Page 1
إعادة تأسيس الكون
(1)أحمد التهامي
لو جلسنا في ركن هاديء بعيداً عن ضـجة التـسـاؤلات المفـتعـلة حول شعراء التسعينات ، لربما تأسس عن ذلك وهم كاف لتعريف (صالح قادربوه) شعرياً عبر الكلمات التالية :
"إلى أي حد تنتمي القصائد للشاعر ؟ وإلى أي مدى يمكن لشاعرنا أن يرافق قصائده في رحلة العمر الطويل ذات المحطات الفكرية والفنية المتغيرة بحكم الظروف أو بحكم الإرادة" ؟ ذلك هو السؤال وربما نعثر على إجابة له في مقطع من قصيدة (احتمال الحلم) :
"مثلما صَنَعَتْنِي الأماسيُّ
- من دمها –
شعلةً
ثم قالت :
إذا شئت كن . . . سأكون"
هذا ما تقوله القصائد عن الشاعر ، فماذا يقول الشاعر عن القصائد ؟ ماذا يقول عن دمه المراق حبراً على ورق ، ربما تجيبنا (ظِلال) :
"القصائد المتاخمة
بدائية التكوين
أسميها : (سرتي الراعفة)
دواوين الفعل اللازم
اكتظاظ الفراغ
تكسر انكسار الروح
وتجبر ما تبقى من اليقين القديم
بيقين جديد نوعاً ما"
Page 2
من هنا يصبح التساؤل الخطوة الأولى نحو الفهم ، مفتاحاً نديره في ثقب الباب لندخل منه إلى عالم (صالح) الشعري بهدوء وروية ، بشكل شعري كامل إن أمكن ، دون أن تحدث أقدامنا المتلهفة ضجة تمنع المتعة .
أهي اللغة من يقود الشاعر إلى خلق صوره ومفرداته وتراكيبه ومعانيه ؟ أم إنها المعاني ؟ لـربـما الرغبة هي من يقوده إلى حيث هو ، الرغبة في امتلاك اليقين ، ربما نعم ربما لا ، فالعالم لم يخلق على مقاسنا منذ الأزل ، لكنه خلق على أية حال ، ونحن والشاعر مكلفون بحكم الضرورة إعادة ترتيبه وتأثيثه قدر الإمكان ، أو لنقل لمن لا يشاركنا هذه الرغبة إنـنـا بحكم الفراغ وإمكانية انسياقنا مع الوقائع والحوادث نتلهى بتلوين مربعات شطرنج الوقت ، وهل نفعل ذلك بوعي وإرادة أم لا ؟ الديوان يقول إن الشاعر يعي ذلك تماماً ، فهل سنشاركه لعبته أم نكتفي بالفرجة ؟ لكل منا إجابته الخاصة ، أما الشاعر فيقول في قصيدة (ظِلال) :
" الهجائية سُلَّمي المهتريء للبوح
تراوغ السائد المحنك
بشقاوة طفولية
عاقلة جداً "
ألا يرغب الشاعر - كبقية الشعراء - أن يجمع المتناقضات معاً دون صراع ؟ هل ينجح في ذلك أم يكتفي بشرف المحاولة ؟ والإجابة ستتعدد بالتأكيد تعدد القراءة ومرجعياتها ومناهجها .
لنقرأ مشروعه الشعري عبر تفاصيل رئيسية فيه لنرى ملامحه الأولى :
1. الصورة الشعرية :
لعل من نافل القول التأكيد على الأهمية التي تحظى بها الصورة الشعرية في عالم الكلام الشعري (شعراً ونقداً)، واعتبارها لدى كثيرين من النقاد والشعراء معياراً يفصل الشعر عن اللاشعر ، وأحياناً جرها إلى لعب دور لطالما أدته موسيقى الشعر الموروث ، بإحداثها إيقاعاً داخلياً خاصاً بكل قصيدة .
وحتى القراءة العابرة لهذا الديوان تظهر إلى أي حد تندرج الصورة كمكوّن فني ضمن جسد قصيدة (صالح) ، بما يجعلها تحوز وضعاً متميزاً داخل تراكيبه الشعرية ؛ فقصيدة (انكسار) مثلاً تشكل نموذجاً ظاهراً متكاملاً لطريقة توظيف (صالح) للصورة في نصوصه الشعرية ؛ فأفعالها الأولى والرئيسية منسوبة للمدن ، وهي فاعل معلوم ظاهراً، لكنه عند تدقيقه وتمعنه لا يظهر إلا المعنى ، المدن ليست بالتأكيد مقصودة لذاتها بقدر ما هي تجسيد لفكرة مجردة ، وهذا ما يتكرر في أغلب قصائد الديوان ، في ممارسة واضحة تستهدف جر المعنى المراد إلى القاريء عبر استخدام الصور كوسيط .
Page 3
وفي (انكسار) بالذات تحولت الصور المتتالية إلى قطع بنت جسد القصيدة حتى اكتمل المعنى المراد ، ولو تورطنا في محاولة إهدار إحداها لصالح قراءة المعنى من دونها لخسرنا الكثير ، لربما خسرنا القصيدة كلها ، فهذا التدريج في توليد ونقل المعنى ضروري للتفاعل مع القصيدة وليس زائداً عن الحاجة ، فخصوصية الحلم الذي ترسمه القصيدة تتكشف عبر تدرج وتتالي الصور . أما في (فجر) :
"شاءه الغيبُ
صورةَ ظلِ النبيينَ في الأرض
فانفتحت وردة
في الهزيع الأخير من الصمت
حتى كأن المدى
أمسَكَتْهُ يدٌ لا تُرى"
تصل القصيدة بالصورة إلى أعلى مستويات تجريدها ولا ماديـتها ، إذ تــتفتــح وردة في الهــزيـع الأخير للصمت لتمسك يدٌ (لا تُرى) المدى ، مما يجعلنا لا نقبض كقراء من صور (صالح) هذه إلا على المعنى ، أو نمسك باللغة لوحدها كما في (ظِلال) :
"دواوين الفعل اللازم
اكتظاظ الفراغ
تكسر انكسار الروح"
لنجد المعنى في الصورة التالية في ذات القصيدة :
"وتجبر ما تبقى من اليقين القديم
بيقين جديد نوعاً ما"
دون أن نتورط في الحالتين في الإمساك بصورة عادية يومية مكررة ، صورة تعيد سرد الموجود خارج ذواتنا وذات الشاعر ؛ ربما لأنه يقصد ألا يتورط في هكذا محاولة.
2. حضور الوعي :
تنطلق كثير من قصائد الديوان من الإخبار عن الذات ، أي من الوعي بوجودها ، لا من حيث الوجود المادي العادي ، بل من حيث الرغبة في تنبيه الآخر إلى هذا الوجود ، إلى اختلافه عن بقية الوجودات ، وهو منطلق يشكل - منفرداً - هاجساً رئيسياً لقصائد الديوان ، يشكل في الخلف دواعي الكتابة الفنية للقصائد . ودليل ذلك هو انشغال الشاعر ، على مدى أغلب النصوص ، لا بالتعبير عما عرفه من دقائق تجاربه الحياتية ، بل بالإعلان عن وجوده ذاته ، وتأكيد حضوره في القصائد كحضوره في العالم . حتى عندما يتحدث عن نابليون ، ذلك البعيد الزماني والمكاني ، لا يتركنا نطلع على الأسئلة قبل أن يخبرنا عن ذهوله الممض تجاهه في قصيدة (ظِلال) . وفي مدخل الديوان ذاته نجدنا بمواجهة طرفين في علاقة واحدة يبدو كل ما حولها فراغاً أبيض : الشاعر والوطن ، وهنا يوظف اليومي والعادي لخدمة هذا الحضور .
Page 4
ولا يكتفي (صالح) بهذا بل ينتقل إلى مستوى آخر لذات المسألة ، إذ بطول الديوان ومنذ (يا برج الحوت . . .) في قصيدة (إشراق) وحتى (علمني يا يونس . . .) في قصيدة (ضفاف النشيج) نلمس خطاباً للآخر بشكل مباشر يشير إلى الذات أكثر مما يشير إلى الرمز أو الآخر ، ويكشف عن مرجعيات الشاعر أكثر مما يكشف عن أغراضه وأفكاره .
3. إعادة الترتيب والتعريف :
إذا كان الوعي بالذات في مواجهة الآخر - أياً كان - ظاهراً في نصوص الشاعر ؛ فإن بالإمكان اقتفاء أثر هذه الظاهرة في بقية نصوصه ، والكشف عن عملها الخاص في بعض نصوصه ، خاصة في تلك الحالات التي يكف فيها ضمير المتكلم عن العمل ، ونستسلم تماماً للجمل الإخبارية ظاهرياً ؛ فما رأيكم إن أعاد (صالح) تعريف الفجر بالطريقة التي اتبعها في قصيدة (فجر) :
"رخياً
عصياً على الامتناع
نتاج انقسام الحروف الحتوف
على نفسها"
أيكون أعاد تعريف الفجر بالنسبة لعالمه الشعري أم أعاد تعريف نفسه عبر توظيف المفردة وإيحاءاتها التلقائية؟
وكما فعل بالفجر أجرى (صالح) تغييراً آخر على مفردة أخرى لها أهمية خاصة في الديوان ؛ إذ يجري تكرارها في أكثر من قصيدة في الديوان ، فبالرغم من أننا اعتدنا اعتبار الصمت مجرد تعبير عن انعدام الفعل الذي هو الكلام ، إلا أن (صالح) يخالف هذا ويجعل من الصمت فاعلاً رئيسياً في كثير من أجواء قصائده ، وينسبه لمفردات أخرى تؤكد حضوره ، كما في (إشراق) :
"للساعة إبط
يعشب فيها ورق الصمت"
أو كما في مقطع آخر من ذات القصيدة :
"رَتَّلَ صمتَ الساعة . . ."
Page 5
4. النبوءة :
لهذه المفردة بالذات خصوصيتها في نصوص الديوان؛ لا من جهة تكرارها بل من جهة التوظيف ، توظيف المعنى . فالنبي (يونس عليه السلام) يتكرر ذكره في أكثر من قصيدة في الديوان . وفي قصيدة (صبح) نجد ما يلي :
"يجييء بلا موعد
كالنبوءة
يفصح عن ذاته
فيرتد كلٌ إلى ذاته
يبرأ الأكمَهُ الروح
- إذ يتجلى -
ويمشي الكسيحْ"
النبوءة هنا حاضرة لا كمفردة فقط ، بل كتاريخ ديني وكموروث ثقافي موظف لفعل التنبؤ ، وإن يكن هذه المرة ليس دينياً بقدر ما هو رؤية شاعر ، كما في مكان آخر من ذات القصيدة :
"من كُوّة في الجدار يطل
فلا تقنطوا
سيبوح به الانذهال المقدس
حين يلامس ظل انحناءته
لولوج المدى . . . ويصيحْ"
5. لمسة الحزن :
منذ عنوان الديوان (تراتيل) ونحن نتعرض لإيحاءات وتأكيدات صريحة تشي بسيطرة شبه كاملة للحزن كحالة وجدانية تعم القصائد ؛ فالتراتيل - وهي مفردة ذات بعد ديني - تشعرنا بالحزن قدر ما توحي بالانشغال بالعبادة . وللتدليل على هذه السيطرة يكفي أن نتأمل بعض عتبات النصوص (عناوينها) لنجدها تقول :
(انكسار ، ظِلال ، أسئلة الحنين الموؤود ، جفاء ، ضفاف النشيج . . .) ، أو يكفي أن نقرأ الإهداء : (ناحت أحلامنا . . . على نزيف الحجر) ، و النوافذ الكفيلة بإتاحة فرص الهرب ليست في الجدران بل في قلب الريح ؛ كما في (فجر) . حتى البحار التي تستطيع أن تغسل بمائها حزننا وحزن الشاعر خانها الملح فارتدت الرمل ، كما في (احتمال الحلم) . وعندما يمطر العمر يمطر شباباً قتيلاً ، كما في (أسئلة الحنين الموؤود) .
Page 6
سبق (لصالح) أن قدَّم ديواناً شعرياً واليوم يقدم آخر ، وهذا يجعلني أقول إن مشروعاً شعرياً جديداً هو في طور التأسيس بدأ يخرج للنور ، تنتمي عناصر تكوينه إلى ثقافة الشاعر بالدرجة الأولى ، التي هي ثقافة كتب - إن جاز لنا فصل هذا النوع عن الاغتناء بتجارب الحياة في وقائعها اليومية - وهي لذلك تتكيء بشدة على الموروث المكتوب خاصة نصه المركزي : (القرآن الكريم) ، ومن خلال توظيف مفاهيم ومفردات النبوءة ، وخلق الأجواء التي تخاطب المتلقي بلغة تؤكد الذات وتنادي الآخر . بالإضافة إلى ما هو سائد في الوسط الأدبي من مقولات تدعو لتوظيف المفاهيم الصوفية الموروثة في الشعر ، كمفهوم الكشف ومفهوم التجلي وغيرها ، أو علاقة الشيخ والمريد مثلاً . والأفضل هنا أن نسمع الشاعر نفسه يقدم مشروعه قائلاً :
"الهجائية سُلَّمي المهتريء للبوح
تراوغ السائد المحنّك
بشقاوة طفولية
عاقلة جداً"
في قصيدة (ظِلال) . وكما حملت قصائد (صالح) الكثير من التساؤلات ، يجعلني مشروعه أتساءل :
أين هو السائد ؟ وأين هو الجديد في مشهدنا الشعري؟
أليس ما استقر من مقولات جمالية في العقود الثلاثة الأخيرة من حياتنا الأدبية أصبح بذاته سائداً يجب التمرد عليه ، حتى لا يعيقنا عن خلق قصائدنا الجديدة ؟
بنغازي في : 4-1-2003 ف