eKtab
EN ع
تكنولوجيا الاتصال التربوي
Read free sample

تكنولوجيا الاتصال التربوي

by مجد هاشم الهاشمي

Page 1

التربية ... مفاهيم وتطور

تهتم التربية بأن يكتسب الفرد عادات مجتمعة وتقاليده وقيمه وأهدافه ويتعلم كيف يمارس أدوار اجتماعية وتشكيل العلاقات مع الآخرين... والتربية تعبير حي عن حركة المجتمعات وانعكاس لايدلوجينها.. بها تتقدم الأمم وترتقي وبوسائلها تعد القوى البشرية وتستمر طاقات الإنسان، فإن تفاعل الإنسان كان وما زال مستمراً مع بيئته التي تعد مدرسته الأولى، فالتربية لم تعد خدمة كانت في الماضي، بل صارت استثماراً له عائد ضخم، وما من دولة حرصت على التقدم إلا وكانت التربية وسيلتها.. ومن الشروط الجوهرية في العملية التربوية أن تستقطب التربية أحدث أدوات العصر إليها، كوسائل نقل المعارف، وكذلك أن يكون من أهدافها أن يقف الناس على حاصل التكنولوجيا في ذلك الوقت وبذلك يصحح استيعاب (تكنولوجيا) العصر هدفا تربوياً ووسيلة إليها أيضاً.

وللوقوف على مسميات التربية وأدواتها الاجتماعية.. نعطي بعض الآراء حول المدلولة العلمية للتربية.

فقد ذكرتها المعاجم..عام (1549) بأنها مأخوذة من اللغة اللاتينية لتدل على تربية النباتات والحيوانات، وللدلالة على الطعام وعلى تهذيب البشر دون تفريق.. وحتى عام 1649 لم يكن يقصد بالتربية سوى تكوين الجسد والنفس.. وهي بهذا المفهوم كانت تركز على العناية التي تقدم لتعليم الأطفال سواء فيما يتصل برياضة النفس أو رياضة الجسد وفي اللغة العربية ترجع التربية في معناها إلى مصدر الفعل (ربى) أي بمعنى (نما وزاد) واصطلاحياً.. تعني التربية.. التنشئة والتنمية..

ومما تعددت مفاهيمها.. فإنها لا تزال تتناول معاني التطور، التقدم، الكمال، النمو، الأفضل، الأحسن والتربية لها خصائص عديدة تتمثل في (1)

أنها عملية إنسانية: فالتربية تحف الإنسان وهي مكر عليه دون غيره من المخلوقات.
أنها عملية تكاملية شاملة: فالتربية عملية تسعى أن تصل بالإنسان إلى كامل نموه الجسمي والعقلي والنفسي والانفعالي  والخلقي  والاجتماعي.
أنها عملية ذات قطبين: القطب الأول هو المربي والقطب الثاني هو المتربي، ويؤثر كل منهما على الآخر، فيتأثر المتربي بشخصية المربي وأسلوب ومعلوماتها ومتقاداته بينما يتاثر المربي بجنس المتربي وخلفيته الاجتماعية وقدراته واستعداداته، وغيرها.
أنها عملية فردية اجتماعية.. فالتربية لا تقتصر مهمتها على الفرد فحسب، بل تتعداه إلى المجتمع ككل. فهي تسعى إلى أن تصل بالفرد  إلى درجة الكمال، وهو أيضاً تسعى إلى تقدم المجتمع وتطوره، من خلال تنمية أفراده وجعلهم مواطنين صالحين يعملون لصالحه. وبذلك فهي عملية تطبيع اجتماعي يكتسب الفرد من خلالها صفته الاجتماعية عن طريق التنشئة الاجتماعية والتفاعل والتطبيق الاجتماعية.
أنها عملية هادفة: فالتربية عملية توجيه الجيل الناشئ من قبل الجيل الراشد لتصل به إلى درجة الكمال والمواطنة الصالحة لما فيه خيره وخير المجتمع على وجه العموم.
أنها عملية متغيرة ومتطورة.. فالتربية دائمة التغير والتطور وتختلف باختلاف الزمان والمكان، ومن مجتمع إلى آخر، بل أنها تختلف في داخل المجتمع الواحد، ويمكن القول أن من صفات التربية صنع التغير، كما أنها من صفات التغيير صنع التربية.
أنها عملية تشاركية: فالتربية لا تقتصر على المدرسة وحدها، وإنما يتلقى الفرد أيضاً تربيته من البيت وشلة الرفاق والمؤسسات الاجتماعية الأخرى.

لقد تغير مفهوم التربية تبعاً لتغيرات الزمن والتطورات التاريخية التيرافقعت المجتمعات وتغيراتها واتساع النظرة إلى ميدان التربية.

Page 2

وتنبع أهمية تاريخ التربية من أسباب عدة أهمها(2):

يمكننا أن نلخص بعص من ملامح التربية التاريخية كما يراها عظماء التربية قديماً.

يقدموا ملامح عديدة بها منذ (بوذا الهندي 563-483)ق.م. يدعو إلى تربية الزهد بشهوات الإنسان إن أدت إلى المعاناة، "اكتبوا تعاليمي بصورة مسبوعة، حتى يمكن حفظها بسهولة، علموا النخبة، لا تعطوا العلم أجراً، عاقبوا التلاميذ بديناً".

أما (كونفوشيوس الصيني 551-479 ق.م) فقد أعطى صورة لخصت واقع التربية الجديدة وركز على المنزل ودور الأسرة في التربية أولاً حيث قال: "غوّا المدرسة كمؤسسة تربوية ولكن لا تهملوا المنزل لأنه المؤسسة الأولى في تربية الطفل، انشروا الأخلاق بين الناس فعند ذاك لن يكونوا بحاجة إلى قضاة وحكام، التزموا بالقدوة الحسنة ابنوا كيانكم من خلال بناء كيان الآخرين، احترسوا التلاميذ وراعوا الفروق الفردية بينهم، ولا تقتصروا التعليم على حجرة الدراسة بل اصحبوا تلاميذكم معكم ليتصلوا بالأحوال الحقيقية للحياة".

ويأتي أفلاطون الإغريقي (427-348 ق.م) ليؤكد أولا: سلامة المجتمع وقوة بنيانه تاتي من سلامة التربية وخطواتها الناجحة وثانياً دور الدولة في توعية الناس وسد احتياجاتهم من التعليم. وينصح برعاية الأطفال وتربيتهم في سنين حياتهم الأولى لاهميتها في رسم ملامح وركز على المعلم ودوره في العملية التربوية مع مراعاة الفروق الفردية لديهم.

Page 3

ويقول أفلاطون:

"اهدفوا بالتربية لإصلاح الفرد والمجتمع لأن سلامة المجتمع تتوقف على سلامة التربية التي يقدمها المجتمع للأفراد، مهدوا للدولة العادلة بالتربية، واجعلوا تربية المواطنين في يد الدولة، واعتنوا بالفعل في سني حياته الأولى، ولا تكرهوه على تعلم شيء، ولكن راقبوه كرقابة الرأي للأغنام، واختاروا القصص له، ولا تفرضوا التعليم العقلي إلى غير القادرين عليه، أي راعوا الفروق الفردية، اجعلوا وظيفة المدرسة، هي مساعدة الطالب على تذكر ما كان عالق بنفسه أيام كانت في عالمه المُثل.

ويتفق أرسطوا الإغريقي (384-322 ق.م).. مع أفلاطون في تعاليمه ودعى إلى شعار التعليم للجميع بقوله.. "وفروا تربية متماثلة لجميع الناس، واهتموا بتربية الأطفال في جميع أطوار نموهم، طور نشوء الجسم حتى السادسة من العمر، وطور الغريزة وطور العقل، نمو الإنسان المتكامل وتلك دون نواحيه المهنية لأن الإنسان المفكر أسمى من العملي..شعبوا التعليم إلى عام للجميع وإضافي للمحاربين والأفضل للقادة.

ومن علماء التربية العرب (ابن سينا) الذي اهتم كثيراً بالتلميذ ورعايته من قبل ذويه وإدارته التعليمية وشدد على صفات كادر المعلمين الذين يقودون العملية التعليمية.. بقوله: "أعدوا الفرد للحياة الدنيوية والدينية في آن واحد، اجعلوا المنهج شاملاً تلك الحالات، انظروا إلى ما يراد أن تكون مهنته التلميذ مستقبلاً، فاختبروا ذكاءه، واختاروا له مهنته حسب ذلك، تخيروا البيئة التي يختلط بها الابن فللرفاق الأثر الكبير في حياته، راعوا ميوله، وعلموه في المدارس لأن وجوده مع غيره أدعى لتعلمه كلموه بالحسنى ورغّبوه مرة، ورهبوه أخرى اختاروا من المعلمين العاقل المتدين، الحسن المظهر الخالي من العاهات المخلص في عمله والمُعد لدروسه والعادل ف يمعاملة التلاميذ.

ويأتي الغزالي (1058-1111م) ليؤكد ما قاله ابن سينا حول دور المعلم باعتباره المربي الأول للطفل ويشدد على خطورة دورن في تنشئة الأطفال التلاميذ، ويخاطبه بتوجيه ونصيحة تربوية تعينه في مهنته ودوره في التعليم قائلاً: أيها المربي إن الطفل يولد ونفسه صحيفة بيضاء، وأنت الذي ينقش عليها ما يشاء من خير وشر فهو أمانة في يدك راعوا تلكم الفروق الفردية بين التلاميذ، استغلو ميول الطفل، واحموه من قرناء السوء، وعوده الاخشيشان، وتدرجوا معه في ترك الأخلاق السيئة وتدرجوا معه بالعلوم، فابتدئوا بأهمها لأن العمر لا يتسع لجميعها لا ترهقوا التلميذ بالتعليم وحببوه إليه باللعب لا تطلب أيها المعلم أجراً بل علّم لوجه الله تعالى اقتداء برسول الله محمد×.

وحرص ابن خلدون (1332-1406م) على التحضر واعتبر التعليم في البيئة المتحضرة أسهل حيث الاستقرار وتوفر الإمكانيات المفقودة في البيئة البدوية ودعى إلى تعليم الأولاد القرآن لانه أصل التعليم ونصح ابن خلدون المعنيين في التدريس بهذه التعليمات "تدرجوا في التدريس من السهل إلى الصعب، واعتمدوا أول الأمر على الأمثلة الحسية، ثم انتقلوا إلى المجردات أسلكوا الطريقة الاستقرائية (بادأوا بالأمثلة الجزئية لتستخلصوا منها القاعدة العامة) لا تخلطوا علمين على المتعلم لكيلا يفقد إحدهما، تابعوا الدروس لأن الانقطاع مدعاة للنسيان تجنبوا الشدة لكيلا ينصرف التلميذ عن العلم وينحرف سلوكه ركزوا على المناقشة والمحاورة مع تنويع أساليب التدريس كالتلقين والمحاكاة والتجربة واستخدام الوسائل التعليمية اهتموا بالناحيتين النظرية والتطبيقية.

واعتبر فرنسيس بيكون (1561-1626) الإنكليزي ما جاء به ابن خلدون خير معين للتدريسين على حد قوله (انقدوا الطريقة الاستنتاجية لرجال العصور الوسطى الذين كانوا ينطلقون من مسلموات ليستخرجوا منها نتائج فقد تكون المسلمات موضع شك تخلصوا من الوهام المعيقة للوصول إلى الحقيقة...ولا أقول لكم إلا ما قال ابن خلدون: اجعلوا الطريقة الاستقرائية وسيتكلم للتربية فلاحظوا ظواهر الطبيعة بواسطة الحواس وأجروا عليها التجارب لتصلوا إلى الحقيقة القابلة للإثبات وسمّوها العلم.

Page 4

من جهة أخرى علق جون لوك (1632-1704) على ما أدلى به الغزالي داعيا المربين: سأقول لكم ما قال الغزالي بأن عقل الإنسان وقت الميلاد "صفحة بيضاء" أي أن الأفكار غير حظرية في الإنسان فركزوا على التجارب الحسية لأن الإحساس هو منطق الإدراك واجعلوا هدف التربية إيجاد مواطنين صالحين متكاملين جسماً وعقلاً وخُلقاً. واقصروا التربية على الصفوة من التلاميذ .. دربوا الملكات المزوّدة بها الطفل كأن تدربُوا ملكة الذاكرة بتدريس التاريخ.3

أما هربارت الألماني 1776- 1841 قال سأعيد لكم ما دعا إليه  ابن خلدون ثم بيكون من استخدام الطريقة الاستقرائية، ولكني سأفصلها لكم إلى خطوات خمس:

أولاً:     استدع أيها المعلم الأفكار القديمة التي لدى تلاميذك وذات الصلة بالجديدة.

ثانياً:    اعرض الأفكار الجديدة إلى أن يتم فهما.

ثالثاً:     اربط الأفكار الجديدة بما لدى تلاميذك من أفكار قديمة.

رابعاً:   عمّم أي استنتج القاعدة العامة من الجزئيات.

خامساً:  طبق...اي دع تلميذك يستخدم المعرفة الجديدة في الأنشطة المختلفة.(3)

يستمر حرص هؤلاء التربوية على التلاميذ الأطفال وناشدوا باهتمام على المعلم ودوره الكبير ويركز جان جاك روسو الفرنسي (1712-1778) على دور المربي في الإشراف على المتعلم وعدم التدخل إلا إذا طلب المتعلم ذلك باعتبار أن المتعلم هو الإيجابي والملّم سلبي..فتحل طرق البحث والتفكير عند الطلاب محل سلطة المعلمين "فاجعلوا المناهج و طرق التدريس متفقة مع حاجات وميول الطلاب".

أما بستالوزي السويسري فقال: طبقوا ما قال روسو "دربّوا المعلمين إلى درجة تجعل التعليم عملاً آلياً فابسطوا قواعده إلى حد يمكن أي معلم، بل وأي أم وأب غير متعلمين من استخدامها. انتبهوا إ لى أن البيت هو أساس تربية الإنسان، ثم مدوا تأثيره ليشمل المدرسة بحيث تتصرف المدرسة كعائلة هدفها الحب والعطف وليس مجرد التدريس. لا تجعلوا المربي ينتقل من نقطة إلا بعد فهم المتعلم لها.

نمو شخصيات ذات عقل معتمدة على نفسها مسهمة في بناء المجتمع.

ويشارك (ديوي الأمريكي 1859-1952) بستالوزي السويسري، في دور المدرسة المهم بعد الأسرة في عملية التربية التعليمية بقوله: اجعلوا المدرسة، والتربية عموماً ممثلة للحياة الحاضرة أي ليس الماضي لأنه انتهى وليس المستقبل لأنه لم يأتي بعد، اعطوا جيل اليوم مفتاح العلم وهو "البحث والعمل وحل المشكلات" فاجعلوا الأنشطة وخبرات المتعلم محور اهتمامكم بدلاً من الكتب اللفظية... ليكن المعلم مرشداً للتعلم وليس بدائرة معارف متنقلة، احرصوا على أن لا تتوقف التربية بالتخرج بل تستمر مدى الحياة..التزموا بالديمقراطية في كل شأن من شؤونكم وهي في التعلم ستتيح لكل مواطن التقدم حسب استعداده وجهده إن الآراء التي تقدم بها التربويون القدامى يمكن أن نحصرها في المجتمعات التي عاشوها.

Page 5

فالتربية في المجتمعات البدائية مثالاً امتازت بما يلي(4):

أنها تربية مباشرة وغير مقصودة أو مخطط لها... وهذا يعني أن المجتمع البدائي  (الأبوا والأسرة وكان القبيلة أو ساحرها والرفاق..الخ) نفسه كان يقوم بعملية التربية، نظراً لعدم وجود مؤسسات تربوية مسؤولة كالمدرسة مثلاً.
التقليد والمحاكاة، كان هدف التربية في هذه المجتمعات أن يقلد الناشئ عادات مجتمعه وطراز حياته تقليداً عبوديا خاصاً. ومعنى هذا أن التربية كانت في جوهرها تدريباً آلياً على معتقدات الزمرة الاجتماعية وعاداتها وأعمالها.
التدرج والمرحلية: وذلك بأن يتدرب الطفل في سن معينة على شيء معين وأن ينتقل في تعلم أشياء أخرى والتدرب عليها في مراحل مختلفة من حياته فقد ينتقل من مرحلة تعلم اللغة إلى مرحلة جمع الطعام، إلى مرحلة الرعي، فتعلم الطقوس، فالتدرب على أعمال الصيد والفروسية وفنون الحرب، إلا أن يصل مرحلة الشيخوخة.
اللين: إذ لم يرافق التربية البدائية أي قسوة أو وحشية، باستثناء التدريب على الطقوس الدينية، فالنظام كان مفروضا على الصغار ليّن وسهل لا يعرفون فيه البطش والعقاب الجسدي، وذلك لسببين هما: أولاً اعتقاد المجتمع البدائي بأن العقاب الجسدي مرذول ومهين، وأن الإفراد في تقريع الطفل أو ضربه يجعل روحه قلقة في جسده غير مطمئنة إليه، نزاعة إلى الانفصال عنه. ثانياً: اعتقاد المجتمع البدائي بأن الطفل صورة مجددة ومصغرة للجد الذي يحمل اسمه، لذا كان لا بد من احترامه ومعاملته معاملة حسنة.

أما التربية في المجتمعات المعاصرة...فتتمثل في عصر النهضة الأوروبية.. وتمتد من القرن الرابع عشر وحتى نهاية القرن السادس عشر، وقد تميزة التربية في هذا العصر بما يلي(5):

وتميزت التربية في القرن العشرين باهتمام بالغ من قبل المجتمعات والدول فخصصت لها الأموال والإمكانات البشرية والمادية والتكنولوجية، واحتلت مكانة خاصة لم تحتلها في أي عصور من العصور السابقة، وأصبح ينظر  إليها على أنها إحدى وسائل التنمية الشاملة، وإحدى وسائل المجتمع الحديث وتطوره وازدهاره..وقد امتازت التربية يعزه خصائص منها:

 

Page 6

إن ما تميزت به التربية في تلك المجتمعات في تلك الحقب الزمنية...تعطينا تصوراً لمفهوم التربية المعاصرة والحديثة والتي نوصفها بالتالي:

انتقلت التربية من عملية سائبة إلى عملية تحتاج إلى إعداد وترتيب سبق. ففي الماضي كانت التربية عملية سائبة إلى عملية تحتاج إلى إعداد وترتيب سبق. ففي الماضي كانت التربية عملية سائبة يمارسها كل شخص حسب طبيعة البيئة التي يعيش فيها أو الظروف المحيطة بها، وبذلك كانت مهنة عامة، أما اليوم فأصبحت عملية مهنية يحتاج من يقوم بها إلى إعداد وتدريب واسعين قبل الخدمة واثنائها، وأصبحت هناك شروط محدودة وواضحة للفرد الذي يرغب بالانخراط في سلك التربية والتعليم، مما ساعد في دخول الأفراد المتميزين إليها.
انتقلت التربية من عملية تقليدية تعتمد على المعلم في تلقين المعلومات ونقل المهارات للطلبة إلى عملية حديثة تعتمد على:

تشجيع الطالب على البحث عن المعلومات واسترجاعها بنفسه من مصادر المعلومات المطبوعة (كتب، مراجع، دوريات، أدلة) ومصادر المعلومات المحسوبة (قواعد البيانات، بنوك المعلومات، شبكات المعلومات وخاصة الإنترنت، والاسطوانة المدمجة CDS) واستخدام هذه المعلومات لأغراض مساندة الدروس الضعيفة وإعداد البحوث العلمية.
استخدام البرمجيات الحاسوبية التعليمية، فهناك الكثي رمن البرمجيات التي تساعد الطلب على تعلم اللغة أو الرياضيات وغيرها من الموضوعات بكفاءة عالية.
التفاعل الجاد بين الطالب والمعلم، والمعلم والطالب، بعد أن كان خط الاتصال في الماضي من المعلم إلى الطالب فقط، إذ أصبح للطالب دور مهم في العملية التربوية والتعليمية.
انتقل مفهوم التربيةمن كونه مفهوماً عادياً تقليدياً إلى مفهوم النظم التربوية في الوقت الحاضر، وقد ساعد على ظهور هذا المفهوم وتطوره استخدام تكنولوجيا المعلومات وخاصة الحاسوب في التربية والتعليم.

Page 7

أدوات التربيـــة

أولاً: الأســرة

الأسرة: هي المفتاح الأول للتربية الصحيحة، والبيت هو أساس تربية الإنسان، وأنها المؤسسة الأولى في تربية الطفل، ففيها ينشأ ويرتقي ويتعلم ويعيش ودور الأسرة في رعاية أبنائها لهم وفعال، فهي تعمل على صقل شخصية الطفل وبناء مرجعيته الاعتقادية والسلوكية.

ويمكن أن نعرف الأسرة، كما وصفها (برجس دلوك) بأنها مجموعة من الأشخاص يرتبطون معا بروابط الزواج أو الدم أو التبني، ويعيشون تحت سقف واحد ويتفاعلون معا وفقاً لأدوار اجتماعية محددة، ويحافظون على نمط ثقافي عام(7).

والأسرة تعد الوحدة الاجتماعية الأولى في التنظيم الاجتماعي، على اعتبار أن النوع الإنساني من الأنواع التي لا تلبث أفرادها أن يؤلفوا جماعات محددة ومتنوعة بمعنى أن عزيزة (المجتمع، فطرية في النوع الإنساني، وإنها ترجع إلى الميل الفطري، أي إلى الرغبة في حياة الجماعة لدى الإنسان)(8).

وترد الأسرة في معجمات اللغة العربية: الدرع الحصينة، وأقارب الرجل الأدنون، وأهل بيته الذي يتقوى ويحتمي بهم، كما يحتوي المحارب بالدرع. ومن المجاز البليغ كما قال الزمخشري: قولهم: (شد الله أسره) والأسرة في التاريخ القديم، وعند أكثر الأمم، اعتبروها وحدة اجتماعية يرأسها الأب، وكان العرب يعتبرون القبيلة، هي الوحدة السياسية والاجتماعية، وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن عرب الجاهلية لم يعرفوا زواجاً مستمراً ترتبط فيه المرأة برجل معين، وإلى أجل غير مسمى، لأنهم كانوا يجرون نظام النكاح المؤقت.

وقد تطور مفهوم الأسرة وأحكامها... (طريق إنشائها وعلاقات أفرادها) مع تطور كل مجتمع حيث يتغير تصوره للأسرة ومفاهيمها وعقائدها وتقاليدها وعاداتها الموروثة.. خلال زمن تتفاوت مدته طولاً وقصراً. فكلما حدث تغير في مفهوم الأسرة وتصورها في إطار التغير المذهبي أو العقائدي، وكذلك كلما تطورت العادات والتقاليد بتاثير شتى العوامل، تطوراً يتصل بالعلاقات القائمة بين أفراد الأسرة، كنقصان سلطة رب الأسرة أو تراجع التكافل الاجتماعي بين أفراد الأسرة وضموره بتاثير اشتداد الروح الفردية مثلاً، ولذلك كان للأسرة خلال عصور التاريخ وفي مختلف البيئات الاجتماعية المتباينة في أسسها العقائدية وتقاليدها روحها أشكال وأنماط متعددة.

فالأسرة مع أنها تجسيد لغرائز فطرية وعواطف طبيعية، إلا أنها ليست كلها كذلك، فإن تجسيد هذه العواطف والغرائز. هي على الخصوص عواطف  الأبوة والأمومة، وغريزة الجنس والتعاطف مع الأقرباء، يأخذ أشكالاً مختلفة متعددة فعريزة الجنس يمكن أن تتحقق في أسرة تقوم على أساس وحدة الزوجة وتعددها تعدداً محدوداً أو غير محدودة وعاطفة الأبوة يمكن أن تتحقق في نظام يكون للأب سلطة مطلقة على ابنه وفي نفسه وفي ماله وفي نظام تكون سلطته عليه محدودة ويكون للابن شخصيته الحقوقية المستقلة.(9)

Page 8

لقد أولى الإسلام الأسرة من العناية بها ما تستحقه باعتبارها اللبنة الأولى في صرح المجتمع، وأنها الوسيلة الشريفة للتناسل وبقاء الجنس البشري الذي لا يثمره مجتمع الرجال وحدهم، أو مجتمع النساء وحدهن، غلا أن يتزوج الرجل بالمرأة كما تزوج آدم وحواء التي خلقها  الله تعال من ضلع من أضلاع الكائن البشري.

ورد الأسرة في القرآن الكريم...فقد جاء القرآن الكريم شريعة للدين والدنيا فشرع للفرد والمجتمع من النظم والقواعد ما يؤمن الحياة الكريمة المستقرة للإنسانية جمعاء...ولقد لقيت الأسرة اللبنة الأولى في بناء المجتمع –اهتمام القرآن بتنظيم إحكامها مفصلة حيث بين كل فرد فيها حقوقه وواجباته.

ولما كانت المرأة الدعامة القوية في الأسرة، كان لا بد من غعطائها حقوق كاملة في وقت كانت فيه تباع المراة وتشتري.

لقد خضعت المرأة اليونانية لسلطة الرجل طيلة حياتها خضوعاً حرمها من جميع حقوقها سواء أكانت مع أب أو زوج لأنها معدومة الأهلية.

ولدى الرومان كانت سلطة رب الأسرة لأحد لها من بيع ونفي وتعذيب وقتل النساء اللاتي في حوزته حتى جاء (جوستينان) فأعطى المرأة بعض من الحقوق وبقيت محرومة من حق التملك وغيره.

وفي مؤتمر انعقد في فرنسا سنة (586م) بعد مولد الرسول بخمسة عشرة سنة طرح سؤال: هل المرأة إنسان له روح يسري عليه الخلود أم حيوان نجس ليس له روح؟

وبعد المناقشات قرر المؤتمر: إن المرأة إنسان وليست حيواناً وإن أبدى المؤتمر تحفظا هاما فقال: إنها إنسان خلق لخدمة الرجل؟

لقد جاء الإسلام فمنح المرأة الحقوق العامة والخاصة، وأعطاها الحرية في التصرف في أموالها وفي اختيار شريك حياتها، بملء إراداتها دون ضغط أو إكراه، وسوى بينها وبين الرجل ي المسؤولية والأجر والثواب والعمل، وأعلن أن المرأة والرجل من أصل واحد لا تفاوت بينهما

Page 9

1.العمران:

لا شك أن الأسرة التي تترسم في حياتها العائلية هدى السماء، وتتمسك بأسلوب التشريع الإسلامي ستحقق لها جميع مقومات العزة والمنعة، وإذا تعدُ هذا الصنف من البيوت في دولة من الدول، أو مجتمع من المجتمعات، أدى ذلك إلى استمرار حياة الدولة ورقيها، وتبوأت منزلتها الجديرة بها تحت الشمس قوة وسيادة، لأنها ستصرف بكل إمكانياتها نحو الإنتاج والتنمية والعمران في جميع الميادين الزراعية والعسكرية والثقافية وصدق الله حيث يقول +هو الذي انشأكم من الأرض واستعمركم فيها".

2.تهذيب الميول والغرائز:

إن الإسلام يتوجه بالفرد إلى العمل على إشباع الغريزة الجنسية والملحة التي تكاد تهدأ حتى تنطلق من عقالها وتلك هذا الإشباع يتم بواسطة الزواج، وهو الطريق القويم الذي رسمته الشرائع لحفظ الأغراض وصيانتها وتعد الغريزة الجنسية نوعاً من الغرائز الفطرية التي زود الله تعالى بها الإنسان لبناء حياته..عن طريق الزواج.. حيق قال تعالى:  +فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ومن الأنعام أزواجاً يذرؤكم فيه". ولأن هذا قانون الكون كله... ولا بد فيه من التعمير والتكاثر.

3.التدريب على تحمل المسؤولية:

يهدف الإسلام من وراء قيام الأسرة إلى نوع من التدريب على تحمل المسؤولية وذلك لتحقيق سلامة البناء الذي شيده الفرد، وعمل على دعم أركانه، فهو مطالب بالسعي الدائب وراء الرزق وهو مطالب برعاية الأسرة والقيام بحقوقها بما له من حق الهيمنة والقوامة..ولا بد في سبيل ذلك من تحمل الأذى والسعي إلى الإصلاح والإرشاد النفسي والعملي بما ينفع في الدنيا والآخرة.. ومن كتب له الله عز وجل النجاح في تحمل التبعات الجسام والقيام بعبء المسئوليات، سيكون أنجح في القيام بتبعات المجتمع الذي يستظل بطله.

 

4.روح التعاون والإحساس المشترك:

وإنطلاقاً من المبدأ السابق، مبدأ تحمل المسئولية يتولد هدف آخر يعد دعامة من دعائم بقاء الأسرة، وهو روح التعاون والإحساس المشترك الذي يحب أن يلتزم بها كل فرد من بقية  أفراد الأسرة.

فالزوجة ستجد نفسها مسوقة إلى مشاركة الزوج بروح المحبة التي تحمل شطر المسؤولية في سبيل إنجاح كيان الأسرة فتقوم بتدبير المنزل ورعاية الأطفال والقيام على حسن تنشئتهم، لتكتمل لهم التربية القومية التي يريدها الإسلام من تهيئة الجو الصالح والعيش الهادي الأمين.

5.روح العزة وضمان النشأة القوية:

إذا تحقق الأمن السابق والتعاون البناء شاعت في كيان الأسرة روح العزة وضمان النشأة السوية، والتربية القومية التي تضفي عليهم شرف النفس وكرامة الخصال، لأن الأولاد في مثل هذه الأسرة قد شملتهم الوحدة وأظلتهم السعادة، فلم يشبوا ممزقين متشردين لا يعرفون لهم أسرة ولا يشعرون بحنان أب أو أم ولا يكونون سبة في جبين مجتمعهم، ولأنهم وجدوا الصدور الحامية، والأسرة المستقرة التي تضامنت على توفير أسباب الطمأنينة، حتى يبلغوا أشدهم ويكونوا أهلاً لتحمل المسؤولية.

6.سلامة المجتمع صحياً:

من المقاصد التي اتجه إليها الإسلام من وراء تكوين الأسرة سلامة المجتمع صحياً من العلل والأدواء التي تهدده في أفراده، ولا اباحية توهن قواه، وتفتك بأبنائه..نتيجة شيوع الفاحشة والانغماس في الرذيلة واستشراء  الأمراض السرية.. وتهدم أركانها وتجعلها تهوى إلى دركات الانحطاط وتطبع في الحضيض.. فما قمية مجتمع تحطم فيه كيان الأسرة!

 

7.فضيلة الاختصاص والمحافظة على الأنساب

إن نقاء النسل وعدم تدنيسه وفي ذلك الحفاظ على سلامة وطهارة الأسرة وابتعادها عن الدنايا وفي ذلك أذكاء لروح الطمأنينة بين الرجل والمرأة وقطع لدابر الشك والريبة وانعدام البواعث الشحناء والعداوة.

8.تآلف الأسرة:

إذا استقامت هذه المقاصد فلا شك أنها ستكون الطريق لتآلف الأسر ولتعاونها على بناء المجتمع الكبير القائم على احقاق الحق، وبسط قيم الخير واجتثاث الشهوات... وبذلك ترقى الشعوب وتعمل مع بعضها على عمارة الكون وتبادل المنافع والمصالح.

Page 10

خصائص الأسرة:

يمكن أن تميز خصائص الأسرة في:

أولاً: تمتاز الأسرة كمنظمة اجتماعية بأنها تمارس نفوذاّ كبيراً على أفرادها على اعتبار الأسرة هي أول منظمة اجتماعية تتلقى الفرد وتوفر له الرعاية وكل متطلبات التنشئة الاجتماعية، ومنها فإنه في داخل هذه المنظمة يتشرب قواعدها التنظيمية ويخضع لعاداتها وأعرافها وتقاليدها ويتفاعل مع بقية أفرادها تفاعلاً مباشراً.

ثانياً: تمتاز الأسرة كمنظمة اجتماعية من حيث الحجم بأنها أصغر أحجام المنظمات الاجتماعية المعروفة، مما يتيح الفرصة لتفاعل على أكثر بين أفرادها.

ثالثاً: تمتاز الأسرة كمنظمة اجتماعية بأنها حجر الزاوية في البناء الاجتماعي باعتبارها نقطة الارتكاز التي يرتكز عليها بقية منظمات المجتمع الاجتماعية الأخرى، ذلك أن الأسرة كنظام اجتماعي إذا صلحت صلحت بصلاحها بقية النظم الاجتماعية الأخرى، وإذا فسدت بفسادها... وكل النظم الاجتماعية الأخرى في المجتمع.

رابعاً: تمتاز الأسرة كمنظمة اجتماعية بأنها تمارس ضبطا اجتماعيا له أهمية على أفرادها، وهذا الضبط يأتي من جهة التنشئة الاجتماعية التي توفرها الأسرة لأفرادها فكلما كانت تنشة الأطفال على أساس الأمانة والإخلاص والوطنية والصدق والإيثار كانت تلك الصفات صفات أفرادها فيما بعد والعكس صحيح(11).

البيت:

عموماً تشكل الأسرة (البيت) البيئة التربوية الأولى للطفل وهي التي تشكله حسب الروح السائدة بين الأفراد المكونين لهذه الأسرة، وكثيراً ما يؤثر فيه كل ما يحيط به سواء شكل المنزل، وطريقة العيش فيه، ومحتوياته وموقعه، والحي الموجود فيه، ومستوى الأسرة الاقتصادي والاجتماعي، وترتيب الفرد في العائلة سواء كان أصغر الأبناء أو أكبرهم، أو الذكر بين الإناث أو الأنثى الوحيدة بين الذكور، أو الطفل الوحيد في الأسرة.

ويرى "بستالوتزي" أن الأسرة هي مصدر كل تربية صحيحة يتأثر فيها الطفل. أما "هربارت" فيرى أن التربية تبدأ في البيت وكل تربية تعود إلى البيت، وكانت الأسرة في المجتمعات البدائية تقوم بجميع الوظائف التربوية وكان الطفل يتلقى دروسه الأولى في أسلوب الحياة من والديه أو من كبار العائلة عن طريق المشاهدة والمحاكاة والتقليد، وهكذا كانت عملية المشاهدة والمحاكاة والتقليد هي العملية التربوية الأولى التي يقوم بها البيت البدائي وشيئاً فشيئاً تطورت الأساليب وتغير بذلك المجتمع وازدادت متطلبات الحياة اليومية.

وقد ازدادت أهمية التربية الأسرية في القرن السابع عشر والثامن عشر ونادي رجال الفكر التربوي بأن يصبح البيت المركز الرئيس لتربية الأطفال وأن تصبح المدرسة والكنيسة والحكومة في خدمة التربية البيتية واهتمت التربية الحديثة في القرن العشرين بالتربية البيتية وصارت تلعب دوراً هاماً في تنشئة الجيل الجديد، ففي البيت يقف الأطفال سنواتهم الأولى وهي سنوات التكوين والتأسيس ويتلقون من البيت دروسهم التربوية المبكرة، ويتعلمون ما هو الخطأ وما هو الصواب، وكيف يتعاملون مع الآخرين، وكيف يسلكون في الحياة..وتتكون أولى بذور شخصياتهم وتتأثر حياتهم وسلوكهم نتيجة لتربيتهم المنزلية. على أن تنمية شخصية الأطفال في الأسرة وتحقيق ذاتيتهم تكون بمراعاة سد حاجاتهم الضرورية في مراحل نموهم الأولى ومن تلك الحاجات:

الحاجة إلى الطمأنينة، وبأنه آمن من الأخطار التي قد يتعرض لها.
الحاجة إلى المغامرة واكتساب الخبرات والاعتماد على النفس.
الحاجة إلى تقدير الآخرين، أي أنه يجب أن يشجعه الآخرون عندما يجيد ما يدعوه إلى متابعة إبداعه في أعماله.
الحاجة إلى الحب المتبادل أي أن يجب ويجب.