eKtab
EN ع
توماس هوبز ومذهبه في الأخلاق والسياسة
Read free sample

توماس هوبز ومذهبه في الأخلاق والسياسة

by نبيل عبد الحميد عبد الجبار

Page 1

شكر وتقدير

أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى أستاذي الدكتور كريم متي فتحي، لما تقدم به من توجيهات كان لها فضل كبير في إخراج هذا الكتاب، كما أشكره على نمط العلاقات التي أحاطني بها طوال فترة إشرافه على إعداد هذا الكتاب. كما أتقدم بجزيل شكري وامتناني إلى الأستاذة (زاهدة إبراهيم محمد) الأمين العام وكالة للمكتبة المركزية لجامعة بغداد لما كان لها من فضل في توفير المصادر الأساسية لكتابي هذا، والتي لولاها لما أمكن إعداد الكتاب. كما اتقدم بالشكر لكل من الدكتور عماد موسى، والدكتور سعدي أحمد، والأخ عباس توفيق رضا والزملاء أعضاء اللجنة الاتحادية في كلية الآداب لتعاطفهم الأخوي وجهودهم في تذليل بعض الصعوبات التي واجهتني في المراحل الأخيرة من إعداد الكتاب ... وأخيراً أذكر بكل امتنان ما بذله كل من الأخوين نائل حنون، وهادي حميد من جهود أثناء طبع الكتاب.

والله الموفق

Page 2

المختصرات

قام (سير وليم مولز ويرث) بجمع كتابات هوبز بالانجليزية، ونشرها في أحد عشر مجلداً، خلال عامي (1839 ــ 1845).

وقد أعيدت طباعتها مرتين، الأولى كانت في عام (1961) والثانية في عام (1966).

وقد اعتمدت في كتابي هذا على الطبعة الأخيرة:

The English Works of Thomas Hobbes, ed. By Sir William Molesoth, (11 Vols.) Second Rerint 1966, Scientia Verlag Aalen, Germany.

وسأستخدم في الصفحات التالية من البحث المختصرات التالية للدلالة على المصادر المشار إليها إزاءها:

E.W.,I: Elements of Philosopy, the first Section, Concerning Body.

E.W., II: Philosophical Rudiments Concerning Government and Society.

E.W., II: Liviathan.

E.W., IV: Human Nature.

De Corpoe Polotico.

Of Liberty and Necessity.

E.W., V: The Question Concerning Liberty, Necessity, and Chance.

E.W., VI: A Dialogue between a Philosopher and a Student of the Common Laws of England. pp.1- 160.

Behemoth: The History of the Causes of the Civil Wars of England. pp. 161 – 418.

The Whole At of Rhetoric, pp, 419 – 510.

The Art of rhetoric, … pp. 511- 528.

E,W., VII: Seven Philosophical Problems, … pp. 1- 68.

Decameron Phyisiologum, … pp. 69- 177.

Six Lessons to the Professors of Mathematics, … pp. 183 – 536.

E.W., VIII, IX: The History of the Grecian War, written by Thucydides, translated by, Thomas Hobbes, Vols. 1, 2.

E. of L.: Elements of Law, Natural and Politic, ed. By f. Tonnies, (Frank Cass and Co., 1969).

Tract: A Short Tract on First Principles.

Page 3

المقدمة

امتاز توماس هوبز Thomas Hobbes بخصائص عديدة جعلته، منذ تألق نجمه كفيلسوف وحتى أيامنا هذه، موضع اهتمام خاص، بشكل أو بآخر. فهو قد كرس نفسه لمعارضة الاتجاه الأرسطي والفكر المدرسي في وقت كانا يحظيان فيه، في انكلتره، بقبول واحترام معظم الأوساط المتعلمة وأساتذة الجامعات. وكرس نفسه لإقامة نظام فلسفي عقلاني، في وقت كان سلفه "فرانسيس بيكن -Francis Bacon" وقد أرسى دعائم نزعتين صارتا، بعدئذ، بمثابة تقليدين مميّزين حرص على تجسيدهما سائر الفلاسفة الانكليز بعده (باستثناء هوبز بالطبع) وهما: الكره الشديد لفكرة إقامة النظم الفلسفية([1])، والنزعة التجريبية. حيث جاهر باتجاهه المادي ونزعته الالحادية في وقت كانت معتقدات الناس الدينية فيه على أشد ما تكون من القوة والرسوخ، ويكفي للتدليل على ذلك أنهم، في أعقاب تفشي وباء الطاعون ونشوب حريق لندن الكبير (1665 ــ 1666)، لم يترددوا في الافصاح عن اعتقادهم بأن ذلك لم يكن إلا تعبيراً عن غضب الله ونقمته عليهم لسماحهم لـ "ملحد" كهوبزبنشر هرطقاته" دون عقاب. كرس نفسه لمناوأة نفوذ وسلطان رجال الدين واللاهوتيين ــ وبالأخص البيوريتان Puritan والكاثوليك ــ وتسفيه "عقائدهم الشريرة"([2])، في وقت كان دور هؤلاء في توجيه مقاليد الأمور ــ على كافة الأصعدة: السياسية منها، والعلمية، والاقتصادية([3]) ــ ما فتئ يتعاظم ويزداد خطورة، وبلغ ذروته في نجاحهم في الإطاحة بالملك تشارلس الأول ــ Charles I واعدامه (عام 1649) ([4]). الذي جاهر بدعوته إلى إقامة نظام حكم مطلق السلطة والصلاحيات، في وقت كان مسار الأحداث قد قطع فيه شوطاً طويلاً لصالح دعاة الديمقراطية وأنصار التمثيل الشعبي، وكانت جذور الملكية على وشك أن تقتلع من أرض انكلتره إلى الأبد. كل هذه الصفات والمواقف (وأخرى غيرها) ضافرت في جعل هوبز، طوال حياته وبعد ذلك مدة قرن من الزمان، فيلسوفاً "متميزاً" تصدح أفكاره بنغمات "ناشزة" لا تنسجم مع الاتجاهات والمذاهب الفكرية والسياسية التي انضوى تحتها غالبية أبناء وطنه([5]).

على أن هذه الصور القاتمة لهوبز ما لبثت ــ مع بداية القرن العشرين ــ أن تبدلت لتحل محلها، في أذهان المهتمين بالفلسفة صورة أزهى وأكثر إشراقاً. حيث بدأ الاهتمام بفلسفته يتخذ طابعاً آخر أقرب إلى الموضوعية والانصاف، وتبين للكثير من الباحثين أن "البعبع ــ bete noire" الذي ظل طوال عصر كامل يقض مضاجع خصومه، بأفكاره "المؤذية" و "المرعبة" إنما هو يعد "أعظم كاتب في مجال الفلسفة السياسية، انجبته الشعوب الناطقة بالانكليزية"([6]) وأن أفكاره الناقدة تنسجم بشكل مذهل مع الواقع، وتبدو "أكثر صلة بالقرن العشرين منه بأي وقت آخر منذ أن انجز كتابه التنين Leviathan"([7]).

وعلى الرغم من أن أسباباً عديدة قد حدت بالباحثين المعاصرين إلى اتخاذ هذا الموقف الجديد من هوبز، والاهتمام بشكل متزايد بكتاباته، إلا أنني اعتقد أن السببين التاليين كانا بمثابة الحافز الرئيس لذلك:

أولاً: طبيعة العصر والمناخ السياسي العام الذي خيّم على العلاقات الدولية. حيث لاحظ الباحثون أن الكثير من آراء هوبز في الإنسان تجد مصداقاً لها في عدد من الاتجاهات المتجسدة بالفعل في مضمار العلاقات الدولية، فهم قد وجدوا ــ على سبيل المثال ــ في الاتجاه، الذي يشهده العالم نحو التسلح والسعي المطرد من أجل إيجاد أشكال جديدة ورهيبة من "القوة" المدمرة (لعل آخرها القنبلة الهيدروجينية والأسلحة الجرثومية والكيماوية) تجسيداً لما قرره هوبز في قولته الشهيرة: "اني أجعل من رغبة دائمة لا تستقر في القوة بعد القوة، وهي رغبة لا تهدأ ولا تتوقف إلا عند الموت، ميلاً عاماً لدى البشر جميعاً"([8]). كما أنهم وجدوا في ما تقترفه "أكثر الجماعات تحضراً" في حق غيرها، من فضائح وجرائم وحشية، تصدم في هولها حتى أشد الناس تشاؤماً وأكثرهم تشككاً في طيب الدوافع الإنسانية تجسيداً لما عزاه هوبز للبشر من ميول ودوافع في سياق وصفه لما أسماه بـ "الحالة الطبيعية للبشر([9]).

ثانياً: ما وجده الباحثون في كتابات هوبز في مجال اللغة من آراء أصيلة ومبتكرة (مثل معالجته للموضوعات السيمانتيكية Semantical matters واستخدام أساليب التحليل المنطقي) استبق فيها الكثير من الآراء، التي باتت في عصرنا هذا تحظى باهتمام متزايد من جانب فلاسفة اللغة([10]). وأن ذلك، بدوره قد وجه اهتمامهم إلى دراسة الجوانب الأخرى من فلسفته([11]).

ولست بصدد الزعم بأن هذه الأسباب هي التي أثارت لدي الاهتمام بفلسفة هوبز، والرغبة في بحث نظريته الأخلاقية، فالواقع أن فكرة الكتابة عن نظريته الأخلاقية لم تراودني إلا صدفة، وفي ظروف خاصة، عقب اتمامي السنة التحضيرية لدراسة الماجستير. إذ اقترح علي أن أتقدم إلى لجنة الدراسات العليا بقسم الفلسفة بقائمة تضم عدة موضوعات، كي تتولى اختيار موضوع نظرية هوبز الأخلاقية ضمن القائمة. وشاءت اللجنة أن تختار لي هذا الموضوع بالذات.

بيد أني ما أن شرعت في الاستعداد للكتابة في هذا الموضوع، وجدت أسباباً عديدة تشدني إليه وتزيد اهتمامي به، وأهم هذه الأسباب:

أولاً: أن آراء هوبز الأخلاقية تحتل مكانة خاصة في تاريخ الفكر الأخلاقي الأوروبي، ويكفي للتدليل على ذلك أن نعرف أن مذهبه الأخلاقي قد "أثار مشكلات أخلاقية شغلت تفكير معاصريه وخلفائه"([12]). وأنه كان الأساس الذي قامت عليه الفلسفة الأخلاقية لمعظم من جاءوا بعده من الفلاسفة ــ سواء من الانكليز، أو من الأوروبيين عموماً([13]).

Page 4

ثانياً: أن الموضوع (على حد علمي) لم يسبق أن بحث باللغة العربية، كبحث متكامل قائم بذاته.

ثالثاً: ان شهرة هوبز، في عصرنا هذا، قد قامت أساساً على كونه فيلسوفاً سياسياً وصاحب نظرية متميزة في الحكم المطلق([14])، وأن معظم الباحثين الأوروبيين قد انصب اهتمامهم، بالدرجة الأولى، على فلسفته السياسية، ولم يتعرضوا لآرائه الأخلاقية إلا من زاوية صلتها بآرائه السياسية ــ الأمر الذي يعني أن أية محاولة للتركيز على آراء هوبز الأخلاقية، وصياغتها في شكل نظرية متكاملة، قائمة بذاتها، ومستقلة عن آرائه السياسية، تعد محاولة جديرة بالاهتمام وتستحق العناء.

وأقول تستحق العناء، لأن الصعوبات التي واجهتني لم تقتصر على مرحلة الكتابة، بل شملت أيضاً توفير المصادر الأساسية والضرورية التي من دونها لا يمكن كتابة البحث. والواقع أني اضطررت للقيام بعدة محاولات والاتصال بجهات عديدة (مكتبة قسم الفسلفة بكلية الآداب، المكتبة المركزية لجامعة بغداد، مكتبة كلية القانون والسياسية، أصدقاء يواصلون دراستهم العليا في الخارج، المركز الثقافي البريطاني) قبل أن تتمكن المكتبة المركزية لجامعة بغداد من جلب المصادر المطلوبة، أنه تبين لي بعد الاطلاع على هذه المصادر أن معظم ما كتبته اسناداً إلى بعض الصفحات المصورة عن بعض كتب هوبز أنجدني بها صديق يدرس في جامعة ادنبرة، بالمملكة المتحدة) قد بنى على افتراضات خاطئة، ولا بد من إعادة كتابته في ضوء المعطيات والنصوص التي توافرت لدي.

يستهدف هذا البحث، في المقام الأول، الإجابة عن السؤال التالي:

ما هي نظرية هوبز الأخلاقية؟

وعلى الرغم من أن الصيغة الموجزة للسؤال توحي بانه يمكن الإجابة عنه بسهولة، إلا أن حقيقة الأمر ــ كما تبين لي من خلال البحث ــ هي غير ذلك، خاصة إذا عرفنا أن ما صار يسمى، عقب انجاز هذا البحث، بـ "نظرية هوبز الأخلاقية" لم يكن في الأساس إلا آراء وأفكار متفرقة مبثوثة في ثنايا مؤلفات هوبز العديدة، يتطلب فرزها واستخلاصها والربط بينها، بذل الكثير من الجهد والعناء، سيما وأني توخيت أن أجسد في عوضها ــ بقدر الإمكان ــ المنهج التركيبي الذي حاول هوبز اتباعه في عرض آرائه، بادئاً بعرض تصوره العام للكون، باعتباره يتألف أساساً من "مادة" و"حركة". ثم تتبع نتائج تأثير "الحركات" التي تتخلل "الأجسام المادية" على جسم الإنسان،مولدة ما أسماه هوبز بـ "حركات العقل" ــ أي الانفعالات. ثم تتبع ما ينجم عن هذه من نتائج على صعيد العلاقات بين الإنسان وغيره من أفراد البشر، وصولاً إلى تكوين المجتمع.

وقد اقتضت مني طبيعة الموضوع تجزئة البحث إلى أربعة فصول، تشكل في مجموعها الإجابة الكاملة عن السؤال المطروح.

حاولت في الفصل الأول أن استعرض بإيجاز حياة هوبز، ورصد العوامل والمؤثرات التي ساهمت في تكوين ثقافته وبلورة اتجاهه الفلسفي. فأبرزت موقفه من الاتجاهات الفكرية والعلمية والسياسية التي كانت تسود وطنه، ودور الرحلات التي قام بها إلى القارة الأوروبية في انفتاحه على الاتجاهات الجديدة التي كان يبشر بها كل من "كبلر Kepler" (1571 ــ 1630) و "غاليلو ــ Galilieo" (1564 ــ 1642) وتأثره بها. وما تمخض عن ذلك من نتائج أثرّت في أسلوب واتجاه تفكيره عموماً، وتفكيره الأخلاقي بوجه خاص. وكذلك ما تسنى له أن يعقده خلال هذه الرحلات من صلات وثيقة مع الشخصيات والأوساط العلمية والفلسفية في أوروبا. كما نوهت بإيجاز بأثر الأحداث التي كان يشهدها وطنه في بلورة آرائه وتصوراته السياسية والأخلاقية. وأشرت إلى أهم المعارك الأدبية والمساجلات التي اشترك فيها مع عدد من معاصريه حول شتى المسائل العلمية والفلسفية.

وفي الفصلين الثاني والثالث سلطت الأضواء بشيء من التركيز على أهم المؤثرات، التي سبق أن نوهت بها بإيجاز في سياق الفصل الأول، والتي لعبت دوراً بارزاً في تحديد طبيعة نظريته الأخلاقية، وهما: منهج هندسة أوقليدس، ومنهج غاليلو التحليلي ــ التركيبي، وتصوراته الميكانيكية.

فتناولت في الفصل الثاني أثر منهج أوقليدس، ومنهج غاليلو التحليلي ــ التركيبي ــ في بلورة تصور هوبز عن المنهج العلمي عموماً. واستهللت ذلك بإيراد تعريف هوبز للمنهج، والحديث عن أنواع المناهج عنده، وتحليل مقومات كل نوع، ثم انتقلت إلى توضيح كيفية تطبيقه للمنهج التحليلي ــ التركيبي في نظريته الأخلاقية، بمحاولته تحليل المجتمع الإنساني إلى أبسط عناصره (الأفراد)، ثم عزل سائر العوامل (الخارجية) التي يمكن أن تؤثر في حركتها وسلوكها (كعوامل السلطة والقانون)، والاكتفاء بتثبيت المبادئ الأساسية (الانفعالات والدوافع الذاتية) التي تتحكم في سلوكها، ثم المضي في تتبع النتائج التي تلزم عن ذلك، وصولاً إلى القواعد العقلانية التي يتم على أساسها إعادة تركيب المجتمع. كما وبينت تأثر هوبز بمنهج هندسة أوقليدس، ومحاولته تطبيقه في صياغة نظريته الأخلاقية، وأثر ذلك في تحديد طبيعة النظرية وطبيعة النتائج التي انتهت إليها.

أما الفصل الثالث، فقد قمت فيه ببحث الأساس الفلسفي الميتافيزيقي للنظرية، حيث بينت ــ خلافاً لما ذهب إليه بعض الباحثين ــ أن آراء هوبز الأخلاقية قد تأثرت واضحاً بأفكاره الفلسفية الأساسية، وأنها كانت بمثابة امتداد لها. وقد اقتضى ذلك مني أن أثبت أولاً أن تحول اهتمام هوبز نحو الفلسفة، وتبنيه للاتجاه المادي الميكانيكي (بتأثير غاليلو) قد سبق زمنياً مساهماته في مجال (الفلسفة المدنية)، وبالأخص الفلسفة الأخلاقية. وقد تسنى لي إثبات ذلك من خلال تحليل مضمون أولى كتاباته الفلسفية، عقب تبنيه للاتجاه المادي الميكانيكي، واستخلاص الأدلة التي تشير إلى عزمه على توسيع نطاق تصوره المادي الميكانيكي بحيث يشمل الإنسان وسلوكه، وبالتالي صياغة آرائه الأخلاقية في ضوء ذلك التصور.

وبعد أن بينت بأن معظم الأفكار والمفاهيم التي عرضها هوبز في أولى كتاباته قد عاودت الظهور ــ بشكل أكثر تفصيلاً وتوسعاً ــ في مؤلفاته اللاحقة، دون أن يطرأ عليها تغير جوهري، قمت بعرض مركز وسريع للمبادئ والأفكار الأساسية لنظام هوبز الفلسفي، وهو في صيغته النهائية، وتتبع تأثيراتها وانعكاساتها على مفاهيمه وتصوراته الأخلاقية، فتناولت أولاً تصوره المادي الميكانيكي للكون وتفسيره لشتى الظواهر الطبيعية على هذا الأساس، ثم محاولته توسيع نطاق ذلك بحيث يشمل عالم الإنسان وأوجه نشاطه، الظاهرية والباطنية، ثم شرعت في استقصاء وتتبع ما ترتب على ذلك من نتائج انعكست على مفاهيمه وتصوراته الأخلاقية، كتصوره عن الحق الطبيعي، والقانون الطبيعي، والالتزام الأخلاقي، وتصوره عن الدوافع أو البواعث الإنسانية، وأثر ذلك على نظرته إلى أفعال الإنسان، والقيم والمعايير الأخلاقية. ثم عطفت البحث على نتائج تأثير تصوره المادي الميكانيكي على نظرته إلى المجتمع وحياة الإنسان وطبيعة علاقاته مع غيره في ظله.

وبعد أن أبرزت، من خلال الفصلين الثاني والثالث، أبرز الخصائص المميزة للنظرية: الطابع الاستنتاجي لها، والأساس المادي الميكانيكي الذي قامت عليه، صار بإمكاني المضي إلى صلب النظرية. فتناولت في الفصل الرابع بالبحث والتحليل المقومات الأساسية للنظرية. وبغية إبراز الطابع الاستنتاجي للنظرية، ارتأيت تقسيم الفصل إلى قسمين، تناولت في القسم الأول ما اعتبره هوبز المبادئ"، والتي تتمثل أساساً بالانفعالات، ودورها في تحديد طبيعة ووجهة سلوك الإنسان باعتباره كائناً فرداً بحد ذاته أولاً، وباعتباره كائناً يرتبط مع غيره من البشر بعلاقات اجتماعية ثانياً. (فحاولت بناء أو تركيب نظريته في الانفعالات، بدءاً من تصوره عن الخلجات الأولية البسيطة التي تساور الإنسان وصولاً إلى الأشكال المعقدة والمركبة للانفعالات. وعقبت على ذلك باستقصاء المصادر التي استمد منها عناصر ومقومات نظريته في الانفعالات.

ثم تناولت تصور هوبز عن الانسان باعتباره كائناً يرتبط مع غيره من البشر بعلاقات اجتماعية). ودور الانفعالات في تحديد طبيعة هذه العلاقات. واستهللت ذلك بتحديد مفهوم هوبز عن "القوة" باعتبارها عاملاً أساسياً تقوم عليه وتتأثر به علاقات أفراد البشر ببعضهم، متناولاً بالتحليل تعريفه لـ "القوة" وأنواعها، وأثرها في سلوك البشر تجاه بعضهم، وأشكالها، ثم انعكاس ذلك على مجمل تصوّر هوبز عن الحياة الاجتماعية.

وبعد أن رسمت صورة واضحة لتصور هوبز عن الطبيعة البشرية، انتقلت ــ في القسم الثاني من الفصل الرابع ــ إلى بحث "الاستنتاجات" التي استنتجها هوبز من ذلك. فبدأت أولاً بتحديد فكرة هوبز عن الحق الطبيعي، مشيراً إلى الدور الي يلعبه في مجمل استنتاجاته، ثم تناولت الشطر الأول من استنتاجاته، والذي يتعلق بالسلوك الذي تصور أنه (يمكن) أن يسلكه البشر في حالة ما إذا انساقوا وراء انفعالاتهم ورغباتهم وشهواتهم، دون رادع من سلطة أو قانون. أي في ما اسماه هوبز بـ "الحالة الطبيعية للبشر"، حيث يهيمن عليهم الخوف، وتتهددهم الأخطار، ولا سيما خطر الموت. وعقبت على ذلك بتحليل تصور هوبز "الافتراضي" هذا، والدور الذي تلعبه الانفعالات خلاله في توجيه سلوك أفراد البشر.

Page 5

ثم تناولت الشطر الثاني من الاستنتاجات والتي هي ليست إلا استخلاصاً من الاستنتاجات الأولى، مستعرضاً تصور هوبز للسلوك الذي (ينبغي) على أفراد البشر أن يسلكوه، إن هم أرادوا الخلاص من المخاطر التي تتهدهم في "حالة الطبيعة" ومبيناً الدور الذي يقوم به "العقل"، في تحقيق ذلك، عن طريق إملاء جملة من القوانين التي تكفل لهم، إذا ما التزموا بها العيش معاً بسلام وطمأنينة. وبعد أن استعرضت هذه القوانين قمت بالتعقيب عليها، مبيناً أهميتها عند هوبز، باعتبارها تمثل في نظرة الفلسفة الأخلاقية الحقة.

وبعد الفصل الرابع ختمت البحث بخاتمة اشتملت على تلخيص للموضوع.

أما المصادر التي اعتمدت عليها في إعداد البحث، فإنها تتألف من مجموعتين:

الأولى: المصادر الثانوية، وهذه تشمل:

1. المقدمات التي كتبت لمختلف طبعات كتاب هوبز "التنين".

2. دراسات ومقالات تناولت بعض جوانب فلسفة هوبز وبالأخص ــ فلسفته السياسية.

3. فصول عن هوبز في كتب تاريخ الفلسفة عموماً، والفلسفة الأخلاقية والسياسية بوجه خاص.

4. مصادر أخرى عامة.

وعموماً فإن أكثر ما أفادني من هذه المصادر هو كتاب (بيترز) عن هوبز:

Richard Peters, Hobbes, (Penguin Books, 1956)

وكتاب (واتكنس):

J.W.N.Watkins, Hobbes's System of Ideas, (London, Hutchnson University Libarary, 1974)

وكتاب (ماكفرسون):

C.B.Macppherson, The Political Theory of Possessive Inpidualism, Hobbes to Loke, (Oxford, Clarendon Press, 1962)

أما المجموعة الثانية من المصادر فهي: المصادر الأساسية، وهذه تضم مؤلفات هوبز. وقد اعتمدت على نشرة (سير وليم مولزوبرت) لمؤلفات هوبز الكاملة بالانكليزية (1839 ــ 1845)، والتي اعيد طبعها مؤخراً (عام 1966) في ألمانيا:

وقد تناولت اعتمادي على كل واحد من هذه المؤلفات تبعاً للموضوع الذي عالجته في كل فصل. بيد أني في الفصل الرابع ــ بقسميه ــ اعتمدت بشكل رئيسي على كتابه "التنين" (وبشكل ثانوي على كتابه "مبادئ القانون")، وذلك للسببين التاليين:

أولاً: أن كتاب "التنين" يتضمن الصيغة النهائية لآراء هوبز في مجال الفلسفة الأخلاقية، وأن آراءه فيه تبدو على أوضح وأكمل صورها.

ثانياً: أن من المتفق عليه بين معظم الباحثين ــ إن لم يكن كلهم ــ أن هذا الكتاب يمثل أهم كتب هوبز و "رائعته" أو "آيته الكبرى" master picce.

Page 6

حياة هوبز وتطوره الفكري

الفيلسوف ــ كغيره من رجال الفكر ــ نسيج وحده، كيانه يعتمد على طريقته الخاصة للتجاوب مع ظروف بيئته الاجتماعية والطبيعية. وإذا صدق هذا على رجال الفكر بعامة، فإنه من باب أولى أن يصدق على الفلاسفة ومن بينهم هوبز ولا سيما تلك التي انعكست على آرائه الأخلاقية بشكل من الأشكال.

ولد توماس هوبز في الخامس من نيسان عام 1588، في قرية ويست بورت ــ West Port) المجاورة لـ (مالميسبوري ــ Malmesbury) في مقاطة (ولتشاير ــ Wiltshire) ([15]). ولقد صادف قبيل ولادته أن كانت الإشاعات تملأ انكلترة منبئة بمقدم سفن الأسطول الاسباني Spanish Arnada وانتهاكها حرمة السواحل البريطانية بقصد احتلالها، الأمر الذي أصاب أمه بالذعر والهلع فولدت طفلها الثاني توماس) قبل الموعد الطبيعي لولادته([16]).

وكان والده قسيساً لـ (ويست بورت) و (تشارلتون Charlton) ([17]) ومع ذلك فانه كان ذا طبع وسلوك سيئين, وتكاد المصادر تجمع على قرن اسمه بخصال ذميمة ,ابرزها الجهل والفظاظة([18]) والطيش([19]) وسرعة الغضب([20]).وقد بلغ به الطيش والتهور حدا أنه تشاجر في أحد الأيام وأمام باب الكنيسة مع كاهن من قرية مجاورة([21]) , واعتدى عليه بالضرب ,فاضطر الى ترك (مالميسبورى) والهرب الى لندن حيث مات في ظروف غامضة([22]), تاركا أبناءه الثلاثة في رعاية شقيقه فرانسس هوبز Francis Hobbes([23]).

وقد كان من حسن حظ توماس هوبز أن اوكلت الظروف أمر رعايته وتنشئته الى رجل مثل عمه , لأنه على عكس والده غنيا, لا أولاد له, طيب السمعة([24]), راجح العقل, وعضوا في المجلس التشريعي لمدينة مالميسبورى (alder man of Malmesburg[25]).

أما والدته فلا نعرف عنها شيئا سوى كونها منحدرة من عائلة تشتغل بالزراعة([26]).

عاش هوبز طفولة هادئة في ملاميسبورى , وعندما بلغ الرابعة من عمره التحق بمدرسة كنيسة ويست بورت([27]), وبدأ في عامه السادس يتلقى دروسا في اللاتينية والإغريقية([28]), والتحق بعد ذلك بعام أو عامين بمدرسة خاصة صغيرة, كان يديرها رجل يوناني يدعى (روبرت لاتيمير) Robert Latimer([29]),تسنى فيها لهوبز أن يحظى بمعرفة وافية بالكلاسيكيات([30]) , وأن يطلع على أولى الروافد الفكرية لثقافتة. وقد أبدى هوبز تفوقا ملحوظا([31]), فأعاره أستاذه قدراً كبيراً من الاهتمام والرعاية، فترسخت في ذهنه دعائم اللغتين اللاتينية والاغريقية([32])، بحيث تمكن وهو في الرابعة عشرة من عمره من ترجمة مسرحية (ميديا ــ Medea) لـ (يوريبيدس ــ Euripides) إلى الشعر (العمبقي Imbics) اللاتيني([33]).

وفي عام 1603([34]) أرسله عمه إلى مودلن هول بجامعة اكسفورد (Magdalen Hall, Oxford) لاتمام دراسته، فمكث فيها خمسة أعوام([35])، وتجتاحها اتجاهات ونزعات متضاربة، فمن ناحية كانت التقاليد البيوريتانية، المتزمتة ضاربة بجذورها في الجامعة، ومن ناحية أخرى كان السكر والعربدة والقمار وغيرها منتشراً فيها إلى حد كبير.

أما من حيث المستوى الدراسي والعلمي فقد كان الفكر الأرسطي مهيمناً على الجامعة، وكان أغلب أساتذتها ذوي نزعة ارسطية([36])، ووصلت مستويات الدراسة فيها إلى أقصى درجات التدهور والانحطاط([37]).

Page 7

وبالرغم مما بذله هوبز من جهود في سبيل إرضاء أساتذته إلا أنه لم يبد إلا قدراً ضئيلاً من الاهتمام بالفلسفة المدرسية التي كانت تدرس في الجامعة([38]). ومع ذلك فإنه تعلم، فيما يبدو، المنطق وطبيعيات أرسطو([39])، (وتذكر بعض المصادر أنه كان يعد نفسه على جانب كبير من المقدرة في الجدل المنطقي) ([40]) وقد تعلمهما ــ فيما يخبرنا هو([41]) ــ ببطء شديد، ثم سرعان ما استغنى عنهما في النهاية.

وحين نال هوبز شهادة البكالوريوس B.A. في الخامس من شباط عام 1608([42]) زكاه مدير كليته ليصبح معلماً خاصاً لأكبر أبناء عائلة كافندش([43]). وقد توثقت علاقته بتلك العائلة، وبقي على صلة بها حتى آخر أيام حياته، وإن تخللتها فترات انقطاع قليلة.

وقد كان لعمله لدى هذه العائلة أثر كبير وأهمية عظيمة في تطوره الفكري، فد تهيأت له فرصة التعرف إلى الصفوة من مشاهير رجالات عصره من ذوي الثقافة الرفيعة سواء في السياسة أم الأدب ام العلم. وقد أحاطه آل كافندش بلطفهم وأضفوا طابع الصداقة على علاقاتهم به([44])، وأشركوه في أحاديثهم، فتسنى له الاطلاع على الكثير من المسائل والشؤون التي كانت تتخلل ما كان يصل إلى أسماعه من همسات حول المشكلات التي كانت تتخلل الأوساط السياسية العليا، وما كانت ترسمه هذه الأوساط من خطط وتقوم به من مناورات في هذا الصدد([45]).

كما تسنى له الإحاطة بالقضايا الفكرية والأدبية من خلال اشتراكه في الحديث مع تلك الشخصيات؛ بالتحدث مع لورد هيربرت اف تشيربوري Lord Herbert of Cherbuy في شؤون الفلسفة وقضاياها ومع لوكيوس كاري، لورد فولكلاند Lucius Cary, Lord Falkland فيما يتصل بالمذهب الأرميني Arminianism([46])، ومع بن جونسون Ben Jonson في قضايا الشعر والأدب([47]).

ولعل مما يعد أكثر أهمية في هذا المجال المناخ العقلي الملائم والذي كان يسود ويلبيك آبي Welbeck Abbey مقر آل كافندش، حيث كان كلاً من (وليام كافندش) William Cavendish، ايرل نيوكاسل Earl of New Castel، وشقيقه "تشارلس كافندش Charles Cavendish" عالم الرياضيات الموهوب، وحولهما نخبة من الفلاسفة الطبيعيين والمهتمين بالعلم، يعملان على إرساء أولى دعائم العلم الحديث([48]).

ومن جانب آخر فإن وجود مكتبة عامرة تحت تصرف هوبز أتاح له فرصة مطالعة المئات من القصص والمسرحيات، وكذلك إغناء معرفته بالشعراء والمؤرخين الكلاسيكيين. وفي عام 1610([49]) تهيأت لهوبز (علاوة على ما سبق ذكره من الفرص التي أتاحتها له خدمته لآل كافندش) فرصة السفر إلى أوروبا برفقة تلميذه، حيث زارا فرنسا وإيطاليا وألمانيا([50])، وقاما أثناء سفرهما بدراسة اللغات الأجنبية، وخاصة الفرنسية والإيطالية([51]).

ويمكننا ربط تطوير هوبز الفكري بزياراته التي قام بها إلى القارة الأوروبية قبل اضطراره إلى الذهاب إلى باريس واختياره إياها منفى له([52])، فلقد أمضى في أوروبا قرابة سبعة عشر عاماً، (ولا ضير من عدّ نفيه الاختياري زيارة سيما وأنها كانت الأطول والأكثر أهمية)، وقد أسهمت هذه الزيارات إلى حد كبير في توسيع مداركه وآفاقه وتطوير تفكيره ومن ثم بلورة اتجاهه الفلسفي وذلك من خلال ما اكسبته إياه من خبرات وتجارب وفرص الاطلاع([53]).

ولعل انفتاح هوبز على معالم الحياة الفكرية في القارة الأوروبية كان من أهم ما أتاحته له زيارته الأولى([54])، كما أنها أتاحت له أن يشهد ما آل إليه الفكر الأرسطي ــ الذي ترعرع في ظله، والذي كان لا يزال يحظى في انكلتره بقدر كبير من الاعتبار والاهتمام ــ من انحطاط وهمود([55]).

واتسمت الحقبة التي أعقبت عودته من رحلته الأولى بأمرين يستدعي كل منهما بعض التوقف، أولهما: صلته بـ (فرانسس بيكون)، وثانيهما: انصرافه نحو دراسة الكلاسيكيات وبالأخص الأدب والتاريخ الكلاسيكيين ويبدو لي أن الثاني أكثر مدعاة لاهتمامنا، لما يمكن أن يثيره من تساؤل عما إذا كان ذا صلة برحلته إلى القارة الأوروبية، وناجماً عن تأثيرها أم لا.

Page 8

يجدر بنا أن نقول في مستهل مناقشتنا لهذه المسألة أن ما يرد في المصادر من إشارات في هذا الصدد يتسم بشيء من الإبهام، ويبعث على الحيرة، فأغلب المصادر ــ باستثناء كتاب منتز ــ تميل إلى الإيحاء بأن انصراف هوبز نحو دراسة الكلاسيكيات يرجع إلى تأثير زيارته الأولى للقارة الأوروبية([56]).

الواقع أن دراسة التراث الكلاسيكي لم تكن أمراً غريباً عن هوبز، بل على العكس كانت تحظى باهتمامه منذ نعومة أظفاره، ولم ينقطع عنها إلى ما بعد التحاقه في خدمةآل كافندش، إن لم يكن اهتمامه بها قد تضاعف نتيجة لما وجده في مكتبة سيده العامرة من كتب ومؤلفات في شتى جوانب الثقافة الكلاسيكية، ولذا فإنني أميل إلى الاتفاق مع رأي (منتز) ([57]) من أن هوبز، عقب عودته من سفره، قد "واصل" قراءاته لمؤلفات المؤرخين الكلاسيكيين، وإن ذلك كان امتداداً لاهتمامه السابق بها، ولم يكن انعكاساً لتأثير زيارته لأوروبا، على نحو ما توحي به المصادر الأخرى ــ وإن كان من المحتمل أنه أظهر في هذه الفترة اهتماماً أكبر بالأدب والتاريخ الكلاسيكيين.

ولكن ما الذي حمل هوبز على الاستمرار في دراسة الكلاسيكيات؟ وما كانت غايته منها بعد أن تسنى له الاطلاع على انجازات غاليلو Galileo كبلر Kipler([58])، والتصرف على الاتجاه الجديد الذي كانا يبشران به؟

يمكننا القول ان اطلاع هوبز على انجازات (غاليلو) و (كبلر) قد أظهر له حقيقة ما انتهى إليه الاتجاه الارسطي والفكر المدرسي في أوروبا من همود وانحسار، فتأكد لديه عقمه وعدم جدواه، بيد أنه (اعني هوبز) لم يكن قد وقع بعد على البديل الذي يمكن أن يحل محل ذلك الاتجاه، فهو لم يكن قد تأثر بعد بالاتجاه الجديد الذي كان غاليلو وكبلر يدعوان إليه، تأثراً عميقاً إلى حد يجعله يتبنّاه ويندرج في عداد الداعين إليه.

ان تأثير الاتجاه الجديد عليه إنما اقتصر على تنبيهه وتأكيده حقيقة الهمود الفكري الذي كان يعم الأوساط المتعلمة والمؤسسات الثقافية والعلمية في وطنه. ومن هنا جاز لنا أن نعتبر الفترة التي أعقبت عودته من الرحلة فترة اختمار، وبحث وسعي متصلين([59]) في دراسة الكلاسيكيات. وكان مما ساعده على ذلك الظروف التي تهيأت له بحكم عمله لدى آل كافندش، فلقد كان لديه متسع من الوقت للمطالعة والتأمل والتفكير([60])، وتحت تصرفه مكتبة تحفل بكل ما يحتاج إليه، إلى جانب إمكانية الاستفادة من اتصاله بتلك النخبة البارزة من رسالات المجتمع والعلم والأدب، التي كانت تتردد ائماً على ديوان أو منتدى سيده([61]). وقد استغرق عكوفه هذا على دراسة الكلاسيكيات قرابة خمسة عشر عاماً، وصفها في سيرته الذاتية بأنها كانت أسعد فترات حياته، طالع خلالها مؤلفات العديد من الشعراء والمؤرخين الكلاسيكيين، سواء من الاغريق أو من اللاتين([62]).

وقد تمخضت مطالعاته ودراساته تلك عن ترجمته لمؤلف "ثيوسيديديس ــ Thucydides عن "الحرب البيلوبونيوزية" Peloponnesian War، التي صدرت في عام (1628)، وإن كانت قد أنجزت قبل ذلك بعدة أعوام([63]).

ولهذه الترجمة، والمقدمة التي صدّرها بها، مغزى بالنسبة لاتجاه تفكيره، إذ هما تعكسان لنا جملة من الأمور من شأنها أن تعيننا على فهم الخلفية الفكرية التي كانت تستند إليها آراؤه آنذاك، وتوضحان لنا حقيقة موقفه تجاه الأحداث الدائرة في بلاده. إن الترجمة تعكس لنا، قبل كل شيء، إعجاب هوبز الشديد بـ "ثيوسيديديس"، وبالتالي تأثره به([64]). كما أن المقدمة التي كتبها هوبز في مستهل الترجمة، تكشف لنا ما كان عليه تفكير هوبز السياسي آنذاك، وتظهر بوضوح الجانب السياسي الذي بدأ ينحاز إليه، من خلال التوكيد الذي أولاه على تفضيل المؤرخين لنظام الحكم الملكي([65]). وأخيراً فإن نشر الترجمة, في ذلك الحين, يعكس لنا موقف هوبز من الواقع السياسي القائم آنذاك في بلاده, سواء فيما يتعلق بطبيعة الحكم أو اتجاه سير الأحداث, فقد شهد العالم الذي نشر فيه هوبز ترجمته هذه أحداثاً عديدة، يحتمل أن تكون قد حفزت هوبز على القيام بمبادرته هذه. فقد كان الملك "تشارلس الأول" Charles I على خلاف مع البرلمان([66])، كما أن الانتخابات التي جرت في ذلك العام كانت قد أسفرت عن فوز معارضي الملك بأغلبية ساحقة، كما قام "سير ادوارد كوك" Sir Edward Coke بتقديم "عريضة الحقوق"، كي ينال من الملك إقراراً بضمان الاحترام التام لحقوق الشعب وحرياتهم([67]). واجمالاً، كانت الأحداث تشير إلى ارتفاع تيار المد الديمقراطي "بصورة تنذر بالسوء" ــ على حد تعبير بيترز([68])ــ وبالتالي كان من الطبيعي أن يبادر مؤيد للنظام الملكي كهوبز إلى تحذير مواطنيه من مغبة الكارثة التي انتهى إليها الاثينيون، في ظل ظروف مماثلة تقريباً.

هذا فيما يتعلق بدراسته للكلاسيكيات، أما فيما يتعلق بصلته بـ (فرانسس بيكن) فقد نشأت في وقت سابق على نشره لترجمة مؤلف (ثيوسيديديس)، وعن طريق حلقة (كافندش). وقد عمل هوبز، لفترة قصيرة كسكرتير لـ (بيكن) ([69])، ويرجع أن ذلك كان في الفترة ما بين عامي (1621 ــ 1626) ([70])، حين كان (بيكن) قد أعفي من المنصب الذي كان يشغله كرئيس لمجلس اللوردات([71]) Lord Chancello، وصار يعيش في عزلة من الناس، منقطعاً للكتابة ومتابعة اهتماماته العلمية على نطاق ضيق([72]).

وكل ما يعرف عن صلة هوبز بـ (بيكن) لا يتعدى إشارات وروايات مقتضبة، أوردها (اوبرى) ــ كاتب سيرة هوبز، كقوله بان (بيكن) كان يحب التحدث مع هوبز، وأن هوبز قد ساعده في ترجمة العديد من مقالاته إلى اللاتينية. وأنه (هوبز) كان يحمل معه، أثناء مرافقته لـ (بيكن)، قلماً وورقاً، لتدوين أية فكرة فلسفية قد تخطر على بال سيده، وأن الأخير كان يردد دائماً أنه يفضل أن يتولى هوبز دون غيره تدوين أفكاره لانه يفهم ما يملي عليه([73]).

Page 9

وعلى الرغم من أن بعض الباحثين قد تحدثوا عن احتمال أن يكون هوبز قد تأثر بـ (بيكن) ([74])، إلا أنه يمكن القول ــ استناداً إلى ما نعرفه عن فلسفة هوبز وكتاباته التي اعقبت صلته بـ (بيكن) ــ ان هوبز لا يمكن أن يعد بأية حال "بيكوني" النزعة أو متأثراً في أي من جوانب فلسفته بـ (بيكن) ([75]).

وفي عام 1628 مني هوبز بوفاة سيده وتلميذه السابق (ايرل) ديفونشاير الثاني([76])، وكان ابنه ووريثه صبياً في الحادية عشر من عمره، ولم تكن ارملته في حاجة إلى سكرتير، فبادرت إلى الاستغناء عن خدمات هوبز اقتصاداً في النفقات([77])، مما اضطر هوبز إلى العمل لدى (سير جيرفاس كلنتون) Sir Gervas Clinton، معلماً أو مرافقاً لابنه([78]). وقد قام هوبز برفقة تلميذه الجديد عام (1629) برحلته الثانية إلى القارة الأوروبية التي شملت كلاً من فرنسا وسويسرا([79]).

وتمثل هذه الرحلة انعطافاً حاسماً ومهماً في تطور هوبز الفكري، فقد كانت الأحداث التي صادفته أثناءها السبب الرئيسي لتحول اهتمامه من دراسة الكلاسيكيات (الأدب والتاريخ، خاصة) إلى الفلسفة والعلم([80]). ويتمثل الحدث الأول في اطلاعه، صدفة، أثناء وجوده في إحدى المكتبات الخاصة في (جنيف) Geneva، على نسخة من كتاب "الأصول" Elements لـ "أوقليدس" Euclids. فقد ألهبت الطريقة الاستنتاجية، التي عرض بها (أوقليدس) أفكاره في هذا الكتاب، خيال هوبز وأثارت إعجابه الشديد، وولدت لديه الرغبة في تعميم تطبيقها على شتى مجالات المعرفة([81])، لا سيما المجالات التي تتركز فيها اهتمامات غالبية أفراد البشر وتكثر فيها، بالتالي، أسباب الخلاف والشقاق بينهم.

أما الحدث الثاني، الذي صادفه أثناء رحلته هذه ــ والذي يؤكد (لندسي) ([82]) أنه كان في حوالي الفترة ذاتها ـ فيتمثل في أنه، بينما كان يشهد لقاء بين مجموعة من العلماء، كانوا يتناقشون في موضوع سبب الاحساس" The Cause of Sensation، تساءل أحدهم، عرضاً، عن ماهية الإحساس. ودهش هوبز حين وجد أنه لم يكن في وسع أي من الحاضرين الإجابة عن هذا السؤال، الأمر الذي أثار اهتمامه، وشغل تفكيره، منذ ذلك الحين، بمشكلة سبب الإحساس وطبيعته([83]).

ويبدو أن هذين الحدثين كانا كافيين لقدح زناد فكر وانهاء حالة البحث لديه، إذ سرعان ما انعكس تأثيرهما فيه في أول أعماله الفسلفية، والذي كان عبارة عن رسالة قصيرة، عرفت فيما بعد باسم "رسالة قصيرة في المبادئ الأولى"([84]) ــ A Short Tact on First Principles ــ، حاول فيها تفسير سبب حدوث الإحساس بواسطة الحركة، مستخدماً المنهج الأوقليدي في عرض الموضوع.

وفي عام (1631) استدعي هوبز من باريس ليتولى مهمة تعليم ايرل ديفانشاير الثالث، الذي كان عند ذاك قد بلغ الرابعة عشرة من عمره([85]). ولكن لم تمض سوى ثلاثة أعوام حتى عاد هوبز إلى باريس مرة أخرى (عام 1634)، برفقة تلميذه الجديد.

وقد تعرف هوبز أثناء رحلته الثالثة هذه على (مارن ميوسين) Marin Mersenne، الراهب الفونسسكاني، الذي كان صديقاً لـ (ديكارت) Descartes، و(جاسندي) Gassendi([86])، وعن طريقة تعرف هوبز على مشاهير علماء العصر، الذين كانوا يجتمعون عادة في صومعته للتدوال في شتى المسائل والمواضيع([87]). وفي عام (1636) قام برحلة إلى إيطاليا، لزيارة (غاليلو) Galileo فالتقى به في (فلورنسا) Florence([88]).

لا شك، أن تحمل هوبز مشاق السفر إلى ايطاليا من أجل مقابلة (غاليلو)، واعترافه المستمر، منذ ذلك الحين، بعظمة وأهمية الانجازات التي حققها (غاليلو) في مجال الفلسفة الطبيعية([89])، يعد دليلاً كافياً على إعجابه الشديد، وبالتالي تأثره، بـ (غاليلو). ويمكن أن نلمس ذلك بوضوح في تزايد اهتمام هوبز، في هذه الفترة([90])، بالفلسفة الطبيعية، وبصورة خاصة، بـ "علم الحركة"، الذي اعتبره "المدخل gate إلى الفسلفة الطبيعية "والذي" كان غاليلو أول من فتحه لنا"([91]). وتشير الدلائل إلى أن هوبز كان، طيلة رحلته الثالثة، يواصل التفكير في موضوع "الحركة"([92]). وخاصة أنواع الحركات الناجمة عن الإحساس والتفكير والتخيل، وغير ذلك من العفاليات الجسمية. وقد انتهى به التفكير في ذلك إلى الاعتقاد بأن "الحركة" هي أساس وسبب حدوث كل شيء في الكون([93]). وتكشف لنا هذه النتيجة (التي كان لقانون التصور الذاتي، Law of Intertia لغاليلو، تأثير كبير في توصل هوبز إليها) ([94])، والشوط الذي قطعه هوبز في تجاوبه مع آراء (غاليلو) وتبنيه لها، فهو لم يقف عند حد اعتبار "الحركة" مفهوماً أساسياً، أو مبدأً تفسيرياً، يمكن بواسطته تفسير سائر ظواهر العالم المادي، بل اعتقد أنه يمكن بواسطتها تفسير سلوك الإنسان وحركة المجتمع أيضاً([95]). وكان مما حفزه على تحقيق ذلك، إيمانه بإمكانية تعميم تطبيق المنهج الأوقليدي على سائر مجالات المعرفة. أي، بعبارة أخرى، أنه قد استند في تصوره هذا إلى عاملين:

1. قانون القصور الذاتي.

2. منهج أوقليدس.

Page 10

فاعتقد بإمكانية استنتاج النتائج التي تلزم عن قانون القصور الذاتي لا بالنسبة لحركة الأجسام المادية وحسب، بل بالنسبة لسلوك الإنسان وحركة المجتمع أيضاً.

واستناداً لذلك، يمكن القول بأن ما تمخضت عنها رحلته الثالثة هذه من نتائج قد جاءت مكملة لنتائج رحلته السابقة، فإذا كانت رحلته السابقة قد أدت إلى تحول اهتمامه نحو الفلسفة، فإن زيارته الثالثة هذه قد رسخت مكانته كفيلسوف([96]).

في عام (1637) عاد هوبز إلى انكلترة، وقد اختمرت في ذهنه فكرة صياغة نظام فلسفي متكامل. وكان يعتزم وضعه في ثلاثة أجزاء أو أقسام، ويعالج فيه ــ بالترتيب ــ كل ما يتصل بالجسم المادي، والجسم الإنساني، والجسم المصطنع المركب من اجتماع أفراد البشر ــ الدولة. فعكف في (ويلبيك آبي) على إعداد القسم الأول. وكانت ثمرة جهوده في هذا الصدد، ثلاث مخطوطات، لم يقدر لها أن تنشر في حياته، غير أنها تؤلف مجتمعة ــ مخططاً تمهيدياً لكتابه (في الجسم) De Corpore، الذي نشر عام (1655) ([97]).

غير أن اهتمامات هوبز السياسية سرعان ما فرضت نفسها عليه واستقطبت اهتمامه، الأمر الي حتم عليه إرجاء تنفيذ مخططه لبناء نظامه الفسلفي كي يكرس جهوده لمعالجة الأوضاع التي كانت تشهدها بلاده حينئذ. وقد أسفرت جهوده هذه عن نشر كتابه (مبادئ القانون الطبيعي والسياسي The Elements of Law, Natural and Politic) ([98]) في عام (1640)، أثناء دورة البرلمان. وقد وزع هذا الكتاب، في حينه، في شكله المخطوط([99])، ولم يطبع إلا بعد مضي عشرة أعوام (1650) في جزأين منفصلين([100]). حيث صدرت الفصول الثلاثة عشر الأولى منه تحت عنوان (الطبييعة الإنسانية Human Nature) ([101])، أو (المبادئ الأساسية للسياسة The Fundamental Elements of Policy) ([102])، وصدرت الفصول الباقية منه في شكل كتاب مستقل تحت عنوان (الهيئة السياسية De Corpore Politico) ([103]). ولم يظهر الكتاب كعمل متكامل قائم بذاته حتى عام 1899 حين تولى نشره ثونييس Tonnies) ([104]).

ويمثل الكتاب مخططاً لنظرته الجديدة([105])، ومحاولة منسقة Systematic لاستخدام طريقته الهندسية، وعلم النفس الميكانيكي Mechanical Psychology في عرض الحقائق الكامنة وراء الخلافات الناشبة آنذاك([106]).

ويذكر هوبز في اهدائه للكتاب([107]) أن هدفه هو وضع مبدأ العدل والسياسة بوجه عام على قواعد الفكر المعصومة من الخطأ على غرار الرياضيات، فأثبت في الكتاب الحاجة إلى سيادة غير منقسمة، وبأن القوة والحق مرتبطان بشكل لا ينفصم عن السلطة التي تتمثل في نهاية الأمر بالملك.

وكان هوبز يأمل في أن تتمكن هذه الأبحاث الفلسفية والمجردة نسبياً من خفيف حدة الأهواء السياسية والدينية التي كانت على أشدها حينذاك، غير أن ميوله الملكية لم تتمكن من تهدئة البرلمان والحيلولة دون استيلائه الوشيك على السلطة([108]). فبعد مضي ستة أشهر على ذلك بدأ يشعر أن البرلمان يبدي استياءه إزاء كتابه([109]) خاصة بعد أن اتهم البرلمان (توماس وينتوورث، ايرل سترافورد ــ Thomas Wentworth, Earl of Strafford) ([110]) وأصدر أمر باعتقال (ماينويرينك ــ Mainwaring) لدعوته إلى الاستبداد([111])، فظن هوبز أن دوره آت لا محالة، وأن من الحكمة مغادرة البلاد بالرغم من أن البرلمان لم يقم بأي إجراء ضده([112])، فلاذ بالفرار إلى فرنسا، وافتخر فيما بعد بأنه كان ــ "أول الهاربين"([113])، وقد مكث هناك أحد عشر عاماً أمضى الشطر الأعظم منها في باريس([114]).

وقد حفلت حياته في باريس بمختلف أوجه النشاط. فد كان، منذ البداية على اتصال دائم بـ (ميرسين)، وبمجموعة لامعة من رجال العلم ممن التفوا حوله ودأبوا على التردد على ديره([115]).

وفضلاً عن ذلك فإنه يظل يتابع اهتماماته السياسية وكانت حصيلة ذلك اثنان من أهم وأشهر كتبه هما (في الموطن ــ De Cive) و (التنين ــ Leviathan) ([116]) إلى جانب عدد من الأمور العرضية والمناقشات والمساجلات التي اشترك فيها مع بعض مفكري عصره.

وبعد وصوله باريس بفترة قصيرة جرت بينه وبين (ديكارت) مساجلة فكرية، قدر لها أن تتحول بعدئذ إلى نزاع أثار سخط كلا الطرفين، حيث كان (ميرسين) يقوم آنذاك بجمع آراء واعتراضات العلماء والمختصين بشأن كتاب (ديكارت) الوشيك الصدور وهو "تأملات في الفسلفة الأولى (Meditation de la Prima a Philosophia) ([117]) فطلب إلى هوبز أيضاً تسجيل بعض الاعتراضات التي يراها بشأن الكتاب، واستجاب هوبز بسرور لهذا التكليف([118])، وكتب تحت اسم مستعار "انجليزي مجهول an anonymous Englishan "ستة عشر اعتراضاً([119]) ارسلت إلى ديكارت الذي كان يقيم آنذاك في هولانداكي يتولى بدوره الرد عليها([120]).

وكان من الممكن أن تمضي المساجلة بينهما على الوتير والنهج ذاتهما لو أن هوبز لم يزدها حدة، إذ بعث، إلى جانب اعتراضاته اللاحقة، بمقالة في البصريات كانت نقداً لمقالة ديكارت عن انكسار الضوء Dioptric([121]) الأمر الذي أحال نقاشهما إلى نزال حول أي من الاثنين كان الأسبق إلى القول بان الألوان ليست صفات كامنة في الأشياء بل هي وظائف للعقل([122])، فما كان من ديكارت إلا أن اتهم (الانكليزي المجهول) بالانتحال([123]). أما هوبز فقد رد على التهمة بأسلوب متزن مشيراً إلى أنه قد سبق له أن اعلن وجهة نظره القائلة بذاتية الصفات الثانوية إلى كل من (نيوكاسل وتشارلس كافندش) قبل عام 1630([124]).

والطريف أن ديكارت لم يكتشف أن كلا ناقديه، في الاعتراضات على كتاب التأملات، وفي نقد مقالته في انكسار الضوء إنما هما في الواقع شخص واحد([125]). ولقد قدر لهوبز بعدئذ أن يلتقي بديكارت في باريس عام 1648 ويتناقش معه في مسألة سبب الصلابة ــ Cause of Hardness غير أنهما لم يتفقا في الرأي ازاءها. ويشير (بيترز) ([126]) إلا أن لقاءهما كان ودياً، وينقل عن (اوبرى) كاتب سيرة هوبز، قوله أن هوبز كان، في الأعوام التي تلت ذلك، يتحدث عن ديكارت بشكل مرض، وأنه كان يعتقد بأن ديكارت لو كرس نفسه لدراسة الهندسة لغدا من أعظم علماء الهندسة في العالم، وأن ذهنه ليس مهيئاً للتفلسف([127]).

وكانت أبرز مآخذ هوبز على ديكارت ــ فيما يقول بيترز ــ تدور حول آرائه اللاهوتية، وقد أخذ هوبز على ديكارت أشد ما أخذ قوله بـ (تحول خبز القربان وخمره إلى جسد المسيح ودمه إرضاء للجزويت Jesuits.

أما ديكارت فقد نظر إلى هوبز بشيء من السخرية لأنه وجد براهينه مفتقرة إلى الدقة. إلا أنه اعترف ــ بعد أن نشر هوبز كتابه (في المواطن) De Cive ــ بسعة معرفته في ميدان علم الأخلاق، رغم أنه وجد أن وصف هوبز للطبيعة الإنسانية ينطوي على الخبث وسوء النية([128]). وعلى العموم فقد ظل كل منهما ينظر إلى اعمال الآخر بمنتهى التحفظ والفتور([129]).