إلى الكتابة..
مقرّاً بجميلها فيما نفعَتْ
ومتجاوزاً عن كيدها فيما أثِمَتْ
عمرو
لها لا عليها
لست متأكداً مما إذا كنت أناوش الكُتّاب بهذا المؤلَّف أو أناوش الكتابة، والأرجح- مهما بدا من ظاهر الأحاديث التالية- أنني لم أقصد لا إلى هذا ولا إلى ذاك، وإنما أردته (أرادني؟) اكتشافاً متمرداً للكتابة.. لا عليها.
عمرو
أبريل 2013
تواضعوا معشر الكُتّاب
الضربة التي تلقّاها الفلاسفة مع بدايات النهضة الصناعية في أوربا كانت قوية حين انصرف الناس إلى تقدير ما يرونه رأي العين ويفيدون منه ماديّاً من منتجات العلم على حساب الكلام الطويل المعقّد من ذات المنتجات. وبعد مرور زمان طويل أتحفت فيه تلك النهضة الناس بكل غريب وعجيب أوشكت الضربة التي تلقاها كلُّ مَن بضاعتُه الكلام، وعلى رأسهم الفلاسفة، أن تكون قاضية في العقدين الأخيرين تحديداً، وأوشك الناس أن لا يلجؤوا إلى الفلسفة وسائر فروع العلوم النظرية والتنظيرية إلا في استراحات عابرة عندما تُتخمهم خيرات العلوم التطبيقية، وكل ما يمت لها بصلة مباشرة من معارف، يلتمسون في التنظير ما عساه أن يكون تفسيراً غير مؤكد لما حدث وتنبؤاً ينتابه الشك من كل جانب لما يمكن أن يحدث مستقبلاً.
ولعل حال الناس في تلك الاستراحات العابرة يشبه حال من لا يؤمن يقيناً بالتعاويذ لكنه لا يرى بأساً بأن يأتي المعالجين بالرُّقى متبرّكاً بهم درءاً لعِلل محتملة أو حتى داء عُضال واقع حار فيه الأطباء، وهو يحتفظ في قرارة نفسه ببركات أولئك المعالجين كخطة احتياطية على الجانب دون أن يفكّر في المساومة على أولوية الأطباء بحال.
ماذا أخذ الناس من التنظير على امتداد تاريخه في الوجود البشري؟ كلاماً جميلاً.. معاني هامة.. وربما مبرّراً وحافزاً قويّين من أجل البقاء. ولكن ألم يأخذ الناس من العلوم التطبيقية وكلّ ما انتمى إليها بصلة منذ فجر التاريخ البشري أسبابَ البقاء ذاته؟، ثم عندما تطوّرت تلك العلوم بكل فروعها وروافدها تطوّراً مذهلاً في بضعة عقود أخيرة ألم يكتشف الناس أسباباً جديدة للبقاء ومُتَعاً بعضُها كان خيالاً وبعضها سبق فيه العلماءُ بالإنجاز خيالَ كلّ كاتب وفيلسوف؟.
لا يزال التنظير يَعِدُ روّادَه من المعجبين فيَفي مرّة ويخذلهم ألف مرّة، وهو عندما يفي لم يعد يفعل في الواقع أكثر من التنبؤ أو التمهيد لنجاح مُنجَز علمي لم يكن العلماء أصلاً عاجزين عن التنبؤ به أو التمهيد له، وقد يفي التنظير بوعوده من جهة أخرى عندما تتحقق نبوءاته بعواقب الاختراع العلمي السيئة فلا يكون إنجازه حينها أجدر بتقدير أكثر مما يستحقه الشامتون وقد عز عليهم أن يقارعوا اختراعاً باختراع فهرولوا إلى الشماتة مقابل محاولات علمية جادة لم يُكتب لها النجاح بعد.
ألم يكن أحد أفضل حظوظ التنظير والمنظرين في التواجد مؤخراً أن يمتطوا وسائل التعبير الحديثة، التي هي في الأصل تُحَف تكنولوجية بديعة، ليلعنوا العصر الذي لم يُدلوا دَلْوَهُم فيه بأفضل من هذين: التطفل واللعن.
وإذا كان ذلك حظ التنظير عموماً في هذا العصر فحظ تنظيرنا ومنظِّرينا في الدول النامية والأخرى الأقل نموّاً أدعى إلى الرثاء، إنهم يرْثون بكل ثقة إسهام علمائنا المتواضع، أو المنعدم في أغلب الأحوال، في المنجز التقني حديثاً وينسون أن إسهامهم في المنجز التنظيري الحديث بحاجة إلى من يُدبّج في حقه قصائد الرثاء ومقالاته المطوّلة.
ما الذي يعود به التنظير على صاحبه مقابل ما تعود به التكنولوجيا على العاملين في حقولها من أسباب العيش السارّة؟، السؤال في الواقع مباشرة هو: كم يقبض المنظّر مقابل ما يقبضه نظيره العامل في حقل التقنية أيّاً ما كان مجال ذلك الحقل وأيّاً ما كان موقعه فيه؟.
نتحفظ على الإجابة صراحة على السؤال في صورته الأخيرة، لأسباب تتعلّق بحفظ ماء الوجه الخاص بالمنظرين من أمثالنا، أو ربما بالأحرى لأن الجميع يعرف الإجابة سلفاً.
من أجل كل ما سبق ألا يستحق من يصبر على قراءة هذه الكلمات الثناء كله، بوصفه الوجه الأكثر تألقاً في كل ما يمت للتنظير بصلة من صُوَر في أمثال هذه البقع من العالم، وهو لا يزال حريصاً على أن يدفع ليقرأ والمغريات (بالحق والباطل) تناديه من كل صوب: هيت لك؟.
فكرة لم تخطر ببال كاتب
ما ينتاب الكاتب وهو يجلس أمام الورقة البيضاء أشبه بما ينتاب الرجل وهو يتراوح جيئة وذهاباً خارج غرفة العمليات في انتظار مولود جديد كما في المشهد الشهير في المسلسلات العربية، بعض القلق وكثير من الأمل في مولود رائع وبديع.
الحلم العصيّ على أي كاتب هو فكرة بِكر لم تخطر ببال غيره من قبل، ولأن الإبداع على تلك الشاكلة لا يتنـزل على الملهَمين كل يوم وليلة، فإن ما يشغل الكاتب في كل الأحوال عند مواجهة صفحة بيضاء هو معالجة دقائق الكتابة من أجل ابتداع مداخل جديدة على الأقل لتناول فكرة قد تكون مستهلكة. عملية الكتابة سواء ابتكاراً لفكرة جديدة أو مداخل عرض جديدة لفكرة مبذولة هي ما دَرَج الكُتّابُ على وصفه بالمخاض، وهو وصف لا يُبارح كثيراً التشبيه الأول سوى في أن المبدع في الحالة الأخيرة هو المرأة التي تعاني المخاض وليس الرجل الذي يقف على الباب لا يطاله من الألم شيء سوى تصنّع القلق كما ترى المرأة قياساً بما يحيق بها.
دعاني إلى استدعاء الصورة المكرورة أعلاه مبادرة قارئ مهذب بالثناء على مقالاتي لا لشيء سوى التمهيد لموضوع المبادرة الأساس وهو نقد مُلخّصُه الشكوى من قِصَر المقالات على اعتبار أنه قارئ شرِه لا يُشبع نهمَه الفكري سوى الكتابات الدسمة طولاً وعرضاً. وكان ذلك القارئ من الوداعة في الجدال بحيث اكتفى (دون أن يقتنع بالضرورة) بردّي الذي مُحصّلته أن فكرتي من قِصر المقالات على ذلك النحو دعوة أكبر عدد من القراء إلى مائدتها مع الأخذ في الاعتبار بعض الإحصائيات الصحافية العالمية التي تشير إلى أن نسبة قرّاء صفحة الرأي إلى قرّاء الصحيفة مجملاً لا تتعدّى 17 إلى 1000، وإذا كانت مواضيع الصفحة المغضوب عليها عاملاً مهماً في تدني نسبة الإقبال عليها فإن في نفَس كُتّابها الطويل عاملاً لا يقلّ أهمية في تفسير إدارة القرّاء أعينهم صوب الصفحات الأولى والأخيرة وما بينهما مما يحوي ما قلّ ودلّ في زمن أُسرِف في وصفه بالسرعة.
ومالبث أن ابتدرني قارئ صديق آخر لا يقلّ تهذيباً عن الأول غير أنه كان أطول نفساً في المُحاجّة، وطولُ نفَسه هذا ليس حقاً له عليّ فحسب بل مما يجب أنه أشكره عليه لأنه نبّهني إلى أن إغراء القرّاء على كافة سَعاتهم (من طول النفَس في القراءة) بعدم إطالة المقال يبدو متعارضاً مع طريقة عرض الأفكار التي كثيراً ما تتّسم بالصعوبة مما يستدعي معاودة قراءتها أكثر من مرة للوقوف على المراد بها بوضوح، فتكون المحصلة لدى القارئ مقالاً قصيراً مقروءاً مرتين أو أكثر وهو ما يعني في النهاية مقالاً طويلاً.. وربما طويلاً جداً بحسب عدد مرات إعادة القراءة بهدف الاستيضاح.
ولأنني كاتب غير قصير النفَس في المجادلة، من دون أن أبارح التهذيب والإفادة من ملاحظات القرّاء الثاقبة، لم أشأ أن أستسلم بسهولة فنويت أن أطيل النظر فيما عسى أن يكون وراء صنيعي مع مقالاتي على ذلك النحو من أمرَي القِصر والتعقيد في آن بما يبدو مغرياً بالاتهام بالتناقض، وما لبث أن قطع عليّ الطريق ما أورده البروفيسور عبدالله علي إبراهيم ردّاً على من استبطؤوا برنامجه الانتخابـي في أعقاب تصريحه بنية الترشيح لرئاسة البلاد.
يقول عبدالله إنه لا يكتب برنامجه الانتخابـي بل يورّط الناس فيه، وإذا جاز أن أستعير بلاغة الكاتب البديع أقول إنه من الخير أن تُشرِك القارئ (ولا ورطة هذه المرّة) في كتابة المقال بدلاً من أن تقدّمه له جاهزاً لقراءة يسيرة لا تعكر سلاسة الانطلاقة فيها معاودات بهدف الاستيضاح ثم التعقيب نقداً يفتح مدارك ثريّة للإضافة.
الكتابة على ذلك النحو أشبه بالمثل (الصيني؟) الذي يحرّض على تعليم الصيد بدلاً من منح السمكة جاهزة للأكل، وهي أشبه كما في عُرف عبدالله علي إبراهيم بالبرنامج الانتخابـي الذي يتورّط الناس في صياغته تبشيراً بالديمقراطية (التي هي إشراك الشعب في الحكم) وتأصيلاً استباقياً لمبادئها.
وإذا جاز مجدداً أن أستعير بلاغة شاعر عظيم هذه المرة وأعقِّب على بعضها، فإنني أؤكد أنني لا أجرؤ على أن أنام ملء جفوني عن شوارد مقالاتي، لكنه يسعدني مؤكداً أن يسهر الخلق جرّاها.. دون أن يختصموا بالضرورة.
مهنة أرجل من الكتابة
إذا كنا قد تحفظنا في مقام قريب على الإجابة صراحة على السؤال: "كم يقبض المنظّر مقابل ما يقبضه نظيره العامل في حقل التقنية أيّاً ما كان مجال ذلك الحقل وأيّاً ما كان موقعه فيه؟"، وكان بعض أسباب التحفظ يتعلّق بحفظ ماء وجه المنظرين من أمثالنا، فإن كثيرين- لا تعنيهم وجوه المنظرين ومياهها- على استعداد لأن يتبرّعوا بالإجابة شافية وافية حال أن تتبادر إلى مسامعهم أطراف السؤال.
الحاجّة سعاد والدة أحد أصدقائنا الكرام من أولئك الكثيرين لا ريب، وكان ذلك الصديق قد نوى مبكّراً أيام الدراسة الجامعية أن يتزوّج وصرّح لأمّه بذلك طلباً للعون (المادّي بالتأكيد)، ولم يتطلّب الأمر من الأم المحنَّكة سوى ثواني معدودة لكي تبدّد الفكرة (مرحليّاً) من ذهن ابنها الولهان حين عاجلته بالردّ: "لمّن تبقى قدر العرس عَرِّس". لم يكن مقصد الحاجة سعاد أن فلذة كبدها ذاك لم يبلغ حينها مبلغ الرجال جسديّاً، فقد كان الولد أيامها تحيط بحَنكه "سكسوكة" تتزحلق على مدارها الصقور، كان مبلغ الرجال "جيبيّاً" هو ما تعنيه الحاجّة التي عركتها الحياة، والنساء على أية حال لسن بحاجة إلى معركة طويلة مع الحياة كي يدركن أهمية مبلغ الرجال "الجيبـي" ذاك.
نشير كذلك من باب الأمانة في النقل والاستقراء إلى أنه لم يكن مقصد الحاجّة سعاد أن يُكمل ابنها دراسته الجامعية ويتّخذ مهنة بعينها تدرّ عليه مالاً وفيراً يعين على إتمام مراسم زواج أسطورية، فما كانت تعنيه على الأرجح أية مهنة تدرّ مالاً كفيلاً بأن يجعل ابنها ينهض وحده بأثقال الزواج المادية دون الحاجة إلى عون أبويه أو أي موسِر في محيط الأقربين.
تخرّجنا وتباينت حظوظنا في العمل سعة وضيقاً ثم تباينت تبعاً لذلك في الزواج تبكيراً وتأخيراً، وبتجاوز تعريفات المرحلة الجامعية وأحلامها (إضافة إلى الفروق الفردية لكلٍّ مِنا) فإن المهن الأكثر تألقاً كانت تلك التي أعانت أصحابها على زواج مبكّر وحياة ميسّرة بعد ذلك (من الناحية المادية على الأقل).
وفيما عدا ذوي المواهب المتفرّدة والفرص الأكثر تفرّداً كانت الحظوظ المادية لمَن امتهنوا الكتابة من رفاق الجامعة إجمالاً أكثر تعسّراً من غيرهم، ولأني وفق التعبير المصري "صاحب بالين" أحدُهما الكتابة فإن شهادتي على الصنعة المغضوب عليها في هذا الحديث أبعد من أن تطالها تُهمة "اللاموضوعية"، كما أفترض ابتداءً، كوني لا أبادر إلى صبّ اللعنات صبّاً على الكتابة كلّما ضاقت أبواب الرزق ومداخلُه وأنا أكسب عيشي أساساً من صنعة غيرها، في المقابل فإن هِبَات الصنعة الأخرى الأكثر سخاءً تدعو إلى النظر إلى تهمة "اللاموضوعية" على أنها على بعد مسافة قصيرة منِّي من جهة أخرى.
ولكن مهلاً، هل من خلاف على أن الكتابة الآن واحدة من الحِرَف الأقل عائداً على أصحابها؟، إذا كانت الإجابة "لا" كما نرجّح فإن السؤال الأحرى بأن يستحوذ على الخلاف يجب أن يكون: "لماذا فشل الكُتَّاب في أن يجعلوا الكتابة مهنة ذات مردود مادي يكفل حياة كريمة إن لم تكن راقية؟"، فإذا سارع البعض في معرض الإجابة إلى تأكيد أن السبب يكمن في إدبار الناس عن القراءة، فإن السؤال التالي يجب أن يكون: "وأي المهن تلك التي استرعى نِتاجها اهتمام الناس واستأثر بإقبالهم؟".
وأيّاً ما كان الجواب فيما يخص المهنة التي استرعت الاهتمام واستأثرت بالإقبال، فإن تلك هي المهنة "الأرجل" من الكتابة، على اعتبار أن بإمكانها أن تجعل من كانوا في مثل حالة ابن الحاجة سعاد "قدر العِرس" خلال زمن يسير عقب التخرّج من الجامعة، وهي المهنة التي رفع أرباب الكتابة الراية البيضاء إزاءها ضِمنياً حين اكتفوا بتقريع الناس وهم يدبرون عنهم صوبها.
ومثلما نوّهنا في المقام القريب سابق الذكر بمن يصبر على قراءة هذه الكلمات بوصفه "الوجه الأكثر تألقاً في كل ما يمت إلى التنظير بصلة من صُوَر في أمثال هذه البقع من العالم"، فإننا نستدرك ونضيف إلى ذلك القارئ الصبور كاتباً أكثر صبراً يكتب غير متذمّر من إدبار الناس أو قلة المال.. دون أن يكون "صاحب بالين" يتّكئ على "الأرجل" منهما في كسب عيشه.
ضحايا سيبويه
حين دبّج الهندي "قوبال" خطاباً "أكسفورديّاً" ردّاً على الإنجليزي "فردريك" في معرض جدال فني حول فلسفة معايرة بعض الأجهزة الإلكترونية، بدا أن قوبال لم يألُ جهداً في تعقّب المترادفات التي تمُتّ بصلة للموضوع في قاموس أكسفورد ليختار أكثرها غرابة ويحشو به الرسالة، أما فردريك (وهو المدير العام في إحدى الشركات التابعة للإدارة المركزية التي يعمل بها قوبال) فلم يكن من أمره عندما فرغ من قراءة الرسالة سوى أن قام بتثبيتها على اللوحة البيضاء في باحة الشركة بعد أن كتب عليها التعليق التالي ممهوراً بتوقيعه: "مَن يترجم لي هذا؟".
أسوأ ما في الأمر حين تحاول أن تبدو ملكياً أكثر من الملك أن الأخير سيسخر منك ويجرّ الآخرين معه (وربما يسبقونه) إلى السخرية. ما الذي كسبه قوبال من وراء عنترياته الإنجليزية لغوياً أمام ابن بجدتها فردريك سوى فوزه بلقب "ربيب الإنجليزية المُعقّد"؟.
الأدعى إلى السخرية كان "راجيف" الذي حاول أن يبدو ملكياً أكثر من قوبال نفسه حين نبّهتُه إلى أهمية الردّ على "كولن" (وهو زميل أسترالي) ردّاً بسيطاً في رسالة إلكترونية، وقلت له من أجل طمأنته وحثه على استيعاب بلاغة البساطة: "ألا ترى رسالة كولن إليك كم هي بسيطة؟.. إنه لا يعبأ حتى بمراجعة الأخطاء الإملائية"، فردّ راجيف بما يفيد بأن في سلاسة تعابير كولن ما يكفي لتميّز رسالته، وهو ما يفيد ضمناً بأن عُرف قوبال وراجيف وأمثالهما من رُبَباء الإنجليزية ينص على أنه إذا فاتك تميُّز السلاسة في الكتابة بالإنجليزية فاعمد إلى تميّز التعقيد الذي لا يُكلِّف سوى الغوص في قاموس أكسفورد وغيره من التوابع الإلكترونية الحديثة بحثاً عن الأكثر شذوذاً من المترادفات.
وكان "كيفين" الأمريكي يقرأ خطابات زميله "خليل" (الموجّهة إليه من ربيب إنجليزية عربـي الأصل هذه المرة، ولكن على ذات الشاكلة من العقد الهندية) ويقهقه: "ضحية اللغة الإنجليزية!".
وباستعارة تعبير كيفين، فإن الأخطر أن يكون العربـي ضحية للغة العربية نفسها، عندها يغدو الأمر كما لو أن الملك يحاول أن يكون ملكياً أكثر من نفسه، أو أنه لا يثق في عروبته الكاملة ويحاول تأكيد ما فاته منها. وبين هذين يحاول البعض أن يجد مبرّراً مشروعاً للتفاني في استنطاق بلاغة اللغة العربية جرياً على ما يؤكده المثل المصري: "من فات قديمو تاه"، وهي حالة شهيرة في التراث الأدبـي العربـي منذ القِدم يُوجزها القول الذائع: "ليس في الإمكان أبدع مما كان"، أما المبدأ الذي يذهب أبعد من كل ما مضى في هذا الباب فهو ذلك الذي يؤكد أن القديم أفضل لمجرد أنه قديم، وهو أجرأ ما قيل في سياق المفاضلة بين الماضي والحاضر بما يقطع الطريق كليّاً على المجادلة.
مَن مِنّا مَحلِّيّاً (والموقّع على الغلاف أوّلُ المشمولين بالسؤال الاستنكاري) يسلم من الوقوع، بدرجة أو أخرى، في حبائل الماضي البليغ لغوياً؟، كم كاتباً لدينا يملك جرأة الكف عن دغدغة ما يجب وصفه بالنوستالجيا البلاغية داخله واسترضائها؟، وهل يخلو مقال عندنا (فضلاً عن كتاب) من تعبير أو مثل عتيق تبرّكاً بالأوائل مهما كان السياق موغلاً في المعاصرة؟.
"ضحايا سيبويه" (على نسق "ضحية اللغة الإنجليزية" كما هو خليل عند كولن، بمعنى التفاني في الذود عن بلاغتها العتيقة) صفة لا نستأثر بها كُتاباً فحسب، فهي أدنى إلى أن تنالنا خطابيّين مهما كان مقام الخطابة عاجلاً ومعاصراً حين نصرّ على أن نقف على الكلمة في آخر الفقرة أو الحديث بالضم والفتح والكسر (مع مراعاة التنوين)، وكان هنالك من روّاد التجديد في اللغة العربية من دعا إلى تبنّي الوقف على آخر كل كلمة (وليس فقط آخر الجملة) بالسكون، ولم يكن على روح سيبويه أن تجزع لذلك فضحاياه (على أساس التعريف السابق) وأدوا الفكرة في مهدها.
أليس أجدى من التنقيب في بلاغة التراث العربـي عمّا يثبت أصولنا المتنازعة أن نشرع في تأسيس قواعد للغات غير المكتوبة عندنا؟، إذا كانت تلك مهمة تستغرق أجيالاً لإنجازها فإن من الأنسب أن نمتطي مؤقتاً بلاغة العصر الحديث في كتاباتنا العربية ولو باستعارة التعابير السلسة مترجمة عن اللغات التي أفلحت في الفكاك من أسر "سيبويهاتها"، فمن شأن ذلك أن يدرأ عنا تهمة أن نكون ملكيين أكثر من أي ملك.
على أبواب الأغنياء
الأجوبة المفحمة تدلّ ابتداءً على سرعة بديهة وذكاء، وربما كان ذلك هو غاية ما يُلتمس في الأجوبة المفحمة من دلالات، فالغاية الأبعد والأعمق ممثلة في الإقناع غالباً ما تكون باهتة الحضور في سياق الإجابة التي تُلْقِم السائل حجراً، ويكون ذلك الحجر (الشهير في التراث العربـي) بمثابة الدهشة التي تعقد لسان السائل المستفِز مذكّرة بنقطة ضعف أو معيِّرة بحالة شاملة من الضعف أغفلها السائل في غمرة حماسة، وربما مهدّدة صراحة بما هو أعظم خطراً من العواقب مما أغفله السائل في ذات الغمرة من الحماسة.
ولعل السائل تلك المرّة كان خالص البراءة (وهي حالة ليست نادرة في معرض الأسئلة الداعية إلى المُفحم من الإجابات) عندما قصد أحدَهم سائلاً: "أيّهما أرفع قدراً العلماء أم الأغنياء؟"، وحين جاءت الإجابة مؤكّدة للموروث الثقافي العربـي لاسيما قديمه: "العلماء أرفع قدراً"، كان الردّ المستنكِر من السائل الأول مبشِّراً بما يُمْكن أن يُحتَفى به على أنه إجابة مفحِمة: "فلِمَ نرى العلماء بأبواب الأغنياء ولا نرى الأغنياء بأبواب العلماء؟"، ولكن للأسف كان المسؤول أطول نفَساً في سباق البديهة والإفحام فردّ بالإجابة التي حفظها التاريخ على أنها الأخيرة: "لعلم العلماء بفضل الأغنياء وجهل الأغنياء بقدر العلماء".
بالتجاوز عمّا يثير الإعجاب عادة في مسابقات البديهة من المنطق "الشكلي"، فإن المنطق "المضموني" الذي احتواه الردّ الأخير أعلاه كان مقبولاً تماماً في السياق التاريخي للمسألة التي تعود لقرون عديدة خلت، المدهش أن بقايا واضحة الأثر لتلك النظرة لا تزال إلى هذه اللحظة تعتمل بثقة في الوجه المعلَن للحياة الثقافية والاجتماعية العربية، أما عندنا محليّاً فإن الوجهين (المعلن والمستتر) لحياتنا الثقافية والاجتماعية لا يزالان إلى حدّ كبير نسبياً يحتفيان بتمجيد العلم المحض على حساب المال أيّاً كان مصدره، والمأثرة التي تستحق الاحتفاء في هذا أننا على الأقل لانـزال نحاول أن نطابق بين ما نبطن وما نعلن ما وسعنا الأمر.
من المعلوم الذي لا بأس بالتذكير به في هذا السياق أن الغرب قد فارق النظرة التي تفضِّل العلم (و أيّ شي؟) على حساب المال، فحساب الأخير في البنوك (أو أي وعاء يحفظ المال في حالتيه السائلة والمجمَّدة، ونتجاوز عن المتبخرة) هو ما يزحزح مقام صاحبه في المجتمع صعوداً وهبوطاً، ذاك شأنهم في المقابل سرّاً وعلناً، ولا حاجة لتزكية صنيعهم هَهُنا فالرياء لم يعد يحتل في حياتهم النفسية والاجتماعية غير بضع كلمات تذكِّر بالتعريف المعجمي للمفهوم المنقرض ليس إلاّ.