eKtab
EN ع
ترشيد الإختلاف لواجب الإئتلاف
Read free sample

ترشيد الإختلاف لواجب الإئتلاف

by عبد العزيز أحمد البغدادي

Page 1
تقريظ مجموعة من علماء العراق
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.. وبعد:
 
ففيما مضى من العقود كان الدعاة المسلمون، يدفعون باتجاه وحدة الصف، ويؤكدون على أهمية ذلك، ويحذرون في الوقت ذاته من خطورة التشتت والتصدع.
 
ودعواتهم هذه كانت تلقى آذاناً صاغية من بعض ذوي الفطنة، ولا تلقى ذلك من آخرين، لأن الأحوال يومها لم تكن كافية – فيما يبدو – تكشف عظم الحاجة إلى ما يدعون إليه.
 
وفي ظروفنا الراهنة وبعد (التغيير) المفاجئ الذي شهده بلدنا، والفوضى العارمة التي لحقت به، وبروز من يعمل في السر والعلن لتوسيع شقق الخلاف بين أبنائه، بدا للناس جميعاً، أهمية هذه الدعوة وأنها – اليوم – للبلد وأهله ضرورة تشبه ضرورة الماء للأحياء التي تسكن عالمه.
 
إن ظهور كتاب في هذا الوقت العصيب ، يعمل على ترشيد الاختلاف لواجب الائتلاف ، لهو خطوة في الاتجاه الصحيح .
 
والأخ الكاتب كما أجاد في اختيار العنوان أجاد في بيان فحواه.. وكان في تعويله على مكتوبات شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله موفقاً فإن هذا الرجل عايش أحداثاً تشبه أحداثنا اليوم وكتب فيها عن تجربة وبرهان. وفق الله الباحث ليحقق مراده في السعي من أجل لم الشمل وتوحيد الموقف وجمع الكلمة وسدد خطاه في هذا الطريق التي لا تخلو من مشاق.
 
الشيخ الشيخ
 
عبد الرحمن النعيمي عبد الستار عبد الجبار
 
7/ ذو القعدة / 1424
 
30/12/2003
Page 2
تقريظ الأستاذ محمد أحمد الراشد
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى
 
الأخ الكريم الموفق للصالحات
 
لك ولكل من يقرأ هذا الكتاب تحية ودعاء.. أما بعد:
 
فإن هذا الكتاب مستقيم المعاني، قوي المنطق، وفيه استدلال شرعي صحيح، وما أخال أحداً من أهل الاستعجال يطلع عليه وينوي فهمه بنية خالصة إلا ويتئد ويميل إلى التأني وإبطان النصح لجميع الدعاة العاملين على اختلاف اجتهاداتهم وتأويلاتهم، ولستُ أدري: هل أن كتلة أقوال ابن تيمية التي حواها الكتاب هي الأقوى، أم كتلة الأحوال الدائرة بين المسلمين اليوم التي اكتشف المؤلف ضرورة بحثها وبيان حكم الشرع فيها؟ فإن صنعة معرفة الواقع المعاصر وتحديد زواياه ليست بأقل أهمية وصعوبة من صعوبة معرفة الفقه نفسه، وقد وُفق الأخ المؤلف في المعرفة الواقعية توفيقاً، وأتى بتنسيق وترتيب جيد ، وأصبح الكتاب كتاب المرحلة، فإن دُور أنصار الدعوة المعاصرة كلها دور خير، والتعاون واجب، والتغافر حَسَن، ولا بد أن تتحد القلوب، وتضم الجميع خُطة شاملة..
 
والله يتولى الصالحين.
 
محمد أحمد الراشد
 
شعبان 1424هـ
Page 3
مقدمة:
 
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل له فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
 
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
 
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً
 
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً. يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً
 
أما بعد فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
 
1- لا يختلف مسلمان أن الأمة -وفي مرحلة الضعف والهوان التي تعيشها- تمر بمخاطر شتى تستنفر كل منها غيارى المخلصين ليرابطوا في ثغورها ويدرأوا عنها عاديات الصائلين الذين يفسدون الدنيا والدين، عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا.
 
ولكن جزءً غير يسير من هذه المخاطر تثور من داخلنا ومن صفوفنا متمثلة بالتمزق والتشرذم الذي تعيشه الأمة فرقا وأحزابا وجماعات، ولا عجب، فإن هذا التفرق هو جزء من أجواء العقاب الرباني الذي تعيشه الأمة جزاء بعدها عن دينها وإتباعها أهواءها بعيداً عن هدي خالقها وبارئها ،قال تعالى: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ .
 
2- وقد كان الإختيار الرباني لتأديب هذه الأمة هو إلباسها شيعاً ليذيق بعضها بأس بعض، كما بين ذلك المصطفى  إذ قال: (سألت ربي ثلاثاً، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة ، سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم، فمنعنيها) .
Page 4
وإذا كان الأمر كذلك فإنه يعني أن أوسع أبواب الشر المفتوحة على الأمة تأتي من داخلها، لذا وجب على عقلاء الأمة أن يولوا هذه الثغرة كبير اهتمامهم وحازم يقظتهم.
 
3- ولا أجدني مضطراً إلى التفصيل في قضية مفهومة وهي بطلان التلازم بين قضاء الله الكوني وترك الواجب الشرعي في هذه القضية، وإنما نذكر أن الله تعالى قد يقضي الأمر الكوني فيكون وهو يبغضه، بينما في الأمر الشرعي ألزمنا بما يحبه، وهو ما بينه في دينه قرآناً أو سنة. ومن ذلك قول الله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا فهذا أمر واضح جلي للجميع بالاعتصام بدين الله ونهي صريح عن التفرق، ولا ريب أن هذا الأمر والنهي هو تكليف بمقدور لمن اتبع أسبابه، وليس بأمر معجز أو فوق الوسع وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا .
 
وقوله تعالى أيضا: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ وهذا وعيد عظيم لمن ترك الأمر الإلهي واتبع سنة أهل الأهواء الذي سلفوا في تفرقهم.
 
وقوله تعالى:  إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْء وهذا تنزيه للنبي  عن أن يكون من هذا الصنف المفرقين للأمة، وبالتالي فالذين يفعلون ذلك ليسوا على هديه وإن ادعوا ذلك.
 
وقوله تعالى :  شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ وهذا تأكيد على أن هذا النهي الإلهي عن التفرق في الدين هو شرعة ماضية شرعها الله لكل الأنبياء، وهو ما يبين عظمة محبة الله تعالى لها.
 
4- وبالتالي .. فإذا كان موضوع التفرق والاختلاف بهذه الدرجة من الخطورة، ومن الذم أيضا، فإن الوقوف عليه، فهما له، وترشيدا للسلوك إزاءه، سيغدو أمراً لا تختلف العقول في عظمة أهميته أولاً، وفي أولويته ثانياً، خاصة في أزمنتنا هذه التي كثر فيها التهارج بين فرق المسلمين.
Page 5
وتتأكد هذه الأهمية بكون كثير من المسلمين الواقعين تحت خطاب الوعيد الإلهي لتفرقهم لا يعلمون ذلك، حيث يزين لهم الشيطان هذا التفرق تحت ذريعة نصرة الدين وإقامته أو تحت وهم أنهم هم الوحيدون الذين أخلصهم الله لهذه المكانة، فيختلط عندهم الحق بالباطل، ويلتبس عليهم الحد الفاصل بين الموقف الصحيح شرعاً والموقف المتوهم بسبب الجهل أو الأهواء.
 
وتتأكد هذه الأهمية ثانيا بتذكرنا أن الأمة في هذا الزمان مستهدفة في أصل وجودها من قبل عدو ماكر وقوي لا يرعى حرمة ولا عهداً، وبالتالي فإن المفترض بأمة الإسلام أن تتجاوز محنتها الداخلية كي تقوى على مواجهة ودحر هذا العدو وصولاً إلى موقعها القيادي للبشرية والذي أمرها به رب الكون تبارك وتعالى.
 
فأمام الأمة إذا طريق طويل يفترض بها أن تسلكه حتى تحقق غاية وجودها، وقضية ترتيب البيت وقواه الداخلية ضرورة ملحة لاستمرار السير، فهل من المنطق أن نراوح عند هذه القضية طيلة أعمارنا؟.
 
متى إذاً نفقه أين هي مواطئ أقدامنا الآن؟! ثم لنرفع رؤوسنا كي نتملى في الأفق المكانة التي يجب أن نكون فيها !! عندها نعلم مدى البون الشاسع بين المكانين، ونهيئ أنفسنا لسؤال الملك الجبار: ماذا كنتم تعملون؟.
 
ومن هذا الحال تنجلي أهمية الحديث عن (الاختلاف التفرق) مخافة أن يدركنا، للوقوف على الأسباب والموجهات الشرعية، والمنزلقات والآداب ،وهذا الحديث يندرج تحت باب فقه حذيفة  إذ كان يسأل الرسول  عن الشر مخافة أن يدركه.
 
والخط العام لهذه الوريقات يرتكز إلى المحاور التالية:
 
• التذكير بوجوب أخوة المؤمنين.
 
• بيان أن الاختلاف ممكن بين المسلمين، وهو مقبول إذا بقي في الحدود الجائزة شرعاً.
 
• التنبيه إلى أن البغي هو المنزلق فيه، وليس نفس الاختلاف.
 
• الحديث عن الموجهات الشرعية العاصمة من هذا الانزلاق، ومنها:
 
1. الموجهات الشرعية العلمية، كالوقوف على أسباب الخلاف وفهمها، وكذلك العلم بموارد الاجتهاد والإجماع، حتى يتم توصيف الخلاف والتعامل معه بعلم، وغير ذلك.
 
2. التحذير من المنزلقات، كمنزلق التأثيم والتفسيق وإتباع الهوى، ومنزلق التكفير.