eKtab
EN ع
توحش الضمير الليبرالي وسقوط الهيمنة الأمريكية
Read free sample

توحش الضمير الليبرالي وسقوط الهيمنة الأمريكية

by بسام عبد الرحمن الجرايدة

Page 1
بسم الله الرحمن الرحيم
 
المقدمة
 
جاء هذا الكتاب على ضؤ تنامي وتصاعد تطبيق الليبرالية المتوحشة في معظم دول العالم, حيث ابهر المجتمع الانساني على واقع هذه التجربة, بعد إن تم تبليعه طعم الليبرالية معتقدا انها الدواء الشافي لكل ازمآت البشرية, والحقيقة كانت غير ذلك فهذا الطعم تبين للعقلاء انه طعم سام وقاتل ومفتت للانسانية بل بعبارة أخرى إن هذا الفيروس نشر الجراثيم الفتاكة والامراض الخطيرة, وما زالت البشرية تدفع ثمنه, وهذا الكتاب يجيب على كافة الاسئلة التي تدور حول الليبرالية من حيث المفهوم والايدولوجية وكيفية مقاومتها واستئصالها .
 
وقبل إن استعرض الابواب الرئيسية لهذا الكتاب, اود إن اوضح إن الاسباب الموجبة التي دفعتني لسبر غور هذا الموضوع الشائك والمعقد والذي يحتاج إلى المراجع والمصادر العلمية التي تساعد للاطلاع على مبادئ الليبرالية بشقيها الكلاسيكي والنيوليبرالي, المهم إن الذي حرضني للكتابة في هذا الموضوع هو ما قاله جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين في المقابلة الشهيرة التي بثتها وكالة الانباء الاردنية خلال السجال الفكري العنيف الذي دار على الساحة الاردنية وعبر وسائل الاعلام ما بين انصار تيار الدولة الذين يمثلون اغلبية المجتمع الاردني, وتيار انصار الليبرالية الجديدة الذين يمثلون الاقلية القليلة الحاكمة والممثلة في السلطة التنفيذية, حيث تساءل جلالته خلال المقابلة موجها كلامه للتيار المناوئ لليبرالية الجديدة قائلا " انني اسمع باستمرار عبارة الليبرالية الجديدة أو الليبراليين الجدد, ويتم تناقلها, وانا شخصيا اعتقد إن بعض الناس يستعملون كلمات كبيرة لا يفهمون معناها ", ومن هنا فقد جاء هذا الكتاب ليملئ الفراغ عن مفهوم الليبرالية بشقيها الكلاسيكي والنيوليبرالي من جهة, ويفضح هذه العقيدة الاقتصادية التي ساهمت في افقار البشرية من خلال اللجؤ إلى الوسائل المتوحشة والقذرة لاذلال الشعوب وتصفية المجتمع الانساني برمته تحت بند ما يستجد وهو الربحية أي النهب لمقدرات الشعوب الفقيرة .
 
وللتدليل على ما نقول فقد شاهد العالم والمجتمع الانساني آخر فصل من فصول مسرحيات الليبرالية الجديدة, وقد تابع العالمباكمله مسلسل تصدعات الرأسمالية المتوحشة, وشاهد بام عينيه ماذا جرى في اسواق المال العالمية وخاصة في منظومة مراكز الرأسمالية, وسيطلع القارئ في هذا الكتاب على حقائق مذهلة ومرعبة, ولا اخفيكم الحقيقة فاثناء اطلاعي على محنة الشعوب التي تضررت من وقع الليبرالية المتوحشة وخاصة شعوب الهند الصينية والافارقة قد جمدت الدماء في عروقي خاصة عندما اطلعت على تاريخ الليبرالية المتوحشة, ولذا جاء هذا الكتاب من خضم هذه المأساة الانسانية, واخترت له العنوان التالي " الوجه القبيح لليبرالية بشقيها الكلاسيكي والنيوليبرالي ",.
 
إن المجتمع هذه الايام بأمس الحاجة لمقاومة الجرثيم الليبرالية, ويجب إن تتكاتف البشرية لمحاربة هذا الخطر والذي اعتبره اخطر من انفلونزا الخنازير, وان مقاومة هذا المرض لن تتأتى من منطلق فردي بل لا بد من مواجهة كل الليبراليين وعقيدتهم العفنة ومحاصرتها, واذا تمكنا منها فلا بد من طمرها وحرقها ومحاصرة كل انصارها واستئصالهم من كافة المؤسسات الرسمية والاهلية, فهم خطر يهدد كيان المجتمع البشري برمته .
 
هذا وقد اشتمل الكتاب على خمسة ابواب, فالباب الاول ناقشنا من خلاله نشاءة الليبرالية الكلاسيكية, وفي الباب الثاني تحدثنا عن الليبرالية النيوكلاسيكية, بينما الباب الثالث تحثنا عن الليبرالية العربية الجديدة, وفي الباب الرابع استعرضنا الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية, وتطرقنا إلى أزمة الاقتصاد الأمريكي الذي هو عنوان أزمة الليبرالية المتوحشة, فيما تطرقنا في الباب الخامس إلى موقف الدين من الرأسمالية من جهة, ومقاومتها من ناحية أخرى, وقدقدمنا اسهامات فكرية لعدد من رجالات الفكر الإسلامي والمسيحي, ثم استعرضنا الخطاب الإسلامي وموقفه من الرأسمالية, ثم اختتمنا الكتاب على شكل برنامج عمل نضالي لمقاومة الليبرالية الجديدة, آملا إن يكون هذا الكتاب كجهد ثقافي لمقاومة خطر الليبرالية المتوحشة, وخاصة ونحن في الاردن ادمتنا جراحات الليبرالية المتوحشة, واكتشفنا إن نتائجها كانت مدمرة وفاشلة بل يمكننا القول انها لم تتجاوز الظاهرة الصوتية, وان نتائجها المأساوية على الاقتصاد الوطني لمسها القاصي والداني, والادهى إن التيار الليبرالي ما زال يقود مسيرة الاقتصاد الوطني الاردني وما زال يهيمن على الحياة الاجتماعيةوالسياسية, والايام اثبتت إن المسيرة الاقتصادية تراجعت إلى مرحلةما قبل عام 1988 أي قبل اشتعال انتفاضة نيسان المجيدة, ولذلك فان الدولة الاردنية مضطرة في هذا المنعطف إن تعلن انتفاضة بيضاء لتطهير اجهزة الدولة ومؤسساتها من رجس الليبرالية والليبراليين حتى نتمكن من التعاطي مع المشهدين الاقتصادي والاجتماعي الاردني للخروج من انياب الليبرالية المتوحشة وانقاذ ملايين الفقراء وانقاذ الدولة واعادتها إلى القها من اجل المحافظة على مسيرة بلدنا قبل فوات الاوان, والحل لن يكون إلا بالعودة إلى الخيار الكنزي أي العودة إلى عقل الدولة الوطنية, والا فاننا مقبلون على كمشهد دامي اما الدولة الديمقراطية الوطنية واما الانفلات والفوضى والدمار .
 
المؤلف : بسام المشاقبه
Page 2
الباب الأول
 
الليبرالية ما بين الايدولوجيا والفلسفة
 
الفصل الأول: الليبرالية مفهومها ونشأتها
 
تعريف الليبرالية ومفهومها: هناك عدة تعريفات لليبرالية حيث أن كل تعريف يختلف عن الأخر لكنها تلتقي في المضمون وتختلف في الشكل حيث سنقف على مجمل التعاريف التي تحدثت عن الليبرالية, ونضع تعريفا واضحا محدد الأطر, والسؤال المطروح ماذا تعني الليبرالية؟
 
الليبرالية: هي مصطلح سياسي واقتصادي برز في أوروبا منذ القرن السابع عشر, واقترن بالثورة الصناعية, وظهور الطبقة البرجوازية الوسطى في المجتمع الأوروبي, ويقصد بها الليبرالية التحررية, وهي تمثل صراع الطبقة الصناعية والتجارية الجديدة ضد القوى التقليدية التي كانت تجمع ما بين الملكية الاستبدادية والكنسية وطبقة الإقطاع, فالليبرالية السياسية كانت تهدف إلى إقامة حكومة برلمانية والى تأكيد حرية الصحافة, والكلمة وحرية العبادة, وإلغاء الامتيازات الطبقية, وهي من الناحية الاقتصادية تعني حرية التجارة الخارجية,وعدم تدخل الدولة في شؤون الاقتصاد إلا في أضيق الحدود باعتبار هذا التدخل يقضي على ازدهار النشاط الاقتصادي,وقد تطورت هذه الأهداف مع الزمن, ومع قيام الأحزاب الليبرالية في بريطانية, وأصبحت تشمل من الناحية السياسية منح حق التمثيل السياسي لجميع المواطنين, ومن الناحية الاقتصادية عدم الاعتراض على تدخل الدولة في تنظيم الاقتصاد الوطني ما دام هذا التدخل في الحدود التي تؤمن حدا أدنى كريما لحياة جميع المواطنين وهو الاتجاه الاشتراكي الديمقراطي(1).
 
الليبرالية:الليبرالية مذهب فكري وسياسي ينادي بالحرية المطلقة في الميادين الاقتصادية والسياسية والاجتماعية, ويقوم على مبدءا الاستقلالية للأفراد والمجتمعات والدول, ومعناه الحقيقي التحرر التام من كل أنواع الإكراه الخارجي,أو الداخلي سواء أكان دولة أم جماعة أم فردا ثم التصرف وفق ما يمليه قانون النفس ورغباتها والانطلاق نحو تكريس الحريات ضمن عقد اجتماعي تتفق عليه الأغلبية بكل صوره المادية والمعنوية بين الدولة والمجتمع,إن الليبرالية وراء إنتاج الظواهر التاريخية الكبرى الحديثة (2).
 
_إن الليبرالية هي تلك الأسلوب الذي يعد حصيلة لصراع الإنسان إزاء اضطهاده بعد كسبه لتجارب لا تحصى كي يصل إلى هذا المستوى من التفكير بعيدا عن إي قيود تعيق تقدمه وازدهاره وانطلاقه (3).
 
الليبرالية تعني : مجموعة من القيم والأفكار تدور حول الفرد والسلطة ترمي إلى تحرير الفرد من كل القيود التي تكبله, فالليبرالية من حيث اصلها جاءت كرد فعل ضد تحكم كل سلطة مطلقة تستهدف القضاء على كل امتياز موروث يتعارض ومبدءا المساواة بين الأفراد(4).
 
الليبرالية : هي نظام السوق الحر, ونظام المبادرة, وحرية العمل, والتجارة, والاقتصاد الحر, وكل هذه المسميات لا تخرج من مدلولها عن المضمون العام للرأسمالية كونها نظام اقتصادي يقوم على فلسفة اجتماعية وسياسية تعتمد على إطلاق حرية الأفراد, والشركات في امتلاك وسائل النتاج, وتحقيق الربح الخاص, وإدارة اغلب الموارد المستخدمة في إنتاج السلع والخدمات في ظل منافسة حرة, وحرية اقتصادية تامة بعيدة عن تدخل الحكومات بدرجة كبيرة, وضمن آليات كالعرض والطلب تفضي إلى تحقيق المنفعة المتبادلة بين الفرد والمجتمع (5).
 
بعد هذا العرض عن الليبرالية يمكننا القول أن نخرج بتعريف لليبرالية بمفهومها العام يرتكز بالدرجة الأولى على إطلاق حرية السوق والاقتصاد ومنع تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي لتحقيق الهدف الأول والغاية الأولى لليبرالية وهو الربح.
Page 3
نشأة الليبرالية
 
ظهر الفيروس الليبرالي لاول مرة في التاريخ في القرن السادس عشر داخل المثلث المحدود(باريس, لندن,أمستردام )(6).فقد انبثقت فكرة الليبرالية بين معسكر الاستبداد والإقطاع ورجال الكنيسة من جهة, وأحرار أوروبا والغرب من جهة أخرى.فقد جاءت من رحم فقهاء العقد الاجتماعي وعلى رأسهم المفكر (روسو)الذي اعتبر الحرية الحقة التي اشتر عناها لانفسنا وهي بحسب هذا المفهوم عملية انكفاء على الداخل أي النفس, وعملية انفتاح تجاه القوانين التي تشرعها النفس فالانكفاء على الداخل تمرد وهروب من كل ما هو خارجي, والانفتاح طاعة القوانين التي تشرعها النفس من الداخل ويمكن أن تمثل الليبرالية حالة انكفاء على استقلالية النفس مع الانفتاح على إتباع قوانين الدولة واحترام طقوس المجتمع.
 
إن الليبرالية انبثقت كما اشرنا من آراء فقهاء العقد الاجتماعي وخاصا إسهامات (جون لوك,جون ميل ), هذا ما يطلق عليه بالليبرالية السياسية,اما الليبرالية الاقتصادية فجآءت من خلال اسهامات (آدم سميث), هذا وتشير المصادر التاريخية الى ان الافكار الليبرالية ظهرت مع بدايات عصر التنوير، وحتى بزوغ الثورة الصناعية (1750ـ1850), وقد اعتبر المؤرخون ان هذه البدايات كانت البدايات الذهبية للافكار الليبرالية, فقد جاءت الليبرالية آنذاك بعد الانتصار الباهر على النظام الاقطاعي الذي ساد العصور الوسطى, وهو النظام الذي كان يرتكز على الاستبداد والعبودية وقهر حرية الفرد وحقوق الانسان وشكل آنذاك سدا منيعا في ولادة الرأسمالية وتطورها فيما بعد منذ بزوغ فجرها, هذا وقد تجلت الافكار الليبرالية بان تم اعادة تعريف او اكتشاف الفرد, وحقوقه, وقدرته على التغير والسيطرة على الطبيعة, ولهذا ففي اللحظة التي ظهرت فيها الافكار الليبرالية كمنظومة ايدولوجية كاملة تعبر عن مصلحة الرأسمالية الوليدة حتى انتشرت بسرعة فائقة في مختلف انحاء اوروبا وغيرها من بلدان العالم, ولم يكن من الممكن لسرعة هذا الانتشار ان يتحقق لو لم تكن متفقة الى ابعد الحدود واحتياجات النظام الرأسمالى, هذ ويرجع الفضل الى انتشار هذا المصطلح الى تكوين حزب سياسي في اسبانيا اطلق عليه الحزب الليبرالي اعتنق اعضآؤه المبادئ الدستورية البريطانية التي هدفت الى تقييد سلطة الحاكم وكفالة حقوق الفراد, وسعوا عام 1810 الى تطبيقها في الحياة السياسية الاسبانية, وسرعان ما اشاع استخدام هذا المصطلح في جميع انحاء العالم وخاصة اوروبا وقصد آنذاك انصار النظام الليبرالي البرلماني ودعاة حرية الفكر وحرية التجارة وحرية الملكية الخاصة, واطلق على وصف الليبرالية على التنظيم السياسي الذي يتبنى هذه المبادئ ويشيد بنيانه الدستوري على قاعدتها, وقد تبلور هيكل هذا البنيان في القرن التاسع عشر, وقامت فلسفته على الايمان المطلق بامكانية تحقيق الرضى العالمي نتيجة اطلاق القوى الطبيعية وتحريرها من القيود وذلك تعبيرا عن الثقة في قدرة الفرد واهليته في التنسيق بين سعادته الخاصة وسعادة مجتمعه وتحقيقها في آن واحد(7).
Page 4
ان الكثيرين من المفكرين اعتقدوا ان الديموقراطية الليبرالية تشكل نهاية التاريخ خاصة بعد ان فشلت تنبؤات وحتميات (كارل ماركس)في التفسير المادي للتاريخ فها هي الرأسمالية تتقدم وتتطور قبل وبعد قيام الاشتراكية العلمية, وتمكنت خلال قرون ثلاث ان تصحح من مسيرتها وتعالج العديد من عيوبها وأخطاءها. هذا وقد اشرنا استنادا الى المصادر التاريخية الى ان الافكار الليبرالية ظهرت خلال الفترة الممتدة ما بين عصر التنوير,والنهوض الاوروبي وحتى اعلان قيام الثورة الصناعية(1750ـ1850) اي انها جأءت كحركة تنويرية من خلال انتصارها الكاسح والماسح على النظام الاقطاعي الذي حكم اوروبا في العصور الوسطى, وهذا النظام الذي شوه سمعة تاريخ اوروبا والذي استند على الاستبداد والقهر والتسلط والعبودية وحبس واعتقال الحرية الفردية, والاهم انه شكل سدا منيعا في ولادة تطور الرأسمالية منذ فجر ظهورها بمؤسساته وقيمه وعلاقاته الاجتماعية, ولذلك فقد تنبه الفلاسفة التنويريون الليبراليرن لاحقا واستخلصوا العبر من انهيار النظام الاقطاعي, وادركوا ملامح المرحلة القادمة بولادة جديدة وزمن اجتماعي جديد للتطور, وقد انصبت آراء هؤلاء المفكرين والفلاسفة الليبراليين التنويريين من خلال برنامج العمل التالي"يجب العمل على تحطيم الافكار التي ساهمت في تغذية النظام الاقطاعي من خلال العمل على تسليح العقلية الرأسمالية الوليدة بنظرة مختلفة من خلال اعادة اكتشاف الانسان وحقوقه وقدرته على الاصلاح والتغيير والعمل للسيطرة على الطبيعة وبالفعل وما ان ظهرت افكار التنويريين كمنظومة ايدولوجية كاملة تعبر عن مصلحة الفرد الا وتلقفتها الرأسمالية الوليدة حتى انتشرت في المجتمع الاوروبي كانتشار النار في الهشيم. والسؤال الذي يطرح نفسه كيف انتشرت افكار الليبرالية التنويرية بهذه السرعة؟, لقد انتشرت الافكار الليبرالية بهذه السرعة للاسباب التالية:
 
1) تطابق الافكار التنويرية الليبرالية مع عقيدة الرأسمالية الصناعية من خلال فتح اسواق جديدة.
 
2) ظهرت الافكار الليبرالية في اللحظة التي طالب رجال الصناعة الرأسمالية بازالة كل العوائق امام الرأسمالية الصناعية اي اطلاق حرية المنافسة من كل قيد اي ابعاد الدولة عن النشاط الاقتصادي وتحديد وظائفها في الامن الداخلي والخارجي.
 
3) تتكفل حرية المنافسة والمبادرات الفردية وآليات السوق بتحقيق مصالح المجتمع, هذا وقد عبر الاب الروحي لليبرالية (آدم سميث) عن هذه الفكرة من خلال اليد الخفية حيث كان مفهوم الليبرالية ينصب على تمكين الفرد من ممارسة اقصى درجات الحرية اي من خلال مبدأي الصراع والمنافسة اي البقاء للاصلح والاقوى وانه لكي يتحقق مبدأالتوافق ما بين المصلحة الفردية والمصلحة العامة لابد من تطبيق سياسة عدم التدخل اي توفير الحد الادنى من الحريات الاساسية للانسان وهي :"حرية العمل, وحرية التعاقد, وحرية التجارة وحرية التنافس ", ولذلك فان افضل السبل لاستمرار ديمومة هذه الحريات فلا بد من عدم تدخل الحكومات والمنظمات الاجتماعية في عمل هذه القوانين والا ازدادت الامور سؤا وتعقيدا .
 
ومن هنا يمكننا القول ان الرأسمالية الصناعية ساهمت مساهمة كبيرة في اختطاف الليبرالية والافكار التنويرية وشنت عمليات صاعقة وخاصة في انجلترا لمقاومة التشريعات المتعلقة بالعمل والعملات والحد من مساعدة الفقراء والغاء قوانين الحبوب والملاحة واطلاق حرية التجارة عبر البحار وتحجيم نطاق النشاط الحكومي وان تكون الضرائب قليلة جدا ."8"ولذاك لابد من التأكيد الى ان الافكار والنزعات الليبرالية التي ظهرت خلال مرحلة الرأسمالية الميركنتيلية ركزت على الحقوق الفردية كحق التعبير والعقيدة والتمثيل النيابي والمشاركة في القرار السياسي ولم يقتصر نشاطها على الجانب الاقتصادي مع ان هذا الجانب يعتبر لب فلسفة الليبرالية, والسبب في تسليط الليبرالية على الجانب الاقتصادي على حساب السياسي يعود الى النزعة البرجوازية الصاعدة والتي تمسكت بالخيار الاقتصادي لتحقيق اكبر حجم من الارباح والاستثمارات وجني الثروات, وان هذا الانجاز من وجهة نظر البرجوازية الليبرالية يعود الى نضالها الفردي وحسن تدبيرها واقدامها على المغامرة, ومن هنا يشير الباحثون في الاقتصاد السياسي الى ان الطبقة البرجوازية وقفت في البداية ضد اي جهة كانت تحاول المساس بحريتها الاقتصادية اي الحد من زيادة الارباح والثروات واحتكارها للسلطة .
Page 5
ووجدنا من الباحثين من يشكك تشكيك نسبي من ان الليبرالية الاقتصادية هي الوجه الآخر لليبرالية السياسية والتي تشتمل على مبداء التعددية السياسية وحرية تكوين الاحزاب السياسية والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني وانشاء البرلمانات وحرية الصحافة, ومن هنا فقد اشارت الدراسات التاريخية الى انه قد يجري خلف ضباب الليبرالية معارك طاحنة كان يقودها الليبرالين الحقيقون الذين يدافعون عن مشروعية الديمقراطية في مواجهة الليبرالية المزيفة حيث جرت معارك ضارية وقدمت تضحيات كبيرة جدا عبر العشرات بل والمئات من السنين لكي يتم ارضاخ الرأسمالية للمطالب الديمقراطية من جانب القوى الشعبية المناضلة والمناهضة للرأسمالية للمطالبة بحقوقها السياسية وخاصة تأسيس الاحزاب وحرية الاجتماع والتظاهر والمشاركة في العملية الانتخابية, والتاريخ اثبت ان الرأسمالية عندما تعيش في اجواء الازمات فان اول ما تضحي به هي الديمقراطية وتريق دمها امام الاشهاد كما حدث ذلك في منتصف القرن الماضي كما جرى في المانيا النازية وايطاليا الفاشية وابان مرحلة الماكرثية في امريكا, ومن هنا يمكننا القول بالرغم من الانجازات العظيمة التي حققتها الرأسمالية الصناعية وربيبتها الليبرالية الاقتصادية من تقدم هائل وعظيم في قوى الانتاج والتدخل والتراكم الرأسمالي, الا ان الخبرة التاريخية تشير الى ان هذه الليبرالية سرعان ما كشف عن عيوبها الاجتماعية وعلى النحو التالي:
 
1ـ استغلال العمال والنساء والاطفال ابشع اشكال الاستغلال خاصة في المراحل الاولى للرأسمالية الصناعية.
 
2ـ انتشار البطالة وبروز التباين والفوارق الاجتماعية والآزمات الاقتصادية.
 
3ـ التطاحن الضاري على الاسواق الخارجية ومنابع انتاج المواد الخام ( 9).
 
كل ذلك هياء الاجواء لانشاء وتكوين المستعمرات والعمل على نهب الموارد الطبيعية في الدول الفقيرة اي في دول العالم الثالث,
 
ولذلك فان الليبرالية تستند الى العقلانية وليس الى الفوضى فالافراد يخضغون لحكم عقلهم المستنير الذي يلقنهم ضرورة الامتناع عن الحاق الاذى بالغير سواء في ماله او روحة وذلك حفاضا على حريتهم وسعادتهم الفطرية, لاحظ معي ان هذة المبادئ الرائعة تنافت مع التطبيق الواقعي لليبرالية فلقد تآذت البشرية على يد شراذم الليبرالية المتوحشة ومن خلال شقيها الكلاسيكي والنيوكلاسيكي وسيرى القارىء فجائع ومآسي الليبرالية المتوحشة في الفصول القادمة.
 
ان الليبرالية السياسية ركزت على حقوق الافراد الطبيعية بمعنى ان الافراد يحوزون حقوقا طبيعة تدركها عقولهم وتستخلصها من قانون الطبيعة مثل الملكية والحرية والمساواة واليبراليةالسياسية دولة تحكمها العدالة الخاصة القائمة على حق كل فرد في ان يصون نفسه وماله ولذلك لا بد من طرق النشأة الاولى لليبرالية السياسية للتعرف على نشأة الافكار الليبرالية الأولى .
Page 6
نشأت الافكار التنويرية لليبرالية السياسية
 
اشرنا في ما سبق الى انه مع نمو رأس المال التجاري ودخول الاقطاع مرحلة التفكيك والتفكك بدأعصر التنوير والنهضة وهو العصر الذي تميز بالثورة على جمود العصور الوسطى والدعوة لتقديس العقل والفردية والحرية ومحاولة فهم العالم بمنطق يختلف عن آباء الكنيسة والفكر الاغريقي . ان زيادة مستوى الدخول وارتفاع مستوى المعيشة نسبيا الناجم عن حركة التجارة الواسعة سواء عبر البحار او داخل المجتمعات الاوروبية, وما واكب ذلك من حركة كبيرة للمخترعات والاكتشافات في مجال الاسلحة وبناء السفن واختراع الطباعة وساهمت في بزوغ الافكار التنويرية التي تدعوا الى الحرية والايمان بقدرة الفرد على التغيير والتطور, وكان واضحا الى ان البرجوازية وصلت الى قناعة مطلقة بان سلطة الكنيسة والافكار الدينية وفلاسفة العصور الوسطى اصبحت تشكل عبئا عليها, ولذلك اتجهت نحو الوصول الى معرفة اسرار المادة لتمكن الانسان من السيطرة على الطبيعة وتفتح امامه امكانات واسعة لاستغلالها والسيطرة عليها فاخذت تميل الى تشجيع المذهب العلمي والاكتشافات الجديدة وتتحمس للسلطة والعقل والتجريب وخاصة وانها توقعت ذلك كله يمكن ان يزيد من ارباحها كل ذلك ادى الى تفجر الوعي الفكري والثقافي وقلب مجتمع العصور الوسطى والاهم من ذلك ان العقائد الجامدة قد تم تحطيمها حيث تمكن الفنان ليونارد دافنشي وهو المخترع والعالم من القيام بتشريح جسم الانسان وسطوح الاجسام واشكالها ويجعل من الفن علما, فيما كوبرينكس حيث تمكن من تغيير نظرة الانسان الى الكون معتبرا ان الشمس لا الارض هي مركز الكون, فيما رحلات ماجلان وفاسكوديجاما وكريستفركولمبوس والتي اثبتت كروية الارض وفتحت المجال امام الاكتشافات الجديدة للطرق البحرية .
 
كل ذلك ساهم في ولادة جيش ضخم من العمال المهرة والتكنولوجيين المهتمين بصناعة السفن وآلآت البحرية نتج عنه تقدم علم الجغرافيا ورسم الخرائط وعلم الفلك وهو جاليلو الذي اعتمد على التلسكوب بفتح آفاقا واسعة في اكتشاف الاجرام السماوية والافلاك المختلفة وتمكن من تحليل حركة البندول وسقوط الاجسام, ومن هنا يمكننا القول ان التقدم الذي احرزته الرأسمالية التجارية انذاك هو الثمرة الواضحة للتقدم الذي احرزه هؤلأ وتحول هدف الكيمياء من خرافة اكتشاف الذهب وحجر الفلاسفة الى البحث عن المعادن والمواد وخواصها وطرق تحولها وتغييرها, وكان البارميتر الذي اكتشفه تورشللي اثر كبير في قياس ومعرفة الضغط والفراغ والهواء ومكوناته, كما وحدثت قفزة في عالم النباتات والكائنات الحية بفضل اكتشافات المكروسكوبات واصبح الطب علما بعد ان كان شعوذة ثم جاء اسحاق نيوتن في كتابه المبادىء ليضع نهاية لسيطرة العلوم الاغريقية التي سادت في العصور الوسطى واكتشاف طرائق حسابات التفاضل والتكامل واستخدامها في تحويل النظريات الفيزيائية الى نتائج محسوبة تؤكدها المشاهدات ويتوصل لقوانين الحركة والجاذبية التي اصبحت فيما بعد اساسيات علم المكانيكا وغيره من العلوم, وعلى صعيد المعرفة فقد تم السيطرة على الطبيعة وكان من الطبيعي ان يواكب ذلك ثورة في عالم الفلسفة فقد بداء عصر عبادة العقل حيث حمل فرانسيس بيكون في انجلترا اول من حمل لواء الدعوة لهذا العصر وراية التمرد على العصور الوسطى المعتمدة على المعرفة الميتافيزيقية والمنطق الارسطى فقد اعتمد بيكون على ضرورة فهم ضواهر الكون والحياة على اساس الاختبار العملي والمقارنة والتحليل والقياس العقلي معتمدا على التجربة والحواس, فقد دعا الى قيام العقل البشري برحلة في الكون ليس لها من نهاية سوى حدود الكون نفسه فقد رأى في العلم وسيلة لبناء حياة فضلى لأن العلم قوة ومن خلاله يستطيع سيد الطبيعة اذا استطاع فهم اسرار هذه القوة فقد ركزت دعوته في الاساس على تفسير ما نجهله من خلال الاستقراء الارسطى الذي ينتقل من الكليات الى الجزئيات وغاية هذا الانتقال ليس هو المعرفة ذاتها كما اعتقد فلاسفة اليونان بل استخدام هذه المعرفة للسيطرة على الطبيعة, ومن هنا فقد انطلقت شرارة الفلسفة وانتقلت الى معظم الدول الاوروبية واصبحت دعوة بيكون عنوانا للثورة العقلية التي اتت على البنيان الفكري للعصور الوسطى فاجهزت عليه واحالته الى تراث عتيق, هذا وجاءت افكار الفيلسوف اسبينوزا تصب في ذات المسار حيث ذهب الى القول بان الخير الاسمى هو معرفة الاتحاد ما بين العقل والطبيعة وانه كلما زاد العقل كلما ازداد فهما لقواه ولنظام الطبيعة.
Page 7
كما وجاءت افكار رينيه ديكارت لتصب في نفس الباب حيث دعا الى اعلان فلسفة الشك واعتبر وسيلة المعرفة الرئيسة هي العقل وان اي شئ قابل للادراك وقسم العالم الى عالمين عالم الطبيعة القابل للتجربة والقياس, وعالم الروح والاخلاق الذي لايقاس, وبذلك يكون ديكارت قدم ما يشبه تقسيما للعمل فالعالم الاول سيختص به العلماء دون ان يزاحمهم رجال الدين, كما وقدم جون لوك جهودا كبيرة في مؤلفاته حيث هاجم التمسك بالتقاليد القديمة ودعى الى اطلاق حرية العقل واكد ان عقل البشر عندا تولد تكون اشبه بالصفحات البيضاء وان الحواس هي وسيلتهم للادراك وان الاشياء المادية وحدها هي التي تنتقل الى العقل عن طريق الحواس ومن ثم فكل معارفنا مستمدة من المادة.
 
فيما جاءت افكار ليتنز حيث اشار ان في الكون حقائق فردية لا نهاية لها وليست حقيقة واحدة وانم ادراك هذه الحقائق والذرات تمكننا من فهم الكونكله وانه رغم تعددية هذه الحقائق الا انها متصلة بنظام او قانون يجعلها تستمر دون اضطراب . اما ديفيد هيوم وهو من ابرز المفكرين التجريبيين فقد دعا الى فلسفة الشك وانكر نظرية السببية فقد رأى ان المصدر الاول للافكار هو الحواس الا ان الترابط الموجود بين افكارنا يعود لتكرار التجربة وكان يرى ان الفضيلة هي ما يبعث على اللذة والرضى وان المنفعة هي ما يعود بالخير على اكبر عدد من الناس, هذا وقد ازداد تدفق هاؤلاء المفكرين التنويريين كما لو كان تيار عارم يتدفق باستمرار فيظهر عصر الموسوعيين العظام الذين جسدوا هذا التيار العارم على شكل (انسكلوبيدات ) اي موسوعات تضم الثمار الناضجة لفلاسفة وعلماء عصر التنوير والنهضة وها هو ديدرو ينشر اول موسوعة علمية في "28" مجلدا والتي اشتملت على ثمار العلم والمعرفة التي تجمعت في ذلك العصر, وكانت تعتمد على وجهة النظر المادية والعقلية وفي تلك الموسوعة التي يعتبرها البعض بمثابة انجيل الليبرالية حيث وردت لاول مرة مسطلحات حرية التجارة والتعاقد "دعه يعمل, دعه يمر ".
Page 8
عصر تنوير الليبرالية
 
لم يكن عصر التنوير منصبا على الانجازات العلمية والفلسفية كما لاحظنا لاحقا سابقا وانما تجاوز الى الفكر السياسي والقانوني وانظمة الحكم حيث ظهر جيل من المفكرين العظام الذين نددو بالطغاة والطغيان في العصور الوسطى ودعوا الى تحرير الانسان من العبودية والتسلط كما واكدوا على ان المجتمع يتالف من احرار متساويين ومستقلين تحركهم مصالحهم الخاصة ومن اشهر هاؤلاء المفكرين مونتيسيكيو حيث اصل في كتابه روح القوانين فكرة الديموقراطية النيابية وشرح مبدأ الفصل ما بين السلطات معتقدا ان الديموقراطية هي الفضيلة وان الملكية هي الشرف وان الاستبداد هو الخوف ونادى بان هنالك روحا تسير الجماعة على هذه المبادئ في اي امة من الامم, وان مهمة القوانين هي ان تعكس هذه الروح بل ان قيمة القوانين في النهاية بل يجب ان تكمن في درجة الانسجام مع الميول والمواقف الفكرية للاشخاص الذين يخضعون لها, وكان مونتيسيكيو من اشد المؤمنين بسلطة العقل التي يمكنها ان تصنع مثل هذه القوانين .فيما جآءت افكار فولتير في الدعوة الى الصلاح السياسي ونادى بانه ما من امة تحكمها قوانين صالحة مطلقة فجميع هذه القوانين املتها مصلحة المشرع وهي مصلحة مؤقتة صاغها الجهلة في ظل حكومات همجية وانتصر فولتير للاخلاق حيث اعتبرها قيمة سامية وخاصة عند صياغة القوانين الجديدة لان هناك بين البشر تضافرا اخلاقيا اتجاه قضايا الحرية والعدالة والظلم .
 
كما وتناول التنويري جان جاك روسو حقوق الامة في العقد الاجتماعي واكد ان هذه الحقوق نابعة من حقوق الفرد وان الامة باعتبارها تجسيدا للارادة العامة وافراد الشعب هم مصدر السلطات وليس هناك شىء يسبق وجودها او يعلوها سوى الحق الطبيعي والامة تكون بهذا المعنى قد تكونت بموجب التزام طوعي متبادل بين اعضاءها اي بموجب عقد اجتماعي عقدته مع نفسها وفي حرية متكاملة, والامة في ممارستها المشروعة لسياديتها تصدر دستورا وتقيم حكومة تكون مهمتها خدمة افراد المجتمع اي خدمة حقوقهم الطبيعية واذ اخلت بذلك تكون قد اخلت بذلك تكون قد خرجت عن العقد الاجتماعي ويجب تغيرها وفي هذه الاجواء كانت الصورة الاخرى مغايرة لدى الاقطاع ورجال الدين والكنيسة فقد تعرضت هذه الافكار الى الحرب من قبل الاقطاع والكنيسة بكل ما اتيت من قوة وسلطان من خلال فرض الضرائب المرتفعة على الناس وممارسة سلطة قديمة في تفسير الحياة والكون وكل شىء بنظرة دينية بحته تحقر الكسب المادي وترفض التطور, ولذلك جاءت حركات الاصلاح الديني تستهدف اصلاح علاقة الكنيسة بالافرادوالمجتمع, وتتصدى لكثير من المعتقدات البالية في العصور الوسطى وتعترض على تدخل رجال الدين في الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية ومن هنا ظهر ابرز المصلحين التنويرين وعلى رأسهم مارتن لوثر الذي انتقد فساد البابوية وسيطرة رجال الدين وفضح صكوك الغفران التي كانت تبيعها الكنيسة وقام بترجمة الانجيل لاول مرة ليتعرف الناس على تعاليم الدين دون وساطة رجال الدين, كما وجاءت اراء كلفن الذي اعتبر ان تجميع الثروة هو حق مشروع ولا يتعارض مع مبادىء المسيحية وقد لاقت افكار الاصلاح الديني آنذاك آذانا صاغية على يد البروتستانت في مختلف انحاء اوروبا .
 
بعد هذا العرض كان عصر النهضة الاوروبية هو عصر اليقضة الذي اطلق سلطان العقل والايمان بالحريات الفردية وبقدرات الفرد على التغيير والسيطرة على الطبيعة وكان هذا العصر هو المقدمة التاريخية لظهور الليبرالية الاقتصادية والتي استندت عليها الرأسمالية الصناعية "10"
Page 9
جوهر الليبرالية السياسية
 
اعتبر الفلاسفة كما لاحظنا سابقا بان جوهر الليبرالية يكمن في الانسان ويجب العمل على تحرره من كل انواع السيطرة والاستبداد والعبودية وان الليبرالي الحقيقي هو ذلك الليبرالي الذي يكافح ويناضل كل اشكال الاستبداد السياسي والاقتصادي والاجتماعي وكما لاحظنا ان الليبرالية لم تاتي من جهد وفكر عالم واحد او فيلسوف او عقل واحد وانما هي جهود مفكرين وفلاسفة عظماء ولذلك فان الذي مهد لولادة الليبرالية هو المناخ الديمقراطي وبدونه فلن يكون للقيم الليبرالية اي وجود.
 
ان اليبرالية الحقيقية هي البنت الشرعي للديموقراطية وان الليبرالية المزيفة ستنهار لانها لا تتوافق مع الليبرالية فمثلا الليبرالية لا يمكن ان تعيش في اجواء مسممة ومكممة واجواء قمع وانتهاك لحقوق الانسان وللحريات العامة ولذلك فقد انكشف امر الاحزاب السياسية التي تدعي انها احزاب ديموقراطية فمن خلال الممارسة انكشف امرالاحزاب بسبب انتهاكها الفاضح لابسط حقوق الانسان, ولذلك فقد اتسمت الليبرالية السياسية الحقيقية بالمحاورين التاليين:
 
المحور الاول: فقد جاءت الليبرالية من رحم الاقطاع والنظام الطبقي الذي يهدف الى استغلال الانسان وسحق آدميته من خلال الحاق الاذى بالشعوب من استعمار واضطهاد واستغلال لخيرات الدول والامصار والشعوب وما اثارته الليبرالية المزيفة من تناقضات حادة نجم عنها حروب طاحنه كالحربين العالميتين الاولى والثانية .
 
المحور الثاني: اتسمت الليبرالية بانها المفجر الاول في اشعال الثورات العالمية الكبرى كالثورة الانجليزية 1688,والثورة الفرنسية 1789, والثورة الاميريكية 1775, تلك الثورات التي اعتبرها المؤرخون بانها تمكنت من تحرير الانسان في الغرب بصفة اساسية ورفع الظلم عنه وعملت على تخفيف الفقر والمجاعات والامراض والاوبئة المستفحلة وتحسين مستوى معيشة الناس على الاقل في المجتمعات الغربية "12".
 
ولكي لا نخلط ما بين الديموقراطية واليبرالية الرأسمالية يقول المفكر الاميركي دي توكفيل في دراسته الكلاسيكية عن الديموقراطية الغربية الاميريكية عام 1825 "ان الديموقراطية تستثني بطبيعتها اعطاء اي دور رئيسي للفرد, وتنفي فكرة القائد والبطل,ولهذا فان مؤرخي المراحل الديموقراطية لا يعطون اي فضيلة لاثر الفرد عند مقابلته مع قدر الامة او لدور المواطنين على دور الشعب بل يعطون العكس اسبابا جامعة وكبيرة لكل نوع من انواع الاحداث الصغيرة التافهة, ولكن في الانظمة الارستقراطية نجد بعض افراد يحتلون المكان الاول في مسرح التاريخ يستوقفون النظر ويركزونة عليهم, فيما الديمقراطيات يكون فيها المواطنون مستقلين الواحد عن الاخر, وكل واحد منهم ضعيف بمفرده ولذلك لا يرجعون الى اي فرد منهم اي اثر كبير او دائم في المجتمع "13", فيما المؤرخ الاميريكي بيترسون اوضح ان المفهوم الديموقراطي الليبرالي الذي قامت عليه الجمهورية الاميريكية ينفي الدور الذي عادة يعطى للقائد الكبير في صنع التاريخ ان الديوقراطية تختلف عن الليبرالية من مفهوم جماعي اي الشعب وهي بالاصل تعني سيادة الشعب او الامة, واكدت على حرية الفرد بينما الليبرالية ترتكز على الفرد, وترى ان التطور العضوي لكافة امكاناتة وقواة الطبيعية هو جوهر الحرية, وتعمل في سبيل وضع لايغير مجراه الطبيعي كبير ويترك له اثرا واكبر قدر ممكن من الحرية, ان الديموقراطية تنطلق من المساواة بين الشعب بينما الليبرالية الرأسمالية ترتكزعلى انعاش طبقة على حساب طبقة اخرى, ان الليبرالية هي تلك الاسلوب الذي يعد حصيلة لصراع ازاء اضطراره بعد كسبه لتجارب لا تحصى كي يصل الى هذا المستوى من التفكير بعيدا عن اي قيود تعيق تقدمة وانطلاقة وهذا عكس الديمقراطية فالاخيرة قد تضطر الى تقيد الانسان "14".
 
في ضوء ما سبق فأن الليبرالية هي حصيلة تجارب الانسان عبر القرون الماضية والتي توصلت الى سن التشريعات والقوانين التي تراعي الضروف التي انتهى اليها الانسان وخاصة منذ تراكم حصيلة الظواهر البشرية الكبرى سواء اكانت في مرحلة الاكتشافات الجغرافية في القرن الخامس عشر او مرحلة الاصلاح الديني لمارتن لوثر وكالفن في القرن السادس عشر او في الثورة الاقتصادية الميركنتيلية التي سنتحدث عنها لاحقا لدول المدن في القرن السابع عشر او في الثورة الفكرية والبحث عن روح القوانين والحريات في القرن الثامن عشر والتي توجت في الثورة الفرنسية او في حركات التنوير الفلسفية ويوتبيا التفكير والثورة الصناعية في القرن التاسع عشر واتي اوصلت الدول الاستعمارية الى اوج قوتها وهذا في الحقيقة هراء كما يزعم الليبراليون وسيرى القارىء لاحقا كيف ساهمت الليبرالية في شقاء الانسان وتعاسته, كما اننا يجب ان نعترف بان التطور العلمي والتكنولوجي الهائل الذي تعيشه البشرية ما كان ليكون لولا جهاد ونضال المفكرين والفلاسفة وانه لولا مناخ الحرية وحرية التعبير والتي هيأت السياسي الذي نتج عنه النضال الديمقراطي, وليس كما يزعم كهنة الليبرالية فهم نتاج طموحات رأس المال والذي سندرسه بالتفصيل عند الحديث عن الليبرالية الاقتصادية والتي استغلت الليبرالية السياسية وسارت على نهجها ولكن ليس لتحرير الانسان بل لتحرير الاسعار وكسب الارباح على حساب الانسان .
Page 10
فلسفة الليبرالية الاقتصادية
 
خلال النصف الثاني من القرن الثامن عشر كانت التطورات كلها تصب في صالح البرجوازية الصاعدة حيث تعاظم الدور الدي اصبح يلعبه الانتاج السلعي الرأسمالي واصبحت الصناعة لا الزراعة او التجارة هي المجال الرئيسي للنشاط الاقتصادي وتحقيق الارباح حيث حقق راس المال الصناعي توسعا كبيرا وزيادة في الناتج الاجتماعي بعد الاستخدام الموسع لوسائل النقل والاتصال بيد ان الضروف الموضوعية الجديدة التي خلقتها الثورة الصناعية, وما ترتب عليها من مشكلات اقتصادية واجتماعية وكانت في الواقع بحاجة الى فكر جديد يتناسب مع هدا الواقع المحتدم بالغليان والمليئ بالتنافسات ويستجيب في نفس الوقت لمتطلبات نحو ويكون عاملا من عوامل تعضيد حركته على التطور ذلك ان مشكلات الطرح مع علاقات الانتاج الاقطاعية والامتيازات التي كانت مقررة لرجال الدين والاقطاع, والتغلب على القيود التي فرضتها الرأسمالية التجارية على حرية التجارة ومزاولة النشاط الاقتصادي, والبحث عن سياسات جديدة لتأمين نمو الانتاج السلعي الرأسمالي واكتشاف قوانينه الموضوعية في النمو ومواجهة القضايا التي ترتبت على عملية التحول الى المجتمع الصناعي وما عكسته هده القضايا بين صراع اجتمعي وتناقضات طبيعية كل هده القضايا والمشكلات وغيرها طرحت عديد من التحديات التي كانت لابد من التصدي لها على مستوى الفكر وايجاد الحلول حتى يمكن حماية وضمان مسيرة المجتمع الراسمالي الوليد .
 
ان الليبرالية الرأسمالية الصناعية حطمت المنافسة وساهمت في ولادة الاحتكارات الكبرى وفتحت شهوتها للصراع الدامي ما بين الدول الرأسمالية الصناعية حيث ساهمت في اندلاع الحربين العالميتين الاولى والثانية خلال القرن الماضي, ونتيجة للدمار الدي خلفته الرأسمالية الصناعية بسبب هاتين الحربين غيرت من اساليبها وادواتها, والتراجع من الليبرالية المطلقة الى الليبرالية المعتدلة وساهمت في تهذيب قواعد اللعبة من خلال الدور الدي لعبته الدولة في المجال الاقتصادي, الاجتماعي, هذا وقد وصف جون ماينرد كينز في نظريته العامة للنقود والفائدة والتوظيف عام 1936 انه يستحيل ان يتجنب النظام الرأسمالي الانزلاق في الازمات على قرار ما جرى خلال ازمة الكساد الكبيرة 1929ـ1933 الا اذا لعبت الدولة دور الوزن الموضوعي ما بين تقلبات قوى الطلب الكلي وقوى العرض الكلي, ومنذ ذلك الوقت تزايد تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي, وتزايد الانفاق الحكومي وتنوعت مجالاته وبالذات في مجال الخدمات والضمانات الاجتماعية وكانت الفترة المحددة ما بين 1945 ـ1970 تعبر عن مرحلة ما سمي بدولة الرفاه التي تميزت بارتفاع معدلات النمو والتوظيف والاستقرار النقدي النسبي وزيادة مستوى المعيشة, وترسيخ اشكال الديموقراطية وبروز دور الدولة الاقتصادي والاجتماعي "15".