Page 1
المقدمة
لم يسبق لي أن تماهيتُ مع مجموعةٍ قصصيةٍ كهذه. إنّها تحملُ قارئها على جناحي سَبكٍ وحبكٍ قلّ نظيرهما.يُجيدُ ساري قدَّ الروح من دهشةٍ إلى آخر حرف، والمدهشُ أنّ السّحر ذاته - الذي يسلبُ في قصصه ويخلب - يبدو جلياً في كلِّ قصة، بل يتصاعد في وتيرةٍ جماليةٍ بديعة، وكأنّما اللغةُ في يد هذا المُبدع جذوةٌ لا تخبو، ودفءٌ لا ينسرِب.
والمتجوّل بين طيّات هذا الكتاب يلحظُ الموهبة التصويريّة التي يتميزُ بها الكاتب، والقدرة الفائقة على اقتناص المشاهد من زوايا مختلفة، وتناول الأفكَار - التي قد تبدو أحياناً مألوفةً - بأساليبَ غير مألوفة.
كما أنّ المدلولات المتواريةَ خلف الأسطرِ أشبه ما تكونُ بالمنشور الزجاجي، أينما نظر إليه القارئ استطاع أن يقتنص منه ما يروقه، ويسقطه على ما صافح به وعيه، مما يجعله يتجاوزُ مرحلةَ القراءة المُجرّدة إلى مرحلِة المشاهدةِ والمعايشة.
إنّها مجموعةٌ حرية بأن تُقرأ بعين الرّوح،
إذْ أنّ كل جزء فيها يُبرهن على أنّ ساري رجلٌ يكتب أينما شَاء، كيفما شاء، وقتما شاء!
(هي)
Page 2
ورقة
تجلسُ فوق مقعدٍ تطويه زاويةُ الحديقة، يقعُ عند التقاء المدى الذي تشغلُه فسحةُ المكان، وتكتنفه شجرةٌ تكادُ تلامسُ ذوائبُ أغصانها غُرّةَ شعرها الضَّجِر بتلاعب النسائم به.ما كانت لتأسر نظري إليها، وتطوقني بنزق الفضول؛ لولا أنها كانت قد سمّرت عينيها في اتجاهٍ ينشقُّ عن شاب كثير التلفّت يقصدُ نحوها، ليخرج من "جيبه" ورقةً بيضاء يدفعها إليها، فما تكادُ تلامس أناملها حتى تخبئها ما بين صدرها وطرف "الوشاح"، أما الشاب فينسجُ بنظراته أنحاءَ المكان، ثم تعيد "الورقة" إليه مرةً أخرى، ويقفلُ عائداً من حيث أتى وبدون التفاتٍ هذه المرّة.
لكنّها تلاحقه بنظراتها، تقتفي آثار خطاه العجلى، ثم لا يلبثُ أنْ يعود مرةً أخرى:
يتلفتُ.. يخرج الورقة.. تخبئها.. تُرجعها إليه..
سرقني تطفلي دون أنْ أشعر، جلستُ قريباً منها أحدثُ نفسي أنها لم تشعر بي، أقلقتني شدة الفضول المستبد بي، ولكنْ ما يغريني بالاستمرار؛ أنها لا تلتفت نحوي أبداً.
يعودُ الشاب حتى إذا تجاوز شجرةً هناك كانت تفصلُ بيننا في نصف الطريق، وأراد أنْ يعطيها "الورقة"، اقتحمتني نظراتُه كالموج ثم انحسرتْ أمواج عينيه الثائرتين نحوها، فهمتْ الفتاةُ أنه ينبهها إلى وجودي، فالتفتت نحوي وقالت بدون مقدمات: "أغمض عينيك" لا أدري كيف ولكن امتثلتُ الأمر فوراً وأغمضتهما.
لقد شعرتُ بخوف غريب..
كأن إنسانَ عينيّ يضطربُ تحت جفني المطبقين بشدة وكأنني أحبسُه فيهما حبساً، ومع هذا كنتُ أتخيلهما، كأنني أراهما وهي تأخذ الورقة... وتخبئها.. وتعيدها إليه.. وينصرف.
شعرتُ بأنهما قريبان مني جداً، أحسستُ بأنهما يشيران همساً إلى وجودي، بل يتوجهان نحوي فتملكني الخوف، استجمعتُ شجاعتي وبكل قوة فتحتُ عيني لكني لم أرهما، لقد رحلا وليس هناك سوى "الورقة" تلصقُها الريحُ بقدم المقعد الخشبي الذي كانت تجلسُ عليه، تقدمتُ وأخذتُ الورقة، وبكل فضول الدنيا نظرتُ فيها فكانت:
" بيضاءَ فارغةْ"!
Page 3
مَـــــد
في البدء..ألبسُ حُلتين! أين تكمن المشكلة إذاً؟
كنت صغيراً عندما كان أبي يتفقدُ (مزودة الطعام)، وقربة الماء المعلقة بجيدي، كان يتفقدهما جيداً أما أنا فأتحسسُ ما تبقى من نومٍ في عينيَّ المُطبقتين، أو لعلّي أتحسسُ ما تفتّحَ من عينيّ تحت نومٍ مُطبق.
أنتظرُ صرخة الضوء لأصرخ بغنم أبي، كم أحببتها؛ لم تكن تتعبني بل كانت تعرفُ أين سنذهب، بقي أن أعرف أنا.
أعاد عليّ أبي حديث الصباح اليومي: "لا تعجل على الغنم اتركها ترعى حيثُ تقف، امشِ أمامها ولا تمشِ خلفها، ارفق بها هذه (عطايا الله)، لا تنس الصلاة، ارجع بها قبل الظلام".
كانت هذه الوصايا لا تحتمل مني التفكر، وما يثير فيّ الغرابة أنه يردفُ ناصحاً بلهجة أشد صرامةً: إياك أن تقترب من طريق الإسفلت إياك.
بعد البدء..
طريقُ الإسفلت يقع خلف التلال التي أرعى بها، شُقّ حديثاً نحو المدينة، كم كان أبي يكرهه.
كنتُ أتمنى أن أراه لكثرة حديثه عنه، كنتُ أتخيله قطعةً ممتدةً من حصيرٍ أسود، لا أدري لم تخيلته من حصير!
فجأةً.. رأيتُ ثورة غبار تخفي زمجرةً غريبة، ركضتُ حتى وقفتُ بين غنم أبي ومصدر الصوت.
انجلى الغبار عن سيارة مقبلة، توقفت بالقرب مني، أطلّ منها رجلٌ وناداني بلهجةٍ غريبة لم أسمعها من قبل، فهمتُ أنه يريدني أن أقترب، لم أخف من السيارة فقد رأيتها من قبل، كثيراً ما تمرّ من قريتنا تسأل عن اتجاه طريق الإسفلت.
اقتربت منها وليس شيءٌ في الدنيا يشغلني مثل غنم أبي إنها (عطايا الله).
عندما اقتربتُ، كان في السيارة شخص آخر عليه آثار النعمة يلبسُ ثوباً ناصع البياض، وعليه معطفٌ أسود جميلٌ لونه، قال لي: أين طريق الإسفلت يا بني؟ أجبته: في هذا الاتجاه خلف تلك التلال، قال: لنا حوالى ساعة وهذا السائق الأعجمي يدور في المكان نفسه؛ هل تركب معنا لتخرجنا من هذه المتاهة؟ أجبته: لا أستطيع ترك غنمي، ضحك وقال: لا تخف لن يسرقها أحد!
كان يحدثني وهو يرى رِعدة البرد تدبُّ في جسمي، ألحّ عليّ فاستجبتُ له.
أخرجته من دوامة التلال حتى بدا لنا وجه الطريق من بعيد، شعرت بشعور غريب، لعله خوف! لا أدري، أهذا هو الطريق؟ سألتُ نفسي.
قال لي: سامحنا لا نستطيع إرجاعك نخشى أن نضيع مجدداً، ولكنني أراك ترتجفُ من البرد، سأعطيك معطفي.
أعطاني معطفه وكنت ألبسُ ثوباً قصير الأكمام، يغطي نصف ساقيّ فقط، وعليه (شَملةٌ) خاطتها لي أمي؛ أتقي بها البرد، كنتُ أظنها ترد عني البرد هناك بين التلال، أما هنا عند طريق الإسفلت فشعرتُ أنها لا تكفي!
لبستُ المعطف الجديد ذا اللون الجميل فوق ملابسي البالية وعدتُ إلى غنم أبي (عطايا الله).
صرتُ ألبسُ حُلتين..
عدتُ بغنم أبي قبل غروب الشمس.. كان ينتظرها، وقد أعد لها حياض الماء كي تشرب، وكأنه ينتظر غائباً من بنيه، عادت غنمك يا أبي كما كانت تعود كل مساء لم تتغير جلودها، عادت كما هي (عطايا الله)، وأنت كما أنت كل مساء تنتظرها.
ولكنني لم أعد كما كنت أعود كل مساء؛ لقد رأيت طريق الإسفلت وعلمت أنه ليس مثل الحصير.
لم أعد كما كنتُ أعود كل مساء؛ لقد عدت لابساً معطفاً جديداً ذا لونٍ جميل.
أبي لم ينكر غنمه حين رآها، أبي أنكرني حين رآني!
كنتُ مزهوّاً جداً بمعطف الرجل الغريب، لا أخلعه عن كاهلي أبداً حتى ساعات النوم، مازال أبي يتفقدُ مزودة الطعام وقربة الماء كل فجر، ولكنها صارت على جيدٍ يغطيه معطفُ الرجل الغريب.
توارت شَمْلةُ أمي تحت هذا المعطف، بل تواريتُ أنا كُلي تحته؛ لم يعد إخوتي يسمونني إلا: (أبو معطف).
خفتت مع الأيام فرحتي بهذا المعطف - معطف الرجل الغريب -، وصارت نداءات أهلي لي بهذا الاسم تثير جنوني، كنتُ أتمزقُ بين حُلتين شَملَة أمي وهذا المعطف، أشعر بأنني كنتُ أملك ثوباً واحداً، واسماً واحداً، أما الآن فلا أعرف إلى أين أنتمي؛ أحبُّ أمي وشملتها، ولكنه معطفٌ جميل.
ليتني لم أرَ الطريق ولم آخذ معطف الرجل الغريب!