Page 1
تقديم
سنابل الحرّية
هذه حزمة سنابل من حقل تموز.
حصاد فلاح حر
صوت عال في الحق والعدالة.
حاز وسام «الكلمة الشجاعة» من شاعر كبير.
كما أدهشت شجاعته قلماً منيراً، مشى وراء الرسل: اترك كل شيء واتبعني، أنا الحق وسراج الهداية.
قبل تموز، كان شباط وآذار. تاريخ نضال ضد الوصاية، وإصرار على الحرية والسيادة والاستقلال.
وجاء تموز شهر الغضب، فقلب الصفحة على أسطورة الفداء، وافتداء الأرض والإنسان.
إنها شهادة ثبات على الإيمان بقيم الحق والخير والجمال.
إدمون صعب
بيروت شباط/فبراير 2012
سنابل الحرّية
هذه حزمة سنابل من حقل تموز.
حصاد فلاح حر
صوت عال في الحق والعدالة.
حاز وسام «الكلمة الشجاعة» من شاعر كبير.
كما أدهشت شجاعته قلماً منيراً، مشى وراء الرسل: اترك كل شيء واتبعني، أنا الحق وسراج الهداية.
قبل تموز، كان شباط وآذار. تاريخ نضال ضد الوصاية، وإصرار على الحرية والسيادة والاستقلال.
وجاء تموز شهر الغضب، فقلب الصفحة على أسطورة الفداء، وافتداء الأرض والإنسان.
إنها شهادة ثبات على الإيمان بقيم الحق والخير والجمال.
إدمون صعب
بيروت شباط/فبراير 2012
Page 2
الصحافة الرسولية مقابل صحافة الحقيقة السلطانية
تحية إلى «السفير»
مداخلة «النهار» في العيد الفضي لـ«السفير»:(*)
الصحافة الرسولية مقابل صحافة «الحقيقة السلطانية»
****
نود الدخول في السؤال من خلال سؤال آخر نعتبره ضروريا، إذا كان المطلوب استكشاف الغد والدور الذي يطلب من صحافتنا ان تخدم فيه الانسان العربي وحقوقه. نسأل أولا:
أي صحافة هي الصحافة المطلوب منها هذا الدور؟
الصحافة الحرة الرسولية المستقلة، صحافة الحقيقة والالتزام بها حتى الاستشهاد، الصحافة التي بعض أعلامها خليل بدوي وفتح الله مراش وعبد الرحمن الكواكبي وخليل الخوري وجرجي زيدان ونعوم لبكي وجبران تويني وشبلي الشميل الذين شبعوا من الورق أكثر مما شبعوا من الخبز. صحافة التقليد المستمر فينا والذي نريد ان نستشرف من خلاله القرن المقبل؟
أم صحافة السلطة او السلطان الذي يمولها من أجل ان تخدمه لنشر ما يصح وصفه بـ«الحقيقة السلطانية»، أي الحقيقة التي يريد الحاكم قراءتها، فتنشرها هذه الصحافة ولو لم تكن هي الحقيقة. والسلطان هنا يعتبر نفسه وصيا على هذه الصحافة ويبتعد بها عن الحقائق المولدة للرأي الحر، المتقبل التعددية والحوار العقلاني؟
استطراداً، نسأل مجددا: من هو هذا الانسان العربي الذي نطلب من صحافتنا ان تخدمه، ونحن نعلم ان الانسان العربي عموما منكرة عليه حقوقه، ولعل أبسطها حقه في المواطنة، وفي ممارسة حرياته التي تضمنتها شرعة حقوق الانسان، وهي مجموعة حريات فردية وفكرية ودينية، وسياسية واقتصادية وثقافية. وكلنا نعيش في عالم عربي، تنظر بعض أنظمته الى الانسان كواحد من الرعايا غير معترف بحقوقه الاساسية التي منحته إياها أمه عندما ولدته حرا، فجاء الحاكم والنظام فحدّا منها الى درجة شعر بأنه أقرب الى العبد منه الى المواطن الانسان. إذ لا يحق له، في أحيان كثيرة، اختيار الكتاب ولا الصحيفة، ولا حتى المدرسة و... الزوجة. هذا الانسان له صوت ولكنه غير مسموع!
دعونا نفكر في اليوم، قبل الغد.
فهل صحافتنا تخدم الانسان اللبناني، ثم العربي، اليوم، حتى تستمر في خدمتهما غداً؟ ولماذا لا نتأمل في ما لا طاقة لنا على فعله اليوم، او ما لا نستطيع القيام به اليوم، قبل التطلع الى الغد، وكأننا نهرب الى الأمام؟
إذ لا إمكان للوصول الى غد فيه يناع للحقوق واحترام لها ولصونها، إذا أُنكرت هذه الحقوق او ديست، او حصرت في جماعة او جماعات معينة.
ان عودتنا الى الواقع تفرض علينا ان نكون صريحين وصادقين مع أنفسنا.
ان الصحافة اللبنانية، والعربية كذلك، ليست كلها حرة، ولا هي صحافة حرية تبشّر بأن لا قيام لدولة او مجتمع يحترم حقوق الانسان ويصونها ويدافع عنها، حيث لا حرية. وان لا صحافة من دون حرية. ولا حرية من دون صحافة حرة. ذلك بأن الحريات كلها تتجسد في حرية التعبير عن جميع الحريات وعن معارف الاحرار وثقافاتهم وتوجهاتهم.
وحتى الانظمة التي تعترف بالحقوق، مثل النظام اللبناني، لا تتورّع عن ان يكون لها اجتهادها، العقائدي حينا والبوليسي أحيانا والاقليمي في أحيان اخرى، في منع التعددية في العمل السياسي والشبابي، مثل مطاردة طلاب داخل جامعة بسبب منشور يعبّر عن رأي، في حين ان الدولة تمنننا بأنها تبيح التظاهر و«النضال»، من بيروت الى أرنون!
وفي مفهومنا، انطلاقا من شرعة حقوق الانسان، ان الحريات هي في رأس قائمة الحقوق المطلوبة خدمتها والدفاع عنها.
بعدها يأتي الحق في العيش بكرامة. فالحق في الطمأنينة، أي التحرر من الخوف، الخوف من البوليس، كما الخوف على السيادة والاستقلال والقرار الحر في صنع الغد على يد جيل جديد يملأ نفسه طموح لا حد له.
وهذا خوف يمكن تعميمه على كل الدول العربية.
ثم يأتي الخوف من التطرف الذي يولّد التعصب ويعطّل التنوع والحق في الاختلاف.
تحية إلى «السفير»
مداخلة «النهار» في العيد الفضي لـ«السفير»:(*)
الصحافة الرسولية مقابل صحافة «الحقيقة السلطانية»
****
نود الدخول في السؤال من خلال سؤال آخر نعتبره ضروريا، إذا كان المطلوب استكشاف الغد والدور الذي يطلب من صحافتنا ان تخدم فيه الانسان العربي وحقوقه. نسأل أولا:
أي صحافة هي الصحافة المطلوب منها هذا الدور؟
الصحافة الحرة الرسولية المستقلة، صحافة الحقيقة والالتزام بها حتى الاستشهاد، الصحافة التي بعض أعلامها خليل بدوي وفتح الله مراش وعبد الرحمن الكواكبي وخليل الخوري وجرجي زيدان ونعوم لبكي وجبران تويني وشبلي الشميل الذين شبعوا من الورق أكثر مما شبعوا من الخبز. صحافة التقليد المستمر فينا والذي نريد ان نستشرف من خلاله القرن المقبل؟
أم صحافة السلطة او السلطان الذي يمولها من أجل ان تخدمه لنشر ما يصح وصفه بـ«الحقيقة السلطانية»، أي الحقيقة التي يريد الحاكم قراءتها، فتنشرها هذه الصحافة ولو لم تكن هي الحقيقة. والسلطان هنا يعتبر نفسه وصيا على هذه الصحافة ويبتعد بها عن الحقائق المولدة للرأي الحر، المتقبل التعددية والحوار العقلاني؟
استطراداً، نسأل مجددا: من هو هذا الانسان العربي الذي نطلب من صحافتنا ان تخدمه، ونحن نعلم ان الانسان العربي عموما منكرة عليه حقوقه، ولعل أبسطها حقه في المواطنة، وفي ممارسة حرياته التي تضمنتها شرعة حقوق الانسان، وهي مجموعة حريات فردية وفكرية ودينية، وسياسية واقتصادية وثقافية. وكلنا نعيش في عالم عربي، تنظر بعض أنظمته الى الانسان كواحد من الرعايا غير معترف بحقوقه الاساسية التي منحته إياها أمه عندما ولدته حرا، فجاء الحاكم والنظام فحدّا منها الى درجة شعر بأنه أقرب الى العبد منه الى المواطن الانسان. إذ لا يحق له، في أحيان كثيرة، اختيار الكتاب ولا الصحيفة، ولا حتى المدرسة و... الزوجة. هذا الانسان له صوت ولكنه غير مسموع!
دعونا نفكر في اليوم، قبل الغد.
فهل صحافتنا تخدم الانسان اللبناني، ثم العربي، اليوم، حتى تستمر في خدمتهما غداً؟ ولماذا لا نتأمل في ما لا طاقة لنا على فعله اليوم، او ما لا نستطيع القيام به اليوم، قبل التطلع الى الغد، وكأننا نهرب الى الأمام؟
إذ لا إمكان للوصول الى غد فيه يناع للحقوق واحترام لها ولصونها، إذا أُنكرت هذه الحقوق او ديست، او حصرت في جماعة او جماعات معينة.
ان عودتنا الى الواقع تفرض علينا ان نكون صريحين وصادقين مع أنفسنا.
ان الصحافة اللبنانية، والعربية كذلك، ليست كلها حرة، ولا هي صحافة حرية تبشّر بأن لا قيام لدولة او مجتمع يحترم حقوق الانسان ويصونها ويدافع عنها، حيث لا حرية. وان لا صحافة من دون حرية. ولا حرية من دون صحافة حرة. ذلك بأن الحريات كلها تتجسد في حرية التعبير عن جميع الحريات وعن معارف الاحرار وثقافاتهم وتوجهاتهم.
وحتى الانظمة التي تعترف بالحقوق، مثل النظام اللبناني، لا تتورّع عن ان يكون لها اجتهادها، العقائدي حينا والبوليسي أحيانا والاقليمي في أحيان اخرى، في منع التعددية في العمل السياسي والشبابي، مثل مطاردة طلاب داخل جامعة بسبب منشور يعبّر عن رأي، في حين ان الدولة تمنننا بأنها تبيح التظاهر و«النضال»، من بيروت الى أرنون!
وفي مفهومنا، انطلاقا من شرعة حقوق الانسان، ان الحريات هي في رأس قائمة الحقوق المطلوبة خدمتها والدفاع عنها.
بعدها يأتي الحق في العيش بكرامة. فالحق في الطمأنينة، أي التحرر من الخوف، الخوف من البوليس، كما الخوف على السيادة والاستقلال والقرار الحر في صنع الغد على يد جيل جديد يملأ نفسه طموح لا حد له.
وهذا خوف يمكن تعميمه على كل الدول العربية.
ثم يأتي الخوف من التطرف الذي يولّد التعصب ويعطّل التنوع والحق في الاختلاف.
Page 3
بعده يأتي الحق في الترقية الفكرية، أي الوصول الى المعلومات، كل المعلومات، وبشتى الوسائل، من الصحيفة الى المنشور، حتى الانترنت التي تهدد بكسر كل القيود.
وينبغي الا ننسى الحقوق الاكاديمية التي تتيح للأساتذة والطلاب طرح أي قضية ومناقشتها دون قيود او تعصب او حدود، ومعظم الجامعات العربية هي جامعات دولة، باستثناء لبنان ومصر.
وهناك ايضا الحق في الاطلاع والقراءة حتى نواكب العالم ونجاريه، في حين تحاول الانظمة ان «تستنقعنا» في الأمية والجهل والتحجر والتخلف.
ثم حرية البحث العلمي، وحرية الاطلاع على كل الانظمة السياسية في العالم بطريقة علمية وموضوعية. وحرية درسها ونقدها ومناقشتها، من الانظمة الديموقراطية الى الانظمة الرأسمالية فالانظمة الثيوقراطية، والانظمة الاسلامية مثل النظام الايراني، والانظمة القائمة على الشريعة كالنظام السوداني ونظام «طالبان» في أفغانستان، من دون التعرض للرجم او الاتهام بالردة، الى إهدار الدم!
بعد حرية مناقشة الانظمة، تأتي حرية الاختيار، اختيار النماذج السياسية والانظمة الفضلى للشعوب، ورفض النظام الواحد، والمرشح الواحد، والشخص الواحد، وصحيفة اللون الواحد.
أظننا أطلنا في الاستطراد، والحق على السؤال وإيحاءاته.
وبالعودة الى المهمة المطلوبة من صحافتنا في القرن المقبل، لا نرى من مهمة مركزية، صحافيين لبنانيين وعربا، أهم من الدعوة الى حرية المعارضة، والحق في التطلع الى المستقبل. الى مستقبل مختلف، والعمل من أجله ولو بنشر أخبار الاختبارات العالمية في الحقوق الثقافية والفكرية والعلمية، وصولا الى الاقتصاد والاجتماع والسياسة.
نريد صحافة تعود بنا الى صحافة الأجداد وتراث الحرية فيها والتقاليد. صحافة القرن التاسع عشر، الصحافة الرسولية التي كانت تدعو الى التطوير والنهضة، أي «عهد الأنوار» الى ابن حلب رزق الله حسون و»مرآة الاحوال» التي نشرها في عاصمة السلطنة العثمانية عام 1855، رسالة واضحة، وجعلها في تقديمه لعددها الاول «منبرا للحرية ومنارة للمعرفة»، الامر الذي لم يرق السلطان عبد الحميد فأقفلها وحكم على صاحبها بالاعدام فهرب الى روسيا. ثم مع «حديقة الاخبار» التي أصدرها خليل الخوري في بيروت عام 1858 ورسالتها «إشهار المعارف والفنون وتقدم عبيد(!) السلطنة وتقدمهم لتشمل كل ما يتعلق بالفوائد الانسانية». فانطلقت، بحسب مؤرخ الصحافة العربية الفيكونت طرزي، «مطلقة الحرية تنشر الانباء على علاتها زينا وشينا»، الا ان هذه الحرية لم تدم، فأقفل عبد الحميد «الحديقة» وهدد الصحفيين الأحرار بإلقائهم في النار.
ولأن الصحفيين، هذا الجنس الغريب من البشر، يسري في عروقهم دم واحد، مهما باعدت بينهم المسافات وتباينت في ما بينهم الآراء، فإننا لا نجد ما نختم به مداخلتنا هذه، باسم «النهار»، أفضل من هذه الفقرات المختارة من استخلاص للزميل العزيز طلال سلمان صاحب «السفير» في ذكرى مرور 20 سنة على تأسيسها، فلعله يتذكرها.
فهو كتب ان «لا صحافة بلا معارضة«. فالصحافة هي ممارسة لحق الاختلاف مع الحاكم بمقدار ما هي تكريس لحق المواطن في ان يعرف.
وحيث يُحجر على الحقيقة والوقائع الاصلية، او حيث يتعذر الاختلاف مع الحاكم، لأي سبب كان، فلا صحافة ولا صحافيون.
ان المال هو أحد أعداء الصحافة، انه أشرس ديكتاتورية. فقد تمكنك معارضة الحاكم. وقد تجد الحلفاء والمناصرين وأصحاب المصلحة في إسقاط الديكتاتور، أما المال فإن مقاومة سحره صعبة جدا. ثم انه قادر على التسلل بهدوء الى حيث لا يستطيع الشرطي او الجلاد.
ففي ظل طغيان المال، يستطيع الطرف الأغنى ان يتحكم تقريبا بالاعلام العربي كله. فيصادر الحرف والمطبعة، والفكر والفضاء، والريشة والابداع، ويدجّن أصحاب الرأي. فتختفي بالتالي «الصحافة العربية» وتصير هناك صحف تمثل طرفا عربيا واحدا، تفرض نفسها بقوة المال ونفوذه السياسي على العرب بكل أقطارهم (...) كأنما يفرض التحجر والجمود وسيادة المنطق الواحد على الآلة (...) ولكن لا تزال الصحافة اللبنانية تناضل كي تبقى وتجاهد، كي لا تقع في شباك أصحاب الاموال (...).
نحب ان نفترض ان المستقبل هو للديموقراطية وليس للديكتاتوريات المختلفة. ديكتاتورية المال، او ديكتاتورية العسكر، او ديكتاتورية الطوائف» (انتهى الاستشهاد).
وإننا لمع الأستاذ طلال، و«السفير» وأسرتها، متضامنون من أجل الحرية والديموقراطية، اليوم وغداً... وفي اليوبيل الذهبي وأبعد.
(25/3/1999)
وينبغي الا ننسى الحقوق الاكاديمية التي تتيح للأساتذة والطلاب طرح أي قضية ومناقشتها دون قيود او تعصب او حدود، ومعظم الجامعات العربية هي جامعات دولة، باستثناء لبنان ومصر.
وهناك ايضا الحق في الاطلاع والقراءة حتى نواكب العالم ونجاريه، في حين تحاول الانظمة ان «تستنقعنا» في الأمية والجهل والتحجر والتخلف.
ثم حرية البحث العلمي، وحرية الاطلاع على كل الانظمة السياسية في العالم بطريقة علمية وموضوعية. وحرية درسها ونقدها ومناقشتها، من الانظمة الديموقراطية الى الانظمة الرأسمالية فالانظمة الثيوقراطية، والانظمة الاسلامية مثل النظام الايراني، والانظمة القائمة على الشريعة كالنظام السوداني ونظام «طالبان» في أفغانستان، من دون التعرض للرجم او الاتهام بالردة، الى إهدار الدم!
بعد حرية مناقشة الانظمة، تأتي حرية الاختيار، اختيار النماذج السياسية والانظمة الفضلى للشعوب، ورفض النظام الواحد، والمرشح الواحد، والشخص الواحد، وصحيفة اللون الواحد.
أظننا أطلنا في الاستطراد، والحق على السؤال وإيحاءاته.
وبالعودة الى المهمة المطلوبة من صحافتنا في القرن المقبل، لا نرى من مهمة مركزية، صحافيين لبنانيين وعربا، أهم من الدعوة الى حرية المعارضة، والحق في التطلع الى المستقبل. الى مستقبل مختلف، والعمل من أجله ولو بنشر أخبار الاختبارات العالمية في الحقوق الثقافية والفكرية والعلمية، وصولا الى الاقتصاد والاجتماع والسياسة.
نريد صحافة تعود بنا الى صحافة الأجداد وتراث الحرية فيها والتقاليد. صحافة القرن التاسع عشر، الصحافة الرسولية التي كانت تدعو الى التطوير والنهضة، أي «عهد الأنوار» الى ابن حلب رزق الله حسون و»مرآة الاحوال» التي نشرها في عاصمة السلطنة العثمانية عام 1855، رسالة واضحة، وجعلها في تقديمه لعددها الاول «منبرا للحرية ومنارة للمعرفة»، الامر الذي لم يرق السلطان عبد الحميد فأقفلها وحكم على صاحبها بالاعدام فهرب الى روسيا. ثم مع «حديقة الاخبار» التي أصدرها خليل الخوري في بيروت عام 1858 ورسالتها «إشهار المعارف والفنون وتقدم عبيد(!) السلطنة وتقدمهم لتشمل كل ما يتعلق بالفوائد الانسانية». فانطلقت، بحسب مؤرخ الصحافة العربية الفيكونت طرزي، «مطلقة الحرية تنشر الانباء على علاتها زينا وشينا»، الا ان هذه الحرية لم تدم، فأقفل عبد الحميد «الحديقة» وهدد الصحفيين الأحرار بإلقائهم في النار.
ولأن الصحفيين، هذا الجنس الغريب من البشر، يسري في عروقهم دم واحد، مهما باعدت بينهم المسافات وتباينت في ما بينهم الآراء، فإننا لا نجد ما نختم به مداخلتنا هذه، باسم «النهار»، أفضل من هذه الفقرات المختارة من استخلاص للزميل العزيز طلال سلمان صاحب «السفير» في ذكرى مرور 20 سنة على تأسيسها، فلعله يتذكرها.
فهو كتب ان «لا صحافة بلا معارضة«. فالصحافة هي ممارسة لحق الاختلاف مع الحاكم بمقدار ما هي تكريس لحق المواطن في ان يعرف.
وحيث يُحجر على الحقيقة والوقائع الاصلية، او حيث يتعذر الاختلاف مع الحاكم، لأي سبب كان، فلا صحافة ولا صحافيون.
ان المال هو أحد أعداء الصحافة، انه أشرس ديكتاتورية. فقد تمكنك معارضة الحاكم. وقد تجد الحلفاء والمناصرين وأصحاب المصلحة في إسقاط الديكتاتور، أما المال فإن مقاومة سحره صعبة جدا. ثم انه قادر على التسلل بهدوء الى حيث لا يستطيع الشرطي او الجلاد.
ففي ظل طغيان المال، يستطيع الطرف الأغنى ان يتحكم تقريبا بالاعلام العربي كله. فيصادر الحرف والمطبعة، والفكر والفضاء، والريشة والابداع، ويدجّن أصحاب الرأي. فتختفي بالتالي «الصحافة العربية» وتصير هناك صحف تمثل طرفا عربيا واحدا، تفرض نفسها بقوة المال ونفوذه السياسي على العرب بكل أقطارهم (...) كأنما يفرض التحجر والجمود وسيادة المنطق الواحد على الآلة (...) ولكن لا تزال الصحافة اللبنانية تناضل كي تبقى وتجاهد، كي لا تقع في شباك أصحاب الاموال (...).
نحب ان نفترض ان المستقبل هو للديموقراطية وليس للديكتاتوريات المختلفة. ديكتاتورية المال، او ديكتاتورية العسكر، او ديكتاتورية الطوائف» (انتهى الاستشهاد).
وإننا لمع الأستاذ طلال، و«السفير» وأسرتها، متضامنون من أجل الحرية والديموقراطية، اليوم وغداً... وفي اليوبيل الذهبي وأبعد.
(25/3/1999)
Page 4
ماذا يريد المسيحيون؟ وهل صوت بري «نشاز»؟
«أبدلني الله بهم خيراً منهم وأبدلهم بي شراً لهم مني»
(الإمام علي)
في «نهج البلاغة»
هل أخطأ الرئيس نبيه بري في دعوته إلى تشكيل «الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية» تطبيقاً للفقرة «ح» من مقدمة الدستور وللمادة 95 من الدستور التي تقول ان «على مجلس النواب المنتخب على اساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين اتخاذ الإجراءات الملائمة لتحقيق إلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية، وتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية تضم، بالإضافة الى رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء، شخصيات سياسية وفكرية واجتماعية»؟
وهل استهدف البطريرك الماروني الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير في كلامه أول من أمس أمام وفد «تجمع الهيئات الإسلامية» الذي زاره في بكركي بقوله: «هناك أصوات نشاز نأمل ان تعود الى طبيعتها، وأن تتضافر جهود جميع اللبنانيين في سبيل خير وطنهم»؟
في الواقع، ان الرئيس بري لم يخطئ في دعوته الى تشكيل الهيئة، بل قام بواجب وطني ودستوري في آن واحد.
وخلافاً لردود الفعل التي أثارها طرح رئيس مجلس النواب في الأوساط المسيحية، فإن إلغاء الطائفية السياسية مرحلياً، بمعنى البدء بإلغائها من النفوس قبل النصوص كما عبّر عنه مراراً البطريرك الماروني شرطاً للقبول بإلغائها، من شأنه ـ أي الإلغاء ـ إفادة المسيحيين قبل المسلمين، وأن أجواء التخويف والترهيب التي وضعت المؤسسة الدينية المارونية المسيحيين فيها، وخصوصاً منذ حرب تموز 2006 وصولاً الى التعبئة النفسية التي قادها سيد بكركي ضد المقاومة وسلاحها، وكذلك ضد الشيعة المتحالفين مع سوريا وإيران، بعد تلك الحرب والتي بلغت أوجها عشية الانتخابات النيابية الأخيرة وأصابت بسهامها مسيحيي المعارضة وفي مقدمهم العماد ميشال عون وزعيم تيار «المردة» النائب والوزير السابق سليمان فرنجية ـ هذه الأجواء هي التي أملت على المؤسسة الدينية موقفها من طرح الرئيس بري، ووصف صوته بأنه «نشّاز».
بينما كان المطلوب من بكركي التي وفّرت التغطية لاتفاق الطائف، ان تقود حملة وطنية لفرض التطبيق الكامل لبنود هذا الاتفاق الذي بدا، في تطبيقه المجتزأ، كأنه قد أخرج المسيحيين من السلطة فقاطع فريق كبير منهم الانتخابات الأولى التي جرت بعد تطبيقه عام 1992 لاعتقادهم ان هذا الاتفاق كان «اتفاق إذعان» سلب رئيس الجمهورية المسيحي الماروني صلاحيات السلطة الإجرائية وأناطها بمجلس الوزراء الذي يرأسه مسلم سني، محولاً رئيس الجمهورية رئيس بروتوكول.
ولو بادرت بكركي الى قيادة هذه الحملة وضغطت على الحكم من أجل تطبيق تلك البنود، لكان مطلب تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية قد جاء في إطارها مطلباً شرعياً. ولكن، بدلاً من ذلك، انعكست الأحوال التي أفضت الى اتفاق الطائف، وفي مقدمها هزيمة الميليشيات المسيحية في حرب الجبل، بتواطؤ إسرائيلي، الى شعور المسيحيين بالإحباط، بل باليأس، فسلكوا طريق الهجرة. وقد بدت الأرض تحت أقدامهم رخوة فرحلوا أفواجاً دون أن يجدوا في طريقهم من يقنعهم بوجوب البقاء لأن لبنان هو وطنهم ووطن أجدادهم، وأن الكيان كلّف هؤلاء عشرات ألوف الشهداء والمشردين والمقهورين منذ العام 1840 حتى يومنا هذا.وعندما قيل للكنيسة إن عليها أن «تستعيد» الجبل، لا أن تعيد أهله إليه، أجابت بأنها لا تريد ان تُعطي مهجِّري (بكسر الجيم) المسيحيين صك براءة إذا ما سعت الى عقد مصالحة معهم إلا أنها اضطرت الى مصالحة سيد المختارة النائب وليد جنبلاط بعد قرابة عشرين سنة، واعتبرت هذه الخطوة «تاريخية».
وإذ ينظر المسيحيون اليوم الى ما آل إليه وضعهم، وخصوصاً بعدما انحدرت نسبة مشاركتهم العددية في الكيان من 57 في المئة في ستينيات القرن الماضي، الى ما يقرب من 34 في المئة حاليا، وانتقلوا من طائفة كبيرة ذات حضور وازن وصاحبة دور مؤثر في الدولة والمجتمع، الى أقلية تتناقص باستمرار في مواجهة أكثريتين إسلاميتين سنية وشيعية تتزايدان عددياً وتهيمنان، في نظرها، على السلطة بالمال والسلاح ولا تتركان فيه مكاناً للمسيحيين ـ وهم إذ ينظرون الى هذا الوضع يتساءلون: ما الحل؟
الجواب بسيط: ما دام المسيحيون قد تحولوا أقلية في الكيان الذين بنوه وكانوا أسياده، فإن طموحهم الأساسي يجب أن يتوجه الى الدور والنوعية. وهذان الأمران لا يتحققان إلا في ظل نظام مدني، غير طائفي. أي لا يقتصر إلغاء الطائفية فيه على الطائفية السياسية التي قامت قيامة المسيحيين بقيادة بكركي على الرئيس نبيه بري بسببها، بل على إلغاء طائفية النظام وإزالة الحواجز بين الطوائف، دون إلغاء الأخيرة أي فصل الدين عن الدولة، وجعل المواطنة فيها الأساس لا الانتماء الطائفي. واعتماد مقاييس العدالة والمساواة والكفاءة ـ وخصوصاً الكفاءة ـ في وظائف الدولة ـ وهذا من شأنه أن ينصف المسيحيين في الدرجة الأولى، وهم الذين كانوا يبررون في السابق استئثارهم بمعظم السلطات التي كانت موضوعة بين يدي رئيس الجمهورية الماروني، بأنهم أكثر كفاءة من سواهم، والأرفع تعلماً، والأكثر حداثة وعصرنة الخ... وقد أدى هذا الوضع «الشاذ» الى «الثورة الدستورية» في عهد الرئيس سليمان فرنجية والتي أنصفت المسلمين مرحلياً وكانت الأساس الذي بني عليه اتفاق الطائف. إلا ان تحقيق «الطموح المسيحي»، إذا كان هناك مجال بعد للطموح، في ظل الانقسام الحاد المسيحي وتعذّر المصالحة بين الأقطاب واستنزاف الكنيسة لقواها في الصراعات السياسية، وخصوصاً مع الشيعة و»حزب الله»، وكذلك في المواجهة مع فريق كبير من المسيحيين ـ فهو في إعادة النظر في هيكلية إدارة الشأن السياسي والوطني في المؤسسة الدينية المسيحية، أي في الصيغة التي ابتكرتها بكركي لإدارة «ما لقيصر» في ديار الإسلام الذي هو دين ودنيا، ونعني بها مجلس المطارنة.
ذلك أن صيغة مجلس المطارنة الذي يجتمع شهرياً ويناقش شؤون الدنيا السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ويتطرق أحياناً الى الشؤون الإقليمية والدولية، هي صيغة خجولة، وغير عملية. لأن السادة المطارنة، مع احترامنا لأشخاصهم ولطهارتهم بل وقداستهم، لا يمكن ان يختزلوا الرأي والموقف المسيحيين. كما انه ليست لديهم المعرفة والخبرة والأفق، وحتى السلطة المتوافرة لدى المجالس الموازية لدى الطوائف المحمدية ـ وخصوصاً في الشخصيات التي يتألف منها المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى (السني)، والمجلس الشيعي الأعلى واللذان يضمان وزراء ونواباً وسياسيين وأكاديميين... يشكلون رافداً مهماً في الرأي والمعرفة والخبرة والموقف السياسي الخ...
الى جانب ذلك، يجب ان يضم «المجلس الاستشاري» المسيحي، إذا جازت تسميته هكذا، شخصيات من سائر الطوائف المسيحية بحيث لا يقتصر التداول على الموارنة.
وفي خطوة متقدمة أكثر، ربما مطلوب من البطريرك الماروني الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير الذي يدخل عامه التسعين في شهر أيار المقبل، أن يسأل الله أن يلهمه الراحة بعدما عبر بالمسيحيين الى بر الأمان، بحيث تكون هناك مؤسسة جديدة يكون على رأسها راع جديد قادر على حمل الأمانة.
وتشير دراسة فرنسية مهمة لأحوال المسيحيين في لبنان والشرق، إلى أن مسيحيي لبنان قد استنفدوا مثالي العاميات والبطريرك الياس الحويك الذي وحّد اللبنانيين، مسيحيين ومسلمين وراء الاستقلال، و»أعطي مجد لبنان»، وأن عليهم ان يبتكروا صيغة صورة جديدة تأخذ في الاعتبار التطورات التي شهدها لبنان، وتنسجم مع الأوضاع في المنطقة وخصوصاً «الوجود المسيحي في ديار الإسلام».
آملين في أن ينظر المسيحيون الى دعوة الرئيس بري الى تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية على أنها دعوة مخلصة للسير بالقبائل اللبنانية على طريق الاندماج الوطني والخروج من الشرانق الطائفية والمذهبية التي تهدد بخنق لبنان على نحو يخدم المشروع الصهيوني في المنطقة، مذكّرين الموارنة خصوصاً بما ورد في الإرشاد الرسولي بأنه «لا يجوز أن تكـون المصـالحة أقل رسوخاً في النـفس من الانقسام».
(31/1/2010)
«أبدلني الله بهم خيراً منهم وأبدلهم بي شراً لهم مني»
(الإمام علي)
في «نهج البلاغة»
هل أخطأ الرئيس نبيه بري في دعوته إلى تشكيل «الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية» تطبيقاً للفقرة «ح» من مقدمة الدستور وللمادة 95 من الدستور التي تقول ان «على مجلس النواب المنتخب على اساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين اتخاذ الإجراءات الملائمة لتحقيق إلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية، وتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية تضم، بالإضافة الى رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء، شخصيات سياسية وفكرية واجتماعية»؟
وهل استهدف البطريرك الماروني الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير في كلامه أول من أمس أمام وفد «تجمع الهيئات الإسلامية» الذي زاره في بكركي بقوله: «هناك أصوات نشاز نأمل ان تعود الى طبيعتها، وأن تتضافر جهود جميع اللبنانيين في سبيل خير وطنهم»؟
في الواقع، ان الرئيس بري لم يخطئ في دعوته الى تشكيل الهيئة، بل قام بواجب وطني ودستوري في آن واحد.
وخلافاً لردود الفعل التي أثارها طرح رئيس مجلس النواب في الأوساط المسيحية، فإن إلغاء الطائفية السياسية مرحلياً، بمعنى البدء بإلغائها من النفوس قبل النصوص كما عبّر عنه مراراً البطريرك الماروني شرطاً للقبول بإلغائها، من شأنه ـ أي الإلغاء ـ إفادة المسيحيين قبل المسلمين، وأن أجواء التخويف والترهيب التي وضعت المؤسسة الدينية المارونية المسيحيين فيها، وخصوصاً منذ حرب تموز 2006 وصولاً الى التعبئة النفسية التي قادها سيد بكركي ضد المقاومة وسلاحها، وكذلك ضد الشيعة المتحالفين مع سوريا وإيران، بعد تلك الحرب والتي بلغت أوجها عشية الانتخابات النيابية الأخيرة وأصابت بسهامها مسيحيي المعارضة وفي مقدمهم العماد ميشال عون وزعيم تيار «المردة» النائب والوزير السابق سليمان فرنجية ـ هذه الأجواء هي التي أملت على المؤسسة الدينية موقفها من طرح الرئيس بري، ووصف صوته بأنه «نشّاز».
بينما كان المطلوب من بكركي التي وفّرت التغطية لاتفاق الطائف، ان تقود حملة وطنية لفرض التطبيق الكامل لبنود هذا الاتفاق الذي بدا، في تطبيقه المجتزأ، كأنه قد أخرج المسيحيين من السلطة فقاطع فريق كبير منهم الانتخابات الأولى التي جرت بعد تطبيقه عام 1992 لاعتقادهم ان هذا الاتفاق كان «اتفاق إذعان» سلب رئيس الجمهورية المسيحي الماروني صلاحيات السلطة الإجرائية وأناطها بمجلس الوزراء الذي يرأسه مسلم سني، محولاً رئيس الجمهورية رئيس بروتوكول.
ولو بادرت بكركي الى قيادة هذه الحملة وضغطت على الحكم من أجل تطبيق تلك البنود، لكان مطلب تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية قد جاء في إطارها مطلباً شرعياً. ولكن، بدلاً من ذلك، انعكست الأحوال التي أفضت الى اتفاق الطائف، وفي مقدمها هزيمة الميليشيات المسيحية في حرب الجبل، بتواطؤ إسرائيلي، الى شعور المسيحيين بالإحباط، بل باليأس، فسلكوا طريق الهجرة. وقد بدت الأرض تحت أقدامهم رخوة فرحلوا أفواجاً دون أن يجدوا في طريقهم من يقنعهم بوجوب البقاء لأن لبنان هو وطنهم ووطن أجدادهم، وأن الكيان كلّف هؤلاء عشرات ألوف الشهداء والمشردين والمقهورين منذ العام 1840 حتى يومنا هذا.وعندما قيل للكنيسة إن عليها أن «تستعيد» الجبل، لا أن تعيد أهله إليه، أجابت بأنها لا تريد ان تُعطي مهجِّري (بكسر الجيم) المسيحيين صك براءة إذا ما سعت الى عقد مصالحة معهم إلا أنها اضطرت الى مصالحة سيد المختارة النائب وليد جنبلاط بعد قرابة عشرين سنة، واعتبرت هذه الخطوة «تاريخية».
وإذ ينظر المسيحيون اليوم الى ما آل إليه وضعهم، وخصوصاً بعدما انحدرت نسبة مشاركتهم العددية في الكيان من 57 في المئة في ستينيات القرن الماضي، الى ما يقرب من 34 في المئة حاليا، وانتقلوا من طائفة كبيرة ذات حضور وازن وصاحبة دور مؤثر في الدولة والمجتمع، الى أقلية تتناقص باستمرار في مواجهة أكثريتين إسلاميتين سنية وشيعية تتزايدان عددياً وتهيمنان، في نظرها، على السلطة بالمال والسلاح ولا تتركان فيه مكاناً للمسيحيين ـ وهم إذ ينظرون الى هذا الوضع يتساءلون: ما الحل؟
الجواب بسيط: ما دام المسيحيون قد تحولوا أقلية في الكيان الذين بنوه وكانوا أسياده، فإن طموحهم الأساسي يجب أن يتوجه الى الدور والنوعية. وهذان الأمران لا يتحققان إلا في ظل نظام مدني، غير طائفي. أي لا يقتصر إلغاء الطائفية فيه على الطائفية السياسية التي قامت قيامة المسيحيين بقيادة بكركي على الرئيس نبيه بري بسببها، بل على إلغاء طائفية النظام وإزالة الحواجز بين الطوائف، دون إلغاء الأخيرة أي فصل الدين عن الدولة، وجعل المواطنة فيها الأساس لا الانتماء الطائفي. واعتماد مقاييس العدالة والمساواة والكفاءة ـ وخصوصاً الكفاءة ـ في وظائف الدولة ـ وهذا من شأنه أن ينصف المسيحيين في الدرجة الأولى، وهم الذين كانوا يبررون في السابق استئثارهم بمعظم السلطات التي كانت موضوعة بين يدي رئيس الجمهورية الماروني، بأنهم أكثر كفاءة من سواهم، والأرفع تعلماً، والأكثر حداثة وعصرنة الخ... وقد أدى هذا الوضع «الشاذ» الى «الثورة الدستورية» في عهد الرئيس سليمان فرنجية والتي أنصفت المسلمين مرحلياً وكانت الأساس الذي بني عليه اتفاق الطائف. إلا ان تحقيق «الطموح المسيحي»، إذا كان هناك مجال بعد للطموح، في ظل الانقسام الحاد المسيحي وتعذّر المصالحة بين الأقطاب واستنزاف الكنيسة لقواها في الصراعات السياسية، وخصوصاً مع الشيعة و»حزب الله»، وكذلك في المواجهة مع فريق كبير من المسيحيين ـ فهو في إعادة النظر في هيكلية إدارة الشأن السياسي والوطني في المؤسسة الدينية المسيحية، أي في الصيغة التي ابتكرتها بكركي لإدارة «ما لقيصر» في ديار الإسلام الذي هو دين ودنيا، ونعني بها مجلس المطارنة.
ذلك أن صيغة مجلس المطارنة الذي يجتمع شهرياً ويناقش شؤون الدنيا السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ويتطرق أحياناً الى الشؤون الإقليمية والدولية، هي صيغة خجولة، وغير عملية. لأن السادة المطارنة، مع احترامنا لأشخاصهم ولطهارتهم بل وقداستهم، لا يمكن ان يختزلوا الرأي والموقف المسيحيين. كما انه ليست لديهم المعرفة والخبرة والأفق، وحتى السلطة المتوافرة لدى المجالس الموازية لدى الطوائف المحمدية ـ وخصوصاً في الشخصيات التي يتألف منها المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى (السني)، والمجلس الشيعي الأعلى واللذان يضمان وزراء ونواباً وسياسيين وأكاديميين... يشكلون رافداً مهماً في الرأي والمعرفة والخبرة والموقف السياسي الخ...
الى جانب ذلك، يجب ان يضم «المجلس الاستشاري» المسيحي، إذا جازت تسميته هكذا، شخصيات من سائر الطوائف المسيحية بحيث لا يقتصر التداول على الموارنة.
وفي خطوة متقدمة أكثر، ربما مطلوب من البطريرك الماروني الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير الذي يدخل عامه التسعين في شهر أيار المقبل، أن يسأل الله أن يلهمه الراحة بعدما عبر بالمسيحيين الى بر الأمان، بحيث تكون هناك مؤسسة جديدة يكون على رأسها راع جديد قادر على حمل الأمانة.
وتشير دراسة فرنسية مهمة لأحوال المسيحيين في لبنان والشرق، إلى أن مسيحيي لبنان قد استنفدوا مثالي العاميات والبطريرك الياس الحويك الذي وحّد اللبنانيين، مسيحيين ومسلمين وراء الاستقلال، و»أعطي مجد لبنان»، وأن عليهم ان يبتكروا صيغة صورة جديدة تأخذ في الاعتبار التطورات التي شهدها لبنان، وتنسجم مع الأوضاع في المنطقة وخصوصاً «الوجود المسيحي في ديار الإسلام».
آملين في أن ينظر المسيحيون الى دعوة الرئيس بري الى تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية على أنها دعوة مخلصة للسير بالقبائل اللبنانية على طريق الاندماج الوطني والخروج من الشرانق الطائفية والمذهبية التي تهدد بخنق لبنان على نحو يخدم المشروع الصهيوني في المنطقة، مذكّرين الموارنة خصوصاً بما ورد في الإرشاد الرسولي بأنه «لا يجوز أن تكـون المصـالحة أقل رسوخاً في النـفس من الانقسام».
(31/1/2010)
Page 5
لقمة الاغتراب المغمّسة بالدم:
إمبراطورية» لا تغيب عنها الشمس
«(...) وإننا نناضل من أجل إقامة وطن للمسيحيين
(...) ولكل الذين يرغبون في ذلك» .
بشير الجميل
(في خطاب عام 1982)
يغرق لبنانيون كثيرون في الحزن على ضحايا «طائرة الموت» الأثيوبية التي خطفت أرواح أكثر من 90 راكباً فجر الأحد ـ الإثنين، بينهم 54 لبنانياً معظمهم من الشيعة الجنوبيين، ومعهم عدد من المسيحيين والسنة والدروز وقد قذف بهم وطنهم إلى أبعد المهاجر وأظلمها، حيث يحاولون الهرب من الموت الذي يتربص بهم باستمرار في قارة تجتاحها الحروب الأهلية ولم يذق أهلها طعم السلام منذ بدأ يجلو عنها الاستعمار. كما تطاردهم إسرائيل لقطع رزقهم بعدما أذاقوها مرّ الهزيمة في حرب تموز التي سقط فيها أكثر من 1300 شهيد بين الجنوب والضاحية، حزن عليهم لبنانيون كثيرون، ولكن ليس جميع اللبنانيين مع أنهم قريبون إليهم في لحمهم ودمهم!
نقول إن ضحايا الطائرة من اللبنانيين خصوصاً، لم تحظ بحزن وطني جامع نظراً إلى أن هؤلاء قد فقدوا «الحس الوطني المشترك»، كما يسميه بعض الباحثين في علمي الاجتماع والنفس، منذ بداية الحرب اللبنانية عام 1975، وربما قبلها، حيث كل عنزة تعلقت بـ«كرعوبها». إذ قال مسيحيون لأهل لهم بعد انحياز السنّة إلى الفلسطينيين، «ما عاد ينعاش مع السنة»! ثم جاءت حرب الجبل عام 1983 فقال مسيحيون آخرون لأهل لهم: «ما عاد ينعاش مع الدروز»!
وبعد حرب تموز وأحداث 7 أيار في بيروت واستمرار المقاومة في حمل السلاح بعد انسحاب الإسرائيليين من الجنوب في 24 أيار 2000، قال مسيحيون، غالبيتهم مارونية لأهل لهم: «ما عاد ينعاش مع الشيعة»!
ومع فقدان التضامن الذي دعا إليه «الإرشاد الرسولي» والحس المشترك «للبنان التاريخي«، ارتخت الأرض تحت أقدام المسيحيين الذين يشكلون العدد الأكبر في «الدياسبورا» اللبنانية ففصلوا بين الأرض والوطن وراحوا يبيعون الأرض التي تحولت مساحة تقاس بالأمتار فحسب، ويغادرون الوطن بأعداد كبيرة قدرت بين منتصف الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي بأكثر من 80 ألف مواطن سنوياً، وانتشروا في أنحاء العالم «إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس»، لها كنائسها ومدارسها وأديارها...
وهكذا انكسرت صورة الوطن الواحد والشعب الواحد، وغدا العيش المشترك الذي نتغنى به اليوم أسطورة، والبعض يقول «تكاذباً مشتركاً» نظراً إلى انعدام العامل المشترك بين اللبنانيين.من هنا كان الحزن على ضحايا الطائرة جزئياً، وفئوياً. إذ من اللحظة الأولى التي أعلن فيها النبأ الفاجعة، سارع كل فريق إلى معرفة الهوية الطائفية، بل المذهبية، للركاب مما «خفّف» وطأة الحزن في بعض الأوساط وحصره في قرى وبلدات وعائلات معينة.
وهذا لعمري هو الخطر الذي يتربص بالوطن فيبدو مثل الطائرة الأثيــــوبية معرّضاً للسقوط في قاع البحر من دون أن يكون هناك إمكان لانتشال ولو كائناً حياً واحداً من الأعماق.
وإن كــــل ما يمكن انتــــشاله أشلاء، أو أجساد مشوهة مـــن دون رؤوس، أو أعضـــاء مشلّعة قد لا تتوصـــل اختبارات الحمـــض النووي إلى تحديد هويات أصحابها.
لذلك كانت دعوة رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى إنشاء الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية، في إطار بناء «طائرة» آمنة، مقاومة للأخطار والأنواء والعواصف تعيد مواطنين هجروا وطناً طارداً لهم، إلى وطن جاذب لأبنائه، يطمئن المقيمين فيه إلى مستقبلهم، ويحضن المغتربين ويحفظ لهم «مرقد العنزة» إلى الأبد.
وكم كانت مصادفة رائعة أن تعرض إحدى الهيئات المسيحية مسألة بيع الأراضي في كسروان وبعبدا والمتن، أبرز المعاقل المارونية، لمالكين خليجيين سعوديين أولاً، ثم كويتيين فإماراتيين، في الأسبوع الذي كان يتعرض فيه اقتراح الرئيس بري في شأن تأليف الهيئة لنوع من الإرهاب، خصوصاً من جانب فريق من المسيحيين، علماً أن المسلمين كانوا صرحوا أكثر من مرة بأنهم ضد إلغاء الطائفية السياسية إلا أنهم لا يعارضون البحث فيها لأنها واجب دستوري فرضه اتفاق الطائف الذي حاز إجماعاً مسيحياً ـ إسلامياً، وهذا ما طرحه الرئيس بري.
ففي المؤتمر الصحفي الذي عقده الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله في 30 تشرين الثاني الماضي لإعلان وثيقة الحزب، سئل عن «السبيل لإلغاء الطائفية السياسية من دون أي مشاكل في لبنان». فأجاب: «لنكن واقعيين. إلغاء الطائفية السياسية من أصعب الأمور. وللأسف الشديد فإن كثيراً ممن نادوا وينادون بإلغاء الطائفية السياسية ليسوا جادين في هذا الأمر. ويطلقونه كشعار سياسي كي يقولوا إننا منفتحون وحضاريون وكل ما شاكل (...) وفي كل الأحوال الدعوة التي وجهها الرئيس نبيه بري لتشكيل هيئة وطنية لإلغاء الطائفية السياسية استفزت البعض. ولا داعي لأن نستفز هذا البعض، لأننا عندما نقول بتشكيل مثل هذه الهيئة فلا يعني ذلك أننا ألغيناها. إذ يمكن أن يظل الحوار حول سبل إلغاء الطائفية السياسية خمس سنين أو عشر سنين أو عشرين أو ثلاثين سنة، الله أعلم. في النهاية لا أحد يقدر أن يقول كيف يمكن إلغاء الطائفية السياسية. يجب أن نجلس مع بعض ونتكلم بصراحة عن مخاوفنا وهواجسنا والتطمينات والضمانات. وكيف نقوم بالإلغاء. وممكن بعد نقاش طويل وعريض لا نضحك فيه على بعضنا البعض أن نصل إلى نتاج مفاده أن ما اتفق عليه في الطائف في هذه النقطة لا يمكن تحقيقه، فلا يمكن إلغاء الطائفية السياسية. إذاً فلنحافظ على النظام الطائفي، ولكن فلنحاول أن نصلح هذا النظام أو نعدّله أو نطوّره أو نحدّثه حتى لا نظل حيث نحن. وإن الخطوة الطبيعية في اتجاه هذا الهدف هي هــــيئة وطنية عليا تجلس وتحاور وتناقش بهدوء ومن دون ضغط أو عجلة. هذا الأمر هو الأساسي والحيوي».
وقد يكون أهم ما قاله نصر الله في مؤتمره الصحفي، وتجاهله الإعلام أو لم «يلتقطه»، هو جوابه عن سؤال يتعلق بنهائية الكيان اللبناني وبرأيه في أن لبنان «رسالة»، بفضل العيش المشترك الذي أدرج في مقدمة الدستور وجعل مقياساً للشرعية: «إن لبنان أكثر من رسالة، إنه نعمة». وأشار إلى ان لبنان بالنسبة إليه وإلى الشـــــيعة هو الأرض التـــي تضم رفات الشهداء والأجداد. لذلك تصبح مقدسة تستحق بذل الأرواح في سبيلها.
إمبراطورية» لا تغيب عنها الشمس
«(...) وإننا نناضل من أجل إقامة وطن للمسيحيين
(...) ولكل الذين يرغبون في ذلك» .
بشير الجميل
(في خطاب عام 1982)
يغرق لبنانيون كثيرون في الحزن على ضحايا «طائرة الموت» الأثيوبية التي خطفت أرواح أكثر من 90 راكباً فجر الأحد ـ الإثنين، بينهم 54 لبنانياً معظمهم من الشيعة الجنوبيين، ومعهم عدد من المسيحيين والسنة والدروز وقد قذف بهم وطنهم إلى أبعد المهاجر وأظلمها، حيث يحاولون الهرب من الموت الذي يتربص بهم باستمرار في قارة تجتاحها الحروب الأهلية ولم يذق أهلها طعم السلام منذ بدأ يجلو عنها الاستعمار. كما تطاردهم إسرائيل لقطع رزقهم بعدما أذاقوها مرّ الهزيمة في حرب تموز التي سقط فيها أكثر من 1300 شهيد بين الجنوب والضاحية، حزن عليهم لبنانيون كثيرون، ولكن ليس جميع اللبنانيين مع أنهم قريبون إليهم في لحمهم ودمهم!
نقول إن ضحايا الطائرة من اللبنانيين خصوصاً، لم تحظ بحزن وطني جامع نظراً إلى أن هؤلاء قد فقدوا «الحس الوطني المشترك»، كما يسميه بعض الباحثين في علمي الاجتماع والنفس، منذ بداية الحرب اللبنانية عام 1975، وربما قبلها، حيث كل عنزة تعلقت بـ«كرعوبها». إذ قال مسيحيون لأهل لهم بعد انحياز السنّة إلى الفلسطينيين، «ما عاد ينعاش مع السنة»! ثم جاءت حرب الجبل عام 1983 فقال مسيحيون آخرون لأهل لهم: «ما عاد ينعاش مع الدروز»!
وبعد حرب تموز وأحداث 7 أيار في بيروت واستمرار المقاومة في حمل السلاح بعد انسحاب الإسرائيليين من الجنوب في 24 أيار 2000، قال مسيحيون، غالبيتهم مارونية لأهل لهم: «ما عاد ينعاش مع الشيعة»!
ومع فقدان التضامن الذي دعا إليه «الإرشاد الرسولي» والحس المشترك «للبنان التاريخي«، ارتخت الأرض تحت أقدام المسيحيين الذين يشكلون العدد الأكبر في «الدياسبورا» اللبنانية ففصلوا بين الأرض والوطن وراحوا يبيعون الأرض التي تحولت مساحة تقاس بالأمتار فحسب، ويغادرون الوطن بأعداد كبيرة قدرت بين منتصف الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي بأكثر من 80 ألف مواطن سنوياً، وانتشروا في أنحاء العالم «إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس»، لها كنائسها ومدارسها وأديارها...
وهكذا انكسرت صورة الوطن الواحد والشعب الواحد، وغدا العيش المشترك الذي نتغنى به اليوم أسطورة، والبعض يقول «تكاذباً مشتركاً» نظراً إلى انعدام العامل المشترك بين اللبنانيين.من هنا كان الحزن على ضحايا الطائرة جزئياً، وفئوياً. إذ من اللحظة الأولى التي أعلن فيها النبأ الفاجعة، سارع كل فريق إلى معرفة الهوية الطائفية، بل المذهبية، للركاب مما «خفّف» وطأة الحزن في بعض الأوساط وحصره في قرى وبلدات وعائلات معينة.
وهذا لعمري هو الخطر الذي يتربص بالوطن فيبدو مثل الطائرة الأثيــــوبية معرّضاً للسقوط في قاع البحر من دون أن يكون هناك إمكان لانتشال ولو كائناً حياً واحداً من الأعماق.
وإن كــــل ما يمكن انتــــشاله أشلاء، أو أجساد مشوهة مـــن دون رؤوس، أو أعضـــاء مشلّعة قد لا تتوصـــل اختبارات الحمـــض النووي إلى تحديد هويات أصحابها.
لذلك كانت دعوة رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى إنشاء الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية، في إطار بناء «طائرة» آمنة، مقاومة للأخطار والأنواء والعواصف تعيد مواطنين هجروا وطناً طارداً لهم، إلى وطن جاذب لأبنائه، يطمئن المقيمين فيه إلى مستقبلهم، ويحضن المغتربين ويحفظ لهم «مرقد العنزة» إلى الأبد.
وكم كانت مصادفة رائعة أن تعرض إحدى الهيئات المسيحية مسألة بيع الأراضي في كسروان وبعبدا والمتن، أبرز المعاقل المارونية، لمالكين خليجيين سعوديين أولاً، ثم كويتيين فإماراتيين، في الأسبوع الذي كان يتعرض فيه اقتراح الرئيس بري في شأن تأليف الهيئة لنوع من الإرهاب، خصوصاً من جانب فريق من المسيحيين، علماً أن المسلمين كانوا صرحوا أكثر من مرة بأنهم ضد إلغاء الطائفية السياسية إلا أنهم لا يعارضون البحث فيها لأنها واجب دستوري فرضه اتفاق الطائف الذي حاز إجماعاً مسيحياً ـ إسلامياً، وهذا ما طرحه الرئيس بري.
ففي المؤتمر الصحفي الذي عقده الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله في 30 تشرين الثاني الماضي لإعلان وثيقة الحزب، سئل عن «السبيل لإلغاء الطائفية السياسية من دون أي مشاكل في لبنان». فأجاب: «لنكن واقعيين. إلغاء الطائفية السياسية من أصعب الأمور. وللأسف الشديد فإن كثيراً ممن نادوا وينادون بإلغاء الطائفية السياسية ليسوا جادين في هذا الأمر. ويطلقونه كشعار سياسي كي يقولوا إننا منفتحون وحضاريون وكل ما شاكل (...) وفي كل الأحوال الدعوة التي وجهها الرئيس نبيه بري لتشكيل هيئة وطنية لإلغاء الطائفية السياسية استفزت البعض. ولا داعي لأن نستفز هذا البعض، لأننا عندما نقول بتشكيل مثل هذه الهيئة فلا يعني ذلك أننا ألغيناها. إذ يمكن أن يظل الحوار حول سبل إلغاء الطائفية السياسية خمس سنين أو عشر سنين أو عشرين أو ثلاثين سنة، الله أعلم. في النهاية لا أحد يقدر أن يقول كيف يمكن إلغاء الطائفية السياسية. يجب أن نجلس مع بعض ونتكلم بصراحة عن مخاوفنا وهواجسنا والتطمينات والضمانات. وكيف نقوم بالإلغاء. وممكن بعد نقاش طويل وعريض لا نضحك فيه على بعضنا البعض أن نصل إلى نتاج مفاده أن ما اتفق عليه في الطائف في هذه النقطة لا يمكن تحقيقه، فلا يمكن إلغاء الطائفية السياسية. إذاً فلنحافظ على النظام الطائفي، ولكن فلنحاول أن نصلح هذا النظام أو نعدّله أو نطوّره أو نحدّثه حتى لا نظل حيث نحن. وإن الخطوة الطبيعية في اتجاه هذا الهدف هي هــــيئة وطنية عليا تجلس وتحاور وتناقش بهدوء ومن دون ضغط أو عجلة. هذا الأمر هو الأساسي والحيوي».
وقد يكون أهم ما قاله نصر الله في مؤتمره الصحفي، وتجاهله الإعلام أو لم «يلتقطه»، هو جوابه عن سؤال يتعلق بنهائية الكيان اللبناني وبرأيه في أن لبنان «رسالة»، بفضل العيش المشترك الذي أدرج في مقدمة الدستور وجعل مقياساً للشرعية: «إن لبنان أكثر من رسالة، إنه نعمة». وأشار إلى ان لبنان بالنسبة إليه وإلى الشـــــيعة هو الأرض التـــي تضم رفات الشهداء والأجداد. لذلك تصبح مقدسة تستحق بذل الأرواح في سبيلها.
Page 6
عن هذه «النعمة» ندعو اللبنانيين، والمسيحيين خصوصاً، إلى جعل الهدف الأسمى لإلغاء الطائفية السياسية، إلغاء الطائفية عموماً من النفوس والنصوص معاً، وإزالة الحواجز بين الطوائف، بما يفتح الطوائف بعضها على بعض، عيشاً، وتزاوجاً، واختلاطاً في الدم، وصولاً إلى مواطنية واحدة، وشعب واحد فوق أرض واحدة، وربما إلى أمة واحدة هي الأمة اللبنانية بمفهومها العلمي والواقعي. وهذا يتطلب وقتاً وعـــــادات وتقاليد. والوقــت أيضاً يتطلب وقتاً على ما قال ميشال شيحا.
وهكذا يعود إلى الاتحاد بأرضه، يعطيها من عرق جبينه وحتى دمه، فتعطيه خيراً وعزة وكرامة فلا يبيعها لأي كــــان، ويتشـــبث بها فلا يغادرها إلى غير رجعة كما يحصل حالياً.
كما لا تعود هناك حاجة إلى طرح استعادة الجنسية ولا إلى اقتراع المغتربين. ولا يطرح أساساً موضوع اقتراع من بلغ 18 عاماً من اللبنانيين لأنهم سيصبحون متساوين كمواطنين في الحقوق والواجبات، تحت مظلة المواطنية أساساً للمساواة.
وقد سئل ألكسي دوتوكفيل، القاضي الفرنسي الذي جال في الولايات المتحدة الأميركية عام 1831 محاولاً اكتشاف أسرار الديموقراطية الفتية في العالم الجديد: ما هو أكثـــر ما لفتك من أسرار هذه الديموقراطية؟
فأجاب: ثلاثة عوامل: 1 ـ نظرة أهلها إلى الأرض بدلاً من النظر إلى السماء، مصدراً للحرية وينبوع خيرات. 2 ـ التزاوج بين الجماعات المختلفة الألوان والأعراق. 3 ـ المساواة بين أفراد وضعوا شريعة للحكم والحياة فمالوا إليها وانقادوا لها دون عناء، واحتُرمت فيها سلطة الحكومة على أنها ضرورية لا إلهية. وقد توافرت لكل مواطن حقوقه، وأمّن الحفاظ على هذه الحقوق، فنشأت بين الطبقات ثقة متينة العرى وضرب من التنازل المتبادل بعيداً من العجرفة بعده عن الصغارة».
وأضاف: ولذلك أخذت الطبقات تختلط، والحواجز المرفوعة بين الناس تتدنى، والأملاك تتقسم، والسلطة تتوزع، وأضواء المعرفة تنتشر، والعقول تتساوى، والوضــع الاجتماعي يستــــحيل ديموقراطية، ويستوي سلطان الديموقراطية آمناً في المؤسسات والتقاليد.
وإذ سأل هو عما إذا كان تعدد المذاهب لا يؤدي إلى التنافر والانقسام، أُجيب: «إن تعدد المذاهب أدى إلى التسامح. إذ لو كان هناك دينان أو مذهبان فقط لقطع أحدهما عنق الآخر أو دقّه».
ما هو الطريق إلى «النعمة» أو «الحياة المشتركة»؟
يجيب فيلسوف لبنان شارك مالك بـ«التكيّف». وهو الذي أدلى بشهادة أمام الكونغرس الأميركي في 16 آب 1978 قال فيها إن «لبنان مريض ويرفض تناول الدواء، لذلك يجب أن يُعطى الدواء بالقوة».
وكان مالك طرح فكرة التكيّف حلاً للصراع العربي ـ الإسرائيلي، منتصف سبعينيات القرن الماضي، على أساس أن لا مجال لإقامة «دولة ديموقراطية» في فلسطين، كما كان مطروحاً آنذاك من زعيم حركة «فتح» ياسر عرفات، إلا بعد اختبار إمكانات التعايش أو التكيّف، حتى إذا ما نجحت تجربة تكيّف الفلسطينيين والإسرائيليين في العيش معاً فوق أرض واحدة، تم الانتقال إلى البحث في السلام والتطبيع الخ... وإلا فلا مجال إلا لدولتين واحدة يهودية، وأخرى عربية إسلامية ـ مسيحية مختلطة.
وقد طرح مالك نظريته هذه في أمسية نظمها «نادي النسور» الذي يضم متخرجي الانترناشول كولدج، ودُعيت إليها مع الزميل جهاد الخازن الــذي كان آنذاك رئيساً لتحرير جريدة «الدايلي ستار» باللغة الانكليزية.
وأفاض فيلسوف لبنان في شرح نظريتيه مستبعداً إمكان قيام دولة ديموقراطية في فلسطين. وما ان فرغ من حديثه حتى ران صمت مطبق على المكان. ولم يبادر أحد إلى مناقشة مالك في أطروحته. فكان أن وقفت ورحت أناقش الرجل في ما قال معتبراً ذلك ترويجاً للمشروع الصهيوني في فلسطين، وتبريراً لاغتصاب الأرض الفلسطينية ودعــــوة للاستسلام أمام المشروع الصهيوني المعادي للبنان وفلسطين.
فاستشاط الرجل غضباً وقال: «يا ابني، من أنت حتى تنـــــاقش شارل مالك؟ فأنا أتحدث إلى التاريخ. ومسؤول عن كــــلامي بعد 150 سنة، بينما أنت الصحفي لا تستطيع أن تكون مــــسؤولاً عن كلامــك أكثر من 24 ساعة تفصل بين عدد وعدد من جريدتك».
فانبريت له قائلاً: «عفواً، إني لم أعرف أني أناقش شخصاً يقول كلاماً مُنزلاً كأنه إنجيل. وإني لآسف أن يكون رجل بجبروتك لا يتحدث إلا إلى التاريخ يفتقر إلى التواضع، ويرفض محاورة البشر. وإني لأعجب كيف يصغي إليك التاريخ يا أيــها الفيلسوف النــــبي الذي يعتبر كــلامه مقدساً وغير قابل للمناقـــشة».
وعلى الفور نهض شارل مالك، وقال: «إني أعتذر منك أيها الشاب. وأرجوك أن تقبل اعتذاري أمام الجميع. فأنـــا لم أقصد إهانتك».
ونشر الزميل جهاد الخــازن في اليوم التالي خلاصة لما جرى في الصفحة الأولى من «الدايلي ستار»، وأرسل إليّ قصاصة منها مع بطاقة شخصية يقول فيها: «احتفظ يا صديقي العزيز بهذه القصاصة لتعرضها ذات يوم على أحفادك وتقول لهم إنك تصدّيت لفيلسوف لبنان وقارعته ودافعت عن لبنان وفلسطين».
إن «النعمة» التي نصبو إليها عبر إلغاء الطائفية والتي ستكون مادة للبنان «الرسالة» أرادها البابا للبنان في «الإرشاد الرسولي»، يجب أن تجد طريقها عبر تكيّف «شعوب» لبنان واندماجها في بوتقة حضارية تجعل منـــه متحداً اجتماعياً واحداً، متنوع الدين والمذهب والإثنية والثقافة.
وبذلك يصبح لبنان كياناً نهائياً.
(28/1/2010)
وهكذا يعود إلى الاتحاد بأرضه، يعطيها من عرق جبينه وحتى دمه، فتعطيه خيراً وعزة وكرامة فلا يبيعها لأي كــــان، ويتشـــبث بها فلا يغادرها إلى غير رجعة كما يحصل حالياً.
كما لا تعود هناك حاجة إلى طرح استعادة الجنسية ولا إلى اقتراع المغتربين. ولا يطرح أساساً موضوع اقتراع من بلغ 18 عاماً من اللبنانيين لأنهم سيصبحون متساوين كمواطنين في الحقوق والواجبات، تحت مظلة المواطنية أساساً للمساواة.
وقد سئل ألكسي دوتوكفيل، القاضي الفرنسي الذي جال في الولايات المتحدة الأميركية عام 1831 محاولاً اكتشاف أسرار الديموقراطية الفتية في العالم الجديد: ما هو أكثـــر ما لفتك من أسرار هذه الديموقراطية؟
فأجاب: ثلاثة عوامل: 1 ـ نظرة أهلها إلى الأرض بدلاً من النظر إلى السماء، مصدراً للحرية وينبوع خيرات. 2 ـ التزاوج بين الجماعات المختلفة الألوان والأعراق. 3 ـ المساواة بين أفراد وضعوا شريعة للحكم والحياة فمالوا إليها وانقادوا لها دون عناء، واحتُرمت فيها سلطة الحكومة على أنها ضرورية لا إلهية. وقد توافرت لكل مواطن حقوقه، وأمّن الحفاظ على هذه الحقوق، فنشأت بين الطبقات ثقة متينة العرى وضرب من التنازل المتبادل بعيداً من العجرفة بعده عن الصغارة».
وأضاف: ولذلك أخذت الطبقات تختلط، والحواجز المرفوعة بين الناس تتدنى، والأملاك تتقسم، والسلطة تتوزع، وأضواء المعرفة تنتشر، والعقول تتساوى، والوضــع الاجتماعي يستــــحيل ديموقراطية، ويستوي سلطان الديموقراطية آمناً في المؤسسات والتقاليد.
وإذ سأل هو عما إذا كان تعدد المذاهب لا يؤدي إلى التنافر والانقسام، أُجيب: «إن تعدد المذاهب أدى إلى التسامح. إذ لو كان هناك دينان أو مذهبان فقط لقطع أحدهما عنق الآخر أو دقّه».
ما هو الطريق إلى «النعمة» أو «الحياة المشتركة»؟
يجيب فيلسوف لبنان شارك مالك بـ«التكيّف». وهو الذي أدلى بشهادة أمام الكونغرس الأميركي في 16 آب 1978 قال فيها إن «لبنان مريض ويرفض تناول الدواء، لذلك يجب أن يُعطى الدواء بالقوة».
وكان مالك طرح فكرة التكيّف حلاً للصراع العربي ـ الإسرائيلي، منتصف سبعينيات القرن الماضي، على أساس أن لا مجال لإقامة «دولة ديموقراطية» في فلسطين، كما كان مطروحاً آنذاك من زعيم حركة «فتح» ياسر عرفات، إلا بعد اختبار إمكانات التعايش أو التكيّف، حتى إذا ما نجحت تجربة تكيّف الفلسطينيين والإسرائيليين في العيش معاً فوق أرض واحدة، تم الانتقال إلى البحث في السلام والتطبيع الخ... وإلا فلا مجال إلا لدولتين واحدة يهودية، وأخرى عربية إسلامية ـ مسيحية مختلطة.
وقد طرح مالك نظريته هذه في أمسية نظمها «نادي النسور» الذي يضم متخرجي الانترناشول كولدج، ودُعيت إليها مع الزميل جهاد الخازن الــذي كان آنذاك رئيساً لتحرير جريدة «الدايلي ستار» باللغة الانكليزية.
وأفاض فيلسوف لبنان في شرح نظريتيه مستبعداً إمكان قيام دولة ديموقراطية في فلسطين. وما ان فرغ من حديثه حتى ران صمت مطبق على المكان. ولم يبادر أحد إلى مناقشة مالك في أطروحته. فكان أن وقفت ورحت أناقش الرجل في ما قال معتبراً ذلك ترويجاً للمشروع الصهيوني في فلسطين، وتبريراً لاغتصاب الأرض الفلسطينية ودعــــوة للاستسلام أمام المشروع الصهيوني المعادي للبنان وفلسطين.
فاستشاط الرجل غضباً وقال: «يا ابني، من أنت حتى تنـــــاقش شارل مالك؟ فأنا أتحدث إلى التاريخ. ومسؤول عن كــــلامي بعد 150 سنة، بينما أنت الصحفي لا تستطيع أن تكون مــــسؤولاً عن كلامــك أكثر من 24 ساعة تفصل بين عدد وعدد من جريدتك».
فانبريت له قائلاً: «عفواً، إني لم أعرف أني أناقش شخصاً يقول كلاماً مُنزلاً كأنه إنجيل. وإني لآسف أن يكون رجل بجبروتك لا يتحدث إلا إلى التاريخ يفتقر إلى التواضع، ويرفض محاورة البشر. وإني لأعجب كيف يصغي إليك التاريخ يا أيــها الفيلسوف النــــبي الذي يعتبر كــلامه مقدساً وغير قابل للمناقـــشة».
وعلى الفور نهض شارل مالك، وقال: «إني أعتذر منك أيها الشاب. وأرجوك أن تقبل اعتذاري أمام الجميع. فأنـــا لم أقصد إهانتك».
ونشر الزميل جهاد الخــازن في اليوم التالي خلاصة لما جرى في الصفحة الأولى من «الدايلي ستار»، وأرسل إليّ قصاصة منها مع بطاقة شخصية يقول فيها: «احتفظ يا صديقي العزيز بهذه القصاصة لتعرضها ذات يوم على أحفادك وتقول لهم إنك تصدّيت لفيلسوف لبنان وقارعته ودافعت عن لبنان وفلسطين».
إن «النعمة» التي نصبو إليها عبر إلغاء الطائفية والتي ستكون مادة للبنان «الرسالة» أرادها البابا للبنان في «الإرشاد الرسولي»، يجب أن تجد طريقها عبر تكيّف «شعوب» لبنان واندماجها في بوتقة حضارية تجعل منـــه متحداً اجتماعياً واحداً، متنوع الدين والمذهب والإثنية والثقافة.
وبذلك يصبح لبنان كياناً نهائياً.
(28/1/2010)
Page 7
نحو مارونية سـياسية عربيـة
تلبنن المشرق بقيمها وبهائها
«ان سورية تستمد أهميتها ليس فقط من موقعها الوسط بين أوروبا ومصر، بل من سكانها الذين يشكل الموارنة نواتهم، والذين يعيشون موحّدين تحت سلطة الأمير بشير»
ألفونس دو لامارتين
(مجلس النواب الفرنسي في 6/8/(1846
لاحظ المراقبون حدّة غير معهودة رافقتها غصّة عميقة، في الرسالة التي وجهها البطريرك الماروني الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير الاثنين الماضي إلى أبناء الطائفة في لبنان والمهجر لمناسبة بدء الصوم الكبير ومع انطلاقة الاحتفالات بذكرى مرور 1600 سنة على وفاة القديس مار مارون شفيع الطائفة والذي صادف عيده أول من أمس الثلاثاء. وقد تجسّد الانقسام في صفوف الموارنة في القداسين الاحتفاليين اللذين أقيما في العيد، الأول في كاتدرائية القديس جاورجيوس للموارنة في وسط بيروت، وترأسه البطريرك صفير وحضره الرؤساء ميشال سليمان ونبيه بري وسعد الحريري، وأركان الدولة وسياسيون من فريقي الحكم غالبيتهم من مسيحيي 14 آذار مطعّمين بمجموعة من «التيار الوطني الحر» الذين لم يرافقوا زعيمه العماد ميشال عون إلى براد في منطقة حلب بسوريا حيث أقيم الاحتفال الثاني بحضور أركان مسيحيي المعارضة وفي مقدمهم الرئيس السابق اميل لحود، والعماد ميشال عون، والنائب والوزير السابق سليمان فرنجية، ونواب ووزراء وسياسيين من الفريق المعارض لسياسة البطريرك وتوجهاتها الداخلية والخارجية على السواء.
وكان البطريرك قد سُئل، في حوار أجرته معه مجلة «المسيرة»، الناطقة باسم «القوات اللبنانية»، هل سيزور سوريا، وكانت مناسبة احتفال براد في الأفق، فأجاب: «لن نزور سوريا إلا وطائفتنا معنا»، في إشارة غير مباشرة إلى ان طائفته ليست معه في أمور كثيرة، بل ان أكثر من نصفها ليس معه في أهم موضوعين هما: العلاقات مع سوريا والموقف من المقاومة وسلاحها... وقال هذا الفريق كلمته في الاحتفال الذي أقيم في براد الانطاكية بعد ثلاثة أيام من نشر تصريح صفير الذي جاء فيه أيضاً: «ان فرص الحرب قائمة في استمرار ما دام «حزب الله» يريد ان يقوم مقام الدولة. والطرف الذي يملك السلاح يستقوي على الآخرين»، متجاهلاً بذلك التهديدات الإسرائيلية المتكررة للبنان والخروق اليومية للطيران الحربي الإسرائيلي للأجواء اللبنانية وما تنطوي عليه من تحد للمجتمع الدولي وللأمم المتحدة وللقرار 1701.
ولعل أخطر ما تضمنته الرسالة نعي المشروع الذي رمى إلى «مورنة» العرب أو لبننتهم، وقد حدد صفير هذا المشروع بأنه «مشروع حرية رمزها لبنان. وإن مشروع الموارنة، كما مشروع اللبنانيين، هو تحرير الانسان. وهو مشروع مرفوع على ملتقى القارات الثلاث، يجسّد مصير الشرق كله: مصير المعذّبين، والمتألمين، والمهمّشين فيه، والمطرودين من أوطانهم، والمضطهدين في حرياتهم بحيث تتلاقى في وطن الأرز أمنياتهم وتطلعاتهم إلى الأرض والحرية».
وأضاف: «لقد أعطى القديس مارون كنيستنا وشعبنا ووطننا احد المبررات الأساسية لتكون لنا قضية (...) انسانية حضارية لاهوتية تجسّدت في الميثاق بين اللبنانيين (...) وقد حوّل هذا الميثاق لبنان من موئل إلى معقل، ومن منفى إلى وطن، فصار وطن الأقليات بشراً، ووطن الأكثريات حضارة، فأصبح خلاصة الشرق والوارث البكر للثروة المشرقية».
ورأى في بيع الأرض والهجرة أكبر خطرين يهددان هذا الوطن، ويظهران فشل المشروع الذي يبدو كأنه معلّق بين الأرض والسماء، منعزل عن محيطه العربي الذي دعا الإرشاد الرسولي إلى أخذه في الاعتبار ضماناً لمستقبل المسيحيين في الشرق.
ففي الإرشاد الذي أعلنه البابا لدى زيارته لبنان في 10 أيار 1997 بعنوان «رجاء جديد للبنان»، دعوة إلى «انفتاحات الحوار مع العالم العربي، وانخراط المسيحيين في الثقافة العربية والتضامن مع قضايا العالم العربي ومنها القضية الفلسطينية».
فأين نحن الآن من هذا التضامن مع قضية فلسطين ومقاومة إسرائيل ومشروعها الاستيطاني والاحتلالي، عندما يضيف البطريرك إلى خطر ترك الوطن وبيع الأرض «خطر» المقاومة وسلاحها المكرّس للدفاع عن الأرض وريّها بدماء الشهداء والتشبّث بها لأن ترابها أصبح مقدساً بعدما افتدته أرواح الشهداء، وحرب تموز 2006 ليست ببعيدة وقد استشهد فيها بصواريخ الإسرائيليين ومدافعهم أكثر من 1300 لبناني؟
ففي موضوع الأرض يقول البطريرك بلوعة وأسى: «ان أرض لبنان أمّ تجب محبتها، فقيرة كانت أم غنية. انها الأرض المغذية التي تختزن كنوز التاريخ (...) وطبعت جميع الذين أبصروا النور عليها وضمنهم، في مساء العمر إلى صدرها ليروي الخلف عن السلف ما نسجه في حياته من تاريخ».
ويضيف: «ان الذين يتخلون عن أرضهم عن طريق بيعها، وخصوصًا من غير اللبنانيين، إنما ينتهكون حرمة وطنهم وخاصة الذين يرقدون في طبقاتها على رجاء القيامة السعيدة».
وحبذا لو توسّع الراعي الكبير وشرح للبنانيين، مسيحيين ومسلمين، لماذا يبيع مسيحيون أرضهم ويغادرون الوطن إلى غير رجعة، في حين يموت آخرون من أجل الأرض نفسها، ويقدّسونها لأنها ارتوت بدماء الشهداء ولأنها تحضن تراب الأجداد، ذلك التراب الذي يجعل الأرض وطناً، وطناً نهائياً على ما قال الإمام موسى الصدر ثم نائبه الشيخ محمد مهدي شمس الدين، فالأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله في آخر شهر تشرين الثاني الماضي لدى إعلانه وثيقة الحزب. وكانت عبارة «الوطن النهائي بحدوده الحاضرة سيداً حراً مستقلا، عربياً في محيطه وواقعه ومصيره»، وردت، في بيان اصدره المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى برئاسة الإمام الصدر في 1977/5/11، ثم تضمنتها وثيقة «الثوابت الإسلامية» في 10/3/1985.أما في موضوع المقاومة الحاضنة للأرض، فيقول صفير: «ان التهديد بالسلاح إنهاء لهوية لبنان ومعناه ودوره وحينئذ يصبح البلد مربوطاً بمرجعيات خارجية ليس بالمعنى الثقافي فحسب، بل بالمعاني السياسية والعسكرية والأيديولوجية والمذهبية أيضاّ».
تلبنن المشرق بقيمها وبهائها
«ان سورية تستمد أهميتها ليس فقط من موقعها الوسط بين أوروبا ومصر، بل من سكانها الذين يشكل الموارنة نواتهم، والذين يعيشون موحّدين تحت سلطة الأمير بشير»
ألفونس دو لامارتين
(مجلس النواب الفرنسي في 6/8/(1846
لاحظ المراقبون حدّة غير معهودة رافقتها غصّة عميقة، في الرسالة التي وجهها البطريرك الماروني الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير الاثنين الماضي إلى أبناء الطائفة في لبنان والمهجر لمناسبة بدء الصوم الكبير ومع انطلاقة الاحتفالات بذكرى مرور 1600 سنة على وفاة القديس مار مارون شفيع الطائفة والذي صادف عيده أول من أمس الثلاثاء. وقد تجسّد الانقسام في صفوف الموارنة في القداسين الاحتفاليين اللذين أقيما في العيد، الأول في كاتدرائية القديس جاورجيوس للموارنة في وسط بيروت، وترأسه البطريرك صفير وحضره الرؤساء ميشال سليمان ونبيه بري وسعد الحريري، وأركان الدولة وسياسيون من فريقي الحكم غالبيتهم من مسيحيي 14 آذار مطعّمين بمجموعة من «التيار الوطني الحر» الذين لم يرافقوا زعيمه العماد ميشال عون إلى براد في منطقة حلب بسوريا حيث أقيم الاحتفال الثاني بحضور أركان مسيحيي المعارضة وفي مقدمهم الرئيس السابق اميل لحود، والعماد ميشال عون، والنائب والوزير السابق سليمان فرنجية، ونواب ووزراء وسياسيين من الفريق المعارض لسياسة البطريرك وتوجهاتها الداخلية والخارجية على السواء.
وكان البطريرك قد سُئل، في حوار أجرته معه مجلة «المسيرة»، الناطقة باسم «القوات اللبنانية»، هل سيزور سوريا، وكانت مناسبة احتفال براد في الأفق، فأجاب: «لن نزور سوريا إلا وطائفتنا معنا»، في إشارة غير مباشرة إلى ان طائفته ليست معه في أمور كثيرة، بل ان أكثر من نصفها ليس معه في أهم موضوعين هما: العلاقات مع سوريا والموقف من المقاومة وسلاحها... وقال هذا الفريق كلمته في الاحتفال الذي أقيم في براد الانطاكية بعد ثلاثة أيام من نشر تصريح صفير الذي جاء فيه أيضاً: «ان فرص الحرب قائمة في استمرار ما دام «حزب الله» يريد ان يقوم مقام الدولة. والطرف الذي يملك السلاح يستقوي على الآخرين»، متجاهلاً بذلك التهديدات الإسرائيلية المتكررة للبنان والخروق اليومية للطيران الحربي الإسرائيلي للأجواء اللبنانية وما تنطوي عليه من تحد للمجتمع الدولي وللأمم المتحدة وللقرار 1701.
ولعل أخطر ما تضمنته الرسالة نعي المشروع الذي رمى إلى «مورنة» العرب أو لبننتهم، وقد حدد صفير هذا المشروع بأنه «مشروع حرية رمزها لبنان. وإن مشروع الموارنة، كما مشروع اللبنانيين، هو تحرير الانسان. وهو مشروع مرفوع على ملتقى القارات الثلاث، يجسّد مصير الشرق كله: مصير المعذّبين، والمتألمين، والمهمّشين فيه، والمطرودين من أوطانهم، والمضطهدين في حرياتهم بحيث تتلاقى في وطن الأرز أمنياتهم وتطلعاتهم إلى الأرض والحرية».
وأضاف: «لقد أعطى القديس مارون كنيستنا وشعبنا ووطننا احد المبررات الأساسية لتكون لنا قضية (...) انسانية حضارية لاهوتية تجسّدت في الميثاق بين اللبنانيين (...) وقد حوّل هذا الميثاق لبنان من موئل إلى معقل، ومن منفى إلى وطن، فصار وطن الأقليات بشراً، ووطن الأكثريات حضارة، فأصبح خلاصة الشرق والوارث البكر للثروة المشرقية».
ورأى في بيع الأرض والهجرة أكبر خطرين يهددان هذا الوطن، ويظهران فشل المشروع الذي يبدو كأنه معلّق بين الأرض والسماء، منعزل عن محيطه العربي الذي دعا الإرشاد الرسولي إلى أخذه في الاعتبار ضماناً لمستقبل المسيحيين في الشرق.
ففي الإرشاد الذي أعلنه البابا لدى زيارته لبنان في 10 أيار 1997 بعنوان «رجاء جديد للبنان»، دعوة إلى «انفتاحات الحوار مع العالم العربي، وانخراط المسيحيين في الثقافة العربية والتضامن مع قضايا العالم العربي ومنها القضية الفلسطينية».
فأين نحن الآن من هذا التضامن مع قضية فلسطين ومقاومة إسرائيل ومشروعها الاستيطاني والاحتلالي، عندما يضيف البطريرك إلى خطر ترك الوطن وبيع الأرض «خطر» المقاومة وسلاحها المكرّس للدفاع عن الأرض وريّها بدماء الشهداء والتشبّث بها لأن ترابها أصبح مقدساً بعدما افتدته أرواح الشهداء، وحرب تموز 2006 ليست ببعيدة وقد استشهد فيها بصواريخ الإسرائيليين ومدافعهم أكثر من 1300 لبناني؟
ففي موضوع الأرض يقول البطريرك بلوعة وأسى: «ان أرض لبنان أمّ تجب محبتها، فقيرة كانت أم غنية. انها الأرض المغذية التي تختزن كنوز التاريخ (...) وطبعت جميع الذين أبصروا النور عليها وضمنهم، في مساء العمر إلى صدرها ليروي الخلف عن السلف ما نسجه في حياته من تاريخ».
ويضيف: «ان الذين يتخلون عن أرضهم عن طريق بيعها، وخصوصًا من غير اللبنانيين، إنما ينتهكون حرمة وطنهم وخاصة الذين يرقدون في طبقاتها على رجاء القيامة السعيدة».
وحبذا لو توسّع الراعي الكبير وشرح للبنانيين، مسيحيين ومسلمين، لماذا يبيع مسيحيون أرضهم ويغادرون الوطن إلى غير رجعة، في حين يموت آخرون من أجل الأرض نفسها، ويقدّسونها لأنها ارتوت بدماء الشهداء ولأنها تحضن تراب الأجداد، ذلك التراب الذي يجعل الأرض وطناً، وطناً نهائياً على ما قال الإمام موسى الصدر ثم نائبه الشيخ محمد مهدي شمس الدين، فالأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله في آخر شهر تشرين الثاني الماضي لدى إعلانه وثيقة الحزب. وكانت عبارة «الوطن النهائي بحدوده الحاضرة سيداً حراً مستقلا، عربياً في محيطه وواقعه ومصيره»، وردت، في بيان اصدره المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى برئاسة الإمام الصدر في 1977/5/11، ثم تضمنتها وثيقة «الثوابت الإسلامية» في 10/3/1985.أما في موضوع المقاومة الحاضنة للأرض، فيقول صفير: «ان التهديد بالسلاح إنهاء لهوية لبنان ومعناه ودوره وحينئذ يصبح البلد مربوطاً بمرجعيات خارجية ليس بالمعنى الثقافي فحسب، بل بالمعاني السياسية والعسكرية والأيديولوجية والمذهبية أيضاّ».
Page 8
وإننا لنعجب لمثل هذا الكلام معطوفاً على ما سبق ان ورد على لسان البطريرك من كلام في حق المقاومة وسلاحها لمجلة «المسيرة» من أنه يجعل «فرص الحرب قائمة باستمرار» ـ اننا حقاً لنعجب لمثل هذا الكلام على الحرب والسلاح والمقاومة من رجل دين ماروني بمقام البطريرك وعندما يكون رئيس البلاد، رئيس البطريرك، مارونياً مشهوداً له بالوطنية، وقائداً سابقاً للجيش وكذلك عندما يكون قائد الجيش مارونياً هو الآخر و«شغلته» الأساسية السلاح والمقاومة والدفاع عن الوطن! لماذا كل هذا الارتباك في موقف سيد بكركي، ولا أقول الكنيسة المارونية؟
تقول الباحثة المرموقة المتخصصة في المسيحية المشرقية اليزابيت بيكار في دراسة حديثة أجرتها بعد اتفاق الطائف: «ان الطائف استبدل النظام السياسي ذا الطابع التسلّطي والقائم على الهيمنة المسيحية، وعلى الأخص المارونية بنظام مشترك بين كل الطوائف، مجرّد من الوهم التأسيسي. وقد أعيد النظر في الميثاق الوطني، وثبتّت الطائفية السياسية الأمر الذي أحدث انشقاقاً جذرياً في استمرار الدولة التي كانت مركّزة على بنية مسيحية. وبدا لبنان غير مطمئن إلى مستقبله كدولة، بالنظر إلى العلاقات بين قوى المنطقة وافتقاره إلى حس مشترك جديد بين مكوناته».
وأضافت: «إن أزمة المسيحيين هي علامة تنذر بإعادة التركيب الجارية في المدى الشرق ـ أوسطي، أكثر منها مسألة قديمة لا تخص إلا فئة معينة ومحددة».
ماذا تريد الكنيسة المارونية؟
وماذا أراد المسيحيون من الطائف؟
تفيد القراءة التحليلية لمقدمة الدستور وللاصلاحات التي جرت بموجب اتفاق الطائف، بوجود معادلتين مهمتين كان لسوريا دور في الوصول إليهما، وتتأثر التركيبة الجديدة للنظام بها.
المعادلة الأولى: الوطن النهائي في مقابل الصلاحيات.
المعادلة الثانية: لبنان عربي في مقابل استمرار الرئاسة الأولى في يد الموارنة.
وقد دفع المسيحيون أغلى الأثمان بالتنازل عن السلطة الإجرائية والصلاحيات الواسعة التي كان يتمتع بها الرئيس الماروني، في سبيل إقرار المسلمين اللبنانيين، ومعهم سوريا والعرب، بنهائية الوطن اللبناني. وكان المطلب الأساسي لسوريا وبعض العرب انتزاع سلطة القرار في الدولة من رئيس الجمهورية المسيحي الماروني ووضعها في عهدة مجلس الوزراء الذي يرأسه مسلم سني، بعد تعامل فريق قيادي من المسيحيين، والموارنة خصوصاً، مع إسرائيل وتسهيل اجتياح لبنان عام 1982.
وقد نقل المحامي كريم بقرادوني عن الرئيس الراحل حافظ الأسد، انه كلما حاول أخذ المسيحيين، والموارنة خصوصاً، إلى العرب، كان يُفاجأ بارتمائهم في أحضان إسرائيل عدوة اللبنانيين والعرب والمسلمين.
وروى الدكتور لوسيان الدحداح، شقيق صهر الرئيس سليمان فرنجية (رودريك الدحداح) الذي كلفه رئيس الجمهورية التفاوض مع الرئيس حافظ الأسد الذي كان زميله في الدراسة في فرير اللاذقية حول مشروع «الوثيقة الدستورية»، ان أكثر ما كان يقلق الرئيس السوري هو تعامل فريق من المسيحيين الموارنة مع إسرائيل وعدم اعتبارهم إياها عدوة.
وتناول في نهاية احدى الجلسات ورقة بيضاء وقال للدحداح: «ماذا يريد الموارنة من سوريا؟ خذ هذه الورقة إلى البطريرك (كان آنذاك مار انطونيوس بطرس خريش) واطلب منه ان يدوّن عليها كل ما تريده بكركي من دمشق، على ان يترك في أسفلها مكاناً لسطر واحد يتعهد فيه البطريرك بقطع علاقات المسيحيين، وخصوصاً الموارنة، بإسرائيل. ويكون ذلك وعد شرف للمستقبل، على ان توفّر سوريا للمسيحيين في المقابل كل الضمانات التي تطمئنهم». وبقي الموضوع سراً بين الأسد والدحداح. ولم يُعرف إذا كانت الورقة وصلت إلى البطريرك.وقال الدحداح ان الهم الأساسي للرئيس الأسد كان نقل القرار السياسي اللبناني من الرئيس الماروني إلى رئيس الوزراء السني.
ولم يكن ممكناً، تطبيقاً للطائف، ألا يذهب المسيحيون إلى العروبة، بعدما أصبح لبنان «عربي الهوية والانتماء»، وهذا يعني تبني قضية فلسطين، ودعم المقاومة لإسرائيل بالسلاح وبسواه، والذهاب إلى سوريا وحتى إلى إيران. وهذا ما يصر البطريرك الماروني على رفضه بعدما حدد احتفال براد بوصلته، ويسير في الاتجاه عينه الرؤساء الثلاثة ومعهم الزعيم الدرزي وليد جنبلاط وطائفته.
يبقى تحد واحد وأساسي، هو قيام مارونية سياسية جديدة عربية، منفتحة، تذكّر الموارنة بدورهم التنويري، وتعيد نشر قيمهم في المشرق، قيم الحرية والعدالة والديموقراطية والمساواة وحقوق الانسان.
(11/2/2010)
تقول الباحثة المرموقة المتخصصة في المسيحية المشرقية اليزابيت بيكار في دراسة حديثة أجرتها بعد اتفاق الطائف: «ان الطائف استبدل النظام السياسي ذا الطابع التسلّطي والقائم على الهيمنة المسيحية، وعلى الأخص المارونية بنظام مشترك بين كل الطوائف، مجرّد من الوهم التأسيسي. وقد أعيد النظر في الميثاق الوطني، وثبتّت الطائفية السياسية الأمر الذي أحدث انشقاقاً جذرياً في استمرار الدولة التي كانت مركّزة على بنية مسيحية. وبدا لبنان غير مطمئن إلى مستقبله كدولة، بالنظر إلى العلاقات بين قوى المنطقة وافتقاره إلى حس مشترك جديد بين مكوناته».
وأضافت: «إن أزمة المسيحيين هي علامة تنذر بإعادة التركيب الجارية في المدى الشرق ـ أوسطي، أكثر منها مسألة قديمة لا تخص إلا فئة معينة ومحددة».
ماذا تريد الكنيسة المارونية؟
وماذا أراد المسيحيون من الطائف؟
تفيد القراءة التحليلية لمقدمة الدستور وللاصلاحات التي جرت بموجب اتفاق الطائف، بوجود معادلتين مهمتين كان لسوريا دور في الوصول إليهما، وتتأثر التركيبة الجديدة للنظام بها.
المعادلة الأولى: الوطن النهائي في مقابل الصلاحيات.
المعادلة الثانية: لبنان عربي في مقابل استمرار الرئاسة الأولى في يد الموارنة.
وقد دفع المسيحيون أغلى الأثمان بالتنازل عن السلطة الإجرائية والصلاحيات الواسعة التي كان يتمتع بها الرئيس الماروني، في سبيل إقرار المسلمين اللبنانيين، ومعهم سوريا والعرب، بنهائية الوطن اللبناني. وكان المطلب الأساسي لسوريا وبعض العرب انتزاع سلطة القرار في الدولة من رئيس الجمهورية المسيحي الماروني ووضعها في عهدة مجلس الوزراء الذي يرأسه مسلم سني، بعد تعامل فريق قيادي من المسيحيين، والموارنة خصوصاً، مع إسرائيل وتسهيل اجتياح لبنان عام 1982.
وقد نقل المحامي كريم بقرادوني عن الرئيس الراحل حافظ الأسد، انه كلما حاول أخذ المسيحيين، والموارنة خصوصاً، إلى العرب، كان يُفاجأ بارتمائهم في أحضان إسرائيل عدوة اللبنانيين والعرب والمسلمين.
وروى الدكتور لوسيان الدحداح، شقيق صهر الرئيس سليمان فرنجية (رودريك الدحداح) الذي كلفه رئيس الجمهورية التفاوض مع الرئيس حافظ الأسد الذي كان زميله في الدراسة في فرير اللاذقية حول مشروع «الوثيقة الدستورية»، ان أكثر ما كان يقلق الرئيس السوري هو تعامل فريق من المسيحيين الموارنة مع إسرائيل وعدم اعتبارهم إياها عدوة.
وتناول في نهاية احدى الجلسات ورقة بيضاء وقال للدحداح: «ماذا يريد الموارنة من سوريا؟ خذ هذه الورقة إلى البطريرك (كان آنذاك مار انطونيوس بطرس خريش) واطلب منه ان يدوّن عليها كل ما تريده بكركي من دمشق، على ان يترك في أسفلها مكاناً لسطر واحد يتعهد فيه البطريرك بقطع علاقات المسيحيين، وخصوصاً الموارنة، بإسرائيل. ويكون ذلك وعد شرف للمستقبل، على ان توفّر سوريا للمسيحيين في المقابل كل الضمانات التي تطمئنهم». وبقي الموضوع سراً بين الأسد والدحداح. ولم يُعرف إذا كانت الورقة وصلت إلى البطريرك.وقال الدحداح ان الهم الأساسي للرئيس الأسد كان نقل القرار السياسي اللبناني من الرئيس الماروني إلى رئيس الوزراء السني.
ولم يكن ممكناً، تطبيقاً للطائف، ألا يذهب المسيحيون إلى العروبة، بعدما أصبح لبنان «عربي الهوية والانتماء»، وهذا يعني تبني قضية فلسطين، ودعم المقاومة لإسرائيل بالسلاح وبسواه، والذهاب إلى سوريا وحتى إلى إيران. وهذا ما يصر البطريرك الماروني على رفضه بعدما حدد احتفال براد بوصلته، ويسير في الاتجاه عينه الرؤساء الثلاثة ومعهم الزعيم الدرزي وليد جنبلاط وطائفته.
يبقى تحد واحد وأساسي، هو قيام مارونية سياسية جديدة عربية، منفتحة، تذكّر الموارنة بدورهم التنويري، وتعيد نشر قيمهم في المشرق، قيم الحرية والعدالة والديموقراطية والمساواة وحقوق الانسان.
(11/2/2010)
Page 9
الخطاب المسيحي البديل
«إن للحضور الإسرائيلي قريباً منا، عواقب لا حد لها، تتناول مستقبلنا السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ناهيك بعواقبه على الصعيد الدولي (...) فإسرائيل جعلت من التوطين الممنهج والإعمار الحثيث محوراً لسياسة احتلال وانبساط ومدى حيوي. فكلما زاد سكانها زاد ثقلها على الحدود وباتت بحاجة إلى مزيد من الحماية»
(ميشال شيحا 1951)
اكتملت «الاستدارة» الأميركية في اتجاه دمشق بإعلان البيت الأبيض، أول من أمس، تعيين روبرت ستيفن فورد سفيراً جديداً للولايات المتحدة في سوريا، خلفاً للسفيرة مارغريت سكوبي التي كانت سحبت من دمشق قبل خمس سنوات اثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
وتعززت هذه الاستدارة بزيارة مساعد وزيرة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية وليم بيرنز للعاصمة السورية، أمس، ولقائه الرئيس السوري بشار الأسد.
وتشاء المصادفة أن يزور بيرنز سوريا وتعلن واشنطن عن تعيين فورد، بعد أربعة أيام على ذكرى مرور خمسة أعوام على استشهاد الرئيس رفيق الحريري، وقد سبقتها استدارتان في الاتجاه نفسه، الأولى زمنياً لرئيس «اللقاء الديموقراطي» الزعيم الدرزي وليد جنبلاط الذي كان بينه وبين سوريا ما صنعه الحداد، كما يقال، وصرح أمين السر في حزبه التقدمي الاشتراكي شريف فياض أول من أمس، بأن جنبلاط أصبح سياسياً على طريق دمشق وبات موعد وصوله إليها قريباً.
أما الاستدارة الثانية فلنجل الشهيد رفيق الحريري سعد الذي أصبح رئيساً لمجلس الوزراء، وكان توجه إلى دمشق قبل نحو شهرين وقابل الرئيس بشار الأسد الذي سبق للحريري أن وجّه إليه أشد الاتهامات بالوقوف وراء اغتيال والده الذي أجمع اللبنانيون على محبته وتقديره، وبكوا على فقده. كما أصروا بشدة على ضرورة ملاحقة القتلة والذين يقفون وراءهم، ومحاكمتهم أمام العدالة الدولية التي أنشئت لها محكمة خاصة مقرها لاهاي في هولندا.
وسط هذه الاستدارات التي جاءت نتيجة لتبدل الأوضاع السياسية
في لبنان والمنطقة، استمر أطراف لبنانيون آخرون على مواقفهم. وفي مواقع متقابلة، بعضها متعارض مع الآخر إلى درجة خطرة جداً خُشي معها، في فترات معينة، أن تهدد السلم الأهلي وتثير فتناً طائفية ومذهبية.
ففي الاحتفال الذي أقيم في «ساحة الحرية» الأحد الماضي في ذكرى اغتيال الحريري، توزعت الأدوار على خطباء أربعة، أجمع المراقبون والسياسيون المعنيون على أن واحداً منها كان متوازناً ومعتدلاً هو رئيس الحكومة سعد الحريري الذي أكد أهمية الوحدة في الدفاع عن الوطن. وقال: «لا سبيل لنا اليوم وغداً للدفاع عن بلدنا إلا بوحدتنا الوطنية». وأضاف: «بهذه الروح نمد اليد للتعاون في سبيل جعل الاستقرار حاجة لبنانية عمومية لبسط سلطة الدولة والقانون».
وأشار إلى أن «(...) التضامن في مواجهة إسرائيل وتعطيل الفتنة هما في مصلحة لبنان أولاً».
وبإزاء هذه الكلمة الجامعة التي أملاها «الشروع في بناء مرحلة جديدة، لبناء علاقات من دولة إلى دولة بين لبنان وسوريا»، وضع رئيس حزب الكتائب الرئيس أمين الجميل ورئيس الهيئة التنفيذية لحزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع نفسيهما خارج هذا المشروع، باستدارتهما في اتجاه آخر يتعلق بالمقاومة وسلاحها، على نحو اعتبر تحدياً لشركاء في الصيغة والوطن لم يكن هناك مجال لتحييدهم نظراً إلى التصاقهم بقضية المقاومة وبمشروع تحرير الأراضي التي لا تزال محتلة من إسرائيل في الجنوب.
ولقد كان مسيحيون كثيرون، في المعارضة والموالاة، يتمنون لو أن مسيحيي 14 آذار اغتنموا ذكرى اغتيال الرئيس الحريري لطرح مشروع إصلاحي ينطلق من الطائف وضرورة إكمال صيغته، وخصوصاً لجهة رئيس الجمهورية الذي أجبر المسيحيون على التنازل عن صلاحياته كرئيس للسلطة الإجرائية لحساب مجلس الوزراء الذي تحول مركزاً للقرار السياسي والإداري والأمني والمالي والدفاعي إلخ... دون أن يوضع له نظام تطبيقي ينسجم مع دوره الجديد، فضلاً عن تحديد صلاحيات نائب رئيس الحكومة، وربما إحداث أكثر من نائب للرئيس السنّي، بحيث يكون هناك نائب ثان ماروني، وثالث درزي إلخ.. بغية جعل المشاركة في السلطة حقيقة واقعة. وربما، قياساً على ذلك، يكون هناك نواب لرئيس الجمهورية، بعدما لم يعد الرئيس الماروني مطلق الصلاحية، مما يجعل كل المكونات تتشارك في السلطة، وتتعاون في ما بينها من أجل مصلحة لبنان.
بل كان مفترضاً في هؤلاء المسيحيين قيادة معركة تجديد النخب السياسية في البلد عن طريق طرح مشروع قانون للانتخاب طالما انتظره اللبنانيون وكان أحد أبرز بنود الإصلاحات التي جاء بها الطائف وأدرج تحت بند «ج» من وثيقة الوفاق الوطني وفيها: «تجرى الانتخابات النيابية وفقاً لقانون انتخاب جديد على أساس المحافظة، يراعي القواعد التي تضمن العيش المشترك بين اللبنانيين وتؤمّن صحة التمثيل السياسي لشتى فئات الشعب وأجياله وفاعلية ذلك التمثيل، بعد إعادة النظر في التقسيم الإداري في إطار وحدة الأرض والشعب والمؤسسات»، كأن يطرح مشروع يأخذ بالنسبية التي يختار عبرها المسيحيون ممثليهم في مرحلة تأهيلية، على ما اقترح الرئيس حسين الحسيني، على صعيد القضاء مع صوت تفضيلي على صعيد المحافظة.
«إن للحضور الإسرائيلي قريباً منا، عواقب لا حد لها، تتناول مستقبلنا السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ناهيك بعواقبه على الصعيد الدولي (...) فإسرائيل جعلت من التوطين الممنهج والإعمار الحثيث محوراً لسياسة احتلال وانبساط ومدى حيوي. فكلما زاد سكانها زاد ثقلها على الحدود وباتت بحاجة إلى مزيد من الحماية»
(ميشال شيحا 1951)
اكتملت «الاستدارة» الأميركية في اتجاه دمشق بإعلان البيت الأبيض، أول من أمس، تعيين روبرت ستيفن فورد سفيراً جديداً للولايات المتحدة في سوريا، خلفاً للسفيرة مارغريت سكوبي التي كانت سحبت من دمشق قبل خمس سنوات اثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
وتعززت هذه الاستدارة بزيارة مساعد وزيرة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية وليم بيرنز للعاصمة السورية، أمس، ولقائه الرئيس السوري بشار الأسد.
وتشاء المصادفة أن يزور بيرنز سوريا وتعلن واشنطن عن تعيين فورد، بعد أربعة أيام على ذكرى مرور خمسة أعوام على استشهاد الرئيس رفيق الحريري، وقد سبقتها استدارتان في الاتجاه نفسه، الأولى زمنياً لرئيس «اللقاء الديموقراطي» الزعيم الدرزي وليد جنبلاط الذي كان بينه وبين سوريا ما صنعه الحداد، كما يقال، وصرح أمين السر في حزبه التقدمي الاشتراكي شريف فياض أول من أمس، بأن جنبلاط أصبح سياسياً على طريق دمشق وبات موعد وصوله إليها قريباً.
أما الاستدارة الثانية فلنجل الشهيد رفيق الحريري سعد الذي أصبح رئيساً لمجلس الوزراء، وكان توجه إلى دمشق قبل نحو شهرين وقابل الرئيس بشار الأسد الذي سبق للحريري أن وجّه إليه أشد الاتهامات بالوقوف وراء اغتيال والده الذي أجمع اللبنانيون على محبته وتقديره، وبكوا على فقده. كما أصروا بشدة على ضرورة ملاحقة القتلة والذين يقفون وراءهم، ومحاكمتهم أمام العدالة الدولية التي أنشئت لها محكمة خاصة مقرها لاهاي في هولندا.
وسط هذه الاستدارات التي جاءت نتيجة لتبدل الأوضاع السياسية
في لبنان والمنطقة، استمر أطراف لبنانيون آخرون على مواقفهم. وفي مواقع متقابلة، بعضها متعارض مع الآخر إلى درجة خطرة جداً خُشي معها، في فترات معينة، أن تهدد السلم الأهلي وتثير فتناً طائفية ومذهبية.
ففي الاحتفال الذي أقيم في «ساحة الحرية» الأحد الماضي في ذكرى اغتيال الحريري، توزعت الأدوار على خطباء أربعة، أجمع المراقبون والسياسيون المعنيون على أن واحداً منها كان متوازناً ومعتدلاً هو رئيس الحكومة سعد الحريري الذي أكد أهمية الوحدة في الدفاع عن الوطن. وقال: «لا سبيل لنا اليوم وغداً للدفاع عن بلدنا إلا بوحدتنا الوطنية». وأضاف: «بهذه الروح نمد اليد للتعاون في سبيل جعل الاستقرار حاجة لبنانية عمومية لبسط سلطة الدولة والقانون».
وأشار إلى أن «(...) التضامن في مواجهة إسرائيل وتعطيل الفتنة هما في مصلحة لبنان أولاً».
وبإزاء هذه الكلمة الجامعة التي أملاها «الشروع في بناء مرحلة جديدة، لبناء علاقات من دولة إلى دولة بين لبنان وسوريا»، وضع رئيس حزب الكتائب الرئيس أمين الجميل ورئيس الهيئة التنفيذية لحزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع نفسيهما خارج هذا المشروع، باستدارتهما في اتجاه آخر يتعلق بالمقاومة وسلاحها، على نحو اعتبر تحدياً لشركاء في الصيغة والوطن لم يكن هناك مجال لتحييدهم نظراً إلى التصاقهم بقضية المقاومة وبمشروع تحرير الأراضي التي لا تزال محتلة من إسرائيل في الجنوب.
ولقد كان مسيحيون كثيرون، في المعارضة والموالاة، يتمنون لو أن مسيحيي 14 آذار اغتنموا ذكرى اغتيال الرئيس الحريري لطرح مشروع إصلاحي ينطلق من الطائف وضرورة إكمال صيغته، وخصوصاً لجهة رئيس الجمهورية الذي أجبر المسيحيون على التنازل عن صلاحياته كرئيس للسلطة الإجرائية لحساب مجلس الوزراء الذي تحول مركزاً للقرار السياسي والإداري والأمني والمالي والدفاعي إلخ... دون أن يوضع له نظام تطبيقي ينسجم مع دوره الجديد، فضلاً عن تحديد صلاحيات نائب رئيس الحكومة، وربما إحداث أكثر من نائب للرئيس السنّي، بحيث يكون هناك نائب ثان ماروني، وثالث درزي إلخ.. بغية جعل المشاركة في السلطة حقيقة واقعة. وربما، قياساً على ذلك، يكون هناك نواب لرئيس الجمهورية، بعدما لم يعد الرئيس الماروني مطلق الصلاحية، مما يجعل كل المكونات تتشارك في السلطة، وتتعاون في ما بينها من أجل مصلحة لبنان.
بل كان مفترضاً في هؤلاء المسيحيين قيادة معركة تجديد النخب السياسية في البلد عن طريق طرح مشروع قانون للانتخاب طالما انتظره اللبنانيون وكان أحد أبرز بنود الإصلاحات التي جاء بها الطائف وأدرج تحت بند «ج» من وثيقة الوفاق الوطني وفيها: «تجرى الانتخابات النيابية وفقاً لقانون انتخاب جديد على أساس المحافظة، يراعي القواعد التي تضمن العيش المشترك بين اللبنانيين وتؤمّن صحة التمثيل السياسي لشتى فئات الشعب وأجياله وفاعلية ذلك التمثيل، بعد إعادة النظر في التقسيم الإداري في إطار وحدة الأرض والشعب والمؤسسات»، كأن يطرح مشروع يأخذ بالنسبية التي يختار عبرها المسيحيون ممثليهم في مرحلة تأهيلية، على ما اقترح الرئيس حسين الحسيني، على صعيد القضاء مع صوت تفضيلي على صعيد المحافظة.
Page 10
ولماذا لا تتحقق الثورة في النظام على أيديهم، بعدما فقدوا صفة الفريق الحاكم المتسلط عن طريق أخذ المبادرة في الدعوة إلى تأليف اللجنة التي ستبحث في إلغاء الطائفية السياسية، بدل معارضتها، وملاحقة مشروع خفض سن الاقتراع حتى يأتي جيل جديد من الشباب المسيحي إلى القيادة والسلطة بعدما انكفأ الجيل الذي اكتوى بنار الحروب وذاق مرارة الخيبات فهاجر أو استنكف عن الاهتمام بالسياسة. إضافة إلى مشروع اللامركزية الإدارية الذي من شأنه إنعاش الأطراف ووقف النزوح إلى المدن، والحد من الهجرة إلى الخارج عبر إيجاد مشاريع إنتاجية في الجبال والأرياف.
هذا ما كان مؤملاً. ولا نظنه كان بعيداً عن تفكير كل من الشيخ والحكيم.
إلا أن ما حصل، ويا للأسف، هو أن الدورين اللذين تطوعا لهما، تأكيداً لثوابتهما في مواجهة الاستدارات، كانا التصويب على المقاومة. وقد تبعا في ذلك البطريرك الماروني الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير في حديثه إلى مجلة «المسيرة» وقوله، إن فرص الحرب قائمة في استمرار ما دام «حزب الله» يريد أن يقوم مقام الدولة، والطرف الذي يملك السلاح يستقوي على الآخرين». ثم ما ورد في رسالته في عيد مار مارون من أن «تهديد السلاح» من قوى عقائدية شمولية دينية وأصولية هو إنهاء لهوية لبنان ومعناه ودوره».(...) فقال جعجع: «إن بقاء أي سلاح خارج مؤسسات الدولة اللبنانية بات يشكل عبئاً لا قدرة للبنان واللبنانيين على تحمله وهو ما قد يستجلب اعتداءات خارجية».
ودعا الجميل إلى «ألا يكون على أرض لبنان أي سلاح غير سلاح الشرعية اللبنانية تحت أي ذريعة». داعياً إلى «أن تحتكر الدولة من خلال مؤسساتها الشرعية كل القرارات السيادية، وفي مقدمها قرار الحرب والسلم والتفاوض».
وقد عبّرا بذلك عن هواجس كادت أن تكون مشروعة لولا وجود رئيس ماروني للجمهورية، كان قائداً للجيش، وقائد ماروني للجيش لا يريان رأيهما ويؤكدان أن البلد الذي تُحتل أرضه لا تحرره سوى المقاومة، وخصوصاً إذا كان العدو متفوقاً على جيشه وقواه المسلحة بنحو كبير عدة وعدداً وتسلحاً إلخ.. أو لا يحظى هذا الجيش بالسلاح النوعي الذي يجعله قادراً على الدفاع عن أرضه.
ولقد وضع هذا الموقف المسيحي نفسه في مواجهة خطرة مع المقاومة التي ردت عليه بلسان الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله في «خطاب التوازن» مع التهديدات الإسرائيلية أول من أمس بقوله: «أن نلغي سلاح المقاومة كلام خطير جداً لأنه يعني أولاً، بالحد الأدنى، تبريراً كاملاً لأي عدوان إسرائيلي، حتى ولو لم تقدم المقاومة ذرائع، كما يقولون، وللأسف الإسرائيليون أنفسهم لا يقولون هذا. فما يقوله بعض اللبنانيين لا يقوله بعض الإسرائيليين».
وسأل: «هل هذا استدعاء للحرب؟ وهل هذا استدعاء للحرب الإسرائيلية على لبنان؟ وهل نحن أمام ظروف 1982 جديدة؟ وهل يجد البعض أن أحلامه وطموحاته ومشاريعه التي تبخرت في الآونة الأخيرة لا طريق لها إلا من خلال حرب إسرائيلية على لبنان»؟
وفي اعتقادنا أن لا مصارحة داخل فريق 14 آذار، إذ لو كانت هناك مصارحة لعرف مسيحيو هذا الفريق أن ثمة تفاهماً ضمنياً بين الرئيس سعد الحريري والسيد حسن نصر الله، بدعم المقاومة والمحافظة على سلاحها من جانب الحريري، في مقابل وضع نصر الله قرار الحرب والسلم في يد الدولة وتعهده بعدم استعمال سلاح المقاومة في الداخل، وعدم منح إسرائيل ذرائع لشن حرب على لبنان كما حصل في تموز .2006 وعلى هذا الأساس تألفت الحكومة الوفاقية.
لذلك أكد نصر الله في خطابه: «نحن لا نريد حرباً حتى لا يخرج أحد في لبنان غداً وينظّر عن قرار الحرب والسلم».
وكرر: «نحن لا نريد حرباً، ليس خوفاً ولا جبناً ولا ضعفاً. نشتاق إليها ولا نريدها».
وإذا لم يطمئن هذا الكلام لنصر الله المسيحيين الخائفين ـ وربما يكونون على حق في شعورهم بالخوف ـ فقد يطمئنهم كلام العماد ميشال عون من الدوحة أن «لا داعي للخوف والقلق»، مشيراً إلى أنه جراء بعض القلق الإعلامي «يصبح الناس بدل أن يفكروا كيف سيبنون مستقبلهم يفكرون كيف سيتركون لبنان».
وقال: «لبنان لن يفقد استقراره بعد اليوم، وإسرائيل لن تحارب لأنها لن تستطيع أن تحول أي معركة إلى انتصار أو إلى إنجاز سياسي».
إننا أمام حافلة اقتطع بعض ركابها تذاكر ذهاب وإياب، والبعض الآخر تذاكر ذهاب فقط. فمنهم من ذهب وعاد في الوقت المناسب، فيما البعض الآخر ينتظر، وقد يطول انتظاره! ورب قائل: إذا كانت الاستدارة المسيحية متعذرة حالياً في اتجاه الشام، فلتكن في اتجاه المستقبل بخطاب سياسي بديل، لا خوف فيه ولا يأس.
(18/2/2010)
هذا ما كان مؤملاً. ولا نظنه كان بعيداً عن تفكير كل من الشيخ والحكيم.
إلا أن ما حصل، ويا للأسف، هو أن الدورين اللذين تطوعا لهما، تأكيداً لثوابتهما في مواجهة الاستدارات، كانا التصويب على المقاومة. وقد تبعا في ذلك البطريرك الماروني الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير في حديثه إلى مجلة «المسيرة» وقوله، إن فرص الحرب قائمة في استمرار ما دام «حزب الله» يريد أن يقوم مقام الدولة، والطرف الذي يملك السلاح يستقوي على الآخرين». ثم ما ورد في رسالته في عيد مار مارون من أن «تهديد السلاح» من قوى عقائدية شمولية دينية وأصولية هو إنهاء لهوية لبنان ومعناه ودوره».(...) فقال جعجع: «إن بقاء أي سلاح خارج مؤسسات الدولة اللبنانية بات يشكل عبئاً لا قدرة للبنان واللبنانيين على تحمله وهو ما قد يستجلب اعتداءات خارجية».
ودعا الجميل إلى «ألا يكون على أرض لبنان أي سلاح غير سلاح الشرعية اللبنانية تحت أي ذريعة». داعياً إلى «أن تحتكر الدولة من خلال مؤسساتها الشرعية كل القرارات السيادية، وفي مقدمها قرار الحرب والسلم والتفاوض».
وقد عبّرا بذلك عن هواجس كادت أن تكون مشروعة لولا وجود رئيس ماروني للجمهورية، كان قائداً للجيش، وقائد ماروني للجيش لا يريان رأيهما ويؤكدان أن البلد الذي تُحتل أرضه لا تحرره سوى المقاومة، وخصوصاً إذا كان العدو متفوقاً على جيشه وقواه المسلحة بنحو كبير عدة وعدداً وتسلحاً إلخ.. أو لا يحظى هذا الجيش بالسلاح النوعي الذي يجعله قادراً على الدفاع عن أرضه.
ولقد وضع هذا الموقف المسيحي نفسه في مواجهة خطرة مع المقاومة التي ردت عليه بلسان الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله في «خطاب التوازن» مع التهديدات الإسرائيلية أول من أمس بقوله: «أن نلغي سلاح المقاومة كلام خطير جداً لأنه يعني أولاً، بالحد الأدنى، تبريراً كاملاً لأي عدوان إسرائيلي، حتى ولو لم تقدم المقاومة ذرائع، كما يقولون، وللأسف الإسرائيليون أنفسهم لا يقولون هذا. فما يقوله بعض اللبنانيين لا يقوله بعض الإسرائيليين».
وسأل: «هل هذا استدعاء للحرب؟ وهل هذا استدعاء للحرب الإسرائيلية على لبنان؟ وهل نحن أمام ظروف 1982 جديدة؟ وهل يجد البعض أن أحلامه وطموحاته ومشاريعه التي تبخرت في الآونة الأخيرة لا طريق لها إلا من خلال حرب إسرائيلية على لبنان»؟
وفي اعتقادنا أن لا مصارحة داخل فريق 14 آذار، إذ لو كانت هناك مصارحة لعرف مسيحيو هذا الفريق أن ثمة تفاهماً ضمنياً بين الرئيس سعد الحريري والسيد حسن نصر الله، بدعم المقاومة والمحافظة على سلاحها من جانب الحريري، في مقابل وضع نصر الله قرار الحرب والسلم في يد الدولة وتعهده بعدم استعمال سلاح المقاومة في الداخل، وعدم منح إسرائيل ذرائع لشن حرب على لبنان كما حصل في تموز .2006 وعلى هذا الأساس تألفت الحكومة الوفاقية.
لذلك أكد نصر الله في خطابه: «نحن لا نريد حرباً حتى لا يخرج أحد في لبنان غداً وينظّر عن قرار الحرب والسلم».
وكرر: «نحن لا نريد حرباً، ليس خوفاً ولا جبناً ولا ضعفاً. نشتاق إليها ولا نريدها».
وإذا لم يطمئن هذا الكلام لنصر الله المسيحيين الخائفين ـ وربما يكونون على حق في شعورهم بالخوف ـ فقد يطمئنهم كلام العماد ميشال عون من الدوحة أن «لا داعي للخوف والقلق»، مشيراً إلى أنه جراء بعض القلق الإعلامي «يصبح الناس بدل أن يفكروا كيف سيبنون مستقبلهم يفكرون كيف سيتركون لبنان».
وقال: «لبنان لن يفقد استقراره بعد اليوم، وإسرائيل لن تحارب لأنها لن تستطيع أن تحول أي معركة إلى انتصار أو إلى إنجاز سياسي».
إننا أمام حافلة اقتطع بعض ركابها تذاكر ذهاب وإياب، والبعض الآخر تذاكر ذهاب فقط. فمنهم من ذهب وعاد في الوقت المناسب، فيما البعض الآخر ينتظر، وقد يطول انتظاره! ورب قائل: إذا كانت الاستدارة المسيحية متعذرة حالياً في اتجاه الشام، فلتكن في اتجاه المستقبل بخطاب سياسي بديل، لا خوف فيه ولا يأس.
(18/2/2010)