eKtab
EN ع
ذيب الصالح
Read free sample

ذيب الصالح

by موسى نزال الأزرعي

Page 1
-1-
 
أمضى اليومين الثاني والثالث من الحرب محملقًا في واجهة المذياع، زافرًا متمتمًا، عاركًا فروة رأسه، مع كلّ خبرٍ جديدٍ عن انسحابٍ جديدٍ وهزيمةٍ جديدةٍ . صفع سطح الراديو بكفه واقفًا، وراح يبحث عن علبة سجائره، فلم يرها على طاولة الوسط المستديرة، فتذكّر أنّه دخّن كل مافيها من السجائر وكوّرها، وقذف بها إلى زاوية الغرفة، اندفع نحو الباب قاصدًا دكان فرحان البواب لشراء علبة سجائر، ففتحت قامة بطرس القارعة الباب داخلًا، وحملق بقامة نادر المتهدلة الأميبيّة، ثمّ سقط على مؤخرته أرضًا، دون أن يرفع عينيه عن ولده وهمس متسائلًا:
 
- ألم تنم ياولدي؟
 
فنفض نادر رأسه إلى الوراء، ومدّ يده نحو الباب يفتحه غير أنّ بطرس عاد يسأله...
 
- إلى أين؟ فرحان البواب لم يفتح دكانه منذ الصباح...لم يظل فيه حبة قضامة أو كمشة سكر.
 
- وأين ذهب ما كان بدكانه؟
 
- التهمه الخلق...ولن تجد علبة دخان...تعال لفّ واحدة من علبتي...أم أنك نسيت أيّام اللف.
 
وتهاوى فوق المقعد، مسقطًا وجهه بين ساقيه، وراح يونون،غير أنّ ونونته كانت أقرب إلى النواح، رفع وجهه نحو بطرس الذي كان يدبج سيجارة، ويلصقها بلسانه، فمد نادر يده جارًّا علبة التبغ من أمام أبيه، غير أنّ بطرس قدّم له السّيجارة الّتي لفّها، وأخرج من جيبه قدّاحة الكاز وأشعلها له. وراح ينتزع ورقة أخرى من دفتر ورق الشام، ويتناول ذرات التبغ بين سبابته وإبهامه ويذرها في الورقة وهو يتساءل:
 
- هل من أخبار جديدة غير ماسمعت ورأيت...وما رأي جماعتكم؟
 
أسقط نادر وجهه بين ساقيه مرة ثانية وأكمل بطرس متسائلًا:
 
- يدعون إلى وقف القتال..أليس كذلك؟
 
- وماذا سيفعلون؟
Page 2
- لن يفعلوا شيئًا...قرعها أبو الحصين وعشرت..ضرطت الأمور ولن ينفعها صكّ رجليها.
 
ورفع نادر وجهه قائلًا بشيء من الحنق.
 
- مابك تهول الأمور...لم تنته الحرب بعد يا أبي.
 
- الدير يغصّ باللاجئين.
 
- لاجئين...من أين؟
 
- من فلسطين من الضفة...إنّها الهزيمة يا ولدي...انكسار ولا انكسار تركيّا.
 
- ومن أين جئت بهذه الأخبار؟
 
- لم أتِ بها من عبي...اذهب إلى دير اللاتين...كي ترى الفناء يضيق بهم، وكذا الكنيسة والمدرسة كما ضاق قبل خمسين عامًا باللاجئين الأرمن الذين درستهم حرب تركيا وأوروبا.
 
كنا أيامها بعمرك، أو أصغر منك بسنواتٍ قليلةٍ. وسمعت الأب فتيموس في كرزة الأحد يحثّ أبناء القرية، على عون الأرمن بما تجود به نفوسهم، راثيًا لحالهم، داعيًا الله تعالى أن يجنبهم كلّ مالحق بهم من إذلالٍ وتشريدٍ وقتلٍ. وقال الشيخ تركي كلامًا في خطبة الجمعة، بلّل لحى المصلين بدموعهم.
 
ذهبت مع أمي التي حملت قدر البرغل بالعدس على رأسها وبين يدي طنجرة المبصل بالبندورة، فيما سارت عمتك وردة خلفنا وهي تنوء بحمل صينية ضمت خبزًا وصرر الكشك والجميد. صبت أمّي البرغل والعدس في سدر كبير، وطلبت منّي أن أشربه بالمبصل، وراحت تدعو عجائز هدتهن مصائب الحرب، وفتياتٍ وشبانًا في ميعة الصّبا، ارتسم الحزن والهلع على وجوه كل منهم . نهضوا وقرفصوا في دائرة مغلقة حول السدر، باستثناء شابٍّ لم يمحُ التشرد والخوف والجوع الوسامة من وجهه، أمسكت بيده ورحت ألحّ عليه بالقيام إلى الطعام فأبى، شددت يده فلم يستجب، فانحنى الأب فتيموس على أذني هامسًا
Page 3
- اتركه يابني..
 
تركت يده واستدرت نحوه متسائلا:
 
- مابه يا ابني؟
 
- في الأمس حاول أبو قويدر وأبو عوض ورفض ... أعانه الله... وأنا أصلي من أجله عسى أن يلين رأسه ويأكل... منذ أن وصل الدّير لم يفتح فمه لطعام أو ماء.
 
- يبدو أنّ مصيبته كبيرة.
 
- كلهم أصحاب مصائب ... ولكن مصيبته مختلفة.
 
- وبم تختلف عن مصائب الآخرين.
 
- إنّه عروس...واستلبت عروسته حال الاختلاء بها... وقبل دخوله بها أيضًا.
 
- وكيف وقع ذلك؟
 
- داهمت جموع الجنود الأتراك حجرة عرسهما ليلًا فهربا شبه عاريين يطاردهما الموت كما يطارد أهل قريتهما والنار تشتعل بكل شيء فيها.
 
- وبعد؟
 
- بلغا محطة القطار ولسوء حظّهما أنّه كان يستعد للانطلاق وقرع جرس المحطه فاتجها نحو الباب، وأمرهما الضابط أن يصعدا أمامه، فصعد أمام عروسه وظلّ الضّابط الشاب يقبض على معصم عروسه سيتا، ويمنعها من اللّحاق بعروسها، هم هايك بسحبها، فصفعه السّوط على وجهه وانطلق القطار، وظل يصرخ بالسائق أن يتوقّف ولكن مامن مجيب. ومازال على هذه الحالة منذ ذلك اليوم... يمضي نهاره نديبًا ولا يترك أحدًا يذوق طعم النوم ليلا، وسحب بطرس دفتر ورق الشام من علبته، وزفر طويلًا وتمتم:
 
- مصائب.
Page 4
وراح يدبج سيجارة ثانية، ونادر يستحثّه أن يكمل قصّة الأرمني، وبطرس يطمئنه بهزات من رأسه أنه سيكمل ولم يكمل بطرس إلا بعد أن لف سيجارتين، ناول واحدة منهما لابنه. وبعد إشعالهما، ونحنحة طويلة قال:
 
- بعد أسبوع ...عشرة أيّام تفرق اللاجئون في بيوت القرية وكان هايك وعمته حصة عواد السايس.
 
- تعني والد نجيب السايس؟
 
أومأ بطرس برأسه إلى الأمام وأكمل:
 
- وصار اسمه هايك السايس، كما أصبح جورج وشقيقاته ملحقين بدار الطّريف...وماليدوس وشقيقته حنة ملحقين بأسرة أبي إسكندر...وكانت النساء بعد خروجهن من الطوابين، يلقين لكلّ أسرة من هذه الأُسر رغيفين أو ثلاثة أرغفة.
 
ولم تنس أسرة في القرية أقرب أسرة لاجئة لمسكنها، فتبرها بقطعة لحم من ذبيحة ذُبحت لأيّ مناسبة، لعيد أو عمّاد او طهور او نذر او وقيعة ادركها صاحبها بسكينه قبل أن تموت جراء إصابتها بالهرار أو أيّ مرض يقتل الماشية. كما لم ينسهم مسلمو القرية من لحوم الأضاحي. وفي مواسم المقاثىء يصل كل الأسرة عدة هدايا من البندورة والبامية، والكوسا، إضافة إلى بطيخة وشمامة وكومة فقوس.
 
- ومن أين للناس قمح كي تطحن وتعجن وتخبز في تلك الأيام...ألم تقل لي إن تركيا كانت تصادر الحبوب عن البيادر.
 
أومأ بطرس برأسه مكملًا وقال:
 
- كان الناس يفعلون ذلك بما تمكنوا من إخفائه من الحبوب عن أعين الجندرما.
 
- ولكن الأرمن شحدوا لقمتهم من أبواب الطوابين وأيدي الأطفال سنة المحل كما حدثني الطفسي.
Page 5
- ليس تمامًا...حينها كان جميعهم يعمل، أو يزرع حتى عمة هايك كانت تعمل طبيبة، وقد داوت عمتك.
 
- ومما داوتها؟
 
- من العمى الذي أصاب عينيها على يد مريم الدخيل.
 
- عمتي رضوة ليست عمياء...عيناها كالفناجين.
 
- ليست عمتك رضوة التي عميت...بل عمتك بدرة رحمها الله.
 
- حتمًا...سقط شوك الصبر فيهما.
 
- نعم...دخل عينيها شوك الصبر...لكنه لم يصبهما بالعمى...بل بالرمد وقامت جدتك من قلة عقلها وحملتها لمريم الدخيل؛كي تكحلها...وبدلا من تكحيلها بالكحل، قطرت عينيها بماء البصل...فلم تعد ترى شيئا على مبعدة شبر منها، فحملتها بعد ذلك إلى عمّة هايك واتفقتا أن تمرّ بأمّي كلّ صباحٍ، فأعطتها الدواء الذي أعماها نهائيًّا.
 
وموج بطرس وجهه هامسًا:
 
- بكل أسف...مع أن الله أعانها على شفاء المصابين باللفحات الصدرية والشريه والتأليل والجبخ.
 
- وبما كانت تداوي هذه الأمراض؟
 
- بالتشطيب...والكي وكاسات الهواء...ولبخات عشبية حارقة وزرق الطيور .
 
- وهل عالجت عمتي بدرة بذلك؟
 
- لا...عالجتها بالدم .
 
- وكيف؟
Page 6
- كانت تأتي كل صباح وبعد أن تضع أمّي أمامها كردوشين، أو ثلاثة، تسحب إبرة خياطة من عصابة رأسها، وتضغط على رأس سبابتها وتخزه، وتقطر نقطة الدم النافرة في عين عمتك، ثمّ تعاود الضغط على رأس سبابتها الأخرى كي تسقط قطرة منها في عينها الثانية.
 
- وهل تحسن إبصارها بعد ذلك؟
 
- بل عميت تمامًا...وعند ذلك أقلعت عمة هايك عن مختلف أشكال التطبيب بعد أن تمكن أطباء كلير من علاج بدرة.
 
- ومن هي المس كليرهذه؟...سمعت عنها الكثير.
 
تساءل نادر باستغراب فتأوه بطرس قائلًا:
 
- امرأة بألف رجل...امرأة طأطأت رؤوسًا ولحىً كبيرة عند قدميها.
Page 7
-2-
 
لا يذكر أحدٌ بالضبط متى حضرت المسز كلير إلى القرية، فبعضهم ذهب إلى أنّها تقيم في القرية منذ العام 1900 وبعضهم يقول إنّها جاءت بعد ذلك بعامين، أو ثلاثة. سكنت ما بين دار أرملة عايد ودار عيد أبو القردات .
 
وهب بطرس ذات ضحى على قرع خفيف لبوابة دارهم ليجد نفسه وجهًا لوجه مع المس كلير. سألها عن حاجتها بلسانه ويديه ورأسه إلى أن هرعت إليهما أمّه فقادتها إلى الداخل دون أيّ سؤال ولا كلمة واحدة، ما عدا كلمات الترحيب، والاعتذار عن فوضوية بطرس، فقد كانت تعرف سبب قدومها بعد أن أخبرها أبو القردات بذلك. وفوجئت أمّ بطرس بأنها استطاعت التفاهم مع كلير ولو بصعوبة. لم تكن الزيارة طويلة ولم تستغرق أكثر من عشر دقائق، مرت كدهر كامل على بطرس وهو ينتظر خروجها لمعرفة سبب هذه الزيارة. نظرت في عيني بدرة، واستأذنت بالانصراف، واعدة أنّها ستعود عندما تتلقّى خبرًا حول الحالة.
 
لم يعرف أحدٌ من أيّ ماء تشرب، ولكن القرية كانت على قناعة أنّها جاءت عن طريق عيد أبو القردات، فقد روى عايش أن طنبرًا توقف له وأشار له الحودي أن يركب على طريق ايدون، وفوجئ عندما دخل العربة المظللة أنّ هناك امرأة شقراء، أعطته ماء عندما لاحظت جفاف فمه، وسألته عن دار أبي القردات، فوعدها أن يوصلها إليه.
 
منذ أن عاد أبو القردات من يافا، أو من أمريكا، أو من جهنم مع ابنتيه، وهو يعظ بوعظ مسيحي مختلف عن وعظ كهنة الأرثوذكس والكاثوليك. وعندما قرع الأب فتيموس بابه ليسأله ما الأمر، أوضح أبو القردات أنّ الخلاف بين الكنيسة التي سيؤسسها في القرية ستختلف عن الكنيسة الكاثوليكية في قناعتها، وعندما سأله الأب فتيموس بلهجة أقرب ما تكون إلى الصراخ:
 
- وكيف؟
 
ردّ أبو القردات بلهجة رصينة:
Page 8
- ستدعو كنيستي إلى الإيمان بالمسيح، كربٍّ، وإنسان كما نصّ قانون الإيمان الخاص بكنيستك وكنيسة الأب الحداد الأرثوذكسية فقط.
 
- وهل تدعو كنيستي إلى غير ذلك؟
 
عندما أخرج من كنيسة اللاتين، أكون على قناعة أنّك قد نسيت المسيح.
 
- إنّك تكفرني يا عيد.
 
- لا أكفّركَ...ولكن أكفّر كنيستك. فمعظم صلاتها مرفوعة إلى العذراء مريم، وتراتيلها تمجدها ولا تمجد الله والمسيح كما تمجدها.
 
وانتهى اللقاء بقرار الأب فتيموس، إلى أنّ من علّم أبو القردات هذه التعاليم كافر ويجب حرقه بالنار، وقهقه عيد أبو القردات باستهزاء مؤكدًا أنّ من علمه ذلك يطفح إيمانا وعلمًا، وسيحضر إلى القرية ليؤسّسا معًا الكنيسة الجديدة . وخرج الأب فتيموس وهو يحذره بلهجة أقرب إلى الرجاء، ويحثه على المراجعة والتفكير، ويدعو الله إلى هدايته.
 
عندما حضرت كلير إلى القرية، تصورها الأب فتيموس أنها الراهبة التي ينتظرها أبو القردات.ظن أنّها إيطالية، وظنّ آخرون أنّها إسبانية وقال فريق ثالث إنّها إنجليزية وقال فريق رابع إنها فرنسية، وعندما كانوا يسألون عيد أبو القردات من أي ماء تشرب، كان يصرّ أنّه لايعرف. وقصد بيتها الأب فتيموس، واكتشف أنّه لولا القواسم المشتركة بين اللغتين الفرنسية والإيطاليه، ماجرى بينهما حديث في أي شيء، باستثناء الكنيسة التي ستأسسها مع أبي القردات.فكلّما مهد لفتح الموضوع، فتحت موضوعًا آخر.فعاد إلى ديره، وليس في رأسه ما يكتبه للبطريركية في القدس، إلّا قناعته إنها بروتستنتيه إنجليزية.
 
عاد الحوذي بطنبرة بعد أسبوعين، وتراجع من ذهبوا إلى أنّها راهبة، استنادًا لثوبها الأبيض، والغطاء الذي يغطي رأسها، والصليب الذي يتأرجح على صدرها .فعندما خرجت للركوب في عربته، كانت شفتاها فاقعتا الاحمرار، وبدا خدّاها ناصعي البياض، سأل عقيل الراجي عيد أبوالقردات عن طريقها قال:
 
- إذا أردت أن تعرف...الحق بها.
Page 9
واتسم رياض النباش أن ليس غاية كلير من إقامتها في القرية إنشاء كنيسة تخالف كنيسة الأب فتيموس، بل نهب كنوز التل.فقد ضبطها مرة خارجة من أحد سراديبه، برفقة رجل في نحو الستين يعتمر طربوشًا تركيًّا بنيّ اللون ويرتدي بدلة إفرنجيّة، كما ضبطها مرة ثانية تتمعن في جدران عراق بربارة وهي تقلب كنايا ذا غلاف أسود سميك، وأخرجت من حقيبتها اليدويّة قطعة قماش، فركت صدر العراق بها، فظهرت كتابة مؤلفة من كلمات قليلة منقوشة بلغة غيرعربية.ورغم أنّها فركت جدران العراق الأربعة إلا أنّها لم تعثر على جملة أخرى.وأضاف في مرة لاحقة إنّه ضبطها وهي تحفر في مغارة أمّ سبعة أبوابًا.وعندما سأله الأب فتيموس:
 
وماذا كنت تفعل هناك؟ قال:إنّه كان يطارد عُكَسَة أو أرنبًا لايذكر.وهكذا ظلًت المس كلير لغزًا لم يطلع على بعض أكناهه غير ابنتا عيد أبو القردات.
 
صحيحٌ أنّ عيد ابو القردات ولد في القرية وعاش فيها حتى أصبح فتى في نحو الثامنة، وعندها حمله أبوه مع أمه، وأخته وغادر القرية إلى حيث يمكنه أن يعمل في البحر وصيد الأسماك كما قال.
 
عاد عيد أبو القردات إلى القرية رجل في الأربعين صحبة فتاتين، ظنتهما القرية أنّهما شقيقتاه وسكن في دار أبيه، غير أنّ القرية علمت من أرملة عايد أنّهما ابنتاه . كانتا تختلفان عن بنات القرية في لباسهما، فلم ترتديا شرش الحبر الأسود، بل ارتديتا ثوبًا أسود طويلًا مطرزًا من صدره، وعندما يتكلّمن يقلبن حرف القاف إلى الكاف.
 
- إنهما فلسطينيّتان في كلّ شيء.
 
قالت أرملة عايد، وهي الإنسان الوحيد من القرية الذي دخل بيت أبي القردات وأضافت إنّها اجتمعت مع أسرته هي وابنها المعاق على الغداء، وإنّ عيد نهر ابنته الكبرى عندما امتدت يدها إلى صينية الطعام متسائلًا.
 
- هل صليتِ قبل أن تمدّي يدك إلى الطعام يا مها؟
 
فنفت برأسها، ثمّ عادت وطأطأته
 
- صلِّ إذن.
Page 10
فرفعت مها رأسها وذراعيها وكذلك أبوها وأختها، ثمّ رفعت يدي وأشرت إلى ولدي أن يرفع يديه. وراحت ترفع صلاتها إلى الله معترفة بقدرته على كل شيء، طالبة منه البركة لهذا البيت وساكنيه، وكذلك مباركة هذا الطعام وآكليه، وأن يديم خيراته.وبعد أن مسح عيد أبو القردات وجهه بكفيه نظر إلى أرملة عايد وابنها قائلًا:
 
- تفضّلوا...صحة وعافية باسم المسيح الحيّ.
 
كانت تستغرب أرملة عايد جدية أبي القردات في بيته وما يتناقله أهل القرية من طرائفه وكان آخرها فضّ شراكته مع أخو رشدة في تجارة الأحذية. فقد ترافق مع أخو رشدة إلى حيفا وعادا وهما يسوقان خمسة حمير محملة بالأحذية، تبقت من عشر بالات اشترياها وباعا بعض محتوياتها في فلسطين.
 
عرضا أحذيتهم في القرية، وإربد والقرى المحيطة، وظل لديهما ما يملأ خيشتين، قررا الصعود بها إلى جبل عجلون.وفي هذه الرحلة اكتشف احتراف أخي رشدة للكذب، فما مرّا برجم، حتى توقف أخو رشدة عنده وراح يحدث نفسه. ظن انه يقرأ الفاتحة على من دفنوا تحت الرجم، لكنّه اكتشف أنّه يشتم كلّ من دفن تحته فصاح به:
 
- ولماذا تشتم الموتى؟
 
- لأنّهم كادوا يميتونني حتّى أمّتهم.
 
- أنت؟...هذه رجوم مرجومة من قبل أن تولد، وأنا أكبرك بخمسة أعوام
 
وتململ أخو رشدة من مكانه مشيرًا إلى رجم مقابل.
 
- وتراب قبر أبيك، خمسة...خمسة دفنتهم تحت ذاك الرجم بهذه اليد.
 
وهزّ قبضة ومضى. وظلّ هذا ديدنة كلما مرًّا برجم من الرّجوم الكثيرة في تلك المنطقة الوعرة. وغابت الشمس وهما يمرّان بباب مغارة مفتاح. الّتي عرفت بأنّها مركز للصوص الخطيرين، وإنّ الطفل إذا مر من أمامها ليلا، لا تطلع شمسه إلا وقد شاب شعر رأسه فقهقه عيد أبو القدرات عاليًا وتساءل: