Page 1
كلوديا تخطفني إلى الشمال
تعرفت عليها على ساحل سوسة في تونس. يومها دارت بنا موجة عنيفة، مباغتة، وقرّبتنا من بعضنا، ونحن في عرض اللجّة. ألفيتها، على حين فجأة، إلى جانبي. للوهلة الأولى تهيأ لي أنها صعدت من الأعماق القديمة المسحورة، أو قذفها مركب فضائي آت من كوكب بعيد. هكذا انبجست، كأنما على
حواشيَ حلم بهيج.. ابتسمتْ:
ـ هاي…
ولعبتْ بأصابعها تحييني..
من تلك النقطة تراءى لنا البشر والمظلات في غلالة نحيلة من ضباب مضطرب، فعرفنا أننا توغلنا أكثر مما يجب في عمق البحر. وحين سبقتني غائصة، تبعتها بلهفة ونزق، حتى إذا استلقينا لاهثين تحت مظلتها، أدركت أنها بفتنتها الطافرة تبدد ما طفا، طوال سنوات، فيَّ، من زبد الغربة. وإنني أحقق، في هذه اللحظة توافقاً وانسجاماً مع الناس والأشياء حولي.
إذ ذاك بدأنا أول رحلة الكلام. والكلام مع كلوديا مبتدأ الرواية ومنتهاها. تورط الذاكرة في لعبة اللغة ومكرها، ومأزق اللغة وهي تتقصى في متاه الذاكرة.
قالت أنها إيطالية، تتقن الإنجليزية جيداً، وتستطيع التفاهم، مع من يفهمها، بالعربية، ولها شغف بالسفر، لاسيما إلى أصقاع الشرق. ترغب بعبور صحارى أفريقيا، وسلوك طريق الحرير في مجاهل آسيا، على ظهور الخيل والجمال، أو مشياً على الأقدام بصحبة فتى من الشرق صبور وشجاع. تحلم أن يخرج لها من أغوار حكايات ألف ليلة وليلة.
قالت أنها لم تعثر عليه بعد، أو أنها لن تعثر عليه أبداً، لأن نوعه انقرض منذ زمن بعيد.
* * *
Page 2
لم تُعلمني باسمها، مثلما تعوّد البشر في أثناء بدء أول لقاء بينهم، وكذلك لم أفعل أنا.
رحنا نمشي على رمل الساحل، يغمر الماء الصاعد أقدامنا الحافية. ننتشي بلسعاته الخفيفة الباردة قبل أن يتراجع متهادياً، موشوشاً. نبقى لدقائق صامتين.. أحدس أنها مثلي، ربما تفكر بأي الأسئلة والتعليقات عليها استئناف الكلام، أقول؛
ـ سأخمن اسمك.. هذا الوجه يليق باسم يلوح الآن في خاطري.
ـ أي اسم؟
ـ روزاليا، روزاريا، روزالينا، روز ماري، روز.. أي اسم فيه روز.
ـ لماذا روز؟
ـ وجهك يوحي بهذه الكلمة.. حين فوجئت بوجهك أمام ناظريّ وأنت تبتسمين، هناك في وسط البحر قفزت إلى ذهني هذه الكلمة. وردة تتفتح للشمس والبحر والهواء.
ـ أتراك تغازلني؟
ـ أفصح عن انطباعي الأول.
تضحك.. تباغتنا رشقة من هواء بليل فنمتلئ بعذوبته.
ـ وإن قلت لك أن اسمي ليس هذا.
ـ سأحتفظ بحقي في أن أناديك ( روز ).
تقف.. ترمقني بنظرة حائرة، مندهشة.. تهز رأسها.
ـ ما اسمك؟
ـ كلوديا.. أنا كلوديا.
Page 3
ـ كلود روز.. روزديا.. روز كلوديا.. كلوروز.. دياروز.. يمكن أن أنحت لك مئة اسم من هذه الحروف.
ـ أنت إذن من أولئك المولعين باللعب في جسد اللغة.
ـ تستطيعين أن تقولي هذا.
تبتسم، الابتسامة ذاتها التي ستظل تفجّر في روحي فقاعات المسرّة لأشهر سبعة أو ثمانية قبل أن تستحيل إلى طيف بعيد، قِبلة حنين، حلمٍ لذيذ غادرني وعليّ ملاحقته، استعادته، الاحتفاظ به وإن في هيئة صورة مشرقة في الذاكرة.
ـ قل لي ما اسمك أنت.. دعني أخمن.. أحمد؟ علي؟ مصطفى؟ سعيد؟
ـ لا، لا، لا، لا.
ـ كمال؟ عمّار؟ عبد الله؟ محيي الدين؟
ـ لا، لا، لا، لا.
ـ قل.. قل لي، ما اسمك؟
ـ سامر.
ـ سامر.
تلتقط خنصري بخنصرها ونحن نخطو تاركين آثار أقدامنا على الرمل.. أحسني موصولاً، الآن، بقلب العالم، بجوهره الفذ، الساطع. بالقانون الأسمى للوجود، ذلك الذي يمنحنا الشعور بأن الحياة لها معنى سامٍ، وإنْ كان غامضاً وزلقاً، وأنها على الرغم من كل شيء جديرة بالعيش.
* * *
Page 4
أقول لها:
ـ إنك تبحثين عن فردوسك المفقود.
تقول:
ـ كلنا يا سامر .. كلنا نبحث عن فراديسنا المفقودة.. إنه وهمنا الذي يساعدنا على الحياة.
أقول:
ـ ربما كنت تبحثين في المكان الخطأ، وبالطريقة الخطأ.
تقول:
ـ ولو.. عندما أتأكد من الخطأ سأبحث في مكان آخر، بطريقة أخرى.
تمسكني من كفي.. تقيمني، وتركض لتخبر دفء الماء قبلي.. ألحق بها.. نعوم.. تغوص هي.. تضيع في غموض البحر.
على قلق أبحث عنها في الجهات، فتنبجس أمامي، خارجة من تحتي. أشتمها فتضحك. نخرج إلى الليل البارد. ننزوي في مقهى. أشرب فنجان قهوة، تشرب علبة عصير برتقال.. هكذا تلقيني بغتة في هذا الأفق الواعد باللذة والألم.
* * *
أنّى لي أن أقول لها؛ إنني جئت، ها هنا، لألملم نثاري، وانتشل ما تبقى مني، وأخرج من عبء موت شاسع إلى داخلي.
البحر لصق غربتي، وعريي مبذول لشفق الموج، ولنزوة كلوديا، وكلوديا أغنية سخيّة تتدفق في هدأة الساحل..
Page 5
ـ خمس عشرة شظية ناعمة، الآن، تحت هذه الندوب التي تداعبها أصابعك.
تحدق بي، فيأخذني سحر الليل المديد بعينيها. وتحت جلدي يتململ الوجـع القديم.. أستلقي على ظهري، وأعاين قوس السماء. أخاله صَدَفة جبارة تحتويني فأذعن للسكون الذي يغمرني. أو لعلّني أبتعد، بما فيه الكفاية، بأفكاري، عمّا حولي. لكنها تباغتني وتشرع بالغناء. تستغرق بكلمات ولحن أغنية غجرية معجونة باللوعة. صوتها الراعش الأسيان، مثل رذاذ من الحزن، يسقط على روحي.. أقول لها:
ـ كفـّي عن هذا الغناء الحزين.
تكفُ، وتبقى تحدّجني، كأنها تستدرج ما أسكت عنه إلى حافة الفضيحة. أقول لها، ربما في سعي مني لتغيير مسار الكلام:
ـ أخشى كلوديا من الصورة التي رسمتها لي في ذهنك.
تقول:
ـ وماذا يهم إذا كانت جميلة ومدهشة؟
أقول:
ـ إذن، ستضعين بيننا هوّة أخرى.
* * *
Page 6
تسألني عمّا جئت أفعل، إذن، على ساحل الأبيض المتوسط.. أقول:
ـ لأكتب.
ترن ضحكتها.. ضحكة قصيرة، صافية تفصح عن حيرة وشك.
ـ لتكتب؟!!
ـ أجل كلوديا.. روايتي، رواية أناي في العالم.. في مواجهة العالم.
تضحك ثانية.. أقول لها:
ـ لا تنظري لي هكذا، كما لو أنني كائن غريب قدم من الأزمان السالفة.
تقول:
ـ في عينيك أرى غبش الصحراء.
وهذه المرة، أضحك أنا، وأقول:
ـ يبدو أنك سليلة رحّالة حالم من أولئك الذين غامروا في القرن الثامن عشر، أو التاسع عشر بالقدوم إلى الشرق.
تتقلب على رمل الساحل وهي تقهقه:
ـ كم أود لو أستلقي على الرمل القائظ هناك.
أقول:
ـ لن تتحملي حرّنا الكافر.
تقول:
ـ سأقسر جلدي على تحمله.
Page 7
نعود إلى الساحل وقد خلا من الناس أو كاد.. نتمدد على الرمل. نتسمع للنشيج المكتوم للبحر.. ملمس أصابعها يوقظ فيَّ ألماً مطَّهِّراً ونشوة خاطئة. أسمع قعقعة عربات الرغبة في دمي. أسمع رنين الأجراس المعلقة على رقاب خيول تركض في صحرائي.
مأخوذاً بالغواية تجذبني كلوديا إلى مخملها. إلى الشبكة الناعمة الملساء الحادة. تقبض عليَّ بذلك الشيء النافر والشرس والحيواني الذي فيها، فأحتويها في هذا الأتون الحارق الذي هو شغفي وشبقي. روحي الظامئة الصارخة في البرية، الحارة والمتطلبة، فأحس للمرة الأولى بأننا معاً في فاتحة نشيد باهر، يهيّج مياه الأبيض المتوسط.. أقول لها:
ـ كأن الزمان، وجد من أجل هذه اللحظة.
تقول لي:
ـ كم أنت حالم أيها البدوي الضال؟
أقول لها؛ أنت الأخرى حالمة أيتها الغجرية الوحشية.
تضحك فأتأمل تقاسيم وجهها. تسحرني بشرتها بالنور البرونزي الغض الذي تبعثه. تلوب روحي فأعبر إلى ما وراء خطوط المرئي، كأنني عبثاً أحاول قراءة ما يدور في رأسها الجميل.
أعرف أن أسئلة مرهقة، عصية تصدّني عنها. أسئلة تراكمت منذ فجر التاريخ حتى باتت جبلاً من صخور مسننة، ناتئة، جارحة.. أسئلة جوّاب رجيم.. أسئلة مؤجلة، عارية.. أسئلة من قبيل؛ من الصياد فينا ومن الطريدة، في هذا الطراد الناعم، المضني، الأثير، على أرض هذا القفر الثلجي، وعبر هذه المفازات الساخنة، القاحلة؟
* * *
Page 8
تنتزعني كلوديا من بلادة الصيف. من ذلك المرض الوجودي الرفيع الذي أسموه السأم، ومن الإحساس بالتوحد واللاجدوى. فعلى الامتداد الشذري للبحر تمنحني بشقاوتها مذاقاً للأشياء، كنت افتقدته منذ زمن بعيد، وولعاً بالحرية والحياة.
منذ سنين سحيقة، في بلدتي البعيدة، البعيدة/ السعدية، علّمني خالد ( وسأحكي عن خالد فيما بعد ) كيف ألعب وأضحك.. كان امتياز خالد في هذا العالم قدرته على ابتكار اللعب، والانفجار بالضحك لحظة اختلال التوازن من حوله، أو لحظة التهديد باختلاله.. والآن ، تأتي هذه المرأة اللذيذة، بطقسِ حاوٍ حاذق، لتعيدني ثانية إلى ساحة اللعب، وإلى مسرح الضحك، فتشركني بلعبها الماكرة، المثيرة. لتذكِّرني تارة بحنان ( وعن حنان، أيضاً، سأحكي.. لابد من أن أحكي ) في ذروة مناورتها ضد الموت، وتارة بخالد وهو يسعى لإنقاذ طفولتنا من شَرَك الحرمان. أترنم، كأنني أريل، في أعماق روحي، لئلا تسمعني كلوديا؛
كان يا ما كان
في ذلك الزمان
كان هناك ولد
عذب اسمه خالد
وامرأة من شهد ولوز
وزهر البستان
صافية كنبع في الجنة
جميلة كشهقة الفجر
اسمها حنان ) .
Page 9
رأس كلوديا على كتفي ..
ـ اسمعي روز.
ـ روز!
ـ قلت لك، بين الحين والحين سأناديك روز.. روز، هل عرفت ذلك الإحساس الحاد الباهظ والمؤسي بالفقدان.. إن شيئاً عزيزاً، نادراً، لا يعوّض يكون قد اختفى وإلى الأبد.
ـ كأنك خبرت الحب والموت.
ـ أجل روز.. لقد خبرتهما.. لقد خبرت الحب والموت بعمق وقسوة
أوروبا شاطئ غواية امتد على الجانب الآخر من مخيلتي الطفلة. والأبيض المتوسط كان بحر يوليسيس بالمقلوب، يحرِّض المغامرَ، فيَّ، لموسم هجرة مؤجل تحت وطأة الحروب. وحين التقيت كلوديا ظننتها، للوهلة الأولى، بينيلوب حالمة تبغي استئناف الرحلة، لأنها مشغولة بهاجس المعنى. المعنى الذي تعرف بأن عليها أن تجوب بشأنه الآفاق لتكتشفه أخيراً في داخلها. أو كما في قصيدة كافافي عن إيثاكا، تلك التي سيبلغها يوليسيس عجوزاً، ليوقن أن الرحلة ذاتها كانت الممتعة وفيها المغزى. حسبت أنها بالانتظار، وأنا رهانها: القادم المنتظر ( يا للوهم )، المعجون بالحكمة والحب بعد عبور أفخاخ اليورانيوم. وساعة فاجأتني بالقول؛
ـ لماذا لا تأتي معي إلى أوروبا؟
أرسلت نظري فوق الزرقة المضببة حيث أفق الشمال، وقهقهت.
ـ لماذا تضحك؟
ـ مجنونة أنت كلوديا. من يمنحني تأشيرة دخول إلى هناك، أنا العراقي. ثم لا تنسي مشكلة النقود. كم شهراً أو أسبوعاً تكفيني بضعة آلاف من الدولارات، جنيتها بشق الأنفس في ليبيا؟
Page 10
قامت ومشت نحو موجة مقبلة.. ركلتها وعادت لتستلقي على بطنها، وهي بالمايوه الأصفر. كانت كتلة من توقد الجسد والغواية.
ـ وماذا لو هرّبتك؟
ـ ماذا؟
ـ على مركب يملكه أبي.
لم أقل شيئاً.. تركتها حيث هي.. استقبلتُ موجة مدلّهة مشاكسة. احتضنتها ورافقتها. لحقت بي. سبحنا نصف ساعة. كنت أفكر، وأظنها كانت تفكر أيضاً. ثم وجدتني لا أفكر. كان عليَّ ألا أكترثَ للاحتمالات إذا ما أردت أن أغامر. صرت، في لحظة، مستعداً ـ بكليتي ـ لأن لا أكترث.
أكدت لي أن لا أقلق، فبمقدورها أن تهرّبني إلى إيطاليا بالسهولة ذاتها التي بها تدخن سيجارة، أو تشرب كأساً من البيرة، فمراكب والدها الثلاثة طوع أمري، وما عليًّ إلا أن أشير بإصبعي فتتهيأ لي الظروف حالاً.
ـ لا تسأل؛ كيف.
قالت، فسألتها بتهكم مازح عمّا إذا كان لوالدها أية علاقة بالمافيا. تهيأ لي أنها أخذت سؤالي على محمل الجد. ومع ذلك لم تضطرب. نظرت في عيني بثبات واثق، وقالت:
ـ نعم، لأبي علاقة بهم، لكنه ليس منهم. إنه ببساطة يعمل في ظلهم.
قلت:
ـ أتمنى، ولكنها مغامرة غير…