آل النبي؛ ألا يبايعوهم ولا يجالسوهم ولا يخالطوهم ولا يدخلوا بيوتهم ولا يكلموهم، وألا يقبلوا منهم صلحاً أبداً، وألا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموا محمد بن عبد الله للقتل، وكتبوا بذلك صحيفة فيها عهود ومواثيق، علقوها في جوف الكعبة تعظيماً لما اتفقوا عليه.. فأدت هذه المقاطعة إلى شدة وجهد خلال ثلاث سنوات حتى أكل آلُ البيت الجلود وورق الشجر من شدة الجوع[2].

وضاقت مكة على رسول الله، ويئس من قومه أن يدخل الإيمان في قلوبهم خلال تلك المرحلة، وطمح بآماله إلى ما حول البلد الحرام، فارتحل إلى الطائف يقوم بواجب الدعوة فلقي فيها منكراً من القول وزوراً.. ورفعت ثقيف في وجهه نار العداوة السافرة، وأخرجوه من بلدتهم مطروداً بالحجارة والاستهزاء والتهديد. فعاد من الطائف عوداً غير حميد، ولكنه بلّغ الرسالة على خير وجه[3].

كل ذلك والرسول صابر محتسب، لا يني يقوم بأمر ربه، وينتظر نصره الذي وعده بإيمان مطلق.. ويدعو لقومه بالخير، ولا يدعو عليهم أبداً.. "اللهم اهدِ قومي؛ فإنهم لا يعلمون"[4].

ولم يفكر برفع سلاح في وجوههم، ولم يأمر به.. ذلك أن مرحلة الجهاد هذه كانت مرحلة صبر، ولم ينزل أمر السماء بالمجابهة بعد.

ولعل رسول الله جعل يتفكر؛ كيف سيكون النصر الآتي ولا بد؟! ذلك أنّ السبل كلها أغلقت في وجهه تماماً..

اللهم إليك أشكو ضعف قوتي

وقلّة حيلتي

وهواني على الناس

يا أرحم الراحمين

أنت رب المستضعفين.. وأنت ربي

إلى من تكلني؟

إلى بعيد يتجهمني!

أم إلى عدوٍّ ملَّكتَه أمري!

إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي!

ولكن عافيتك هي أوسع لي

أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات

وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة

من أن تنزل بي غضبك

أو يحلّ علي سخطك

لك العتبى حتى ترضى.. ولا حول ولا قوة إلا بك

أدى رسول الله واجب الدعوة إذن.. وبقي ينتظر ما يأمره به ربه، وأحسَّ أن المرحلة التي هو فيها أوشكت على النهاية.. ولا بد بعد اليوم من أحداث يؤدب الله بها قريشاً؛ فقد وصل بها الكفر والجبروت ومحاربة الله إلى النهايات[5].

عند ذلك وفي الموسم من السنة الحادية عشرة من نزول الوحي وافى الحج رجال من يثرب، التقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مِنى عند العقبة فصدقوا به، وعلموا أنه النبي المنتظر الذي كانت يهود تبشر به في مدينتهم، فآمنوا به، وكانت بيعة العقبة الأولى، وحملوا خبره إلى قومهم حين عادوا ومعهم مصعب بن عمير داعياً ومعلماً.. وتشوق ناس منهم إلى لقائه، فحضروه في السنة التالية ودعوه إلى الانتقال إليهم لنصرته وللقيام بدعوته وكانت تلك بيعة العقبة الثانية.

كان ذلك في غفلة من عيون قريش وحصارها الذي لم يفتر في ترصدها لرسول الله.. إلا أن رائحة ذلك اللقاء الأخير أخذ يزكم أنوف أهل الشرك الموتورين الذين كانوا يحقدون على الإيمان، يريدون أن يطفئوه بأفواههم كما يفعلون في كل مكان من الدنيا..

في اللحظة الأخيرة من البيعة المباركة في ذلك الليل، وقبل أن يفارق القوم نبي الله صاح صائح المشركين في الحجاج ينعق كالغراب الأبلق:

-يا أهل المنازل.. يا أهل المنازل.. هل لكم في محمد والصباة معه، قد اجتمعوا على حربكم؟

واستاء اليثربيون كل الاستياء، فالقوم يصادرون الحق، ويقفون في وجه الإرادة الإلهية وحريات الناس، وكانت أيديهم ما تزال تعبق برائحة البيعة التي رضي الله عنها ، وقلوبهم أخذت تخفق بإيمان يزلزل الجبال؛ فقالوا للنبي:

-والله الذي بعثك بالحق يا رسول الله.. إن شئت لنميلن على أهل منى غداً بأسيافنا.

ولعل وجه النبي تجهم، لم يعجبه هذا الكلام، وإنما قال يرشد القوم:

-لم نؤمر بهذا.. ولكن ارجعوا إلى رحالكم[6].

ما كان يريد رسول الله في تلك المرحلة المتقدمة من الدعوة والجهاد أن يعنف على أحد، إذ كان جهاده وجهاد أصحابه آنذاك دعوة باللسان دون إذن بقتال..

كانت بعثته رحمة للعالمين.. يدعو إلى الله بالحكمة كما أمره، وبالموعظة الحسنة.

صبر على أذى قريش هذه السنوات المتراخية، وهي ماضية في كيده وحربه لا تهدأ ولا تستقر.. وهو يأمر الصحابة دوماً بالصبر والمصابرة حتى يأذن الله لهم بالفرج والنصر الذي لابدّ آتٍ..

وعلى ذلك انتهت هذه المرحلة في مكة على هذا النوع من الجهاد وسوف يقيم النبي الحجة على قريش فيما بعد إذا جابهها المسلمون بالسلاح، لأنها هي البادئة بالظلم والحرب. وسوف ينال زعماؤها المكابرون عقوبتهم العادلة.

وأخيراً فقد كانت هذه المرحلة المكية تمثل حشد الرسول صلى الله عليه وسلم لقوى المسلمين وتدريبهم على التحمل والشدة؛ ليهيئهم إلى المرحلة الثانية من الجهاد هي مرحلة الدفاع عن العقيدة.

لقد ضبط النبي عليه الصلاة والسلام المسلمين في مكة الضبط الشديد فلم تحدث حادثة مسلحة واحدة، ووضع استراتيجية المرحلة التي نفذت بكل صرامة.. فانتهت بنجاح[7].

Page 5

الدخول إلى المدينة

نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة بعد ثلاث عشرة سنة من الجهاد في مكة، وقد رفع فيها هناك راية جهاد الكلمة والدعوة إلى الهدى، فبلّغ قومه الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح لهم.. ولكنهم لم ينتصحوا، ولم يؤمنوا..

وانتقلت الراية النبوية إلى المدينة بعد أن أعذر الرسول قومه، ظنوا أنهم يستطيعون أن ينتصروا عليه في الحرب، شأن كل جبار لا يزن الحق بميزان الحقائق، فيعود عليه جبروته بالخسران، ويؤدبه الله تعالى بالضعفاء الذين تكبر عليهم، ويذله بهم.

دخل الرسول المدينة براية مرفوعة؛ فلما كان على مشارفها، وقبل أن يصل إليها بليلة واحدة أو نحوها صادف رجالاً من بني سهم، على رأسهم بُريدة بن الخصيب.. آمنوا به منذ الساعة التي لقيهم بها، ومشوا معه، فلما أشرفوا على يثرب أراد بريدة أن يكرم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:

-يا نبي الله؛ لا تدخل البلدة إلا ومعك لواء!

وحلّ الرجل عمامته الواسعة، ثم شدها إلى رمحه، وسعى بها بين يدي رسول الله ماشياً، يمدّ يده بها إلى العلاء.. فكانت تلك أول راية ترفرف أمام رسول الله، ليعلن عن ولادة الدولة الجديدة بكل أبعادها ولتكون مرفوعة أبداً.

منذ اليوم الأول ارتفعت في دولة الإسلام راية الحق، قبل أن ترتفع راية الحرب التي تدافع عن ذلك الحق {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ *} [النحل: 16/125] .

وأعلنت قريش على هذه الدولة الحرب، كانت أول الأمر حرباً باردة، ثم لما استشعروا امتداد المسلمين أخذوا يمكرون بها، وكان الله من ورائهم محيطاً، يفسح لهم في المهلة.

لم ينتظر الرسول أن يهلك الله قريشاً ومن كان في معسكرها من المشركين كما أهلك عاداً وثمود، مع كل ما صنعت قريش وما كادت، بل كان يدعو لها بالهداية ويعذرها بالجهل "اللهم اهد قومي؛ فإنهم لا يعلمون" وكان إلى جانب ذلك يستعد كل الاستعداد، ويتهيأ كل التهيؤ لحرب يعلم أنها قادمة وشيكاً.

ولم يكن الرسول يريد أن يرفع راية الحرب في وجه أحد، ولكنه كان يبتغي الدفاع عن الدعوة الناشئة، ويزيح من طريقها كل من يصدّ عنها ويرفع في وجهها لواء العدوان؛ فكان من أجل ذلك يستبق الأحداث، يخطط وئيداً، ويهيئ الأرضية السياسية المناسبة[8].

ومن هنا أخذ النبي يعقد المعاهدات مع القبائل من حول المدينة، ويرتب التشكيلة الاجتماعية الداخلية، فانتظمها في عقد سياسي هو وثيقة المدينة مع اليهود على الدفاع والنصرة والتكافل والموادعة.. وفي عقد ديني عُرف بالمؤاخاة بين سكان المدينة الأنصار والوافدين إليها من المهاجرين، وتقوم من وراء ذلك كله دولة (فيدرالية)، لم يعرف العرب ولا غيرهم نظيراً لها من قبل.

Page 6

ولم يكن النبي ليتعرض بالعدوان لقريش وهي تمر بالمدينة في تجارتها إلى الشام ذاهبة آيبة، بالرغم من أنها طردت المسلمين، واستولت على أموالهم، وتربصت بهم الدوائر من قبل، وعملت على إفقارهم حتى سمح الله لهم بالقتال، وبينّ لهم لماذا يقاتلون؟ وما الهدف منه؟ إنه قتال من أجل رفع راية الحق والتوحيد {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (*) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (*) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ} [الحج: 22/39-41].

إنه قتال الحق جزاء وفاقاً دون عدوان {وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (*) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (*) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (*) وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاّ عَلَى الظّالِمِينَ} [البقرة: 2/190-193].

* وجعل الرسول حينئذ وقد مضى عليه في المدينة سبعة أشهر أو أكثر يبعث السرايا، ويخرج في الغزوات لاستطلاع الأجواء المحيطة.. ولم يكن يتهيأ لقتال أو عمل حربي؛ وإنما أراد أن يرصد التحركات المريبة التي قد تفاجئ المدينة، فيحصل مالا يحمد عقباه، إذ إن أي غلبة للمتربصين قد تقضي على الدولة الإسلامية الناشئة، وتستأصل خضراء المسلمين.

كانت المرحلة إذن مرحلة تيقظ تام ومرحلة استعداد، ودراسة للأجواء.. لكنّ السرايا الأولى التي خرجت تعرضت أحياناً لصدام، أو خالف بعضها تعاليم الرسول، فوجّه إليها اللوم، ولم يرض ما اقترف أفرادها.. ثم إنها كانت هي والغزوات الأولى التي قادها النبي قبل معركة بدر من المهاجرين، لم يرسل فيها ولم يصطحب أحداً من الأنصار، لأنهم كانوا قد شرطوا عليه في بيعة العقبة أن يمنعوه في دارهم، لا أن يخرجوا معه لقتال.

* وكانت أول سرية بعثها الرسول تحت إمرة عمه حمزة في رمضان على الأغلب، وكانت في ثلاثين رجلاً يرفرف عليهم لواء أبيض، فاعترض عيراً لقريش فيها أبو جهل ، فالتقى الفريقان عند سيف البحر من ناحية العيص شمال المدينة إلى الغرب فالتقوا حتى اصطفوا للقتال، وحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني حليف الفريقين.. ولم يقع قتال.

كانت تلك أول رسالة من النبي اهتم لها أبو جهل، فحذر قومه أن يمروا بالمدينة أو يقاربوها.. وقال يصف النبي:

-فإنه كالأسد الضاري، وإنه حنق عليكم، فهو عدو استعان بعدو.

* وانطلقت بعدئذ في شوال سرية عليها عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم ، فمشت حتى بطن رابغ قرب البحر، تأمَّر فيها على بضع مئات، خرجوا في راية بيضاء، فلقوا قريشاً في مئتين عليهم أبو سفيان بن حرب أو غيره واجتمعوا على ماء الأحياء، فتراموا بالنبل، ولم يسلوا السيوف، لم يصطفوا لقتال، وكان أول سهم رمي آنذاك في الإسلام سهم سعد بن أبي وقاص. وتهيب الطرفان القتال، فانصرفوا. وانحاز إلى المسلمين من المشركين المقداد بن عمرو، وعتبة بن غزوان..

* وفي ذي القعدة دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم لواء أبيض لسعد بن أبي وقاص، وبعثه إلى الخرار جنوب المدينة أميراً على عشرين رجلاً ليترصد عيراً لقريش، وأمره ألا يجاوزوا الغاية. فخرجوا يكمنون النهار ويسيرون الليل حتى وصلوا متأخرين، فعادوا لم يلقوا كيداً.

Page 7

غزوة وَدَّان

وإذ مضى على هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنا عشر شهراً قام إلى أول غزوة في صفر حمل لواءه الأبيض فيها عمه حمزة، واستخلف على المدينة سعد بن عبادة، وخرج معه سبعون رجلاً يريد أن يجابه عيراً لقريش.. فمضى حتى بلغ وَدّان جنوب المدينة فما لقي أحداً.. إلا أنه وادع بني ضمرة وحالفهم على أن يكونوا على الحياد مع المسلمين.. وكتب لهم كتاباً، فيه "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد رسول الله لبني ضمرة، بأنهم آمنون على أموالهم وأنفسهم، وأن لهم النصر على من رامهم، إلا أن يحاربوا في دين الله ما بل بحر صوفة. وأن النبي إذا دعاهم لنصره أجابوه. عليهم بذلك ذمة الله وذمة رسوله. ولهم النصر على من برّ معهم واتقى"[9].

غزوة بُواط

وحمل راية النبي البيضاء إلى غزوة بواط شمال غرب المدينة سعد بن أبي وقاص، وخرج معه على رأس ثلاثة عشر شهراً من الهجرة مئتان يترصد عير قريش التي كان فيها مئة رجل، عليهم أمية بن خلف، يسوقون ألفين وخمس مئة بعير، فما أدركهم..

غزوة ذي العُشيرة

ولما مضى على الهجرة ستة عشر شهراً خرج الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة إلى العُشيرة جنوب غرب المدينة، يظله لواء أبيض، يحمله حمزة بن عبد المطلب، كان فيها مئتان وخمسون رجلاً، لم يكرههم النبي صلى الله عليه وسلم على الخروج، وكان معهم ثلاثون بعيراً يعتقبونها[10].أرادوا الترصد لعير قريش تقصد الشام، فأفلتت منهم، ووادع النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة بني مدلج وحلفاءهم.

Page 8

غزوة بدر الأولى

ولم يمكث رسول الله بعد غزوة العُشيرة غير ليالٍ حتى أغار كُرز بن جابر الفهري على المدينة، فاستاق منها ماشية كانت ترعى بالجمّاء من ناحية العقيق على ثلاثة أميال من المدينة. فكان على النبي أن يؤدب الأعراب لئلا يطمعوا في المدينة، فيقوموا فيها بأعمال الجاهلية، انطلق نحو وادي سفوان قرب بدر جنوب غرب المدينة في سبعين رجلاً، يحمل علي رايته البيضاء، واستخلف على المدينة زيد بن حارثة.. وهرب كرز.

* وفي رجب على رأس سبعة عشر شهراً من الهجرة عقد النبي صلى الله عليه وسلم لواء لعبد الله بن جحش الأسدي وحمله كتاباً أمره ألا ينظر فيه إلا بعد يومين وبعث معه ثمانية رجال أو اثني عشر. وسار عبد الله كما أمره النبي ولما فض الكتاب قرأ فيه "إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف، فترصَّد بها قريشاً، وتعلمّ لنا من أخبارهم" فقال: سمعاً وطاعة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لأصحابه:

- إن رسول الله قد أمرني أن أمضي إلى نخلة [11] أرصد بها قريشاً حتى آتيه منهم بخبر.. وقد نهاني أن أستكره أحداً منكم؛ فمن كان يريد الشهادة ويرغب بها فلينطلق، ومن كره فليرجع.. فأما أنا فماض لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فمضوا لم يتخلف عنه أحد منهم.

كانت تلك السرية أبعد سرية يبعث بها النبي لتوغل في المسير حتى تقترب من مكة..

مر بالسرية عير لقريش فيها تجارتها، فلما رآهم القرشيون قالوا هؤلاء عُمّار لا بأس عليكم منهم. أما جماعة عبد الله بن جحش فترددوا فيهم؛ فاليوم آخر أيام رجب الحرام لا يجوز فيه قتال، ولئن انتظروا دخول شعبان أفلت القوم إلى الحرم حرم مكة من حولها.. ثم أزمعوا قتالهم، فقتلوا أمير العير عمرو بن الحضرمي واستاقوا العير وأسروا اثنين، وأفلت الباقون..

غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما علم بمجريات الأحداث، ووبخ السرية وقال لهم:

- ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام

ذلك لأنه أراد أن يعرف أخبار قريش، وأن يرسل لها رسالة وحسب وقد أحرج هؤلاء موقفه تلقاء عدوّه، فسيستغلون الحادثة ويشنعون عليه. ويكون ذلك إعلاماً ضد المسلمين. وسقط في أيدي رجال السرية، ورأوا أنهم هلكوا، وعنفهم إخوانهم من الصحابة، لأنهم خالفوا عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم. واستغل المشركون الحادثة، وضجوا، وعدُّوا ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم كبيرة؛ فقالوا:

-استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدم، وأخذوا الأموال، وأسروا الرجال. وفرح اليهود؛ استشعروا فتنة ستقوم، فقالوا يتفاءلون على المسلمين:

-عمرو بن الحضرمي: يعني حضرت الحرب.. قتله واقد بن عبد الله: يعني وقدت الحرب.

Page 9

فلما أكثر الناس، واغتمّ عبد الله بن جحش وأصحابه نزل قول الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ *} [البقرة: 2/217] . وفرّجت الآيات عن عبد الله وأصحابه مما كانوا فيه من الخوف، واطمأنوا. فقبض النبي منهم العير والأسيرين عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان.. وأرسلت قريش في فدائهما.. فتريث الرسول في إطلاقهما حتى رجع سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان، وكانا مع السرية، فضلاَّ عنها في الطريق يبحثان عن جملهما الذي يعتقبانه، إذ خشي عليهما النبي أن يقتلهما المشركون.. فلما وصلا سرّح رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسيرين.. إلا أنه عرض عليهما الإسلام ورغبهما فيه.. في حين كان المهاجرون مغيظين منهما، لما كان من أذى قريش أول الدعوة ومن نكالها بهم.. فاقترحوا على النبي صلى الله عليه وسلم قتلهما فأبى، ورحمهما.. ثم أطلقهما، فأسلم الحكم بن كيسان، وحسن إسلامه، وبارح عثمان بن عبد الله إلى مكة، فمات بها كافراً.

وإذ ذاك تساءل عبد الله بن جحش:

-أنطمع يا رسول الله أن نُعطى أجر المجاهدين في خروجنا ذاك؟

فأنزل الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ *} [البقرة: 2/218] .

وكانت تلك أول غنيمة غنمها المسلمون الفقراء، وأول عمل عسكري.. وأول رسالة مؤلمة لقريش.. كان لها ما بعدها. كما كانت تلك آخر التحركات الممهدة للأعمال العسكرية التي بدأت في غزوة بدر الكبرى.. وبعد هذه السرية نفد صبر قريش، وصعدت من أحقادها لتدخل راية رسول الله منعطفاً جديداً كان له ما بعده.

وكان الصحابة كلهم يدركون أن الحرب التي أخذت إرهاصاتها تتصاعد إنما هي حرب اقتصادية؛ فقد رأى أبو جهل سعد بن معاذ الأنصاري وهو يطوف في مكة حول البيت، فتعرض له بلؤم وقال:

-أراك تطوف بمكة آمناً وقد آويتم الصباة (المسلمين المهاجرين) وزعمتم أنكم تنصرونهم وتعينونهم.. أما والله لولا أنك مع أمية بن خلف ما رجعت إلى أهلك سالماً!

فردّ عليه سعد بتهديد:

-أما والله لئن منعتني هذا لأمنعنك ما هو أشد عليك منه؛ طريقك على المدينة.

وكان كل المسلمين يدركون ما سوف يُجهد قريشاً في حربها الاقتصادية؛ وبقوا يعرفون هذا على امتداد السنوات في المجابهة معها؛ ففيما بعد، على سبيل المثال، آمن ثمامة بن أثال سيّد بني حنيفة في السنة السابعة من الهجرة، فجاء مكة مسلماً فأغاظ قريشاً في طوافه، فأزعجوه وناكروه.. فلما أكثروا عليه قال يهددهم:

-لا والله، لا تأتيكم من اليمامة حبّة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وحقق ثمامة وعيده، وقطع عن مكة حبوبه حتى استغاث أبو سفيان بالنبي، فكتب إلى ثمامة أن يخلِّي بينهم وبين الحمل إلى مكة.. ففعل[12].

ولما هاجت سرية عبد الله حفيظة المشركين، وصمم صناديدهم على إبادة المسلمين في عقر دورهم أنزل الله على رسوله الإذن بالقتال {وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (*) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (*) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (*) وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاّ عَلَى الظّالِمِينَ} [البقرة: 2/190-193]، {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 9/36] .

ثم نزل قوله تعالى في فرضية الجهاد {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ *} [البقرة: 2/216] .

Page 10

معركة بدر قمة الحرب الاقتصادية

كانت السرايا والغزوات السابقة إرهاصات لصدام كبير كان لا بد معها أن يحصل صدام بين المسلمين وقريش.. فكانت معركة بدر نتيجة طبيعية لها..

لم يعلن الرسول صلى الله عليه وسلم الحرب على أحد من العرب، ولم يتحرش بسوى قريش، لأنها صادرت أموال المسلمين في مكة بعد أن أرهقتهم ظلماً وعدواناً، وخرجوا منها مهاجرين ما على أحدهم غير ثوبه.. تركوا دورهم وما فيها من متاع، فوضعت أيديها عليها، وتركتهم عالة.

والقرشيون هم الذين ابتدؤوا الحرب الاقتصادية في البيت الحرام، منذ حاصروا آل النبي في شعب أبي طالب ثلاث سنوات، أُجهدوا فيها حتى أكلوا أوراق الشجر، وقريش هي التي حاصرت رسول الله في مكة حصاراً إعلامياً، فلم تمكنه من إيصال الدعوة للقبائل، فكانت تحذر منه.. ثم إنها لاحقته بسيوفها من غير سبب تريد قتله قبل الهجرة {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ *} [الأنفال: 8/30] ، {إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ *} [التوبة: 9/40] . فيجب إذن أن تدفع قريش ثمن ما ظلمت، وينبغي أن تعيد الحقوق إلى أصحابها، ويلزم أن تنزل بها العقوبة أو تفيء إلى أمر الله. ولكن الملأ منها أبوا كل ذلك، وأصروا على أحقادهم. فلم يبق غير المواجهة معها، وليس مع غيرها.

وكانت سرايا النبي وغزواته قبل بدر إعلاناً بالحرب، فلم يباغت رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً من غير إعلام. ولم تفاجأ هي باستعدادات النبي.. لأنها تعلم ما صنعت.. ولم يفاجئ ذلك كذلك بقية القبائل التي كانت تنتظر ما سوف يتمخض عنه الصراع بين الطرفين.

جاءت الأخبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عير قريش التي أفلتت من المسلمين في غزوة ذي العُشيرة وعليها أبو سفيان بن حرب وثلاثون أو أربعون من الرجال في ألف بعير، قد عادت أدراجها.. فندب النبي أصحابه لملاقاتها:

-هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها.

فخرج ناس، وثقل آخرون؛ إذ لم يكونوا يظنون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيلقى حرباً.. كان ذلك يوم الاثنين لثماني ليالٍ خلون من شهر رمضان.

أما أبو سفيان فإذ دنا من الحجاز جعل يتحسس الأخبار خوفاً من المسلمين أن يتعرضوا له مثلما حاولوا في ذهابه، فلما شعر بالخطر استأجر رجلاً يقال له ضمضم بن عمرو الغفاري فبعثه إلى مكة، ليستنفر قريشاً إلى أموالها. فجاء الرجل مكة وجعل يصرخ ببطن الوادي، قد جدع أنف بعيره، ووقف عليه بعد أن حوّل رحله وشقّ قميصه.. وأخذ يقول بلهفة:

-يا معشر قريش.. اللطيمة اللطيمة؛ أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها.. الغوث الغوث.

كانت تلك الجُمل كالصاعقة نزلت على أهل مكة.. اضطربوا، اغتاظ كبراؤهم، وقالوا:

-أيظن محمد وأصحابه أن تكون هذه العير كعير ابن الحضرمي؟! كلا والله، ليعلمنّ غير ذلك. ثم أخذوا يجهزون أنفسهم على عجل للدفاع عن أموالهم.. وسرعان ما خرجوا لم يتخلف منهم أحد، إلا ناساً لأعذار، منهم أبو لهب.. كانوا تسع مئة وخمسين رجلاً، معهم مئة فرس، عليها مئة دارع سوى دروع المشاة.. واصطحبوا معهم الفتيات يضربن بالدفوف، يغنين بهجاء المسلمين.