eKtab
EN ع
تنازلات
Read free sample

تنازلات

by سمر الزعبي

Page 1

الذين سمعوا أصوات المتشاجرَين من خارج الدكّان لم يفهموا الحكاية جيداً، ولو تلصّصوا، سـيكون المشهد كالتالي: ماجد شاب ثمل، تطفّل على زوج أخته في دكانه التي يعيل منها الأولاد.. وأم خالد تصـرخ خوفاً من تطور المشكلة وزحفها إلى تخوم الطلاق.

وقد يُفسـر المشهد بتحليلات مغايرة، ويبرز في صور أُخرى. لكن التفاصـيل لدى أم خالد بعينها، الشخصـية التي انطلقت الحكاية بسببها، والتي قد تُؤوَّل روايتها في ما بعد إلى سـيناريوهات كثيرة، وتتعرض للدعم من جهة، وللدحض من جهة أخرى، خصوصاً من بيت الحمى.

لحظة!

Page 2

بما أن روايتها مجروحة، فلنتوقف قليلاً، كي نتأهّب لتسجيل المشاهد بـ «الفيديو»، ثم نحكم على الشخوص بموضوعيّة.

سأتسلم دفّة الكاميرا عنكم، ها أنا أسجّل:

تظهر أم خالد الآن في الفيديو وهي تنزل من السـيارة راكضة نحو الدكان كالمجنونة، فقد سبقها أخوها ماجد إلى حيث زوجها.

ستوب

لا أريد أن أقطع عليكم المشهد، لكنني لم أسجّل الحكاية منذ بدايتها، لم أنسَ، لكنني استعجلتُ فأغفلت ذكر المشكلة التي ضـرب أبو خالد زوجته على أثرها (ليست ذات أهميّة، لكنّه فعل ذلك)، فراحت تشكوه لأخيها، الذي لم يحتمل رؤية كدمات حوّلت وجهها إلى خريطة زرقاءَ حمراء.

رغم أسفه عليها، ووقوعه في حالة سُكْرٍ، إلا أنه قرر أن يصالحها بزوجها، واستسلمت هي لمشورته، وقد استبدّ بها شوق لأطفالها الذين تركتهم وراءها منذ الصباح.

Page 3

عـــــــــدنا؛

الكاميرا تعمل جيداً، وأم خالد تتقن دورها، تركض إليهما ورضـيعٌ بين يديها يهتز. لا. من هذه الجهة لا أريد أن أصوّرها، فمن الخلف تبدو كشحادة تتدعثر بدشداشها الطويل، هاربة من سـيارة شـرطة، وشالُها الملون المشجر يطير مع الهواء، ثمّ تثبّته.

إذاً هي وقورة؛ نزلت بهدوء، أغلقت الباب، ومشت باتزان كي لا تلفت أنظار المارّة.

أوووف، لماذا لم تذكّروني أننا اتفقنا على تصوير المشهد والحكم عليه بموضوعية! إذاً لن أطلق العنان لرؤية القاص الآن، فقط سأسجّل بلا أي تدخّل، ثم أصوغ الحكاية في ما بعد:

ها هي تدخل إليهما فزِعة، تضع الرضـيع على الطاولة وتحـشـر نفسها بينهما، تهدّئ أخاها، ثم تدفع زوجها بعيداً عنه، ولا يلتفتان إلى مساعيها، أو يوقفهما صـراخها.

الكاميرا ضـيعت مشهداً، ربما ليس ضـرورياً:

Page 4

الذي جاء ليُصلح، كسـر يدَ «أبو خالد» من أول ضـربة سدّدها إليه، لكنه لم يتوقف بعدها.. لأن النسـيبَ المحترم سبّ حماته وتربيتها.

 لو أن الكاميرا كانت معنا منذ البداية لصوّرناه وهو يضـرب زوجته التي استهلكت من مصـروف البيت زيادةً على النصاب المحدّد.. فاتنا المقطع الأول.

عــــــــــــدنا؛

الكاميرا تتحرك خارج الدكان، تلتقط عدستُها الوجوهَ الواقفة على الباب؛ رجال، شباب، أطفال.

أثبت المثل القائل «مصائبُ قومٍ عند قوم فوائدُ» فاعليّتَه، ولم أستطع أن أسجل مشهد الأطفال وهم يـسـرقون من الحلوى وأكياس الشـيبس ما استطاعوا، حتى إنّ بعضها تساقط من بين أيديهم وهم يركضون مثل القرود هاربين بالغنائم, والرجالُ ينظرون وكأنّ على رؤوسهم الطير!

كاد أحدهم يُسقطها - الكاميرا- من يدي، بالتأكيد هو خالد الذي شقّ صفوف المتفرجين ملهوفاً على والده، وأخوه

Page 5

الصغير وراءَه يتعثّر بأقدام الرجال، انصدم لما رآه يُضـرب وانطوى في حضن أمّه، بينما امتطى خالدٌ ظهرَ خاله وغرز أظافره في عنقه.. في حين وقف أنصاف الرجال يتفرّجون.

تعرّقت عدسة الكاميرا من أنفاس «أبو خالد»، بينما تكتّف أحد الأنصاف يتابعُ مشاهد سـينمائية مجانيّة، وتسلّى آخر بمضغ الّلبان والرد على مكالمة هاتفية, ولسانُ أحدهم يردّدُ: «لا حول ولا قوة إلا بالله»، يريد أن يغيّر المنكر بلسانه، وآخر ضـرب كفاً بكف، يبحثُ عن ثوابٍ أكبر في تغيير المنكر بيديه! والباقون بطاريقَ يتململون.

زوووووم؛

كبرَ الحشد عند الباب لمّا غادر المصلّونَ المسجد، فدخل من بينهم أحد أبناء الجيران، وانقضّ على ماجد لكماً وركلاً بلا وعي.

الكاميرا الآن تتوجه نحو رجل خمسـيني، ينضم للّعبة،

شووووك!

صفع الخمسـينيُّ ابنَه الذي طرحَ «ماجد» أرضاً وأبعده عن «أبو خالد».

Page 6

فراحت أم خالدٍ وأولادُها يدافعون عنه ويشكرونه، هدأت سورة غضب الأب على استحياء.

الكاميرا الآن خلف ماجد:

إنه ينسحب من بين الجموع، ورائحة الخمر تفوحُ منه، ثم التفت قائلاً : «سامحوني».

فانطلقت عاصفة ضحكٍ هوجاء من أفواه المتفرّجين. وتفنّن ذاك بصنع بالونٍ من اللبان انفجر في وجه العدسة، ثم عاد يلوكُ بقايا الّلبانة بأنثوية، كما تلوكُ نساء الحيِّ حكايةَ «أبو خالد» حتى هذه اللحظة.

بووووم

الكاميرا الآن تنفجر، ليس من الضحك، بل مقتاً من شوالات المتفرّجين.

عذراً، لن أصوغ الحكاية كما وعدت، فقد تلِف الشـريط.

Page 7

غلطـــة

 

«لا تتحرّكي».

قالها، ثمّ راح يعاين موضعاً لأداة الألم خاصته.

تمرّدتْ ضـربات الطلْق، فخالفتُ تعليماته، ودون أن يتفحّص وضعيّتي، مضت الإبرةُ تنحت مسارها إلى العمود الفقري. فور أن غادرتْني، سـرى تيار كهربائي من تلك الفقرة حتى أخمص رجليّ، كمن به مسّ تخبّطتْ قدماي، ثمّ استكانت مرّة واحدة.. وتداعى لها كل الجسد.

رجوت أوصالي أن تسعفني، لكن أبكمها العجز، فزاد إصـرار الممرضات؛

«حركي حالك»،
«انشلّيتِ؟».

دون أن يجدْن حرجاً في تبادل نظرات السخرية.

على سـريرٍ جواري، اتّكأت امرأةٌ على مرفقيها، تصـرخ:

Page 8

«تولَد بدون وجع ..وولد كمان!.. كيف»

ردّت إحداهن وهي تنزع القفازات: «حبيبتي، هاي ماخذه إبرة تخدير».

فارتفع صـراخ الحسد: «أعطوني مثلها».

بِثِقَلٍ دارت عيناي بينهما فور ما انقلب جدالهما شجاراً؛ أبثّ شكواي لله، أن ينقذني بصـرخة مثلها.

أصواتٌ تميّع الدم، ونداءٌ داخليّ يؤذن بانفجار جسدٍ لا يرفّ فيه عصب، قنبلة موقوتة ستقذفني للموت، أو أقذفها خارج حدودي.. لكن خرَساً تملّكني، فيما ضـربات الطلق سحبت الروح، قطّعتها، ونشـرتها في كل موضع منّي، ثم عاودت سحبها على سجيّة ترضاها.

عمّا قليل؛ سمعتهنّ يتكلمن بالإنجليزية، فهمتُ ما فهمت، وأيقنت من إشارتهنّ إلى جهاز صغير يحوي مؤشـراً، موصولاً بأنبوب دقيق؛ أنّ طبيب التخدير قد أخطأ، وأن إحداهن أفلتت الأنبوب عن ظهري.

Page 9

قامت قيامتهم، وتجمّعوا حولي: «شدّي.. ثبتي رجليك هيك».

 فردّدت في سـري: «كيف؟».

«اسحبي نفَسْ.. أنفخي».

وما زلت أردد بلسان معقوف في حلقي: «كيف؟». 

تمزّقتُ ومتّ بصمت، ثم تجددت لأعيد الكرّة بولادة خرساء، لملَمَ الموت عروقي ولضمها في إبرتهم، ثم نفث نفسه في الأوصال. لم أنبسّ.. هي صـرخة واحدة، عند خروج الجنين، استقطبتُ بها الأطباء من آخر الممرات في غرف التعذيب تلك.

بعد بضعة أيام، أدركت أن ما مررت به لم يكن ولادة فقط؛ أنّي أودعتهم جسدي واستبدلوه بمسخٍ يسكنني؛ استيقظت و ذراعي ملتوية وراء ظهري، سعيت في تحريكها، ظلّ الكتف يهتز بضعف، و لم تبرح مكانها، فشدّيتها باليد الأخرى إذ كانت أقل ضـرراً، وفي حين ظننت أني نجحت، ألفيتُ أصابعي منكمشةً في كفٍّ تأبى أن تنفرج.

Page 10

حاولت تحريكها بكل ما أوتيت من قوة، خاطبتُ مسخهم أعزّز إرادته، إلى أن أبدت الأصابع استجابة.. كل هذا والرضـيع يبكي حتى ازرقّت شفتاه، أمسكته بزهو انتصارٍ توهّمته، فملتُ وإيّاه. خوفٌ مريع افترسني لما سمعت صوت ارتطام رأسه بالأرض، فيما لمحت قدميّ مشتبكتين ببعضهما البعض وكأنهما عالم مبهم لم أكتشفه بعد. 

ركّزت جهدي على الرضـيع أرفعه، تطوّحت يداي على يمينه وشماله و من فوقه، بلا سـيطرةٍ انفردت أصابعي كخُشب مسنّدة ولم تلتقطه، مددت يديّ تحته والخدر يسـري بهما، ثم التقطته واودعته عضديّ.

ولّت الأيام، وكلّما نظرت في المرآة لم أرَ تلك التي تشبهني.. تحسّست رأسـي كثيراً، غابت ملامحي.. هل أنا بلا أنف ولسان وعينين؟ بلا وجنتين أو شفتين؟ إن لم أكن كذلك من قبل، فمن تكون هذه؟