eKtab
EN ع
تراتيل الوأد
Read free sample

تراتيل الوأد

by جاسم الرصيف

Page 1
* زيدان خلف
 
أجفلت المرأة في الفراش عندما طرق علينا الانفجار الأول الأبواب والشبابيك كلها، ولم تحتضنّي متخابثة كما كانت تفعل في أيام قريبة، مضت، اعتدلت مذعورة حقاً·
 
- بدأت !
 
قلت لها آسفاً وأنا أبحث، في ظلام الغرفة، عن سجارة قمت بلف تبغها الردىء قبل أن أنام، ودوّى الانفجار الثاني قبل أن تسألني متظاهرة بالهدوء : - أحقاً سنموت؟!·
 
ولم أرد لها·
 
كانت نبرة صوتها مخلصة، مندفعة، أكثر مما كنت قادراً على احتماله في تلك اللحظات، مفعمة بضراعة، تعتري المحتضر من أجل لحظة أخرى من الحياة، سمعت الكثير منها في خنادق القتال، في الحرب الماضية، لذا شعرت بعجز مطلق عن الكلام·
 
وكان ضياء السماء الخافت، يتسلل عبر زجاج النافذة من بين الستائر قادماً من مكان ما، من الزقاق، ينعكس على جسدها الجميل مثلاً طلاء فضي حي على جسدها الذاهب بخطى مضطربة نحو الغرفة (الأخرى)· وأطلقت ضحكة ساخرة مرّة، دون شك، عند الانفجار الثالث الذي امتص رغبتي المفاجئة اللعينة، أغمضت عينيّ وأخذت نفساً عميقاً، عميقاً، من التبغ الردىء الذي لم أعتده بعد، فيما كان شعور مبهم يراودني، وربما أمنية صغيرة، أن هذه الحرب بعيدة، بعيدة، ولكن الانفجار الرابع كان أقرب ممّا كنت أتمنى· اذ انتفضت من تحتي الأرض وجنّت الشبابيك والأبواب في فراغاتها الصغيرة بضجة مرعبة·
 
وأحسست بأن للظلام ثقلاً ولزوجة، تماماً كما في خنادق القتال العتيقة، التي تمنيت ان أنساها الى الأبد، فأغمضت عيني ثانية، مجتراً خيبة أملي، كي لا أرى الظلال المدهشة الباعثة على الارتياب لأشياء الغرفة التي كانت تشرب وهج سجارتي ببرود عجيب، فيما كانت أصوات الطائرات المغيرة تثير في نفسي التقزز والأسى·
Page 2
* جواد خلف
 
هل يكفي الأستياء وحده للترويح عن النفس، في الساعات الأولى من الصباح، أم يكفي الغضب وكيل الشتائم واللعنات؟· لا أدري!· حقيقة لا أدري!· لأني لم أعرف ان كنت مستاء أم غاضباً وأنا أسمع دوي الانفجارات المرعبة في المدينة·
 
بدأت الحرب إذن، فكيف ستنتهي؟!· سؤال آخر لم أعرف له جواباَ في هذا الصباح، صباح الخميس، الذي يفترض ان يكون استهلالاً ليوم أعراس صاخب كالعادة· ولكن؟!
 
- تذهب؟!
 
سألتني زوجتي قلقة وأنا أتناول قدح الشاي· نظرت في عينيها الذابلتين، اللَّتين أحببتهما في يوم ما، بدا لي الآن بعيداً· ولم أرد· خرجت·
 
كنت قد حدثتها عن كل شيء، الا كوني موظفاً مطيعاً في البلدية، لا حدود لطاعته ومثاليته· هكذا أكّد مديري، البدين، المتأمّل أبدأ في ساعات وحدته، الذي يحمل على كتفيه رأساً كبيرة، (كّله مخ)، أكبر من أي رأس في الدائرة، لواحد من ضيوفه الكبار وأنا أدخل غرفته ذات مرة، فأسعدني اعتراف (المخ الكبير) بجدارتي وكبر أملي في نيل كتاب شكر يحفظ في اضبارتي الوظيفية· ولكن؟!
 
كان الشارع شبه خال من السيارات، وقد تكدس المارة بالرتابة نفسها في محطة الانتظار، ولكن العيون ظلت تبحث بقلق عن تلك الطائرات المغيرة، وكنا نتحرق شوقاً لاشتباك جوي حاسم بين طائراتنا وطائرات الأعداء، ولكن؟!
 
عدت الى البيت بعد أكثر من ساعتين· الحافلة الوحيدة التي وقفت بقربي تماماً لم أستطع حتى ملامستها لكثرة ما انحشر في مدخلها من بشر· وما كنت أجيد هذه اللعبة منذ الطفولة· كانت الحافلة تهتز في مكانها حتى خيل لي، وربما تمنيت بشيء من اليأس الخبيث، أن تنقلب· ولكن؟!
 
ولم أستطع نزع ملابس العمل· رحت أدور مثل مشدوه حقيقي بين غرفة النوم والمطبخ متعثراً بالأطفال وأشياء البيت· لم أتغيب عن دائرتي من قبل قط· وما عدت أستطيع التفكير بشيء محدد، الآن· ثقل كبير يضغط رأسي من الداخل، فيما كانت الأغاني الحماسية تتوالى من المذياع الصغير، بدأت الحرب، ولكن؟!·
 
كانت طفلتي الصغيرة (أمل)، ملقاة على الأرض· عيناها فقط تلاحقان الحركات العابثة لأخويها (نفل) و (رفل)· نظراتها غائمة بلهاء، كنظرات حيوان صغير أحمق لا يفهم ما يجري حوله، أطرافها سائبة تماماً· ووحدهما عيناها السوداوان، اللامعتان، تذكران المرء بأن حياة ما زالت في جسدها الصغير، الذي تنبعث منه رائحة الأدوية ونتانة الملابس المتسخة· وكان فمها الصغير مفتوحاً على نداء صامت· ولكن؟!
 
كان صوت الانفجارات يذكر المرء بأن حياة ما ما زالت مهددة بالزوال في المدينة·
 
- انقطعت الكهرباء!·
 
صاحت زوجتي مندهشة· غاضبة· بصوت واهن· فأردت أن أفعل شيئاً ما، أي شي، ولكن؟!
Page 3
* أم نهاد
 
قامة مديدة، ثقيلة، منكبان عريضان ووجه لا أثر للوسامة فيه غير جرح رصاصة مست جبينه في الحرب الماضية ظلت بصمتها البشعة هناك· وكانت النظرة الغائمة في عينيه الواسعتين، البنيتين، تطرق مواطن الخوف في روحي، ولكنها كانت خاطفة مثل ومضة ضوء تظهر بغتة وتختفي بغتة، فينخطف خوفي منه بسرعة معها، ويبقى شعوري بالشبع من جسده المعافي المبقع بجراح ملتئمة طالما رغبت في العبث بها بأطراف أصابعي· ولم يكن فخوراً بتلك اللعبة، عكس رجال عرفتهم كانوا يتباهون بجراحهم الباهتة حد الفجاجة والاسراف بالثرثرة عن بطولات خارقة طالما أيقنت أنها وهمية·
 
عندما عدت من غرفة الأولاد وجدته يدخن بشراهة في الظلام· كان بياض عينيه يظهر بغتة ثم يختفي فترة طويلة· كان قلقاً على أبيه، (طائر البرية) الذي أدمن قريته ووحدته هناك، وأخيه الذي (لم يرحمه الله) من الفقر المدقع وطفلته المريضة· وربما كان يفكر بنفسه، وبي، والأولاد الذين لم يألفوه بعد، وأشياء أخرى، لذا دخلت تحت اللحاف حريصة الا يمس جسدي جسده العاري·
 
كانت الانفجارات مستمرة، بعضها قريب، وبعضها بعيد· والطائرات تمزّق سكون الليل، يمكن لها أن تقتلنا جميعاً في أية لحظة، وثمرة ضوء رمادي، باهت، يتسلل من بين الستارتين مثل نصل معدني شفاف يتكىء على جدار الغرفة المقابل للشباك، تمنيت ان يبقى أبداً هناك لأراه الى الأبد·
Page 4
* أبو الابرد البدراني
 
كانت الشمس عالية، وخيولنا مغيرة مثل الصواعق، عندما ساقتني قدماي، بحكم العادة، نحو "قهوة" القرية، وفجأة انحرفت فرس بخيّالها عن الميسرة فتبعتها أخرى، خائنتين كانتا، هكذا أيقنت، في الليلة الماضية، على ضوء الفانوس· خؤولة رديئة، قلت، وانحرفت الميسرة كلها خلفهما· ما عادتا تقويان على حملي مسافة طويلة· وما كانتا مريضتين· وأن هي الا لحظات حتى انحرفت مقدمة الخيل كلها خلف الميسرة· تركتاني مرمياً مثل الحيوانات الداجنة المريضة في قن· أنا القاتل· وأنا القتيل· انحرفت بفرسي قبل أن نصل البيوت· بيوت الشعر· بمسافة قليلة وقلبي مرعوب· أنا المقتول· أبو الابرد· القشعام خلف· الذي صار عمره مائة عام، ربما أكثر بقليل· ربما أقل بقليل· لم أترك مكاناً في هذا الوطن لم تطأه قدماي· وانطلقت نحونا نيران ثلاث (برتاوات) معاً· سرقت كل شيء حتى بيوض الأفاعي· وسقط فارس منا· خيانة كانت· والعمر يوشك أن يغيب· ركنت فرسي نحو مشرق الشمس مشرعاً بندقيتي، من فوق اذن الفرس، وأطلقت النار· اقتربت من الموت· اقتربت· وانطلقت (البرتاوات) اللعينة كلها نحوي وحدي· الرفيق ذمة· عمت عبر الرصاص والبارود نحوه، وما فكرت بالموت قط· كان قتيلاً، يشخب صدره دماً من جرح، قربة مبعوجة كان، وما زالت رائحة عرقه تنبعث، وباليد الأخرى أطلقت النار ثانية· ونجوت، فرسي كانت أسرع من الرصاص، وأسرع من يد صديقي القديم عزرائيل· فنجوت· شربت نهراً من القهوة المرة وأكلت أحمالاً من التمر والبيوض· وضحكت كما المجانين على جثته· وبكيت· في القهوة· وان كانت عيناي قد جفتا من الدمع منذ زمن بعيد· رأى الفارس ثعلباً فأقسم عابثاً ان فرسه قادرة على اللحاق به· يا له من زمن!· ولحقت به الخيول المغيرة· ظن البعض أنه رأى هولاً أمامه فهرب· في طريق واحد لا عودة منه· لا اتجاه غيره· وكان الضحك· وكان البكاء· بدأت الحرب· قالوا ليتها حية الآن فرسي لسابقت الموت ثانية· بكيت بلا دموع· أين هم الآن· أولادي؟!· فضلوا المدينة· ثمة حلوى ونساء· وطين القرية يمتزج دائماً بروث البهائم· نسوا ان للمدن حروبها، ان لم تكن سبباً لكل الحروب· نسوا (القشعام) في قنه هنا وما عاد غير واحد منهم يرسل عشرة دنانير لعينة في نهاية كل شهر· وأنقرضت الخيل، ولكن الحروب لم تنقرض، وما زال التبغ الرديء رديئاً، والقهوة، والقرى، الآفاق البعيدة، والذئاب·
Page 5
* زيدان خلف
 
كنت أوغل في سحق جسد (أرملتي) منذ زمن بعيد، منذ زمن خيالي لا بداية له، إرتجت الأرض، تحطم زجاج الشبابيك، وهي تحاول التملص مني بوجه متألم، مرعوب، عادت اليه ملامح الحيوية، وربما الحياة، الحياة، بعد قليل، فراح جسدها يتلوى متألماً، عنيفاً·
 
- آخ يا أمي !·
 
صرخت بصوت مكبوت، وردّدت ذلك النداء وهي تبحث عن الشمعة تحت السرير بيدها الطليقة وهي تستدير عني·
 
فشعرت بالذهول عندما رأيت الدماء تنزف من ظهرها· كان الهواء، المندفع من الشبابيك العارية من الزجاج، يعبث بضياء الشمعة، وكانت الظلال تتراقص بجنون على جسدها·
 
ثمة جراح كانت تنزف ببطء، وثمة جراح ما زالت تحتضن شظايا الزجاج· وشعرت بالبرد، فجأة، وربما الخوف من فترات السكون المتوقعة بين انفجار وآخر، وعويل طائرة وأخرى·