Page 1
الرغبة بالقصيدة
وجدتني أرتمي على الأرض المعشوشبة تحت شجرة الحور الباسقة، ملقياً بأثقالي تحت ظلالها، وقد تلاشت أصابع شغفي الناشبة في المحيط، بعيداً عن رفاقي اللاهين في جهة أخرى من نهر الجوز· غير أن حركتي المتراخية، ما أن استلقيت إلى جانب الجذع، انتهت إلى أن تكون فعلاً نشيطاً، بل متوقداً استجمع قواي من جديد في تأهب حاشد· إذ تجهمَ وجهي ما أن رفعتُ نظري إلى عالي الشجرة، وبدا عليه تصميم المكلفين بمهام جسيمة ولكن محفزة، ووجدتني في رواق من ضوء أفضى إلى إشعال حواسي، وإلى دبيبٍ أمسك بأطراف العناصر في جدل محيي·
علوت إلى أوراق يتسلل الهواء الذي بين أصابعي بينها، ويُقبل على غيوم لها هيئة قطعان شاردة بأحلامها، فيستجمع الهواء هذه وتلك صوتاً على شفاهي: صوت يتهدج مصعوقاً، مخطوفاً بانفعالات ضاجة وجارية في تضاعيف جسدي؛ صوت مالكٍ ومملوك، صوت منشد وجوقة عزف، صوت الكلام وماؤه الجاري في عيوننا·
هذه اللحظة أستعيدها من الذاكرة في حركة بطيئة، وأستعذب الوقوف على ثنياتها، والتملي من مرآها، والوقوف على أسباب حركتها الداخلية، ذلك أنني لا أزال مشدوداً إليها، وتبقى طازجة في صوري المستبقاة، من دون أن أدرك، لا أسباب ولعي بها، ولا حقيقة اشتمالها على شيء مني يتعداني ويسميني·
سعيت إلى كتابة هذه الحالة في مرة سابقة، بعيدة، في قصيدة، في سنتي الجامعية الأولى، وما لبثت أن مزقت الأوراق· وانتهيت إلى كتابتها - أخيراً -، بل إلى تدوينها (طالما أنني أشعر تجاهها بأنها لا تزال حية في ظني، مع هذه الحروف) بعد أن وجدت في ذلك ما يحفظها، ويثبت في هيئة مادية، لفظية، تمسكي الأول بها· وهو تمسكٌ فيه بعض غواية الشعر، وفيه الرغبة بالقصيدة فيما يستبق المفردات والجمل، وفيما يتعداها· تمسكٌ خفيف وإلحاحي، طالما أن الشعر زخمٌ وإن من أثير·
Page 2
فاقد الذاكرة قيد العمل
يتنازعني في كلامي هذا قول ينسب القصيدة إلى لحظة (أو حالة وغيرها)، وإن تتحقق في كتابة أو تدوين وحسب، وقول آخر ينسب القصيدة إلى الكتابة وشروطها التأليفية: وأحد القولين، الثاني، أتحقق منه، بل أسلم به، مثلما حدث لي غير مرة، إذ أقبلتُ على القصيدة من دون استعداد، وإذا بي أجد في البحث عنها ما أثبته في قصيدة، أو ما أحتفظ به لقصيدة تأتي، أو ما يبقى قيد الانتظار· وهو إقبال أراه قريباً من الإقبال على الحياة نفسها، حيث أن فتح الشهية من دون دعوة قد يبسط مآدب التذاذ لمدعوين غامضين ومغامرين، وقد تنقضي اللذة بالانتهاء منها، ويخرج الشاعر من القصيدة خروج الكاشف عن كنز من دون خريطة، وإن اتبع طرق المكتشفين في التنقيب عنه والعناية به لإخراجه من عتمته إلى جلاء العيون المنتظرة·
ويتنازعني في كلامي عن القصيدة كذلك قول (بل فعل) آخر، هو كونها حالة قد تتعين (أو لا) في ألفاظ، وقد تتعين من دون أن تستنفد طاقة الرغبة بها، وتكون القصيدة في ذلك أشبه بفعل خارق من حروف غير مادية، مثل برق ينيرنا بما يكفي للمحٍٍ ولكن عامر بالصور، أو أشبه بصدفة ساحرة ذات تدبير خفي، ويكون الشاعر في ذلك غافلاً غفلة الأنبياء اللاهين في شواغل أخرى حين تستبد بأصواتهم وتتلجلج في حناجرهم أقوال تسبقهم إلى التلفظ·
يقول نيتشه: تبلغنا (الأصوات)، ولا نبحث عنها؛ نأخذ منها، ولا نسأل عن هوية الواهب· مثل برق، تنبثق الفكرة فجأة، وفق ضرورة مطلقة، من دون تردد أو بحث· وما كان علي القيام بأي اختيار أبداً· لم أكن على دراية بهذا القول حين سعيت في وقت ما (1982)، إلى كتابة أطلقت عليها تسمية الشعر قابلية جسدية، وقصدت منها أن أقول: الجسد يتيح الشعر لبعضهم، ولا لغيرهم، وفق استعدادات ونزوعات لا يمكن التحكم بها، كما لو أن الشعر فعلٌ يقع ما قبل الوعي، أشبه بالعبقرية المحض، وفق نزوعات باطنية لا يدركها حتى الشاعر نفسه·
كان سؤال الشعر يشغلني، في صنعه، في كونه، في أنه ممتنع على التعريف طالما أن رامبو أقفل كتابه إلى غير رجعة وهو في السابعة عشرة من عمره· لهذا لا يبدو قول نيتشه غريباً لي، بل يوافق شيئاً في نفسي، وهو الصورة التي أرتئيها، أو آمل بها للشعر؛ وهي صورة تجمع في ناتجها، أي عند تلقيها، بين العفوية والضرورة في آن: أن يكون الشعر، بل القصيدة، جسماً له رخاوة الطازج ونداوته، وله قوة آسرة في حضوره، سواء على الشاعر أو على القارىء (والناقد طبعاً)، فلا نقوى على زيادة أو حذف فيه، مثل مخلوق طبيعي له أسرار حكمته الخافية في بنائه· ألهذا يحلو لي تسمية القصيدة بالبلورة، أي التي لا نقوى على الإمساك بها، بل على النظر إليها من زوايا عديدة، ومنها النظر السابر لها من ناحية إلى أخرى؟ ألهذا أيضاً أنسب القصيدة إلى ما تعينه العربية في التخويض، التخويض في الشكل - المعنى؟ أهذا ما يجعلنا نقبل على القصيدة وفق خط غير تتابعي في الزمن، لصالح تتبع آخر، يبدأ بلحظة زمنية إلا أنه لا يتعقبها بل يراوح فيها، أو يداور عليها، ولا يلبث أن يلتم التماماً مبرماً على ما استجمعه في القصيدة؟
Page 3
والقصيدة جهمة، صلدة، لا تُرد· تمثل مثل قوة قاهرة، على الرغم من أنها تصبو إلى استثارة انفعالية ليس إلا، متبوعة ربما بتأمل، يجري ولكن خبط عشواء من دون خريطة معبدة، أشبه بالتجوال في دورات المعاني والظنون· هكذا أطلقت على الشاعر، ذات مرة، تسمية المروبص، بعد أن راعتني صورة هذا منذ صباي، إذ حدثني رفاقي عن زميل لنا في المدرسة الداخلية يمشي ليلاً: رأيته يمشي على حافة عالية لا يقوى حتى على الاقتراب منها نهاراً، أو يَقِظاً، ولكن بتصميم يحسده عليه كبار القادة العسكريين·
وأطلقت على الشاعر في وقت آخر تشبيه الحالم، ولكن في تباين مع الشاعر بول إيلوار الذي يعود إليه هذا القول: لا يمكننا الخلط بين سيرة الحلم والقصيدة· كلاهما واقعة حية طبعاً، غير أن الأول منهما ذكرى، قيد الاستعمال مباشرة، متحولة، مغامرة، فيما تمثل الثانية من دون فقدان (أي شيء منها)، ولا تبديل· يعاين إيلوار الشاعر والحالم بعد خروجهما، لا قبل دخولهما، ولا أثناء جريان العمل·
وهي عمليات متعددة، فيها تشاركات وتباينات بين الصنيعين: فالداخل إلى الحلم غير الداخل إلى القصيدة، إذ يتحقق القصد في القصيدة - والقصيدة تقليب للقصدية -، وينعدم في الحلم (إلا أذا وضعنا ترتيباً محكماً ومدبراً للحلم فوق خشبة اللاوعي)· أما عن عمليات الحلم والقصيدة فهناك تقاربات وتشابهات بينها تتصل بالتكثيف والترميز والإزاحة وعمليات الجمع المحيِّر والمبرَم بين مواد غير مجموعة فيما سبق، لا في جاري العادات الإنسانية، ولا في السلوك الفردي عند الحالم أو الشاعر· كما يختلف الشاعر في خروجه من القصيدة عن خروج الحالم من حلمه، إذ أن سيرة الحلم تختلف عن بناء القصيدة: فللحلم مبنى خصوصي في ظن الحالم وذاكرته، لكن هذا المبنى قابل للإنشاء في صور مختلفة ما أن يخرج إلى التدوين، سواء في صيغ شفوية أو كتابية، وتتباين بالضرورة عمليات تدوينه، فكيف عمليات تفسيره!
الحلم قيد الكتابة، إذن، والقصيدة كذلك، وما يمثل به الحلم (في أشكال تدوينه وتفسيره كذلك)، أو القصيدة، لا يعدو كونه حاصلاً نصياً (من بين جملة اختيارات وعروض نصية متعددة) جرى تثبيته وإقراره في صورة شرعية على أنه النص·
وكنت قد كتبت مرة عن الشاعر بوصفه الأعمى (دم أسود، 1989): يثيرني، لا بل يبهرني، حتى اليوم، مشهد الأعمى في مترو باريس: يتنقل وحده بصحبة عصاه البيضاء، التي لا يلبث أن يطويها ويخفيها في جيبه، صاعداً، نازلاً، فوق سلالم كهربائية أو حجرية، في سراديب عديدة وطويلة، في حشود تتبادل نظرات التجاهل، من دون أن يقع، أو يخطىء، بدقة وإتقان، في صورة يومية، من البيت إلى العمل، وبالعكس؛ حتى أنني كتبت ذات يوم:
Page 4
ما همني!
يقودني الأعمى إلى بيتي!
لا أجد صورة أنسب للشاعر من صورة الأعمى - المشاء الأعمى· يمشي من دون أن يرى، ويقرأ مغمض العينين· لا يعرف الشاعر مثل هذه السهولة، إلا أنه، مثل الأعمى، يتحسس الشيء من دون أن يراه، يهجس به من دون أن يتبينه، يتلمسه من دون أن يعرفه بالضرورة؛ مسبوقاً بطاقته، يكتشف الشاعر طريقه بعد أن يبلغ نهايتها، من دون أن يحسن قياس المسافات المختصرة (···)· المروبص يعود سليماً إلى فراشه، لا الشاعر؛ ومن دون زاد، لا (الشاعر) ··· (ص 6)·
ويحلو لي، اليوم، أن أطلق على الشاعر تشبيه فاقد الذاكرة، إذ أن الشاعر يُقبل على القصيدة، أو يرتكبها بالأحرى مثل فاقد الذاكرة الذي يحتفظ بملكاته كلها في العمل، وهي ملكات التمييز والخبرة المتراكمة والتدبير عند الإنسان، ولكن من دون أن يتعرف سلفاً على قابلياته، أو مهاراته، أو إلحاحاته على المعاني والصور والرموز: يدركها بعد وقت، بعد حصولها، على أنها منه، من تدبير قواه، ولكن من دون أن يحسن التجوال فيها مثل عامل في مصنوعاته·
وهي صور مختلفة لتعيين واحد، للشاعر، وأريد منه الحديث عن هذا الجمع الساحر والمحير في آن، في القصيدة: فهي تلقائية في ظاهرها النهائي على الأقل، وثقيلة بحمولاتها وتشابكاتها في آن؛ جسيمة ولها نبر الأغنية؛ بهيجة وإن تتحدث عن غمامة اليتم، خفيفة وجهمة في آن· يمكننا مقاربة الشاعر، إذن، لا التعريف به، فهل يمكننا تعريف القصيدة، الحديثة خصوصاً؟
Page 5
بدء ملحوق
لا يمكننا تعريف القصيدة، لكننا نتعرف عليها: في صعوبتها العصية على التعريف، في زوغانها عن أي تحديد· هذا يصح في ما قيل عن القصيدة الحديثة، كما في القصيدة القديمة: فما يعني القول أنها كلام موزون مقفى يدل على معنى؟ تعريف شكلاني، براني، يتحدث عن القالب أكثر مما يتحدث عن الشعر·
كنت قد توصلت في كتابي الشعرية العربية الحديثة (1988) إلى القول بأن للشعر القديم شكلاً هندسياً، يؤدي بالقصيدة إلى أن تكون مربعة في ما ندر، ومستطيلة في صورة طولية في الغالب، ما يساعد في التعرف عليها حتى من غير دارسي الشعر، أو من العرب كذلك· وهو تعريف براني كذلك، وساعدني تشكيلياً في التمييز بين القصيدة وغيرها من النصوص في العربية، ولكن ألا يمكننا التمييز بين هذه المدونات في العربية وفق ضوابط أخرى؟
بلى، لو عدنا إلى أقوال عربية قديمة في الشعر، مثل تمييزها بين الكذب وغيره· فالشعر يَقبل الكذب، ولا يقبله غيره، عدا أن الكذب مستملح في الشعر· يقول ابن قتيبة: لو كان المجاز كذباً لكان أكثر كلامنا باطلاً، فيما يجعل ابن رشيق الكذب غير معيب في الشعر وحده· كما يؤكد الناقد القيرواني كذلك أن المجاز أبلغ من الحقيقة، بل جعله، هو وعدد آخر من النقاد والبلاغيين، باباً يندرج تحته التشبيه والكناية والاستعارة، وهي - أي الاستعارة - أفضل المجاز·
فلو قرأتَ لشاعر ابتلع الشمس لصدقته، فيما لن تصدق ذلك حتى في رواية علمية - خرافية، وهي رواية تعتمد، في مجالات الغرابة والاختلاق التام، على مواد وأدوات واقعية لتصديقها· تبقى النصوص كلها تحتاج إلى بنية تصديقية، إمكانية، لها سند في العقل والمنطق والثقافة المعروفة لدى الإنسان، أما الشعر فيجيز لنفسه تماماً ما لا يجيزه غيره لنفسه: للقصيدة وحدها حق التجوال الحر وغير المناسب في ما جرى قبوله والتعاهد عليه، سواء في ثقافاتنا أو في اعتياداتنا أو في مضمراتنا وظنوننا·
وهو ما تقوله دلالات لفظ جاز القاموسية (ومنها اجتاز كذلك) إذ تشير إلى الانتقال والعبور من جهة إلى أخرى، وهو ما لا تقوى عليه المدونات غير الشعرية التي تبقى في جهة واحدة، وتستعير - ليس إلا - مواد من الضفة الأخرى· فيما نلقى الشعر يتجول، بسرعة وجدل وإحكام مبرم ومتجدد، بين الضفاف، والأزمنة، والثقافات، واللحظات، واجداً فيها كلها مادة لقول فردي، تملكي، يجيز قول ما لا يقال، ويجمع ما لا يجمع، على أن في ذلك كله بنية تصديقية مخصوصة·
Page 6
لذلك نقوى على اختصار أي نص، من المادة العلمية إلى المادة السردية، بينما لا نقوى على اختصار أي قصيدة· كما نقوى على التقدم والتوقف في أي نص، وعرض ما جرى أو ما سبق، والعودة إليه من جديد، بينما لا نقوى على ذلك في القصيدة إذ أنها تبدو مراوحة أحياناً في حيز بعينه، ودوراناً حوله، أو تغويراً فيه، ما يقطع الصلة بالزمن، بل يفتحها على احتمالات جديدة، غير معهودة·
وهذا ما نتحقق منه في الترجمة (كما سبق أن كتبت) وهو أن ترجمة الشعر مستحيلة، فيما ترجمة النصوص الأخرى ممكنة، إذ أن ترجمة الشعر وضعٌ جديد له، مهما بلغت درجة الأمانة· وإذا كانت مجهودات المترجم ترتكز عادة في ترجمة النصوص على تثبيت اللغة في ألفاظ اصطلاحية دقيقة أو في استعمالات مناسبة، فإن مجهوداته في ترجمة الشعر تؤدي، واقعاً، إلى احتمالات التكثير والالتباس والتجديد في كل لفظ، ما يجعل ترجمة الشعر عرضة للتأليف، لا للنقل، بالضرورة·
أصطحب معي، في قولي هذا، ابن رشيق الذي يؤكد في تعريفه للشعر، بأنه، يقوم بعد القصد على كذا وكذا· وما يعنيني هو هذا القصد الذي لا يعرِّفه الناقد القيرواني أبداً - وللأسف· ما يقصد الشاعر، وهل في الشعر قصد محكم فعلاً؟
طبعاً يمكنني وصل فكرة ابن رشيق بما قال به عدد من علماء اللسانيات، أو من علماء الاجتماع الذين يتحرون القصد الفردي والاجتماعي في الخطاب، سواء أكان قولياً أو كتابياً، في النظرية التي تتعامل مع النص بوصفه استعمالاً للغة، من جهة، وبوصفه شراكة في حوار، تخاطبي، ينطلق منه الخطاب ويشارك فيه، من جهة ثانية·
إلا أنني أبتغي توجيه كلام ابن رشيق في وجهة أخرى، مغايرة، وهي الحديث عن القصيدة بوصفها قصداً ولكن غامضاً، يتعدى المتكلم نفسه، ويحتويه كذلك· والقصدية تشير من طرف إلى طابع القصيدة الإرسالي، الذي يشتمل على إخبار وفق طريقته المخصوصة في التعيين والترميز، التي تختلف عن طبيعة الإخبار في السرد، وعن المحتوى الرمزي الذي يوافق المبنى الضمني للسرد· وتشير القصدية، من طرف آخر، إلى طلب التأثير، واستثارة الانفعال الجمالي (والذي يجعله عدد من علماء الجمال في منطلق الحكم الجمالي)·
والقصيدة تخبر، ولكن على طريقتها، التي تستجمع في كثافة جمعاً متعدداً من الخبرة والثقافة والتجربة، ومن إلحاحات الشاعر نفسها، في مبنى كتابي يشع في إخباره وتعيينه، ويرسم جواً ومناخاًَ، ينفذ إلى عميقنا، إلى ما يجعلنا ننفعل، ونبتهج وإن في الحديث عن الحزن·
وللقصيدة أشكال متعددة في إتيانها: فتَرِد طيعة، هينة، مثل نغم مموسق، مثل ماء جارية؛ أو ترد وروداً صعباً، كمن يقلع الحجارة في مقالع، حينما يستخرج الألفاظ من علاقاتها القديمة، المعهودة؛ أو ترد وفق تصميم له شكل الحكاية أو البناء المتتابع···إلا أن الشعر في أحوال وروده كلها يبقى عصياً على التلخيص والتتبع، كما لو أنه يعصى الزمن (أي خطه التتابعي)، والمنطق التصديقي (أي يقبل تقدماً وتراجعاً وتغويراً في الوقت عينه)·
إذا كان غير الشعر كتاباً مفتوحاً، قيد الكتابة في أي لحظة، في أي مكان، مصحوباً بمواد تحضيرية، فان الشعر بدء وإن يتم استلحاقه، فتحٌ لشهية الكلام وإن كانت له تقاطيع زمنية تعينه أو تجعله حوارياً في جدلِ قيم ورموز وخطابات· القصيدة فعل ملحوق، لا نتعرف عليه إلا بعد وقت، بعد حصوله، في تضميناته الخافية· هكذا يبدو في ظاهره تلقائي التتابع والنبر، فيما هو - لو نظرنا إلى أوراق الشعراء ومخطوطاتهم - عملٌ، صنع، يقوم على مقادير واسعة من التقديم والتأخير (وفقاً لما قاله الجرجاني عن مزايا النظم) والشطب والزيادة والتكثيف أو التمطيط وغيرها من العمليات التنصيصية· والقصيدة تحتمل بل تشترط الرتق والضبط والربط، وتتناهب الحروفُ فيها الحروف، لكنها فستانُ العروس، ولمرة مبرمة·
Page 7
الرغبة في التحقق
الرغبة بالقصيدة وقصيدة الرغبة، طالما أنني أسعى إليها، وقلما أجدها· فلا يستوقفني ما إذا كان الشاعر أبو نواس، أو الشيخ النفزاوي، تحدثا عن آلة الجنس أو مسمياته، وما إذا كان نزار قباني قد أقام الدنيا من دون أن يقعدها بمجرد أن ابتدأ الكلام في الشعر بعنوان صادم: طفولة نهد· بل يعنيني قول أمرىء القيس في معلقته، ذلك أنه كتب في اللذة، لا عنها·
والشعر الغزلي، أو شعر الحب (كما يحلو للبعض تمييز شعر بعض المعاصرين)، يقف في حديثه عن الرغبة، أو عن تحققاتها، خارج مجال الرغبة، ويبقى هذا الشعر يتحدث عن الرغبة، كما لو أنه يتحدث عن الممدوح أو الفقيد، على أنه يتحدث عنها، هنا، بوصفها حبيبة، وهنا بوصفها غائبة، وهنالك بوصفها··· أي أن الشعر ينشىء العلاقة عينها، سواء في هذا المجال أو ذاك·
هذا يصح في المتكلم، كما في المخاطَب: ففي الأول منهما يبقى المتحدث يصدر عن علاقة وثوقية بالكلام، وبما يصدر عنه، فلا يتردد فعلاً وإن تحدث عن التردد؛ ولا يتقلب بين دعاوى مختلفة لنفسه، وإن تحدث عن التيه· وفي الثاني منهما، أي المخاطَب، يغدق المتكلم عليه أجمل الصفات وأعلاها، على أن له منفعة اجتماعية فيه: تبقى الحبيبة منزهة عن أي دنس، وعن أي تعريض بجسدها أو امتهانه، وتبقى الحبيبة الأولى دوماً التي ما سبق لها أن أحبت··· وهو كلام يوافق المبنى الاعتقادي التقليدي، وهو أن الذكر يطمح للفوز بالعذراء من دون غيرها، ومن دون أن يدخل في الحساب كونه لم يكن (أو ليس) كذلك، عند طلب العروس: قصيدة الغزل تصرِّف معاني الكلام الشعري على دورة الاعتقاد الاجتماعي في الجماعة التقليدية، وتبدو في أحسن الأحوال دعوة إغراء للحبيبة الاحتمالية، ليس إلا·
لهذا قلما نقع على قصيدة في الرغبة، ويتعرض فيها المتكلم لتجريب، لمداورة، لمداعبات، لتحرشات، لرواح ومجيء متماديين، لظلمة ساحرة تستدرجنا إليها الرغبات· ذلك أن الحدس بالقصيدة، والرغبة بها، وفق إيقاع الرغبة وتمثلاتها، دعوة إلى سلوك سبل مغايرة، غير مكفولة، وغير مجربة بالضرورة· دعوة إلى عتمة مشتهاة، يخلي الداخل إليها اعتياداته وحدوده، ويستكشف كما في رحلة إبحار ولكن في الإقامة·
والقصيدة مثل الرغبة استباق لما يتقدمنا ويعلننا ونسميه بعد وقت: خروج احتمالي، لكننا نعود بعده مختلفين· هذا ما يكابده الشاعر، والعاشق، والقارىء كذلك· بل لَعِبٌ بالقواعد، وخارجها، مثل تتمة لها، أو تعديل لها، على أنها صورة ظنية عنه· والقصيدة تعيين للحظة على أنها أبد، ولحيز على أنه الكون، ولانحناءة عين على أنها إمالة جرم سماوي عن مداره·
Page 8
ذلك أنني أستسيغ علاقة بالكتابة تدفع الكلمات دفعاً، كمن يطحن اعتقاداً، أو يستخرج صدفة غارقة في اللجج· وأريد للشعر أن يباشر الكلام من غير سابق معرفة، وإلا كيف لنا أن نبتهج بالقصيدة، وتبدو لنا جديدة (في لغتها، كما نقول)، وهي إعادة توزيع لألفاظ معروفة، ومتروكة في برودة القواميس والاستعمال: دفعُ الألفاظ كمن يعبث بوبر اللغة، أو بدثارها الدافىء· دفعُها العنيف، مثل جسد يستعيد قواه، حريته، بعد طول ركاد، كمن يجلوه، أو يسويه من جديد· دفعٌ ينقاد فيه الكلام إلى أن يقول ما لم يكن في حسبانه أو اعتياده، وإقبال الكلام على انحناءات في المعاني لم يعهدها، أو لم يقصدها بالضرورة··· والقصيدة في ذلك ازدواج، يجعلها لها وللشاعر، لها ولغير الشاعر؛ ازدواج تثنية بل تكثير، له في الحياة نقاط تثبِّت الحروف·
والرغبة بالقصيدة هي أن يقول الشعر لحظات، أحاسيس، وصوراً، تتعدى العلاقة الخارجية، البرانية، المتعاهد عليها، لقول شيء يقع في التجربة، في الاحتكاك، في ألفاظ الحركة، ونزوعات الجملة· ولها أن تقول، في مثل هذه الأحوال، تقلبات العيش، ومنها مباهجها، طالما أننا لا نحسن قول غير الحزين، كما لو أن اللذة محرمة، ممنوعة، لا تصلح لإنشاد، أو لغناء، أو لمعايشة·
وهي قول الإنساني، الخصوصي، في حيز يتم تحريره بالضربات الملحاحة والحنونة، في تلك الدينامية الحيوية التي يتم إشعالها والاحتماء بها في آن، في مجال الحميمية المنتزع والمحرِّر والمحرَّر من إكراهات الجماعة والقمع·
حيث للجسد أن يروي في عيشه التلذذي وحركاته، أي في حياته الداخلية، غير سيرة الجماعة في سلوكاتها وتصرفاتها وممنوعاتها، أي في حياتها العلنية···
حيث للحداثة أن لا تكون تعبيراً توكيدياً عن الأنا، إذ أن توكيداً كهذا لا يتأتى من التجربة، من مكابدات الكلام، بل من الرغبة بسطوة الكلام، بأثر الكلام على متلقيه؛ بل أن تكون تعبيراً يشي بهشاشة وخفة وشفافية ورقة هي أعراض متكلم متعدد الأصوات، طالما أنه، في وجوده وقوله، يعايش في الجسد الواحد أطيافاً، ولشهواته وتهويماته صورٌ وخطابات متعايشة ومتخالطة···
حيث للحداثة أن تمتحن قدرتها على التعيين في قول متردد ومتعثر، وإلا فإن وضوح الخطاب واتساقه يعنيان أو يرمزان بالضرورة إلى الخطاب الساري، المتتابع، إلى ما يتلى في أفواه الجماعة، وتتلفظه ليس إلا···
حيث أن القصيدة هي الرغبة، الرغبة في التحقق، الرغبة بالقصيدة، وما يجدد الرغبة بمرانها؛ وهي استنفار له جيش غير معلوم القوة قد يؤدي إلى تأجيل؛ حيث أن الشاعر صياد في ماء الصدفة، في توقعٍ، له من تشهيه صنارةٌ: رُبَّ شاردة تجد نفسها في نهاية المطاف· والرغبة بالشعر تفيض عن حاجته أو تمتنع عليه، إلا أنها لا تنقضي بل تغور، وقد لا تنبجس من جديد· والرغبة بالقصيدة، أو ارتغابها، سبيل يفضي إليها من دون أن يقصدها، أو يبلغها من دون أن ينتهي فيها·
المنصورية، 3 - 1999/12/11
Page 9
نظر رقراق
زرقةُ التي تنحني على نافذتها
محبرةٌ للذي يمسك ريشته
ويلعق الأشكال الخبيئة،
وزهرةُ ما يَعرض له
استباقٌ شغوف
لنظرٍ رقراق·
Page 10
كأنني رجال
يجرون الماء
برافعات هيكلي
بشيكطاش وإسكودار *
تتبادلان الماء
مثل جرائد الصباح
في مقهى الصيادين·
يحط المسافرون
يغادر المسافرون،
وهؤلاء يتلقفون من أولئك
أسى مقيماً
وأمنيات مرجئة
بخلافنا
على جذعين·
* * *
على الوجوه ستار شفيف
لرسوم وهيئات
تخرج من أطيافها
وتدخل في أجسامها···