Page 1
غلبة
أغالبُ الوقتَ
والوقتُ يغلبني،
وأشقى من اليأس
ونفسي تصرعني،
وجدتُ روحي ثقيلةً في الصّباح
وبدءُ اليوم يوجعني،
وسحابة الموت صارت رفيقةً حمقاء
لا تفارقني،
عبثاً أن أرى نفسي تهدم كلّ شيء
ولا تبني،
عبثاً أن يبايعني الناسُ جميعاً
وحين يأتي دورُها لا تبايعني،
Page 2
لم أجد شيئاً في محبرتي
ولم أعثر على فكرة غرّاء تعجبني،
كلما غفوتُ لحظة استيقظتُ على جناح طائرةٍ تهوي،
وطيورٍ سودٍ تباغتني في سكوني وتتسلقني،
كلما أردتُ أن أشرب ماءاً
أحسستُ الثلج تحت أقدامي
والشوك في جفني،
أنا شاردٌ
ألتصقُ بأشجار خريفيةٍ
ورغبةٌ في الدّفء تأكلني،
الريحُ قاسيةٌ هنا
وخلفَ الليل ذئابٌ تلاحقني،
أعجزُ عن العدوِ بمخيلتي
وأفكاري تنهشني،
أسكنُ إلى نفسي
وأنسلُّ منها
كما تنسلّ لحظةٌ جميلةٌ
داخل الزمنِ
Page 3
ضائعون
يبدو الأحبةُ مثل أجنحةٍ تناثرتْ فوق أمواج الشجرْ
الليلُ ليس ألوفاً
والنائمون في خطرْ
حلمٌ أنا ردّدته
حلْم تردّدهُ الطبيعةُ
وحلْم يراودنا نحن الضائعونَ
نحنُ البشرْ،
هاتي يديك
فأصابعُكِ باردةٌ
وأنا دافىءٌ مثل جذعِ شجرةٍ للتَو قد انكسرْ،
فالشمس تحرقني كلّ صباح
كسيفٍ ساخنٍ لم يعرف نهر الدانوبْ
ولم يغسل وجهَهُ من الذنوبْ
ولم يجب عن أسئلتكِ
ولم يبارح منذ أن أتى (فيينا)
مظلةَ المطرْ،
هذا ربيعُ العاشقين
أما ربيعُنا قاسٍ مثل وجهِ أمي
وربيعكِ أنتِ
تعاظم وانتصرْ،
يا ليت للشمس وجهٌ آخرٌ
لأعرف كيف يهربُ الشتاء
وكيف تدنو السحابةُ من قلبي
وتجعله طرياًّ وحالماً
مثل وجهكِ
الذي ملأتُه بالهمساتِ
وأصابني بالسَهرْ·
Page 4
بيضاء
من نافذة الطائرة
رأيتُ مدناً من القطنِ
معلقةً في الهواءْ،
رأيتُ
سحباً منثورة
وبناياتٍ وشوارعَ بيضاءْ،
رأيتُ نفسي
مشدوداً بين غيمتين
مصعوقاً بالكهرباءْ،
مضيئاً لثوانٍ
ثم رماداً أبيض
ما بين الأرض والسماءْ،
أسقطُ على وجه أمي
وعلى وطني
حُرًّا
كهباءْ
Page 5
صِليني
صليني لأعرفَ
أين الهوى يذهبُ
وأين المنافي التي أشتهيها فيكِ
وكيف يكون الغرامْ
أحضّركِ
مثلما يحضّر الليلُ فجرهُ
وأمنحكِ طفولتي
وأدعوكِ للنوم على وسادةٍ مُتعبة
وأدعوك لتوغلي في الحرامْ
يا لهذا المعنى !
كيف يتجسَّدُ فيكِ
وأنت تقولين كلّ شيءٍ
في غير كلامْ
صليني لأعرفَ
فالطرق كثيرةٌ، وعرةّ
مليئةٌ بالأشجارِ
مكتظةٌ، من غير زحامْ
صليني لأكتشفَ فيكِ مصيري
وأحرق شمعي الباردَ
وأباشرُ عملي في الصباح
موغلاً في الحطامْ
صليني لأعرف
كيف أجلسُ في مقعدٍ من الندى
حولي فراشاتٌ وأغانٍ
وطيورٌ خائفة
وأوانٍ من الفضة
وليس لي غير الركام·
Page 6
موعد
حين رمى الموجُ نفسَه على الشاطىء
ثم انهزمْ،
ترك ملحَه وراءَه
يرقد بين حبّاتِ الرّمالِ
وتركتُ نفسي غائراً
أعلى القِممْ
لا بحرَ يمنعني
من أن تدنو السَماء لي
فهناك واعدتني سرًّا
ومنحتني محارَها
منذ القِدمْ
Page 7
الطبيب
أنا لنفسي
ونفسي هي الطبيبُ،
أعظّمها لعلّها تطيبُ·
صبغتني الشّمس بلونها
فلم أعدْ في عتمةِ الليل أغيبُ·
أينَ القمرُ في حضرتي؟
أين النجومُ وصوتُها المسلوبُ ؟
ليس لأحدٍ أن يعبر هذا الأفق بعيداً
وأنا هنا قريبُ·
كلما صرختُ في الكونِ
أرتدّ على الصّدى
فكنت أنا السائلُ
وكنتُ أنا المجيبُ·
Page 8
أشباه رجال
ليس لديه سيفٌ مضيءْ
ودمه شاهدٌ على جبنهم
قُتلَ الطفلُ البريءْ
والكلّ شهدَ الحادثةَ
وذهب إلى بيتِه يقيءْ
وحدّث زوجته قائلاً
- كان طفلاً، لكنه جريءْ
لم يهرب من قاتلهِ
بل قاومَ
حتى بلغ الدمُ المريءْ!
Page 9
طفل
لا أحبّ الشمس
ولكني أخشى القمرْ،
وأهربُ من الشارع
حين أراه قد استترْ،
غيمةٌ هي تلك ؟
أم تراهُ البحْر ؟
مصباحّ مضيء في رأسي
وآخرُ قد انفجرْ!
Page 10
صائم
صائمٌ عن الشّعرِ
وفي الشعرِ
لا يحلو الصيامْ
أمتنعُ عنكَ
كما تمتنعُ الوردةُ عن رحيقها
وألبسُ ثوبَ الخصامْ
أؤجلكَ أيّها الشعرُ
علّ هذه الريح تحملني
كي أرتقي الغمامْ
أؤجلكَ
حتى تصبح قوياً يافعاً
في وسط الحطامْ
أؤجلكَ
وأحملكَ في الشوارع كتعويذةٍ
وأضعكَ على عشّ الرعشة الأولى
وأجلب لكَ طعامكَ
وأترككَ في سلامْ