eKtab
EN ع
تردى الفكر الإسلامى المعاصر بين الأصولية المستبدة والعلمانية المستفزة
Read free sample

تردى الفكر الإسلامى المعاصر بين الأصولية المستبدة والعلمانية المستفزة

by د. احمد طه

Page 1

مقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين – وبعد.

فإن الإسلام دين عظيم وشريعة الله التى ارتضاها لكافة البشر لينقذهم من الظلمات إلى النور، وهو الدين الذى تكفَّل الله بحفظه فى قوله تعالى ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ﭐلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.(1)

والخطاب الدينى فى عالمنا الإسلامى يكتسب أهمية قصوى باعتباره المعبر عن الفكر الإسلامى، فضلاً عن كونه يمثل رسالة البلاغ المبين التى يلتزم المسلمون بتوصيله لكافة البشر فى كل زمان ومكان، يضاف إلى ذلك أن الخطاب الإسلامى يحمل على عاتقه تقديم الإسلام عقيدة وشريعة ونظاماً بأسلوب فاعل يهدى إلى الحق والخير والطريق المستقيم – وبالتالى فأى خلل أو قصور فى هذا الخطاب سوف يؤدى إلى تشويه صورة الإسلام لدى الشعوب والأمم الأخرى التى يسعى للنفاذ إليها، بل سيؤدى إلى عواقب وخيمة حتى بين أتباعه فى المجتمعات الإسلامية ذاتها – ومثل هذه النتائج السيئة سيكون المسئول عنها المسلمون وليس الإسلام، وهذا الأمر يوجب على أئمة المسلمين وفقهائهم بل ومثقفيهم ضرورة الاهتمام بتنقية خطابهم الدينى مما علق به مما ليس فيه حتى يسهم فى معالجة القضايا وتقديم الحلول للمشاكل التى تهدد العالم الإسلامى، وأن يحسنوا مخاطبة الآخرين لما يؤدى إليه ذلك من منعة للإسلام، بل ويسهم فى فتح آفاق وأقطار فتحاً سلميًّا إسلاميًّا عملاً بقول المولى عز وجل (كنتم خير أمة أخرِجَتْ للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمون بالله).

ولقد كان للمسلمين الأوائل فضل المساهمة فى صنع الحضارة الإسلامية بما أُوتوا من رجاحة العقل وعلو الفكر وسمو الخلق ورقى العلم، فأقاموا للإسلام دولةً منذ ما يقرب من ألف وخمسمائة عام كأعظم ما تكون الدول اقتصاديًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا، فى الوقت الذى كان العالم يتخبط فى بحور من الظلام والجهل والتخلف – وامتدت هذه الدولة لتضم إلى جانب شبه الجزيرة العربية دولاً وشعوبا متعددة فى مشارق الأرض ومغاربها، وازدهرت دولة الإسلام بفضل مجهودات عظماء المسلمين بدءًا من الرسول (صلى الله عليه وسلم)، ومروراً بخلفائه الراشدين وأتباعهم المؤمنين المخلصين، وكان لهذا النجاح عوامل كثيرة أهمها تمسك الجيل الأول من المسلمين بالمبادئ السامية والقيم العليا التى جاء بها الإسلام، وعلى الأخص الفهم العقلانى الصحيح للدين لإيجاد الحلول اللازمة والصالحة للتطبيق فى كل زمان ومكان، وبقدر تمسك المسلمين بتلك المبادئ والقيم وإعمالها لصالح الدين من جهة، وبمراعاة ظروف كل مجتمع من جهة أخرى، كان يتحقق لهم النجاحات وتتوالى لهم الانتصارات فى سبيل نشر الدين الإسلامى وإعلاء كلمة الله فى أنحاء المعمورة.

وخلال عصور الازدهار المشار إليها، كان الخطاب الدينى السائد يقوم على الفهم الصحيح للدين الذى يعتمد على التمسك بالمبادئ والقواعد الكلية لهذا الدين من ناحية مع إعمال العقل لاستنتاج الحلول اللازمة للمشاكل المستجدة فى المجتمع الإسلامى من جهة أخرى.

غير أن الخطاب الدينى قد مر بفترات مظلمة تراجعت فيها قوته وزال أثره مما نتج أضرار كبيرة للدين الإسلامى والأمة الإسلامية – وذلك عندما بعد المسلمون عن التمسك بمبادئ الإسلام وآثروا اتباع الهوى للحصول على عرض زائل من مال أو شهرة أو سلطان، وقد ظهر ذلك واضحاً بتأثيره السيئ على قوة دولة الإسلام حيث تراجعت مساحة تلك الدولة وتفككت أوصالها وتشرذمت شعوبها وانهارت قوتها وساءت أحوال المسلمين.

ومما زاد الأمر خطورة أن قوة المسلمين أو ضعفهم يتناسب تناسباً عكسياً مع قوة وتقدم غيرهم من الأمم الأخرى، ومن ثم فكلما ضعفت الأمة الإسلامية وانحسرت دولتهم ووهنت عزيمتهم كلما ازدادت قوة أعداء المسلمين وتضاعف خطرهم واشتد تهديدهم للأمة الإسلامية وعداؤهم للإسلام.

وإذا كانت قوة الإسلام فى تناسب مطرد مع قوة الأمة الإسلامية، وأن الضعف والهزال الذى أصاب هذه الأمة لا يرجع للإسلام ذاته وإنما لأتباعه من المسلمين، إلا أن المؤكد أيضاً أن هذا الضعف وإن كان يصيب الأمة الإسلامية بالدرجة الأولى فإنه يترك صداه بالسلب على شريعة الإسلام وحضارته، فالمسألة عبارة عن وجهين لعملة واحدة، ويمكن القول إن الدولة العباسية خير دليل على صحة ما نقول به.

وفى ذات الاتجاه فإن ما يزيد الأمر خطورة أن الضعف الذى كان يلحق بالدولة الإسلامية فيما مضى لم يكن يقابله قوة وازدهار غير المسلمين بذات الدرجة الآن، بل وربما كان أولئك أيضاً يعيشون فترات مظلمة مماثلة لتلك التى يعيشها المسلمون، نتيجة لبعض الأسباب مثل تسلط الكنيسة أو الصراعات الأيديولوجية أو الفكرية التى كانت سائدة أحياناً فى تلك المجتمعات والتى نجحت فى تجاوزها والوصول لحلول جذرية لها ونفضت عن نفسها غبار تلك السلبيات وتفرغت منذُ نهاية القرن السابع عشر للتقدم والنهوض، كما أن الضعف الذى تعيشه الأمة الإسلامية الآن وما آل إليها حالها فى الحقبة الأخيرة قد قابله تخلص الأمم الأخرى من سلبياتها ونهوضها بشكل فاق كل تصور على نحو ما نلمسه الآن، وهو ما أدى لتجسم الضعف والهزال الذى أصاب أمتنا، وهذا الأمر إذا استمر فإن الله وحده الذى يعلم ما يمكن أن يصير إليه حال أمتنا الإسلامية فى هذا العالم مستقبلاً إذا ما ظلت فى ثباتها واستكانتها وجمود خطابها الدينى، خاصة ونحن الآن فى مفترق الطريق، ومع ذلك لم يتطور خطابنا أو منهجنا العلمى بما يتلاءم مع تلك المتغيرات ويستوعبها، بل على العكس، إذ أسهم الخطاب الدينى السائد فيما آلت إليه أحوال المسلمين من التخلف والفرقة والانحطاط الذى نعانى منه الآن، وإذا كان المسلمون يشكلون الآن خمس سكان العالم تقريباً ولديهم فكرهم الذى يعبر عنه خطابهم الدينى والذى يفترض أنه نابع من ثقافتهم وعقيدتهم الإسلامية، وهو فكر قد يتعارض مع المبادئ العالمية التى تسود فى العصر الحديث فى بعض المواضع وقد يتفق معها فى البعض الآخر.

ومن ثم يثور التساؤل عن مدى صلاحية الخطاب الدينى السائد فى الساحة الإسلامية الآن، إن أحداً لا يستطيع أن ينكر أن الإسلام دين عالمى عملاً بقول الله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾(2). ولكن ما هو المقصود بنطاق عالمية الإسلام، إن المعنى المفهوم من هذه الآية أن عالمية الإسلام تنصرف لمجال العقيدة باعتباره دين الحق والهدى الذى يخرج الناس من الظلمات إلى النور، بوصفه (ديناً) بما يتضمنه من مبدأ التوحيد وما يشمله من عبادات وتعاليم دينية ومبادئ إسلامية عليا، أما إذا قُصِدَ بعالمية الإسلام مجالات الدنيا وأمورها المتشعبة فى الاقتصاد والسياسة والاجتماع فإن ذلك – فى رأينا – تحميله بما لايجوز، لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول «أنتم أعلم بأمور دنياكم».

Page 2

والقرآن الكريم جاء بمبادئ وقواعد عامة ومجردة، إلا أنه فى معظم أمور الدنيا لم يتضمن التفاصيل الخاصة فى كافة المسائل التى يمكن أن تثور فى عالم يتغير بصفة مستمرة، وهذا هو سر عالمية القرآن باعتباره وحياً من الخالق العليم بأحوال عباده المتغيرة.

وفضلاً عن ذلك فإن السنة النبوية فيما يتعلق منها بأمور الدنيا فإنما وجدت لمواجهة أحوال وظروف شعب فى زمان معين، إذ أن المعنى الذى يفهم من لفظ السنة أنها ما يسير عليها الناس فى عصر معين، ومن ثمَّ فلكل عصر سننه ومبادؤه التى تحكم أمور الناس الدنيوية والتى تزول بزوال هذا العصر، حيث يتعارف الناس على عادات وسلوكيات وقواعد جديدة – وفى ذلك يقول المولى عز وجل ﴿خُذِ ﭐلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِـﭐلْعُرْفِ﴾(3)، وعلى ذلك فإنه من الظلم للإسلام أن نبحث فيه عن حلول لكل جزئية من مشكلات العالم فى مجالاته المستحدثة إداريًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا خاصة فى تلك الحقبة المعاصرة – والادعاء بأن ما كان صالحاً فى صدر الإسلام لابد وحتماً صالح فى العصر الحالى، ومن ثم فإن الصواب يكون بالتعامل مع كل عصر طبقاً لظروفه وأسبابه وثوابته الجديدة بما لا يتعارض مع الأحكام أو الأصول الكلية أو القواعد الأساسية التى يقوم عليها ديننا الحنيف.

وفى هذا البحث يثور التساؤل، ما هو موقف الخطاب الإسلامى أو كيف يتعامل مع الأطروحات أو المشاكل التى تقابل الأمة الإسلامية فى العصر الحديث؟ أو بمعنى آخر كيف يمكن للمسلمين مواجهة معطيات ومظاهر هذا العصر، وما هى رؤيتهم بشأنها حتى يسايروا العصر ويأخذوا بأسباب نهضته قبل أن يفوتهم الأوان من ناحية، ودونما خروج على القواعد العامة لدينهم الحنيف من ناحية أخرى، وهل الخطاب الدينى السائد فى المجتمع الإسلامى يأخذ على عاتقه الاضطلاع بتلك المسئولية؟ هذا هو موضوع بحثنا الماثل، ونعتقد أن لهذا الموضوع أهمية كبيرة.

فمن الناحية النظرية يسود فى الخطاب الإسلامى اتجاهات مختلفة فى هذا المجال، بعضها يعارض كافة الأنظمة العالمية المعاصرة ويدير لها ظهره بادعاء أنها أنظمة كافرة، والبعض الأخر على العكس ينبهر بوسائل وأنظمة وتقنيات الغرب ويحاول اللحاق بحضارتهم حتى وإن خالفت أصول دينه، وبينما نجد اتجاهاً ثالثاً آثر السلبية تردداً وتخوفاً فى اختيار أى الاتجاهين، ومن هنا تبرز الأهمية العلمية لدراسة موضوع البحث للإسهام فى إنارة الطريق أمام أولئك الذين يبتغون رضوان الله من ناحية وملاحقة التطور والرقى الذى يراه واضحا فى كثير من المجالات داخل الحضارة الغربية من ناحية أخرى.

ونحن نؤمن بقدرة عقل كل مسلم من ذوى البصيرة والفكر الراجح فى الوصول للحق والتعرف على الطريق المستقيم, سيما إذا ما كان صاحب هذا العقل يؤمن بما يقول ويعمل بما يهديه إليه عقله.

ومن هذا المنطلق فقد رأينا أن نسهم بجهدنا فى إعداد هذا البحث، والذى يجدر بى أن أنوه فى بدايته إلى أننا وإن كنا نتمنى أن يأتى وافياً وشاملاً ومحققاً للهدف منه لدرجة الكمال - وهو أمر لاشك عسير- سيما أننا لا ندعى تحقيق ما يجب من العلم أو التفقه فى الدين، وإنما حسبنا أننا مجرد أحد المسلمين الباحثين نحاول الاجتهاد بقدر ما أوتينا من علم، وبقدر ما يوفقنى الله فى ذلك قاصداً وجه الله عز وجل ومصلحة الأمة الإسلامية.

ويجب أن يلاحظ هنا أن ذلك البحث متشعب ويثير موضوعات فى شتَّى المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية وما يتفرع عنها من تفاصيل متشابهة يصعب الفصل بين حدودها، ومن الطبيعى أنه يتعذر على أى باحث أن يكون متخصصاً فى كل هذه المجالات، وعموماً فسوف نحاول أن نجمع شتات تلك الموضوعات حتى وإن اقتضى ذلك الاعتراف بالحقائق المرة فى واقعنا الإسلامى، أو انتقاد ما يعترى خطابنا الدينى، لا بقصد التشهير أو الإساءة، وإنما بغرض الإصلاح والإفادة فى عالم لم يعد للمزايدات أو الشعارات موضع فيه.

ومن ثَمَّ فإننى لا أجد حرجاً – خلال هذا البحث - فى أن أبرز أوجه التقدم والإصلاح والرقى لدى الغرب، وأوجه الخلل والقصور وربما الفساد فى مجتمعنا الإسلامى، فى صورة حقائق موثقة دون تزييف حتى وإن بدت الصورة قاتمة أحياناً ليكون ذلك حافزاً لنا، ولهذا فإننى لا أجد أيضاً حرجا فى أن أقرر أن كثيراً من المُسَلَّمات والثوابت فى خطابنا الإسلامى تحتاج إلى توصيف دقيق ومراجعة أمينة وتحليل صادق وتقييم أو قل نقد بناء، ذلك أن من أهم أصول البحث أن الأصنام التاريخية ضد طبيعة العقل، وأن الأحكام المطلقة هى دون شك ضد حركة التاريخ، وأن الواجب علينا فى إطار هذا البحث ألا نغفل عن استيعاب جميع المستجدات على الساحة العالمية، والتى انعكست بدورها على الساحة الإسلامية.

وتجدر الإشارة فى هذا الموضوع إلى أن منهج وموضوع بحثنا إذ يتعلق بالخطاب الإسلامى فإنه قد يثير المشاعر لدى الكثيرين وهو أمر لا مفر منه، مما يوجب أيضاً أن نحاول قدر الطاقة البعد عن الشطط أو الإسفاف والالتزام بالموضوعية دون تحيز أو تحامل، ملتزمين الحيدة بوصفها أهم أصول البحث، حتى يأتى هذا البحث متفقاً مع الأصول العلمية المقررة – قدر الإمكان – فإذا ما ترتب على هذا البحث إثارة البعض فإنما نقول له إنه محض اجتهاد أو قل إنه رأى لنا، فإن أصبنا فمن الله ولنا أجران، وإن أخطأنا فمن أنفسنا ولنا أجر، سيما وأننا لا نبتغى من هذا البحث سوى الإسهام فى محاولة النهوض بالخطاب الدينى وإخراجه من مأزق خطير أصبح معه فى حاجة عاجلة لاستحضار ذاكرة أمتنا الأصلية، وصولاً لاستعادة تضامن أمة المسلمين، لتكون بحق أمة إسلامية فاعلة تمارس دوراً حيويّاً فى عالم اليوم، وكى نكون أمة تبرأ من رنين اللفظ وتؤمن إيماناً عقلياً بالثوابت – أمة صادقة مع نفسها تقول ما تؤمن به وتسعى للأخذ والعطاء مع الدنيا من حولها دون تعصب أو انحياز ودون عفوية أو اندفاع حتى لا يصفها الآخرون بازدواج الشخصية أو أنها محض ظاهرة صوتية، وفى ذات الاتجاه فإننى لا أقصد – من خلال هذا البحث - إلزام غيرى أو دعوتهم للأخذ بما رأيته صواباً أو اعتباره قضية مسلما بها، وإنما نحن نحاول الوصول إلى الصواب ونجتهد فى البحث عنه.

وربما نطمع فى أن نضيف بهذا الفكر جديداً يمكن أن يسهم فى إثراء الخطاب الإسلامى، فى زمن نحن فى أمس الحاجة لخطاب دينى مستنير نواجه به التحديات الجسيمة التى باتت تحيط بكياننا وتهدد أراضينا وتصوب نيرانها لديارنا ومعتقداتنا، خاصة بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر عام 2001 التى وقعت فى الولايات المتحدة الأمريكية، والتى أدت إلى حدوث تغيير جذرى فى السياسة العالمية، وما عاصر ذلك من اتهام للإسلام والمسلمين بالإرهاب، وما تبع ذلك من حملات إعلامية وعسكرية ضد العرب والمسلمين، وهو ما ينذر بحدوث حرب عالمية ثالثة مع بداية هذا القرن يكون أحد طرفيها أتباع الإسلام، وهو ما يمثل أكبر إساءة وأعظم ضرر للإسلام والمسلمين.

وهذه الأحداث يجب أن تكون حافزاً لنا للتأمل وإعادة قراءة خطابنا الدينى لتنقيته مما أَلَمَّ به وتطويره، من خلال مراجعة دقيقة لمعطيات هذا الخطاب فى إطار رؤية مستنيرة لديننا الحنيف من أجل بناء إنسان مؤمن قوى، على أسس من تعاليم الإسلام التى تدعو للتسامح والتعاون والتكافل وليس العداء والكراهية والتنابذ والفرقة، باعتبار أن التحديات التى تواجه العالم الإسلامى باتت تحتم إعادة التفكير فيما يحقق مصالح المسلمين ويعيد الوجه الحقيقى للإسلام فى نظر أتباع الديانات الأخرى.

وإذا كان موضوع هذا البحث يدور حول واقع الخطاب الإسلامى فإنه يجدر التنويه بأنه لا يجوز الاستدلال أو الحكم على الإسلام من خلال خطاب المسلمين، فهم ليسوا حجة على الإسلام، خاصة إذا ذهب خطابهم بعيدا عن الإسلام الصحيح، وإن كان الإسلام لاشك يتأثر قوة وضعفاً بأحوال أتباعه ولو بطريق غير مباشر.

وإذا كنا نحاول من هذا البحث استنهاض الخطاب الإسلامى والإسهام فى تأهيله للتعامل مع الألفية الثالثة فى عالم مختلف، فإن ذلك يقتضى، وفى إطار الالتزام بالموضوعية والحياد الأكاديمى، أن نكون صرحاء مع أنفسنا عند التعرض لما آل إليه حالة الخطاب الإسلامى، دون مجاملة أو تحامل، بما يترتب على ذلك من إبراز للسلبيات التى تشوب هذا الخطاب لمحاولة الوصول لأسبابها وتحديد رؤيتنا بشأن معالجتها، باعتبار أن ذلك هو غاية البحث، وسوف يعيننا على ذلك عدم انتمائنا لأى مذهب أو حركة أو اتجاه فكرى معين من تلك السائدة على الساحة الإسلامية – وهو ما قد يساعدنا فى أن نقترب من التوصيف الدقيق أو المراجعة الأمينة أو التحليل الصادق لهذا الخطاب أو ذاك من تلك السائدة على الساحة الإسلامية، ولهذا سوف لا نتحرج عن الإشارة – فى صراحة ودون إثارة - لأهم الظواهر السلبية فى تلك الخطابات، حتى وإن كانت الصورة قاتمة، إذ لا يجوز مهادنة الباطل على حساب الحق، ويجب ألا نخشى فى الله لومة لائم، وحتى لا نظل مغيبين عما يجرى من حولنا فى كل اتجاه، دون إحساس بما ينتظر أمتنا من مصير لا يعلم مداه إلا الله تعالى.

والخطاب الإسلامى السائد فى البلاد الإسلامية يمكن رده إلى اتجاهين أو خطابين، أحدهما رجعى سلفى أو أصولى يركن إلى القديم، والآخر تقدمى أو تحررى يتجه صوب الغريب.

وواقع الأمر أن كلا الخطابين أو الاتجاهين يجمع بينهما التقليد الأعمى فى كل فعل أو قول يؤمن به ويدعو إليه، وكلاهما يتناقض مع الآخر شكلاً وموضوعاً، بل ويتحاربان إلى حد الدخول فى معارك دموية فضلاً عن اتجاه كل خطاب لتكفير أتباع الخطاب الآخر، ويرجع ذلك لأن كل اتجاه ينأى بعيداً عن الموضوعية ويسلك طريقاً متطرفاً إما لأقصى اليمين أو أقصى الشمال، وإلى حد يفوق أشد ما ذهبت إليه المصادر التى يستندون إليها سواء فى ذلك أقدم الأصوليين أو أحدث المتحررين.

ويقف السواد الأعظم من المسلمين فيما بين هذين الاتجاهين حائراً وعاجزاً عن الحركة - لا يدرى أيهما يسلك، الأمر الذى يصيبه بالسلبية واللامبالاة نتيجة للتشويش العقائدى الذى أصابه من جراء العداء والصراع الدائر بين كلا الاتجاهين، خاصة أن كلاًّ منهما يدعى الانتساب للإسلام.

واستناداً لذلك فسوف نتناول فى هذا البحث عرض الاتجاهات الحديثة فى الخطاب الدينى ببعض من التأمل والفحص والمناقشة لهذه الاتجاهات، فنتناول فى فصل أول التعرض للخطاب الدينى الأصولى، أى الذى يمثله أو يقول به الاتجاه الأصولى، وهو الخطاب السائد فى الفكر الإسلامى المعاصر، للوقوف على أسس أو مقومات هذا الخطاب، ثم نعرض فى فصل ثان للاتجاه العلمانى وهو الذى يقول به العلمانيون أو أنصار التغريب، وهم قلة يظهرون حيناً ويختفون أحياناً أخرى بحسب قوة أو ضعف الاتجاه الأول، وفى الفصل الثالث نحاول تسليط الأضواء على مسلك كلا الاتجاهين بغرض تقييمها وصولاً لمحاولة إعمال مبدأ وسطية الإسلام من خلال تحقيق تطوير حقيقى للخطاب الدينى، حيث نتناول فى ذلك الفصل مفهوم التطوير وأسسه وأهميته، ثم نعرض لأهم التطبيقات العملية وذلك على النحو التالى.....

Page 3

تمهيد

الواقع أن الخطاب الأصولى يكاد يكون هو المسيطر على الخطاب الدينى فى الساحة الإسلامية، ويضم هذا الاتجاه أفراد الجماعات الإسلامية وكذا المنظمات والأحزاب أو الحكومات التى تنسب نفسها للإسلام تحت أى مسمى أو صور، وهم منتشرون فى كافة الدول الإسلامية، وإن كان تأثيرهم وصوتهم أو قوتهم يختلف بحسب حجمهم وقوة تنظيماتهم وظروف كل دولة من الدول الإسلامية، فهم يسيطرون بصورة شبه كاملة على الأمور فى بعض الدول، مثل افغانستان وإيران وكذلك فى الجزائر والسودان بينما تضعف قوتهم ويقل تأثيرهم بين الحين والآخر فى دول أخرى كالسعودية ومصر واليمن والأردن وفلسطين والكويت وسوريا، أما فى بقية الدول الإسلامية الأخرى فنجد أصحاب هذا الاتجاه أيضا، ولكن بصورة أقل وضوحا، كما فى الإمارات والبحرين وقطر وليبيا وتونس والمغرب، ويلاحظ أن الغالبية العظمى من أفراد هذا الاتجاه فى الوقت الحاضر هم من الشباب الذى يتسم بقلة الخبرة وسهولة التأثير عليه من قوى أخرى كثيرة ومتنوعة سواء من خارج المجتمع الإسلامى كما حدث فى أفغانستان، حينما استغلت أمريكا الجماعات الإسلامية للقضاء على النظام الشيوعى هناك، أو من الداخل ممثلا فى قيام بعض حكام الدول الإسلامية باستغلال هؤلاء الشباب لمصلحتهم الشخصية فى ضرب معارضيه أو المناوئين له فى السلطة، كما حدث فى عهد الرئيس السادات فى فترة السبعينيات، باستغلاله الجماعات الإسلامية وتقويتهم بهدف القضاء على الشيوعية، أو ما يحدث حتى الآن فى دول مثل السعودية، والتى تسمح بعمل وتمويل هذه الجماعات لأغراض سياسية أو أيديولوجية.

ويتلخص مضمون فكر هذا الاتجاه فى السعى للرجوع إلى الأصول والتمسك بالحياة الإسلامية التى كانت سائدة فى العصور الأولى من الإسلام، بحجة تنقية الحياة الإسلامية من الشوائب والأفكار الهدامة التى تم امتصاصها من الغرب، وهم فى سبيل ذلك يطرحون عقولهم، ويجاهدون للتقيد الحرفى بالنصوص والتمسك بالمذاهب الدينية التى ينتمون إليها، والتقليد الأعمى لكل ما قاله أو فعله الأولون القدماء أصحاب هذه المواهب.

واستنادا لهذا المنهج فى رفض العقل فإنهم ضد أى اجتهاد فى أمور الدين بل والدنيا، لدرجة أن شيخ الأزهر فى مصر أوائل القرن التاسع عشر أصدر فتوى وصف فيها المذاهب الأربعة بأنها أفضل ما يكون بحجة أن أصحابها هم فقط الذين لديهم المعلومات والفقه العميق، وإن كل من يبتعد عنهم يعيش فى أخطاء، وأن هيبة ووقار الاجتهاد قد اختفت منذ فترة طويلة، ولا يوجد فى الوقت الحالى من لديه من العلم أو التفقه فى الدين ما يؤهله للاجتهاد فى تفسير النصوص المقدسة، وهناك اسباب دفعت أصحاب هذا الاتجاه من المعاصرين لاعتناقه.

أهمها سببان:

السبب الأول هو الهوة السحيقة التى تفصل فى العصر الحديث، بين القوة والثروة والنهضة التى يعيشها الغرب، على النقيض من التخلف والضعف الذى يعيشه هؤلاء فى ظل المجتمع الإسلامى السائد، مع كراهيتهم للغرب، لأصول تاريخية ترجع لعهد استعمار الدول الغربية لمعظم الدول التى ينتمى إليها هؤلاء الأصوليون من ناحية.

أما السبب الثانى فهو أن كافة أعضاء الجماعات الإسلامية التى تشكل أغلبية أنصار هذا الاتجاه هم من الشباب، ويترتب على هذا السبب الثانى- وهوجهل الجماعات – أنهم لايتفقون فيما بينهم على قواعد واحدة، أو أسلوب مشترك، أو حتى لغة واحدة، وذلك بسبب تعدد المذاهب التى يرجعون إليها من ناحية، وخطئهم فى فهم القواعد والأصول التى يعتمد عليها كل مذهب من ناحية أخرى، ويترتب على ذلك أنهم دائما فى صراعات فكرية وحروب دموية مستمرة.

وسوف نتناول فيما يلى أهم الأسس أو المبادئ التى تحكم هذا الاتجاه:

Page 4

القواعد أو المبادئ التى يقوم عليها الخطاب الدينى الأصولى

يقوم الخطاب الدينى الأصولى على أربعة مبادئ أو قواعد أساسية نتعرض لها بنوع من التفصيل على النحو التالى:-

أولا: الاستناد إلى التراث أو أعمال السلف وإهمال العامل التاريخى

يعتمد الاتجاه الأصولى فى فهمه للدين على أقوال السلف وتفسيراتهم اعتمادا كليا يصل إلى حد تحويل هذه الأقوال إلى نصوص لا يمكن مناقشتها أو محاولة الاجتهاد وإعادة النظر فيها، بل أكثر من ذلك فإن الخطاب الدينى الأصولى يستبعد الأعمال العقلية المستنيرة فى التراث ولا يأخذ بها، وذلك تمشياً مع أيديولوجيته أو مذهبه الرجعى، وبالتالى لا يولى أى أهمية لمذاهب المعتزلة والفلاسفة المسلمين القدماء بل ويرفضها – على الرغم من أنه يحتج أحياناً بل ويتفاخر بهذا الجانب من التراث، إلا أن هذا يحدث عند المقارنة بين حضارة المسلمين وأحوال أوروبا فى القرون الوسطى – واستعارة أوروبا لمنهج التفكير العقلى عند المسلمين فى مجال العلوم الطبيعية، وهذا التفاخر هو مجرد سبب أو مبرر يعتمده الخطاب الدينى الأصولى كى يسمح للمسلمين بالانتفاع بالثمرات المادية للتقدم العلمى الأوروبى والاستفادة بنتائج الثورة الصناعية هناك، بحجة أن المسلمين والفكر التجريبى الإسلامى لأسلافنا هو النواة التى أقام عليها الأوروبيون نهضتهم الصناعية وتقدمهم العلمى دون أن يتعدى ذلك بالطبع للدعوة للاستفادة من الثمرات الأخرى للتقدم الأوروبى وعلى الأخص فى المجال السياسى والثقافى، باعتبار أن هذه المنتجات تدخل ضمن السياسة العلمانية الكافرة التى انحرفت إليها الأفكار الأوروبية كنتيجة للحرب ضد الكنيسة.

وفى هذا يقول الشيخ سيد قطب أحد أهم رموز الاتجاه الأصولى أن الجيل القرآنى الفريد – جيل الصحابة قد تميز بأنه استقى معرفته وثقافته من القرآن وحده (ثم ما الذى حدث؟ اختلطت الينابيع وصبت فى النبع الذى استقت منه الأجيال التالية فلسفة الإغريق ومنطقهم وأساطير الفرس وتصوراتهم وإسرائيليات اليهود ولاهوت النصارى وغير ذلك من رواسب الحضارات والثقافات، واختلط هذا كله بتفسير القرآن الكريم وعلم الكلام، كما اختلط بالفقه والأصول أيضا، وتخرج من ذلك النبع المشوب سائر الأجيال بعد ذلك الجيل، فلم يتكرر ذلك الجيل)(4).

ومعنى ذلك أن الخطاب الدينى الأصولى يتعمد تقديس ما يراه متناسبا مع وجهة نظره أو متمشيا مع مذهبه من الاتجاهات السلفية المتأخرة، وإغفال أو عدم الاعتداد بالاتجاهات السلفية أو التراثية التى يكون للعقل دور فيها.

وهكذا نجد أن الخطاب الدينى الأصولى يسلك المنهج الانتقائى النفعى حال مناقشته لمعظم القضايا، وعلى سبيل المثال عند مناقشة واجب الجهاد يقوم على التسليم باجتهاد ابن القيم دون السماح بأى مجال للمناقشة، بل ويصر على اعتبار هذا الاجتهاد هو الإسلام ذاته خاصة إذا ما تعلق الأمر بموقف المسلمين من غيرهم، رغم تطرف هذا الرأى، باعتبار أن ذلك هو مايتفق مع طبيعة هذا الدين وأهدافه، لا كما يفهم المهزومون أمام الواقع العاجز وأمام هجوم المستشرقين الماكر(5).

وفى ذات الاتجاه نجد أن الخطاب الدينى الأصولى أو السلفى فى إطار هذا المسلك يقوم بالفصل بين العبادات والمعاملات، ويخرجون الأولى من مجال المصالح والمقاصد، وهو المسلك الذى قال به المحققون من أهل السلف، وفى هذا يقول الشيخ يوسف القرضاوى (وأنا مع المحققين من علماء المسلمين فى أن الأصل فى العبادات هو التعبد بها دون النظر إلى ما فيها من مصالح أو مقاصد، بخلاف ما يتعلق بالعادات والمعاملات، فلا يجوز أن يقال إن إنفاق المال على فقراء المسلمين أو على المشاريع الإسلامية النافعة أهم من فريضة الحج الأول، أو أن يقال إن التصدق بثمن هدى التمتع والقرآن فى الحج أولى من ذبح النسك الذى تعظم به شعائر الله، ولا يجوز أن يقال إن الضرائب الحديثة تغنى عن الزكاة ثالثة دعائم الإسلام)(6).

وواضح مدى جنوح هذا الرأى وتمسكه بالشكليات لأبعد مدى بالمخالفة لمقاصد الشريعة وأصولها الكلية، ذلك أنه لافرق بين العبادات والمعاملات عند كثير من علماء أصول الفقه فيما يتعلق باتجاهها إلى تحقيق النفع والصالح العام للناس باعتبار أن الإنسان والمجتمع الإسلامى هو الهدف والغاية فيما جاء به الدين، سواء من معاملات أو عبادات.

ولعل السبب فى هذا الفهم الذى يقول به الخطاب الأصولى يرجع لتمسكه الحرفى باجتهادات أهل السلف ووضعها فى مرتبة النصوص الدينية التى لا يجوز مناقشتها أو المجادلة فيها أو قبول أى اجتهاد يخالفها، وقد أدى ذلك لكثير من المفارقات الغريبة ذات الأثر السيئ على الدين – منها مثلا عدم جواز تطبيق حد السرقة على من يقوم بسرقة الأموال المملوكة للدولة لأن السارق له نصيب فيها، وطبقا لمفهوم السرقة وشروطها لدى الاتجاه الأصولى ألا يكون للسارق نصيب فى المال المسروق، وبالتالى فكل من يسرق أموالا عامة يفلت من العقوبة الحدية بحجة أن المال المسروق ليس خالصا للغير.

ويتفرع عن مسألة الاعتماد على التراث أو أعمال السلف، ويترتب عليها فى ذات الوقت، الاعتقاد بوجود تطابق بين مشكلات الماضى ومشكلات الحاضر والاعتقاد بإمكانية تطبيق ذات الحلول التى طبقت فى الماضى على مشكلات الحاضر، أو بمعنى آخر توظيف سلطة التراث والسلف ونصوصهم باعتبارها تحتل ذات القداسة الخاصة بالنصوص الأصلية الأولية فى حل مشكلات الجيل الحالى – وهو ما يعنى إهمال العامل أو البعد التاريخى فى الخطاب الدينى الأصولى، أو بمعنى آخر تعمد فهم النصوص الدينية اليوم بذات المفهوم الذى كان سائدا فى زمن نزولها، دون أى نظر لاختلاف الظروف أو الزمن. وهو فى ذلك يغفل أمرا جوهريا، هو أن النصوص الدينية تخاطب أساسا واقعا تاريخيا معينا كان السبب فى صدورها، ومن الطبيعى أن هذا الواقع التاريخى تتحدد من خلاله وعبر ظروفه دلالة تلك النصوص، ومن الطبيعى أن تلك الدلالة تكون قابلة لأن تتسع أوتضيق مع اختلاف تلك الظروف، وهو ما يعد مرونة فى التفسير، أو تحديد الدلالة بشرط مراعاة عدم التعارض مع الدلالة الأولى – وهذه المرونة التى نقول بها يحتمها أن الإسلام صالح لكل العصور والأزمنة، وليس محددا بزمن معين.

إلا أن الشيخ سيد قطب يرى غير ذلك، حيث قرر بضرورة انفصال المجتمع الإسلامى عن الواقع الذى يعيش فيه، كما انفصل عن الواقع الجاهلى الذى تربى فيه وشب عليه قبل الإسلام، إذ يقول ( لقد كان الرجل حين يدخل فى الإسلام يخلع على عتبته كل ماضيه فى الجاهلية، كان يشعر فى اللحظة التى يجىء فيها الإسلام أنه يبدأ عهدا جديدا منفصلا كل الانفصال عن حياته التى عاشها فى الجاهلية، كانت هناك عزلة كاملة فى صِلاته بالمجتمع الجاهلى من حوله وروابطه الاجتماعية، فهو قد انفصل نهائيا عن بيئته الجاهلية واتصل نهائيا ببيئته الإسلامية، حتى ولو كان يأخذ من بعض المشركين ويعطى فى عالم التجارة والتعامل اليومى، فالعزلة الشعورية شىء والتعامل شىء آخر... ليست مهمتنا أن نتصالح مع واقع هذا المجتمع الجاهلى ولا أن ندين له بالولاء، فهو بهذه الصفة - صفة الجاهلية - غير قابل لأن نتصالح معه، إن مهمتنا أن نغير من أنفسنا أولا لنغير هذا المجتمع أخيرا، إن أولى الخطوات فى طريقنا أن نستعلى على هذا المجتمع الجاهلى وقيمه وتصوراته وألا نعتزل نحن عن قيمنا وتصوراتنا قليلا أو كثيرا لنلتقى معه فى منتصف الطريق، كلا إننا وإياه على مفرق الطريق، وحين نسايره خطوة واحدة فإننا نفقد المنهج كله ونفقد الطريق... فنظرة الإسلام واضحة فى أن الحق لا يتعدد وأن ما عدا هذا فهو الضلال وهما غير قابلين للتلبس والامتزاج، وإنه إما حكم الله وإما حكم الجاهلية، لم يجئ الإسلام إذن ليربت على شهوات الناس الممثلة فى تصوراتهم وأنظمتهم وأوضاعهم وعاداتهم وتقاليدهم سواء منهم ما عاصر الإسلام، أو ما تخوض البشرية فيه الآن فى الشرق أو الغرب سواء، إنما جاء ليلغى هذا كله وينسخه نسخا ويقيم الحياة البشرية على أسسه (7).

وواضح أن هذا الرأى يتجاهل حقيقة أساسية وواضحة، هى أن حركة الإسلام منذ نشأته تؤكد على وجوب مراعاة الظروف الواقعية من خلال مراعاته التدرج فى الإصلاح والتغيير بل والتحريم أيضا، والأمثلة على ذلك واضحة فى تحريم الخمر وعلاقة الرجل بالمرأة وغيرهما، ولا يمكن لأحد أن يتجاهل الفروق الجوهرية بين أحوال وظروف المسلمين فى عصر الوحى ومثيلتها الحالية – كما أنه لا يمكن تصور إمكانية تخلى أى مسلم عن واقعه أو انفصاله عن ظروفه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها، خاصة وأن الإسلام دين يسر – وأن الرسول (صلى الله عليه وسلم) لم يُخَيَّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن حراما. إلا أن الخطاب الأصولى يتجاهل كل هذه الحقائق، ويطلب من مسلمى القرن الواحد والعشرين، حيث ثورة الاتصالات والإنترنت والعولمة، أن يعيشوا حياة المسلمين الأوائل فى مكة ويثرب إبان عصور الإسلام الأولى – لكن كيف ولماذا؟ هذا هو السؤال الذى لا يوجد له إجابة.

Page 5

ثانياً: عدم التفرقة بين الفكر البشرى والدين

يوحد الخطاب الدينى الأصولى بين النصوص الدينية المتمثلة فى القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وبين فهمه أو قراءته لهذه النصوص، وهو ما يترتب عليه إلغاء المسافة المعرفية بين الذات والموضوع – بل أكثر من ذلك يدعى هذا الخطاب بقدرته على الوصول للقصد الإلهى الكامن فى هذه النصوص، متجاوزاً بذلك كل العوائق والشروط المعرفية، وهو ما يعنى فى ذات الاتجاه ادعاءه القدرة على الحديث باسم الله – وهو ما يعنى سلوك ذات الاتجاه الذى سلكه رجال الكنيسة فى القرون الوسطى.

ويتناسى هذا الاتجاه أنه منذ فجر الإسلام كان يسود اعتقاد مؤكد لدى الجيل الأول من المسلمين قوامه التفرقة بين النصوص الدينية والخبرة الإنسانية وحصاد العقل، وأن لكل منها مجاله وفعاليته، آية ذلك أن كثيراً من المسلمين فى عصر النبوة كانوا دائما ما يسألون النبى عما إذا كانت أفعاله أو تصرفاته محكومة بالوحى أم بالعقل والخبرة، وقد أرسى الرسول مبدأً هاما فى قوله (أَنتم أعلم بشئون دنياكم).

إلا أن الخطاب الأصولى يصر على مسلكه ويصف فكره وفهمه أو تفسيره للإسلام على أنه الإسلام كما يجب أن يكون، وكأن ما يقول به يصدر عن مفترضات لا تقبل الجدل أو المناقشة، وهو ما يعنى الاقتناع بامتلاك الحقيقة دون غيره فى هذا الخطاب.

ويترتب على تلك المسألة أن يكون المعنى الوحيد أو الاتجاه الأوحد للإسلام هو ذلك الذى يقول به أنصار الأصولية دون غيرهم، وأن هذا المعنى يظل ثابتاً لا يتغير مع تغير المجتمعات أو الأزمنة أو الظروف الاجتماعية، وأنه لا يوجد ثمة مجال لتطوير أو تحديث للخطاب أو الفكر الإسلامى، وهو ما يعنى الحكم بالجمود على الإسلام بعد صبه فى قوالب ثابتة لا يجوز النظر فيها أو الاجتهاد معها سواء تعلق ذلك بالقواعد الكلية أو التفاصيل الجزئية، وسواء ارتبط ذلك بالعبادات أو المعاملات.

فالإسلام فى نظر ممثلى هذا الاتجاه هو مسلك واحد ونظرة واحدة بل وفكر واحد هو فكرهم بالطبع، فليس هناك إسلام سياسى وآخر اجتماعى، أو إسلام تقدمى وآخر رجعى، أو إسلام متطرف وآخر معتدل، أو إسلام ثورى وآخر استسلامى، أو إسلام لسلاطين وآخر للجماهير، إنما هو كتاب واحد أنزله الله على رسوله فقام بتبليغه للناس... ولو فتحت أى صفحة من صفحات التاريخ الإسلامى ستجدها مكتوبة بفصيح اللسان وصريح العبارة(8).

وهذا القول قول حق قصد به باطل، لأنه يعنى تكفير كافة الاتجاهات الأخرى فى الإسلام رغم تعددها على مدى التاريخ الإسلامى، تلك الاتجاهات أو الفرق التى نشأت استنادا لأسباب سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، واعتنقت مذاهب متباينة أحيانا، وإن كانت تصب جميعا فى نهر الإسلام، وهذه المذاهب حددت مسارها من خلال الاجتهاد أو تأويل ذات النصوص التى يستند إليها الأصوليون عبر حركة وتطور التاريخ الإسلامى.

وواضح أن الأمر محل الاعتبار لدى هذا الاتجاه الأصولى هو بالدرجة الأولى ذو طابع طائفى أو شخصى – إذ الإسلام من وجهة نظره هو ما يقوله علماء هذا الاتجاه وأتباعهم دون غيرهم، الإسلام الحقيقى هو الذى يفصح عنه هؤلاء العلماء، لأنهم دون غيرهم القادرون على فهم الإسلام الصحيح ولا يجوز لسلطة التفسير والتأويل أن تتجاوز أو تتعدى دائرتهم – أما غيرهم ممن يدعى على كتاب الله وسنة رسوله، ويطعن فى علماء الأمة فغير أمناء على مبادئ وتعاليم الدين، ومن يأخذ عن علماء المذاهب الأخرى فإنه يهمل دلائل القرآن والحديث، ومن ثم يهمل الدين ومصادر التشريع ويتذرع هذا الاتجاه بحجة واهية مفادها أن دراسة الشريعة بغير معلم لا تسلم من أخطار ولا تنجو من الآفات، وأن هذا هو ما جعل علماء التراث يحذرون من تلقى العلم عن هذا النوع من المتعلمين، فالقرآن لا يؤخذ من مصحفى والعلم لا يؤخذ من صحفى(9).

ويلاحظ مدى قصور هذا الرأى وتطرفه، ذلك أنه ينتهى فى الواقع العملى للتسليم بضرورة وجود سلطة مقدسة فى الإسلام يجب الرجوع إليها وحدها فى كافة مسائل الدين والدنيا، وهو ما يعنى العودة بالإسلام إلى كهنوت العصور الوسطى وتحكم الكنيسة وصكوك الغفران، والتى تسببت فى إفساد الزرع والحرث فى أوروبا آنذاك.

ويتفرع عن مبدأ الخلط بين الفكر والدين محاولة احتكار الفكر أو الخطاب الدينى من قبل أنصار الاتجاه الأصولى باعتبار أنهم الذين يملكون الحقيقة المطلقة، وهو ما يترتب عليه محاولة تكفير خصومهم أو على الأقل تجهيلهم – نظرا لعدم اتساع صدر أصحاب هذا الاتجاه لأى خلاف أو حتى نقاش خاصة فى المسائل الجوهرية – فما يقوله هؤلاء هو عين الحقيقة باعتباره صادرا من أهل الحل والعقد أو أهل العلم بالدين، وما عداه فهو لغط وافتراء على الدين وتجرؤ على الشريعة يصدر إما عن مأجور أو حاقد أو جاهل أو على الأقل ليس أهلا للفتوى، ولا حجة فى أى قول أو فتوى تصدر عن أى جهة غيرهم باعتبارهم جهة الاختصاص الوحيدة وكأنهم المنوط بهم الحديث باسم الله ورسوله.

ومن هذا المنطلق يعمد هذا الاتجاه إلى إطلاق الشعارات البراقة الواحد تلو الآخر بدءا من شعار (الإسلام هو الحل) فى تفسيره أو تحليله أو معالجته لكافة مشكلات المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، دون أن يحدد بوضوح كيفية استخدام هذا الشعار فى حل تلك المشكلات، أو محاولة حلها بأساليب علمية وهو ما يعنى عجز هذا الخطاب الدينى عن اقتراح الحلول الواقعية لمشكلات المجتمع، نتيجة للعجز عن فهم وإدراك الواقع، وكلما تعرض للنقد استبدل بشعار آخر مثل (الإسلام أمل الأمة – القدس فى القلب – الحجاب فريضة كالصلاة...إلخ). وبديهى أن أى معارضة لهذه الشعارات لابد أن توصف بالكفر أو الإلحاد أو العلمانية، ويستمر العجز عن حل مشكلات المجتمع أو التستر عليها، وفى نفس الوقت يستمر اليهود فى إحكام قبضتهم على القدس وهلم جرا.

وكلما زادت مشكلاتنا واستفحلت تظهر المبررات لدى الخطاب الأصولى مثل نظرية المؤامرة، وهى الشماعة التى نعلق عليها كل أخطائنا، وذلك بتحميل الآخر خاصة الغربى المسيحى كل المسئولية عن تخلفنا، بل وكافة ما نعانيه من مشاكل وصولا لوصف هذا الآخر بالشيطان أو العدو الكافر، وفى ذلك يقول الشيخ سيد قطب فى كتابه (معالم فى الطريق) صفحة 126 وما بعدها: إن الاتجاهات الثقافية والمنجزات الفكرية فى الحضارة الغربية متأثرة بطريق مباشر بتصورات جاهلية، وأن معظمها يتضمن فى أصوله عداءً ظاهرا أو خفيا للدين خاصة الدين الإسلامى، بل وتعد إحدى مصايد اليهودية العالمية، وأنه لا يجوز للمسلم أن يتلقى مبادئ نظام حكمه أو مذهب مجتمعه أو تفسير نشاطه أو موجبات فنه وأدبه من غير مسلم يثق فى دينه وتقواه، لأن كل ذلك يدخل فى مجال العقيدة التى يجب أن تؤخذ عن الله الذى لا يقبل منهجا مع منهجه.

Page 6

ثالثا: إهدار دور العقل أو العلم فى الحياة

من أهم المبادئ التى يقوم عليها الخطاب الأصولى أن الخطاب الدينى الذى يحتكره العلماء، وليس العقيدة، هو الذى يجب الرجوع إليه فى تفسير كافة الظواهر الاجتماعية بل والطبيعية أيضا دون أى اعتبار للقوانين الطبيعية أو الاجتماعية، وهو ما يعنى نفى أى أثر أو دور للعقل، ومصادرة أى معرفة ليس لها أصل فى سلطة العلماء أو خطابهم الدينى فى هذا المجال، وهو فى هذا يستند لذات موقف طائفة الأشعرية القديم، الذى يؤمن إيمانا مطلقا بالجبرية الشاملة بما فيها السياسية والاجتماعية، وفى المقابل إنكار أى مجال لإعمال قوانين السببية حتى فى تفسير الظواهر الطبيعية.

وبصرف النظر عن التعرض لمسألة الجبر والاختيار – والتى لا يتسع لها البحث - فإن التسليم بوجهة النظر هذه تؤدى حتما لطمس عقل الإنسان المسلم ومن ثم سيادة التواكل بين المسلمين وعدم الجرأة على التعرض للبحث العلمى لظواهر الكون، ومن ثم افتقار العالم الإسلامى لأى معرفة علمية بالطبيعة والعالم على الرغم من الأهمية البالغة لتلك المعرفة، والتى تعد الأساس الذى قامت عليه الثورة الصناعية والنهضة الغربية المعاصرة، وهو ما يؤدى وأدى بالفعل إلى حالة التخلف والتراجع الشديد التى يعيشها عالمنا الإسلامى حاليا، على الرغم من أن الإسلام هو دين العلم والعقل الذى يدعو للقراءة والتأمل والتفكر منذ أول آية فى القرآن الكريم، وعلى الرغم من أن الخطاب الأصولى يتعمد فى كل مناسبة التأكيد على هذه الحقيقة، وأنه لا يعادى العلم أو المعرفة، وهو ما يوقع هذا الخطاب فى تناقضات تؤدى للتشويش على العقل المسلم.

وتجدر الإشارة هنا – حتى لا يساء الظن بنوايا الباحث - إلى أننا نؤمن بأن الله عز وجل هو خالق كل شىء وأنه إليه يرجع كل أمر، إلا أن ذلك لا يمنع من وجوب الأخذ بالأسباب، ومن أهمها توظيف العلم واحترام الإنتاج العقلى فى تفسيرهما للظواهر الطبيعية والاجتماعية والإنسانية المختلفة. إن الإيمان بالآية الكريمة (وفى السماء رزقكم وما توعدون) مثلاً يعنى أن الله هو الرزاق وأنه سبحانه هو الذى يمنح هذا ويمنع عن ذاك، إلا أن ذلك لا يعنى أن يعتقد المسلم أن الله قد تكفل برزقه سواء سعى أو عمل من أجل هذا الرزق أم لا، لأن معنى ذلك أن تلك الآية تمثل دعوة للكسل واللامبالاة – وإنما عليه أن يؤمن بأن إرادة الله ومشيئته لا تنفى وجود عوامل أخرى لجلب الرزق كالعمل والسعى للحصول عليه باعتبارها أسبابا يجب الأخذ بها طبقاً لقانون السببية، ودون أن ينفى ذلك أن الله هو الفاعل من وراء كل الأسباب.

وسوف نعود إلى ذلك بالتفصيل فى الفصل الثالث من هذا البحث.

ولكن ما يعنينا فى هذا الموضع الإشارة إلى أن الخطاب الدينى الأصولى يتعمد الهجوم على معظم اجتهادات وإبداعات العقل الإنسانى فى تفسيره لظواهر الكون، لا لشىء سوى كونها نتاج العقل الغربى الكافر أو العلمانى أو المناهض للدين أو الملحد أو الماركسى أو... إلخ.

فهذا الشيخ سيد قطب يقرر أن الفلسفة الوضعية جاءت لتتخذ من المادة إلها – لأنها التى تنشئ العقل وتطبع فى حس الإنسان ما تراه، وبذلك تضاءل دور العقل ومعه الإنسان وأصبح هذا الإنسان من عبيد هذا الإله، أما داروين فقد جاء ليعلن حيوانية الإنسان، وبعد ذلك كانت الضربة القاضية على يد فرويد من جانب، وماركس من جانب آخر، الأول يرد دوافع الإنسان للميول الجنسية ويصفه بالغرق فى الجنس، أما الثانى فيرد تطورات أو ظواهر التاريخ كافة للاقتصاد، ويصور الإنسان بوصفه مخلوقا ضعيفا وهشا من عبيد إله الاقتصاد(10).

هذا على الرغم من أن المتأمل فى التاريخ الاسلامى – كما سبق أن أشرنا – يجد أن المسلمين الأوائل كانوا يفرقون بين المجالات التى تعمل فيها النصوص وتلك التى يرجع الأمر فيها للعقل ورأى العلماء أو أهل الخبرة، واستمر هذا التصور قائما ومعمولا به حتى أثناء تفاقم الخلافات بين الأمويين والخوارج, بل يمكن القول إن فترات الازدهار والثراء والقوة التى مرت بالعالم الإسلامى هى ذاتها الفترات التى تم إعلاء قيمة العقل وتقدير منزلة العلماء خلالها، وأخيرا يمكن القول بأن دعوة الإسلام كانت فى جوهرها دعوة لإعمال العقل فى نطاق الفكر وإعمال العدل فى مجال السلوك الاجتماعى، ليحلا محل الجهل والظلم اللذين كانا سائدين فى مجتمع الجاهلية الذى نزل الوحى فيه، ولقد أكد الخطاب الديني دوما في تاريخ الثقافة الإسلامية، منذ فترة نزول الوحي، على نفى أى تعارض فيما بين العقل والوحى، وأن النقل إنما يثبت من خلال العقل، فالعقل هو الأساس فى تقبل الوحى وتفسيره لإعماله فى الواقع.

Page 7

رابعاً: توظيف مبدأ الحاكمية توظيفا نفعيا

الواقع أن هذا المبدأ يعد نتاجا للمبدأ السابق فى الخطاب الأصولى، وهو إهدار دور العقل والعلم فى الحياة.

ذلك أن الحاكمية تعنى الاحتكام إلى النصوص الدينية، أو بالمفهوم الأصولى تحكيم كتاب الله وسنة الرسول، وهو ما يؤدى بالضرورة لدى أتباع هذا المنهج إلى إلغاء العقل لحساب النص، ورفض الخلاف والتعددية أو بالأحرى محاولة نفى الإنسان وتغريبه فى الواقع، نتيجة للفصل الكامل بين الإلهى والإنسانى، هذا فى الوقت الذى يتم فيه تجاهل حقيقة ثابتة وهى أن الوحى الإلهى هو فى ذاته تنزيل أى خطاب أو حلقة وصل بين الله والإنسان – وكونه تنزيلا فإن ذلك يعنى أنه يتم من خلال لغة الإنسان – وهو ما يعنى أن الجهد العقلى للإنسان لازم وضرورى حتى يمكن فهم هذه النصوص الإلهية وإعمالها فى الواقع من خلال التفسير أو التأويل.

فالحاكمية بمفهوم الأصوليين إذن هى حق الحاكمية المطلقة التى ينشأ عنها حق التشريع للعباد، ووضع المناهج والقيم التى تقوم عليها حياتهم، وكل من ادعى لنفسه حق وضع مثل هذه المناهج أو القيم اللازمة لأى جماعة من الناس فقد ادعى حق الألوهية عليهم، وكل من وافقه على هذا الادعاء فقد اتخذ منه إلها من دون الله(11).

ولا قيام لمنهج إسلامى إلا بالإقرار بالألوهية لله وحده من خلال الحاكمية

- وبما يعنى أن هذا المنهج هو وحده القادر على تنظيم كل تفصيلات الحياة الواقعية اليومية للناس – وأن إعلان ربوبية الله وحده للعالمين معناها الثورة أو محاربة حاكمية البشر فى كل أنظمتها وأوضاعها وأشكالها والتمرد على أى وضع فى شتى بقاع الأرض يكون الحكم فيه للبشر بأى صورة، لأن ذلك يعنى أن الألوهية فى هذا الوضع تكون للبشر، باعتبار أن الحكم الذى يكون المرجع فيه للبشر أو اعتبار البشرية فيه مصدر السلطات يكون ذلك تأليها للبشر، يجعل بعضهم أربابا لبعض من دون الله. إن معنى شهادة أن لا إله إلا الله هو أنه لا حاكمية إلا لله ولا شريعة إلا من الله ولا سلطان لأحد على البشر إلا الله(12).

وتعود فكرة الحاكمية فى الأصل إلى حادثة رفع المصاحف على أسنة السيوف، والدعوة إلى تحكيم كتاب الله التى أطلقها الأمويون فى موقعة صفين – ولم تكن هذه الدعوة سوى مجرد حيلة أو خدعة لاختراق صفوف الخصوم وإثارة الخلافات بينهم وذلك بنقل الصراع بين الطرفين من المجال السياسى إلى المجال الدينى – وهو ما فطن له الإمام على بن أبى طالب كرم الله وجهه، حيث قال لجنوده (امضوا على حقكم وصدقكم فى قتال عدوكم، فإن معاوية وعمرا بن العاص ليسا بأصحاب دين ولا قرآن، وأنا أعرف بهما منكم – قد صحبتهما أطفالا وصحبتهما رجالا، فكانا أشر أطفال وأشر الرجال – ويحكم، إنهم ما رفعوها لكم إلا خديعة ودهنا ومكيدة.... إن القرآن خط مسطور بين دفتين لا ينطق، إنما يتكلم به رجال(13).

وهكذا نرى أن محاولة إقحام الدين فى السياسة واستغلاله لتحقيق نزوات ومآرب شخصية، أى تسخير الدين تسخيرا نفعيا فى سبيل الصراع على السلطة، كانت هى اللبنة الأولى فى بناء مبدأ الحاكمية الذى يروج له الأصوليون، فى محاولة لإلغاء العقل لحساب النص – رغم أن النصوص لا تفصح بذاتها عن معناها أو دلالتها إنما يتعين أن ينطق بها الرجال كما قال الإمام على بن أبى طالب – إلا أن الخطاب الأصولى يروج فكرة الحاكمية، وصولا لاستئثار رجاله بسلطة تفسير النصوص وبيان دلالتها الدينية، باعتبارهم وحدهم القادرين على القيام بتلك المهمة بعيدا عن الأهواء والتحيزات وصولا إلى التمكين لحاكمية رجال الدين، وهو ما يعود بنا لسلطان الكهنوت الذى يحكم أوروبا فى العصور الوسطى باسم الله، من خلال رجال الدين المسيحى، وهى السلطة التى قامت النهضة الأوروبية الحديثة على أنقاضها من خلال تحرير العقل من سلطة الاحتكام إلى النصوص التى تحتكر الكنيسة تأويلها أو تفسيرها – على عكس ما حدث فى الثقافة العربية الإسلامية قديما حيث تم تدريجيا القضاء على الاعتزال بعد عصر المأمون – وحصار العقل الفلسفى فى دوائر ضيقة، إلى أن جاء أبو حامد الغزالى ووجه للعقل ضربة قاضية، وهو ما أدى لبداية عصر الانهيار السياسى والاجتماعى وتحكم العسكر فى أمور الدولة، وهو العصر الذى انتهى بالقضاء على الشكل الرمزى للدولة الإسلامية بسقوط بغداد، بل وانتهى الأمر، حتى بعد موت الغزالى بحوالى مائة سنة، باستعداء السلاطين من قبل رجال الدين على كل من يعمل بالفلسفة باعتبارها رأس الفساد والانحلال والضلال ومثار الزيغ والزندقة، وأن من تفلسف عميت عينه عن محاسن الشريعة المؤيدة بالبراهين والحجج الظاهرة، ومن تلبس بها تعليماً أو تعلماً جانبه الصواب ولازمه الخذلان والحرمان وسيطر عليه الشيطان، وبالتالى وجب على السلطان دفع شر هؤلاء عن المسلمين بل وإخراجهم من المدارس وإبعادهم لاتقاء شرهم والعقاب على الاشتغال بفكرهم حتى تخمد نارهم وتمحى آثارهم (14).

وهكذا نرى أن الخطاب الدينى السلفى ينتهى إلى التعارض مع مبادئ العقل اعتقاداً منه أنه يؤسس النقل رغم أنه ينفيه فى الواقع بنفى أساسه المعرفى – رغم أن العودة للإسلام تتم من خلال إعادة تأسيس العقل فى الفكر والثقافة، إن العقل هو الأساس فى تقبل الوحى.

ولقد ظل الخطاب الدينى بتياراته واتجاهاته المختلفة حريصاً على نفى أى تعارض بين الوحى والعقل يمكن أن ينشأ – بحكم حركة الواقع وثبات النصوص، واتفق الجميع تقريباً على أن النقل يثبت بالعقل وليس العكس – ولكن الخلاف كان فيما إذا كان العقل ينتهى دوره بعد أن قام بواجبه فى إثبات النقل، أم يستمر فى ممارسة هذا الدور من خلال فهم النصوص وتأويلها، وكان هذا الخلاف نظرياً حيث استمر الخطاب الدينى فى التأكيد على إثبات (موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول)، وهو العنوان الذى اتخذه الفقيه الكبير ابن تيمية لواحد من أهم كتبه رغم أنه من الفقهاء الأصوليين المحافظين.

ولقد أسهم كثيراً من علماء الفقه وأصول الدين فى صياغة مجموعة من المبادئ الهامة كالقياس ومراعاة المقاصد والمصالح المرسلة فى نطاق فعالية العقل الإنسانى فى تفسير أو فهم النصوص وتأويلها، وظلت الثقافة العربية والإسلامية حية وغنية من خلال توجهها القائم على التعددية وإعطاء مساحة لحرية الفكر، وإن كان ذلك لم يستمر طويلا، حيث بدأ يسود الخطاب الأصولى بما يكرسه من مفهوم للحاكمية يؤدى إلى تحكم سلطوى من نوع خاص، بما يؤدى إليه من نفى أى تحرير جاء به الإسلام للعقل البشرى من سلطة الأساطير والأوهام التى كانت سائدة قبل ظهوره، بل ورفض التراث الفلسفى العقلى فى الثقافة الإسلامية، تلك التى وضع أسسها فلاسفة مسلمون أمثال ابن سيناء وابن رشد بحجة أن فلسفتهم هى مجرد ظلال للفلسفة الإغريقية ولا علاقة لها بالإسلام(15).

ويترتب على طرح مفهوم الحاكمية – فضلا عما سبق فى المجال السياسى وأنظمة الحكم - عدم الاعتراف بالنظام الديمقراطى، ومن ثم تعدد الأحزاب، فليس هناك تصور لوجود أى حزب سوى حزب واحد هو حزب الله، وهو ما يؤدى لتكريس أشد الأنظمة السياسية والجتماعية رجعية، بل إنه ينقلب على دعاته عندما يستغله بعض الحكام الانتهازيين من خلال تكريس الأنظمة الديكتاتورية كما هو سائد فى العالم العربى على وجه الخصوص – حيث أصبحت الأوطان بمن عليها ملكا للحكام – وأى خلاف فى الرأى معه يعد خيانة للوطن، وأى محاولة لمعارضته جريمة تهدد أمن الدولة، بل إن الأمر تعدى ذلك إلى محاولة تأليه الحاكم كما حدث مع الرئيس المصرى الراحل أنور السادات.

إن الإيمان بالله تعالى يقوم على التسليم بالحاكمية فى مجال العقيدة، أى على المستوى القلبى والشعورى الذى لا مجال فيه للاجتهاد أو التأويل أو تدخل العقل البشرى، لأنها محض علاقة شخصية بين العبد وربه، أما فى مجال التشريعات الخاصة بأمور الدنيا فإن أمر استنباطها يحتاج هنا للتأويل والاجتهاد، فهى مسائل تحتمل الخلاف بحسب اختلاف المصالح والعادات والظروف، فإذا ما أصر الخطاب الدينى لمد الحاكمية لهذا النطاق أيضا فإن ذلك سيقود حتما إلى العبودية لأحكام بعض البشر، وهم رجال الدين الذين يحتكرون لأنفسهم حق الفهم والتفسير والتأويل، ومن ثَمَّ فإن الخطاب الدينى سيجد نفسه فى إطار محاولته القضاء على تحكم البشر واستعبادهم لبعضهم البعض قد انتهى على المستوى التطبيقى إلى تحكم بشر من نوع آخر من خلال الخضوع لاجتهاداتهم، وهو ما يعنى ذات التقليد الذى نهى عنه الإسلام وحرمه، بل وصفه بعض الفقهاء بالشرك. والأمر الأكثر خطورة فى هذا المجال أن حاكمية البشر يمكن مقاومتها أو السعى لتغييرها من خلال وسائل النضال الإنسانية المختلفة، واستبدالها بأنظمة أكثر عدالة، أما مقاومة حاكمية الفقهاء فإنها توصف بالإلحاد والكفر والزندقة باعتباره تجديفا وهرطقة ضد الله، وبذلك يصبح مفهوم الحاكمية سلاحا يفقد الناس أى قدرة على تعديل أو تغيير واقعهم، لنقله الصراع من معركة بين البشر والبشر إلى معركة بين البشر والله(16).

Page 8

خامسا: تحريم الاجتهاد فيما ورد فيه نص

على الرغم من أن الخطاب الأصولى يؤمن بصلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان، وبالتالى إمكانية الاختلاف فى فهمها أو الاجتهاد بشأنها مع اختلاف العصور والأماكن، إلا أنه يعارض إلى حد التكفير أى اجتهاد مع وجود النص سواء تعلق ذلك الاجتهاد بنصوص الوحى أو الأحاديث النبوية، وسواء كانت هذه النصوص متعلقة بالعقائد أو المعاملات خاصة إذا كانت النصوص قطعية فى دلالتها وثبوتها، بل ويرى أن الأولوية تكون للنصوص على المصالح، إذ النظر فى المصلحة لا يكون إلا فى حالة عدم وجود نص باعتبار أن المصلحة التى يهدف إليها شرع الله هى التى لا تتنافى مع المستقر من أحكام الإسلام ومقاصده.

بل إن الشيخ سيد قطب مثلا فى تناوله لموضوع الاجتهاد، حتى فى الحالات التى لا يوجد فيها نص، يوجب اتباع قواعد محددة لا تخرج بالاجتهاد عن التقيد بمناسبات النزول أو النسخ، حتى يأتى الاجتهاد وفق أصوله المقررة وليس وفق الأهواء والرغبات، وأن مصلحة البشر قد تضمنها شرع الله كما أنزله الله وكما بينه رسوله صلى الله عليه وسلم(17)، وذلك على الرغم مما سبق أن أوضحناه من قول الإمام على بن أبى طالب أن (القرآن حَمَّال أوجه، وأنه خط مسطور بين دفتين لا يَنْطق، إنما يتكلم به الرجال)، وهو ما كان يسمح فى ذلك العصر بانطلاق ملكة الاجتهاد بين فقهاء الإسلام، مما سمح بتعدد المذاهب ومنح الثقافة الإسلامية طابعا حيويا متجددا فى فهم طبيعة النص، بدلا من الفهم الذى يجمد دلالة النصوص فى قوالب جامدة كما هو الحال فى منطق الخطاب الدينى الأصولى، وذلك على الرغم من أن القدماء لم يكن يشيرون للقرآن والحديث باسم النصوص، وإنما كانوا يستخدمون لفظ الكتاب والتنزيل والقرآن للدلالة على النص القرآنى، أما السنة النبوية فكانوا يطلقون عليها لفظ السنة أو الحديث أو الآثار، وعندما كانوا يستعملون لفظ النص فكانوا يقصدون به هذا الجزء الضئيل من الوحى الذى لا يحتمل أدنى قدر من تعدد أو اختلاف المعنى أو الدلالة بحكم بنائه اللغوى، أو بلغة الإمام الشافعى ما يكون مستغنَى فيه بالتنزيل عن التفسير، أما ما يحتاج إلى تفسير لعدم انطباق وصف الوضوح الدلالى عليه فليس نصًّا، وهو ما يحتم الاستنباط والاستدلال فى فهم ما ليس بنص، ومن ثَمَّ التفرقة بين النص والمحكم فى كتاب الله، ومن ثم فإن مفهوم النص فى التراث كان يقتصر على الآيات الواضحة التى لا تحتمل سوى معنى واحد، أما ما يحتمل أكثر من معنى فكان يطلق عليه ألفاظ (الظاهر – أو المهمل – أو المؤول) وذلك بحسب مدى إمكانية ترجيح معنى على أخر أو مساواته فى درجة الاحتمال(18).

وهذا المفهوم يغاير مفهمومنا المعاصر للنص الذى يدخل فيه كل آيات القرآن الكريم، وبالتالى فإن التمسك بمبدأ «لا اجتهاد مع النص» الذى يقول به الأصوليون يؤدى إلى تثبيت الواقع طبقا لما يقولون به وحدهم – أى توحيد الدلالات طبقا لما يناسبهم، وهو مايعنى إهدار أو عدم الاعتراف بتعدد المذاهب السائدة فى الفقه الإسلامى، وهو الأمر الذى يؤدى لخطر التناحر والصراع بين أتباع تلك المذاهب الذى ينذر بأخطار جسيمة. وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة لنصوص القرآن الكريم فإن المشكلة تبدو أكثر تعقيدا بالنسبة للسنة النبوية التى خضعت لآليات التناقل الشفاهى والتأخر فى تدوينها، وما ينتج عن ذلك من أسباب وملابسات أدت إلى الزيادة فى جسد الحديث إيجابا أو سلبا، مع اختلاف علماء الحديث فى المعايير التى يصححون الأحاديث بموجبها، مما يترتب عليه أن يكون الحديث صحيحا عند بعضهم وضعيفا عند البعض الآخر – أو عند هذا عاما وعند آخر خاصا - وقد يكون مطلقا عند فقيه ومقيدا لدى فقيه آخر، فضلا عن اختلاف هؤلاء الفقهاء فيما إذا كان الحديث محكما أو منسوخا، أو مدى دلالته على الوجوب أو الحرمة أم الاستحباب والكراهية وغيرها من تلك الاختلافات السائدة، لا بين أتباع المذاهب المختلفة فقط، وإنما بين بعض الفرق داخل ذات المذهب.

وأمام كل هذه الإشكاليات ضعف بل وتهاوى المبدأ الأصولى «لا اجتهاد مع النص»، بل ولا يكفى عند البعض تحديد مجال الاجتهاد فى نصوص الأحاديث دون القرآن، لأن من شأن ذلك العجز عن مسايرة الظروف الواقعية التى تواجه العالم الإسلامى اليوم، ومن ثم الارتداد به إلى الوراء دون تحقيق النهضة المرجوة مستقبلا التى توجب ضرورة إعمال المبادئ العقلية من المصالح المرسلة أو المقاصد الكلية من خلال اجتهاد حقيقى واعٍ بالمنعطف الذى تمر به الأمة الإسلامية والتحديات التى تحيط بها، لا مجرد ترجيح بين اجتهادات الفقهاء السابقين – الاجتهاد الذى لا يقف عند النطاق أو حدود المدى الذى وقفت عنده النصوص، لأن ذلك يدخل ضمن الجمود الذى جعل بعض الفقهاء يفتون بشرعية امتلاك ومعاشرة الجوارى باعتبارها فى حكم الزواج الشرعى، بحجة أن ذلك مما ورد بالنصوص، الاجتهاد الذى يفسح المجال لسلطة عقل الإنسان الذى أعلى الله عز وجل من شأنه، وأمره باستثمار تلك النعمة فيما ينفع الناس، باعتباره الوسيلة الأساسية لفهم العالم وظروفه وأنفسنا، ومن ثَمَّ فهم النصوص بوصفها مشروعات متجددة ومفتوحة وقابلة دوما للفحص والتأويل والاجتهاد والاكتشاف – باعتبار مثل هذا الاجتهاد هو السبيل الوحيد لإعمال حقيقة أن ديننا الإسلامى الحنيف هو دين صالح لكل زمان ومكان(19).

ولكن الخطاب الأصولى يعرف أن الاحتكام إلى سلطة العقل من خلال الاجتهاد، على النحو السالف، سوف يفقده كل سلطاته الدينية التى يحاول ترسيخها فى المجتمع والدفاع عنها بكل الوسائل، ولهذا يرفض الاجتهاد فى كل ما ورد بشأنه نص...

Page 9

تمهيد

الواقع أن فهم مضمون أو معنى كلمة العلمانية يستلزم الرجوع إلى جذورها والظروف أو المناخ الذى نشأت فيه، والعوامل التى عاصرت نشأتها، ومما يوجب هذا التأصيل أن تلك الكلمة تعد من المصطلحات التى كان لها أثر بالغ فى حياة المجتمعات الغربية، ولا تزال تؤثر فى مصير الشعوب العربية والإسلامية، وهو ما يوجب – حتى تحقق تلك الدراسة أهدافها – أن نعرض فى هذا الموضع لبحث المراحل التى مرت بها تلك الكلمة حتى اكتسبت مفهومها السائد الآن على الساحة الإسلامية.

وباستعراض تاريخ مصطلح العلمانية فى المناخ الغربى نجد أنها اتخذت مسميات متعددة أنتجت فى النهاية مفهوم العلمنة، بما تهدف إليه من الاتجاه صوب التغريب وفرض النمط الغربى بما يتأسس عليه الصراع بين الكنيسة الكاثوليكية ضد سلطة الدولة والتقدم العلمى، تلك الصراعات أو قل المعارك التى دارت رحاها فى الساحة المسيحية للمجتمعات الغربية بصفة عامة، وفى فرنسا بصفة خاصة، التى كان لاعتناقها المبدأ العلمانى مقابل أو ثمن باهظ، تمثل فى اضطلاعها بالدور الرئيسى فى تبنى مهام التبشير فى العالم، باعتبار أن الكاثوليكية الفرنسية هى المحرك الأساسى وصاحبة الدور الأكبر فى الصحوة التبشيرية.

وسوف نتناول فيما يلى الإشارة بإيجاز للمصطلحات التى اتخذتها التيارات العلمانية حتى تشكلت فى معناها السائد حاليا فى الفكر الأوروبى، وهى التنوير والليبرالية والعصرية والحداثة، ثم نتناول العلمانية بنوع من التفصيل فى الموضع الأخير من هذا الفصل على النحو التالى:

Page 10

1. التنوير

بدأت مرحلة التنوير فى أوروبا برفض فلاسفة عصر التنوير للسلطة التقليدية لرجال الدين والحلول اللاهوتية، واستبدالها بمراجعة المفاهيم الأساسية للإنسان وتنظيم المجتمع، من خلال ثمرات التقدم العلمى ورفض أى سلطة بخلاف سلطة العقل، وكان ذلك فى القرن السابع عشر عندما استند الفلاسفة لقاعدة اليقين التى أسسها ديكارت، فى الاعتماد على سلطة العقل فى إخضاع النصوص الدينية المسيحية، بما فيها من عقائد وأخلاق للتحليل العلمى النقدى.

وبظهور نظرية النسبية شرع هؤلاء الفلاسفة فى إعادة تقييم المبادئ والأفكار المسيحية السابقة حول العدل والحرية والملكية وانعكاسها على نسبية الأخلاق والقيم.

ووصل الأمر إلى نشأة علم نقد النصوص الإنجيلية داخل رجال الكنيسة أنفسهم، بهدف تحديد مدى صحة أو مصداقية تلك النصوص من خلال بحث عقلى مستقل عن أى أفكار كنيسية مسبقة، وكان هدف هؤلاء الفلاسفة معارضة الجو المظلم أو التعتيم الذى تفرضه الكنيسة من خلال المطالبة بالتسامح والعودة للطبيعة وتكريس مبدأ حرية العقيدة حتى ولو وصل الأمر للإلحاد، دون التعرض للاضطهاد أو الملاحقة من قبل الكنيسة – بل وصل الأمر إلى حد تبرئة الإنسان من تبعات الخطيئة الأولى التى فرضتها الكنيسة، ورفض ما تفرضه الكنيسة من إدانة للعواطف والمتعة أو السعادة الفردية كنوع من الحرمان أو التبتل، وهو الأمر الذى أدى برجال الدين المسيحى لاتهام هؤلاء الفلاسفة بالإلحاد والمادية بل والتآمر على المسيحية، وقد ظهر ذلك واضحا من خلال نصوص الخطاب الرسولى للبابا كليمون الثانى عشر (1652 – 1740 م) المعروف باسم (خلاص المسيحية)،وهو ذلك المرجع الذى يعبر عن الأصولية الكاثوليكية فى مواجهة دعاة التنوير، وكان حيازة أو الاطلاع على كتب فلاسفة التنوير مبررا للطرد من الكنيسة، وكان ذلك فى الواقع أحد الأسباب التى مهدت لقيام الثورة الفرنسية(20).

ذلك أن الثورة الفرنسية لم تكن تعارض الكنيسة أو الكرسى البابوى – فى بدايتها – وإنما اكتفت بنقد الكنيسية، إلا أن الأمور تطورت بإلغاء رجال الثورة للامتيازات الكنيسية فى أغسطس 1789 وما لحق ذلك من اعتقال الملك لويس السادس عشر فى أكتوبر من نفس العام ثم إعدامه 21/1/1793 والشروع فى تأميم ممتلكات رجال الكنيسة لحل الأزمة الاقتصادية فى البلاد وتحويلهم إلى موظفين تابعين للدولة ومنحهم مرتبات وخضوعهم للانتخابات المحلية، بل وإجبارهم على تأدية قسم الولاء للملك والدولة الفرنسية، وأن يستمدوا تعليماتهم من المجلس الثورى وليس من الكرسى البابوى فى روما، وهو ما أدى لقيام البابا بيوسى السادس بإعلان إدانته للدستور المدنى الجديد فى فرنسا واتهامه له بهدم الدين الكاثوليكى – مع إدانته للمبادئ التى أعلنتها الثورة خاصة تلك المتعلقة بإرساء الحريات المطلقة ومنها حرية التفكير فى المجالات الدينية، من خلال العقل البشرى غير المنضبط، وكان ذلك فى مارس 1791، ورفض البابا الاعتراف بالمؤسسات الدينية الفرنسية الجديدة باعتبارها انتهاكا للكرسى الرسولى ورفض استقبال ممثل الكنيسة الجديد التابع للثورة الفرنسية فى روما، بل وأعلن الانفصال رسميا فى مايو 1791، وقد قابل رجال الثورة ذلك الموقف بحرق دمية تمثل البابا، أو ما وصفوه بغول روما فى القصر الملكى.

وعلى أثر ذلك اندلعت الحرب الدينية فى فرنسا – وتم معاقبة واستبعاد رجال الكنيسة الذين رفضوا حلف اليمين بالولاء للوطن وليس لبابا روما – طبقا لما يقضى به الدستور الجديد الصادر فى 29 / 11/ 1791، وظهر أن الثورة الفرنسية باتت تمثل تهديدا لكافة الأنظمة الملكية الأوربية بعد أن امتدت ظلالها لكثير من الدول المجاورة. وفى الوقت الذى كان رجال الثورة يحاولون التخلص من طغيان رجال الكنيسة وعصر محاكم التفتيش، وما انطوى عليه من رعب، وقادت الكاثوليكية أول تحالف ضد الثورة التى واصل رجالها مسح كل آثار التسلط الكنيسى، لا فى فرنسا وحدها، بل امتدت الحرب إلى إيطاليا ذاتها التى تقدم فيها الجنرال بونابرت – والذى كان شابا ثوريا آنذاك – وتمكن من الوصول إلى ميلانو فى 15/5/1793، بل وتوجه إلى روما لإرهاب بؤرة التعصب مما اضطر معه الكرسى البابوى لعقد معاهدة صلح فى 19/2/1797 سميت معاهدة تولنتينو، تنازل بموجبها البابا عن أقاليم كبيرة كانت تخضع له مثل أنكونا وفينسين وأفينيون، فضلا عن قيامه بدفع مبلغ 31 مليونا لبونابرت مقابل تراجعه عن احتلال روما، وهكذا تصدع الكرسى البابوى، واستمرت انتصارات الثورة الفرنسية لا فى إيطاليا وحدها وإنما فى بلجيكا وعلى ضفاف الراين ودخلتإسبانيا كحليف لها(21).