eKtab
EN ع
تقرير إلى غريكو
Read free sample

تقرير إلى غريكو

by نيكوس كازانتزاكيس

Page 1

كتابة "تقرير إلى غريكو"

كان نيكوس كازانتزاكيس يطلب من ربه أن يمد في عمره عشر سنوات أخرى يكمل بها عمله - يقول فيها ما كان عليه أن يقول و"يفرغ نفسه". وكان يريد أن يأتيه الموت فلا يأخذ منه إلا كيساً من العظام. عشر سنوات تكفي.أو هذا ما كان يظنه.

إلا أن كازانتزاكيس لم يكن من النوع الذي يمكن أن "يفرغ". من دون إحساس بالشيخوخة أو التعب، في الرابعة والسبعين من عمره، كان يعد نفسه متجدد الشباب حتى بعد مغامرته الأخيرة، والحقنة المفجعة.

وتبادر إلى ذهنه المتخصصان العظيمان في "فريبرج": اختصاصي الدم هيلمير والجراح كراوس.

طوال الشهر الأخير كان البروفسور هيلمير يهتف بعد كل زيارة: "أقول لكم إن هذا الرجل معافى. ودمه أصبح سليماً مثل دمي".

وكنت أعنف نيكوس دائماً: "لم تركض هكذا؟"، خشية أن ينزلق على الأرضية الحجرية ويكسر عظماً من عظامه. وكان يجيب: "لا تقلقي يا لينوتسكا. إن لدي أجنحة". وكان في وسع المرء أن يحس بالثقة التي لديه في تكوينه وفي روحه، تلك الثقة التي كانت ترفض أن تمرغ.

كان، أحياناً، يتنهد: "آه. لو أنني، أستطيع أن أملي عليك فقط". ثم يحاول أن يكتب وهو يمسك بالقلم بيده اليسرى".

- لم العجلة؟ من يطاردك؟ لقد فات الأسوأ. وخلال أيام قليلة ستكون قادراً على الكتابة بما يرضي قلبك.

وكان يلفت رأسه ويحدق إلي طويلاً من دون أن يتكلم. وبعد ذلك يتنهد ويقول: "لدي الكثير جداً مما يجب أن أقول. تعذبني مرة أخرى ثلاثة موضوعات، ثلاث روايات جديدة. ولكن علي أن أنهي غريكو أولاً".

Page 2

- سننهيه. لا تقلق.

- إنني أخطط لتغييره. أتناولينني ورقة وقلماً؟ دعينا نر إن كنت أستطيع التدبر.

إلا أن عملنا المشترك لم يكن يستغرق أكثر من خمس دقائق.

"مستحيل! لا أعرف كيف أملي، لا أستطيع أن أفكر إلا والقلم في يدي". الأسلاف، الأبوان،سنوات الطفولة. أثينا، كريت، الرحلات.. سيكيانوس، فيينا، برلين، بريفيلاكيس، موسكو..

أتذكر الآن لحظة دقيقة أخرى من حياتنا، في مستشفى أخرى. وهذه المرة في باريس. كان نيكوس مريضا ودرجة حرارته 104، والأطباء مضطربون. لقد فقد الجميع أملهم. نيكوس، وحده، ظل متماسكاً.

"أتعطينني قلماً يا لينوتسكا؟"

وبصوت متهدج، وهو غائب في رؤياه، أملى علي، الكلمات التي ينطق بها القديس الفرنسيسكاني: "قلت لشجرة اللوز: حدثيني عن الله يا أخت، فأزهرت شجرة اللوز".

وقبل أن نرحل إلى الصين ترك "تقرير إلى غريكو" بين يدي رسام شاب هو "قابِلَتُه" - كما كان يسميه - لأنه كان يأتي من الفجر، ويصعد إلى مكتبة نيكوس مشوشاً بمشكلات عظيمة- عن الله والناس والفن - ويبدأ أسئلته اللامتناهية عن "متى"، و"فيما إذا"، و"كيف"، بينما نيكوس "مستسلم"، وهو يضحك معجباً بحرارة الشاب وحبه الجارف لفنه. كان يلقي بأفكاره ويريح نفسه.قال له نيكوس: "قد يحترق البيت. ولذا سأترك المخطوطة معك. فلو أنها احترقت وهي في هذه المرحلة فإنني لن أستطيع إعادة كتابتها أبداً. إن خجلي كبير لأنني لم أنهها".

ولكن كيف كان من الممكن أن ينهيها؟ وما الذي تركه غير منجز في تلك الأشهر القليلة السابقة للرحلة؟

لقد بدأ "التقرير" في خريف 1956 إبان عودتنا من فيينا. وحين كان يحتاج لتغيير الجو، كان يتناول"الأوديسة" لهوميروس، التي كان يعمل بها بالتعاون مع البروفسور كاكريديس.

"علينا أن ننهيها في الوقت المناسب، بحيث لا أنزل إلى هيدس(1) برجل عرجاء". هذه العبارة التي اعتاد ترديدها بشيء من السخرية، وشيء من الخوف. وخلال تلك الأشهر ذاتها واظبت مقاطع من ترجمته الإنجليزية للأوديسة على الوصول في فترات متعددة، مصحوبة بصفحات كاملة من الكلمات العصية على الترجمة. كم من الوقت، وكم من الجهد استهلكت الأوديسة من جديد. هذا بغض النظر عن الطبعات المتعددة لأعماله الأخرى اليونانية. كانت هناك نصوص يجب أن تصحح أو يضاف لها، و"روسيا"، المخطوط الذي ضاع، وبيير سيبريو في الإذاعة الفرنسية الذي أنهكه بأحاديثه، والفيلم، ورحلة إلى الهند بدعوة من نهرو. تهيأنا لها ولكننا لم نقم بها، لأننا خفنا من اللقاحات التي تتطلبها.

لا. إنه لم يبتغ إنهاء "التقرير إلى غريكو" في الوقت المحدد. إذ لم يكن قادراً على كتابة مسودة ثانية، كما كانت عادته. كان يبتغي أن يعيد كتابة الفصل الأول بكامله وأحد المقاطع الختامية "حين أثمرت بذرة الاوديسة في داخلي"، الذي أرسله قبل وفاته لكي ينشر في دورية "نياأستيا Neaestia". بالإضافة إلى ذلك كان يبتغي إنهاء قراءة مخطوطته وإجراء تنقيحات أو إضافات بالقلم هنا وهناك•

Page 3

أستعيد وأنا وحدي الآن فجر الخريف الذي كان يهبط بغاية الهدوء واللطف كطفل صغير مع الفصل الأول.

"اقرئي يا لينوتسكا.اقرئي ودعيني أسمع".

"أجمع أدواتي: النظر والشم واللمس والذوق والسمع والعقل.خيم الظلام وانتهى عمل النهار.أعود كخلد إلى بيتي، الأرض، ليس لأني تعبت وعجزت عن العمل.أنا لم أتعب. لكن الشمس قد غربت..".

لم أستطع المتابعة. برز نتوء في حلقي. كانت هذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها نيكوس عن الموت.

لم تكتب وكأنك تستعد للموت؟

هكذا صرخت بيأس حقيقي، وقلت لنفسي: "لم قَبِلَ الموت اليوم؟".

- لا تقلقي يا زوجتي فأنا لن أموت. أجاب دون أي تردد: "ألم اقل إنني سأعيش عشر سنين أخرى؟". أصبح صوته الآن أكثر خفوتاً. ثم مد يده ليلمس ركبتي: "هيا بنا الآن.اقرئي. دعينا نر ماذا كتبت".

لقد أنكر الأمر أمامي. ولكن ربما كان يعرف به في أعماقه. ففي تلك الليلة ذاتها وضع الفصل في مغلف وأرسله إلى صديقه بانتديليس بريفيلاكيس: "هيلين لم تستطع أن تقرأه. فقد أخذت تبكي. إلا أن من الخير لها - ولي أيضا - أن تتعود.."

ويبدو أن شيطانه الداخلي قد حثه على ترك (فاوست: الجزء الثالث) الذي كان يرغب في كتابته، وأن يطلق بدلاً منه سيرته الذاتية.

"التقرير" مزيج من الواقع والخيال. كمية كبيرة من الحقيقة والحد الأدنى من التخيل.لقد تم تغيير عدة تواريخ فيه. ولكن حين يتحدث عن الآخرين فإنها الحقيقة دون تغيير: ما رآه تماماً وما سمعه؛ وحين يتحدث عن مغامراته الشخصية فإن هناك بعض التعديلات. إ لا أن هناك شيئاً واحداً مؤكداً وهو أنه لو استطاع إعادة كتابة هذا "التقرير" لغيرَّه. أما كيف؟ فهذا ما لا نعرفه. كان سيُغنيه. ذلك أنه كان يتذكر أحداثاً جديدة قد نسيها. كما أنه، أيضا، كان سيسكبه، كما أعتقد، في قالب الحقيقة. فقد كانت حياته الفعلية مليئة بالمادة: الألم والفرح والعذاب.. وبكلمة واحدة كانت حياته مليئة بالعزة. لم كان سيغير حياته؟ ليس بسبب اللحظات الصعبة من الضعف والانطلاق والألم. بل على العكس من ذلك أن هذه اللحظات الصعبة ذاتها هي التي كانت تتحول لدى كازنتزاكيس إلى درجات جديدة تساعده على الصعود أعلى فأعلى - الصعود حتى الوصول إلى القمة، التي وعد نفسه بالتسلق إليها قبل هجر أدوات العمل بسبب هبوط الليل. لقد توسل إلى مكافح آخر قائلاً: "لا تحكموا علي بأعمالي ولا تحكموا علي من وجهة نظر الإنسان. بل احكموا علي من وجهة نظر الله - ومن الهدف المختصر وراء أعمالي".

هكذا كان يجب أن نحكم على كازانتزاكيس. ليس بما فعله، وبما إذا كان ما فعله ذا قيمة سامية أم لا. بل علينا أن نحكم عليه بما أراد أن يقوم به، وبما إذا كان لما أراد أن يقوم به قيمة سامية له ولنا أيضاً.

بالنسبة لي أعتقد أنه كانت له هذه القيمة. وفي السنوات الثلاث والثلاثين التي قضيتها إلى جانبه لا أذكر أنني خجلت من تصرف واحد قام به. كان نقياً ودون مكر، وبريئاً وعذباً، بلا حدود، مع الآخرين، وقاسياً مع نفسه فقط. وحين ينسحب إلى عزلته، فإنه كان يفعل ذلك لإحساسه أن الأعمال المطلوبة منه قاسية وأن ساعاته محدودة.

لقد اعتاد أن يقول لي، وعيناه الفاحمتان المدورتان المدورتان غارقتان في الظلمة ومليئتان بالدموع: "أحس كأنني سأفعل ما يتحدث عنه برغسون - الذهاب إلى ناصية الشارع ومد يدي للتسول من العابرين: زكاة يا إخوان، ربع ساعة من كل منكم. آه على بعض الوقت. ما يكفي فقط لإنهاء عملي، وبعدها فليأت كيرون(2)".

وجاء كيرون - عليه اللعنة! - وحصد نيكوس في زهرة شبابه. نعم أيها القارئ العزيز. لا تضحك.فقد كان ذلك هو الوقت المناسب للازدهار والإثمار بالنسبة لكل ما بدأه ذلك الرجل الذي أحببته والذي أحبك، صديقك نيكوس كازانتزاكيس.

جنيف، 15 حزيران 1961

هيلين.ن.كازانتزاكيس•

Page 4

تقديم

"تقريري إلى غريكو" ليس سيرة ذاتية. فحياتي الشخصية لها بعض القيمة، وبشكل نسبي تماماً، بالنسبة لي وليس بالنسبة لأي شخص آخر. والقيمة الوحيدة التي أعرفها فيها كانت في الجهود من أجل الصعود من درجة إلى أخرى للوصول إلى أعلى نقطة يمكن أن توصلها إليها قوتها وعنادها؛ القمة التي سميتها تسمية اعتباطية بـ " الإطلالة الكريتية".

ولذلك فإنك، أيها القارئ، ستجد في هذه الصفحات الأثر الأحمر الذي خلفته قطرات من دمي، الأثر الذي يشير إلى رحلتي بين الناس والعواطف والأفكار. كل إنسان، يستحق أن يدعى بابن الإنسان، عليه أن يحمل صليبه ويصعد جلجلته. كثيرون، والحقيقة معظمهم، يصلون إلى الدرجة الأولى أو الثانية. ثم ينهارون لاهثين في منتصف الرحلة، ولا يصلون إلى ذروة الجلجلة؛ بمعنى آخر ذروة واجبهم. أن يُصلبوا، وأن يبعثوا، وأن يخلصوا أرواحهم. تضعف قلوبهم لخوفهم من الصلب، وهم لا يدرون أن الصليب هو الطريق الوحيد للبعث، ولا طريق غيره.

كانت هناك أربع درجات حاسمة في صعودي. وتحمل كل منها اسما مقدساً: المسيح، بوذا، لينين، أوليس. ورحلتي الدامية بين كل من هذه الأرواح العظيمة والأرواح الأخرى هي ما سوف أحاول جاهداً أن أبين معالمه في هذه "اليوميات"، بعد أن أوشكت الشمس على المغيب - إنها رحلة إنسان يحمل قلبه في فمه وهو يصعد جبل مصيره الوعر والقاسي. فروحي كلها صرخة. وأعمالي كلها تعقيب على هذه الصرخة.

Page 5

طوال حياتي كانت هناك كلمة تعذبني وتجددني، وهي كلمة "الصعود". وسأقدم هذا الصعود. وأنا أمزج هنا الواقع بالخيال، مع آثار الخطى الحمراء التي خلفتها ورائي وأنا أصعد. وإنني حريص على الانتهاء بسرعة قبل أن أعتمر "خوذتي السوداء"، وأعود إلى التراب. لأن هذا الأثر الدامي هو العلامة الوحيدة التي ستتبقى من عبوري إلى الأرض.

فكل ما كتبته أو فعلته كان مكتوباً أو محققاً على الماء، وقد تلاشى.

إنني أوقظ ذاكرتي لأتذكر. أحشد حياتي من الهواء. وأضع نفسي كجندي أمام جنراله. لكي أكتب " تقرير إلى غريكو". ذلك أن غريكو معجون من التربة الكريتية ذاتها التي عجنت، أنا، منها(3). وهو قادر على فهمي أكثر من مكافحي الماضي والحاضر كلهم. ألم يخلف الآثار الحمراء نفسها على الصخور؟

ثلاثة أنواع من الأرواح، ثلاث صلوات:

1 - أنا قوس بين يديك يا إلهي فشدني لئلا أتفسخ•

2 - لا تشدني كثيراً يا إلهي لئلا أتحطم•

3 - شدني كثيراً يا إلهي فمن سيهتم لتحطمي!؟

Page 6

تمهيد

أجمع أدواتي: النظر والشم واللمس والذوق والسمع والعقل. خيم الظلام وقد انتهى عمل النهار. أعود، كالخلد، إلى بيتي، الأرض. ليس لأنني تعبت وعجزت عن العمل، فأنا لم أتعب، لكن الشمس قد غربت.

لقد غربت الشمس. وأصبحت التلال معتمة. وما تزال حواف جبال عقلي تحتفظ بالقليل من الضوء على قممها. لكن الليل المقدس يهبط.

إنه ينهض من الأرض وينزل من السماء. وقد أقسم الضوء أن لا يستسلم. غير أنه يدرك أن لا خلاص.لن يستسلم. لكنه سيخمد. ألقي نظرة أخيرة حولي. لمن سأقول وداعاً؟ ولأي الأشياء؟ للجبال؟ للبحر؟ للعريشة المحملة بالعناقيد على شرفتي؟ للفضيلة أم للخطيئة؟ أم للماء العذب؟.. عبثاً، عبثاً. فكلها ستنزل معي إلى القبر.

لمن أبث أفراحي وأحزاني - أشواق الشباب السرية والوهمية؟ الصدام العنيف مع الله والناس؟ وأخيراً الكبرياء الوحشية في الشيخوخة، التي تحترق وترفض، حتى الموت، أن تتحول إلى رماد؟ ولمن أحكي عن المرات العديدة التي فيها انزلقت وسقطت وأنا أتسلق أربعات(4) في صعودي الوعر الشاق إلى الله، المرات التي نهضت فيها مضرجا بالدم لأعود مرة أخرى إلى الصعود؟ أين أستطيع أن أجد روحاً عنيدة بآلاف الجراح مثل روحي، لكي تستمع لاعترافي؟ بهدوء وإشفاق أعتصر كمشة من التراب الكريتي في راحتي.كنت أحتفظ بهذه التربة معي دائماً، خلال تجوالي. فأنا أضغطها في كفي في لحظات الألم الكبير فأستمد منها القوة، القوة العظيمة، كأنني أستمدها من الضغط على يد صديق حبيب وغال. أما الآن وقد غربت الشمس وأنجز العمل، فما الذي أستطيع أن أفعله بالقوة؟

لم أعد بحاجة إليها. إنني أمسك بهذه التربة الكريتية وأعتصرها بفرح جليل وبرقة وامتنان وكأنني أعتصر في كفي نهد امرأة أحببتها لأودعها.

هذه التربة هي التي ما كنته دائما وأبداً. وهذه التربة هي ما سأكونه دائماً وأبداً.آه يا طين كريت القاسي!! لقد انزلقتْ كومضة فريدة تلك اللحظة التي اعتصرت بها وتشكلت في هيئة إنسان مكافح.

أي كفاح كان في هذه القبضة من الطين؟ وأي ألم؟ وأية مطاردة لهذا الوحش آكل البشر غير المرئي؟ وأية قوى قدسية وشيطانية معاً؟ لقد جبلت بالدم والعرق والدموع، أصبحت وحلاً، أصبحت إنساناً وابتدأت صعودها. لتصل إلى ماذا؟ لقد تسلقت لاهثة نحو عظمة الله القاتمة ومدت ذراعيها وتلمست. تلمست بجهد جهيد علها تجد وجهه.

وحينما يدرك الإنسان هذا في سنواته الأخيرة، وييأس، لأن هذه العظمة القاتمة ليس لها وجه، أي كفاح جديد بكل صفاقة ورعب، يعاني ليشق طريقه إلى تلك القمة الشائكة ويعطيها وجهاً! وجهه هو!

ولكن الآن وقد أنجز عمل النهار فإنني أجمع أدواتي. فلتأت كمشات أخرى من التراب ولتتابع الكفاح. فنحن، الفانين، جماعة عمل الخالدين، دمنا مرجان أحمر. ونحن نبني جزيرة فوق الهاوية.

لقد تحقق الله. وأنا أيضا قد أسهمت بحصاتي الحمراء الصغيرة، قطرة الدم، لكي أجعله صلباً، ولكي لا يتلاشى- لعله يمنحني الصلابة فلا أتلاشى.لقد أديت واجبي.

Page 7

وداعاً!

أمد يدي وأمسك مزلاج الأرض لأفتح الباب وأمضي. غير أنني أتردد لحظة صغيرة على العتبة النيرة: عيناي وأذناي وأحشائي تجد أنه من الصعب، وأنه لمن أقسى الأشياء، أن تسلخ نفسها عن حجارة العالم وعشبه. يستطيع المرء أن يقول لنفسه إنه مكتف وإنه ينعم بالهدوء والسلام. ويستطيع القول إنه لم يعد يحتاج لشيء، وإنه قد أدى واجبه وإنه مستعد للرحيل. لكن القلب يقاوم. يتمسك بالعشب والحجارة ويتوسل: "ابق قليلاً!".

وأجاهد لتعزية قلبي وجعله ينسجم مع إعلان الموافقة بحرية. يجب أن نغادر الأرض ليس كعبيد ممزقين ومجلودين، بل كملوك ينهضون عن المائدة وهم ليسوا في حاجة لشيء، بعد أن أكلوا وشربوا حتى الامتلاء.ولكن القلب ما يزال يخفق داخل الصدر ويقاوم صارخا: "ابق قليلاً!".

أبقى. وألقي نظرة على الضوء. "هو الآخر يقاوم ويصارع كقلب الإنسان. الغيوم قد غطت السماء. ورذاذ دافئ يتساقط على شفتي. ورائحة الأرض تعبق. ويصدر عن التراب صوت حلو مُغوٍ: "تعال.. تعال.. تعال..".

الرذاذ يغزر. ويتنهد طائر الليل الأول، ويتساقط ألمه مع الهواء المبلل، بحلاوة رائعة عن الخضرة الملفعة بالليل.سلام وحلاوة هائلة.لا أحد في البيت. وفي الخارج كانت المروج الظمأى تتشرب أول زخات الخريف بامتنان وسعادة صامتة، لقد رفعت الأرض نفسها كالرضيع نحو السماء لترضع.

أغمض عيني وأنام ممسكاً بكمشة التراب الكريتي، كالعادة، في كفي. لقد نمت وحلمت حلماً. كان يبدو وكأن النهار قد بزغ. وكان نجم الصباح يتأرجح فوقي. وأنا، الواثق من أنه كان على وشك السقوط على رأسي، ارتجفت وركضت. ركضت وحيداً عبر الجبال الموحشة المجدبة. ومن أقصى الشرق ظهرت الشمس. لم تكن الشمس بل كانت صحناً برونزياً مقمراً مليئاً بالفحم المشتعل. بدأ الهواء يضطرب. وبين الحين والحين كان حجل يندفع من الريف الصخري يضرب بجناحيه ويقوقي ساخراً مني بقهقهة. وطار غراب، من انحدار في الجبل، في اللحظة التي رآني فيها. لاشك أنه كان ينتظر ظهوري. طار ورائي يتابعني وهو يتفجر بالضحك. انحنيت غاضباً والتقطت حجراً لأرميه به. لكن الغراب حول جسده وصار رجلاً عجوزاً صغير الجسم ينظر إلي باسماً.

ملجوماً بالرعب بدأت أركض من جديد. كانت الجبال تتزوبع، وأنا أتزوبع معها في دوائر تضيق باستمرار. غلبني الدوار. كانت الجبال تتواثب حولي. وبغتة أحسست أنها ليست جبالاً، بل بقايا مستحاثات لدماغ حيوان مما قبل الطوفان. وفوقي، على يميني، كان هناك صليب مطوق بالصخور الهائلة، وثعبان برونزي هائل مصلوب عليه. وعبرت ذهني ومضة نيّرة أضاءت الجبال من حولي فرأيت. لقد دخلت الوادي المتعرج الرهيب الذي عبره العبرانيون بقيادة يهوه منذ آلاف السنين عند هربهم من أرض فرعون السعيدة. هذا الوادي قد أسس الحدادة النارية التي تطرق بها بنو إسرائيل عبر الجوع والعطش والكفر.

تملكني الخوف. خوف ممزوج بفرح عظيم. انحنيت على صخرة لكي أهدئ جيشان أفكاري. وأغمضت عيني. وبغتة تلاشى كل شيء من حولي. وامتد أمامي خط ساحلي يوناني: بحر نيلي الزرقة معتم وصخور حمراء. بين الصخور ممر منخفض يؤدي إلى كهف مظلم. وامتدت يد من الهواء أوقدت مشعلاً في يدي. فهمت الأمر.

Page 8

انحنيت وانزلقت في الكهف. تجولت وتجولت في مياه سوداء متجمدة. نوازل زرقاء مدلاة فوق رأسي وصواعد صخرية هائلة تبرز من الأرض متلاحقة ومتضاحكة تحت ضوء المشعل. هذا الكهف كان مجرى نهر كبير غير مجراه عبر العصور فهجره وتركه فارغاً.

هسهس الثعبان البرونزي غاضباً. فتحت عيني، فرأيت الجبال والوادي والمنحدرات الصخرية من جديد.توقف الدوار. ثبت كل شيء، وامتلأ بالضوء. فهمت: بالطريقة ذاتها استطاع يهوه أن يشق طريقه بين الصخور الهائلة المحيطة بي. لقد دخلت المجرى الرهيب وكنت أتبع - أخطو - على آثاره.

صرخت في حلمي: "هذا هو الطريق. هذا طريق الإنسان. وهو الطريق الوحيد!". وما أن خرجت هذه الكلمات الجريئة من فمي حتى لفتني زوبعة ورفعتني أجنحة. وبغتة وجدت نفسي على قمة سيناء. كانت رائحة الكبريت تملأ الهواء. وكانت شفتاي تؤلمانني، وكأن شرارات لا حصر لها تخترقهما. فتحت جفني. لم يسبق لعيني ولم يسبق لأحشائي أن استمتعت بمنظر لا إنساني بهذه الحدة، ومتوافق مع قلبي بهذا المقدار. بلا ماء، ولا أشجار، ولا كائن بشري، ولا أمل. هنا تستطيع نفس الإنسان الفخور أو اليائس أن تجد السعادة المطلقة.

نظرت إلى الصخرة التي أقف عليها. كان هناك تجويفان عميقان محفوران في الغرانيت. لا بد أنهما آثار قدمي النبي ذي البوق الذي كان ينتظر ظهور الأسد الجائع. ألم يأمر (أي الله) النبي أن ينتظر على قمة جبل سيناء؟ لقد انتظر.

وانتظرت أنا أيضاً. انحنيت فوق حافة الجرف، وأصغيت بانتباه. وبغتة سمعت الرعد الهادر لخطوات بعيدة. بعيدة جداً. شخص ما كان يقترب. واهتزت الجبال وابتدأ منخراي يرتعشان. صار للهواء من حولي رائحة كرائحة الفحل الذي يقود القطيع. "إنه قادم، إنه قادم". تمتمت بهذه الكلمات وأنا أستعد. كنت أهيئ نفسي للقتال. أه، كم تقت للّحظة التي سأجابه بها هذا الوحش الضاري القادم من الغابة الكبرى. أجابهه وجهاً لوجه دون أن يتدخل العالم المرئي الصفيق ويضللني! متى سأجابه ذلك (الأب) اللامرئي النهم الطيب القلب الذي يلتهم أبناءه، والذي تقطر شفتاه ولحيته وأظافره دماً؟

سأتحدث إليه بجرأة، سأحكي له عن معاناة الإنسان ومعاناة الطير والشجر والصخر. كنا جميعا مصممين، برغبة، على الموت. وأمسكت بيدي استرحاماً وقّعت عليه الأشجار والطيور والوحوش والبشر: "يا أبانا، لا نريدك أن تأكلنا!". سأعطيه هذا الاسترحام ولن أخاف.

تحدثت وتوسلت بهذه الطريقة وأنا أستعد وأرتعد•

وفيما أنا منتظر كان يبدو أن الحجارة تتحرك. وسمعت أنفاساً عظيمة.

همست: "انظروا إليه! لقد أتى".

التفت مرتعشاً لكنه لم يكن يهوه. لم يكن يهوه. بل كنتَ أنت أيها الجد القادم من تربة كريت الحبيبة. كنت تقف أمامي نبيلاً صارماً بلحيتك الصغيرةالبيضاء كالثلج، وبشفتيك الجافتين المضمومتين ونظرتك المنتشية المليئة باللهب والأجنحة وجذور الزعتر متشابكة مع شعرك.

نظرت إلي. وحين نظرت إلي أحسست أن هذا العالم كان غيمة ملفعة بالريح والصواعق. وأن روح الإنسان غيمة ملفعة بالريح والصواعق و أن الخلاص غير موجود. رفعت عيني لأنظر إليك. وكنت على وشك أن أسألك يا جدي،إن كان صحيحاً أن الخلاص غير موجود؟ لكن لساني التصق بحلقي. كنت على وشك الاقتراب منك. ولكن ركبتي ارتختا تحتي.

عندها مددت يدك وكأنني أغرق؛ وكأنك تريد أن تنقذني.

تمسكت بها ملهوفاً. كان مزينة برسوم متعددة الألوان. يبدو أنك ما تزال ترسم. كانت الكف تحترق. اكتسبت قوة وزخماً من لمستي لها وصرت قادراً على الكلام.

- مرني أيها الجد الحبيب.

وأنت تبتسم وضعت كفك على رأسي.لم تكن كفاً بل ناراً ملونة، واخترق اللهيب دماغي حتى الجذور.

Page 9

- توصل إلى ما تستطيعه يا بني.

كان صوتك حزيناً وقاتماً وكأنه خارج من حنجرة الأرض العميقة.

وصل الصوت إلى أعماق عقلي لكن قلبي لم يهتز. وصرخت بصوت أعلى:

- أعطني أمراً أكثر صعوبة، أكثر كريتية.

ولم أكد أنهي كلامي حتى فلع الهواء لهب مهسهس. وتلاشى السلف العصي ذو الجذور الزعترية المتشابكة عن ناظري. وتبقَّت صرخة على قمة جبل سيناء. صرخة علْوية مترعة بالأمر. وارتعش الهواء: " توصل إلى ما لا تستطيع ".

***

استيقظت مرعوباً، كان النهار قد طلع.نهضت واتجهت إلى الأبواب الفرنسية وخرجت إلى الشرفة ذات العريشة المثقلة بالعناقيد. كان المطر قد توقف الآن. وكانت الحجارة تتلامع وتتضاحك والأوراق على الأشجار مثقلة بالدموع."توصل إلى ما لا تستطيعه".

كان صوتك. ولم يكن في وسع أحد في العالم غيرك أن ينطق بهذا الأمر الرجولي. ألست القائد اليائس، الذي لا يستسلم، لعرقي المكافح؟ ألسنا الجرحى والمتضورين والحمقى والعنيدين الذين خلفنا الضيق والثقة وراءنا من أجل أن نهاجم الحدود، تحت إمرتك، لسحقهم؟

الله هو الوجه الأكثر ألقاً لليأس، والوجه الأكثر ألقاً للأمل. وأنت يا جدي تدفعني إلى ما وراء الأمل واليأس وإلى ما وراء حدود الشيخوخة.

فإلى أين؟ إنني أحدق فيما حولي وأحدق في داخلي.لقد جنت الفضيلة•وكذلك جنت الهندسة والمادة. ويجب أن يعود العقل المانح للقوانين من جديد لتأسيس نظام جديد ووضع قوانين جديدة. يجب أن يتحول العالم إلى هارموني أغنى.

هذا ما تريده. وهذا هو ما تدفعني إليه، وما كنت تدفعني إليه دائماً. وكنت أسمع أمرك ليلاً ونهاراً.لقد كافحت بأقصى ما أستطيع للوصول إلى ما لم أستطعه. وجعلت هذا واجبي. وصار الأمر متوقفاً عليك لكي تخبرني ما إذا كنت قد نجحت أو فشلت. وها أنا اقف منتصباً أمامك وأنتظر!

***

يا سيدي الجنرال. إن المعركة تقترب من نهايتها. وها أنا ذا أعد تقريري. وفيه أين كافحت وكيف. لقد سقطت جريحاً، ووقعت في الحب، ولم أهرب. ورغم أن أسناني كانت تصطك من الخوف، فإنني عصبت جبيني بمنديل أحمر واندفعت مهاجماً.

وقبل أن أنتزع الريش الثمين من روحي الغرابية، ريشة بعد أخرى إلى أن تبقي كتلة صغيرة من الطين مضمخة بالدم والعرق والدموع، سأحكي لك كفاحي - لأخفف عن نفسي. سألقي بالفضيلة والخجل والحقيقة - لأخفف عن نفسي. إن روحي تشبه خلقك "توليدو – طليطلة - في العاصفة" الملفعة بالصواعق الصفراء والغيوم السوداء الكثيفة والمكافحة بيأس في معركة لا تراجع فيها ضد كل من الضوء والظلمة. سترى روحي، وستزنها بين حاجبيك الرمحيين وستحكم. أتذكر القول الكريتي الحزين: "عد إلى حيث فشلت، وغادر من حيث نجحت". فإن فشلت سأعاود الهجوم حتى لو لم تبق إلا ساعة واحدة من العمر. وإن كنت قد نجحت فسأفتح الأرض لكي آتي وأضطجع إلى جانبك. فأصغ، إذن، لتقريري، يا سيدي الجنرال.

أصغ إلى حياتي، فإن كنت قد كافحت معك، وإن كنت قد سقطت جريحاً، ولم أسمح لأحد أن يعرف بآلامي ومعاناتي وإن كنت لم أدر ظهري للعدو: فامنحني بركتك!

Page 10

1] الأسلاف

أتطلع إلى نفسي وأرتعد. فمن جهة والدي كان أسلافي على الماء قراصنة متعطشين للدماء، أو عصابات على اليابسة، لا يخافون الله ولا الإنسان. ومن جهة أمي كانوا فلاحين طيبين وقذرين يبحنون بثقة على الأرض طوال النهار: يبذرون وينتظرون واثقين المطر والشمس، ويحصدون. وفي المساء يجلسون على المقاعد الصخرية أمام بيوتهم يعقدون أذرعهم ويضعون أملهم في الله.

النار والتراب. كيف أوفق بين هذين السلفين المتناقضين في داخلي؟ أحسست أن هذا واجبي: أن أصالح بين المتعاديين، أن أسحب الظلمة السلفية من جنبي وأحولها، بأقصى ما يمكنني، إلى ضوء.

أليس أسلوب الله هكذا؟ أوليس واجبنا أن نطبق هذا الأسلوب مقتفين آثاره؟ حياتنا ومضة سريعة لكنها كافية.

الكون كله يتبع هذا الأسلوب وهو لا يدري. وكل كائن حي مشغل يقوم فيه الإله سراً، بعمله وتحويله للطين. لهذا تزهر الأشجار وتثمر. ولهذا تتكاثر الحيوانات. ولهذا تجاوز القرد قدره ووقف منتصباً على قدميه. والآن، وللمرة الأولى منذ أن خلق العالم، تمكن الإنسان من دخول المشغل الإلهي والعمل إلى جانبه (إلى جانب الله). وكلما استطاع أن يحول اللحم إلى حب وبسالة وحرية أصبح بحق ابناً لله. إنه واجب عات لا يشبع. ولقد كافحت عبر حياتي وما أزال أكافح. إلا أن ذرة من الظلمة تظل موجودة في قلبي. وباستمرار يتجدد الصراع. إن الأسلاف العجائز الأبويين مغروسون في أعماقي. ويظلون في تموجهم. ومن الصعب علي أن أتميز وجوههم في الظلمة الحالكة. وكلما توغلت أكثر في بحثي عن أول سلف رهيب في أعماقي وأنا أتغلغل في ركام روحي - الفرد، القومية، والأجناس البشرية، قهرني رعب مقدس. في البدء تبدو الوجوه كوجه أخ أو وجه أب، ثم، ما أن أتعمق نحو الجذور حتى يبرز بين جنبي سَلَفٌ كثيف الشعر كبير الفكين يجوع ويظمأ ويخور وعيناه مليئتان بالدم. هذا السلف هو الوحش الضخم الأشعث الذي أعطي لي لكي أحوله إلى إنسان - ولأرفعه إلى ما يسمو على الإنسان إن استطعت في الوقت المخصص لي. فأي صعود مخيف من قرد إلى إنسان! ومن إنسان إلى إله!

ذات ليلة كنت أتمشى مع صديق على جبل عال مغطى بالثلوج. تهنا وخيم علينا الظلام. لم تكن هناك غيمة واحدة في السماء. وكان القمر أخرس مكتملاً ومعلقاً فوقنا. تلامع الثلج أزرق شاحباً طوال الطريق من قمة الجبل، حيث وجدنا أنفسنا، إلى السهول تحتنا. كان الصمت متحجراً ومقلقاً - وغير محتمل. لا شك أن الليالي المغسولة بالقمر كانت مشابهة لهذه الليلة منذ آلاف الدهور. وذلك قبل أن يكون هذا الصمت غير محتمل. فأخذ الخالق الطين وصنع منه إنساناً.

كنت أتقدم صديقي بخطوات قليلة، وكان عقلي يلفه دوار غريب. تعثرت كسكران. وبدا لي، وأنا أمشي، كأني أمشي على القمر أو أنني، قبل مجيء الإنسان، موجود على أرض مغرقة في القدم وغير مأهولة - ولكنها مألوفة جداً. وبغتة وعند أحد المنعطفات لمحت أضواء خافتة تشع بشحوب من بعيد قرب قاع المسيل. لابد أنها قرية صغيرة ما يزال أهلها مستيقظين. عندها حدث لي شيء غريب ما أزال أرتعد حين أتذكره.

توقفت وأشرت بقبضتي المشدودة إلى القرية وصرخت غاضباً: "سأذبحكم جميعاً!".