الأمواج الهادئة
أخذت الطريق تتعرج في صعودها المنحنيات الجبلية، وأصبح انحناؤها يحتد أحياناً مع أن الجبال لم تكن شديدة الارتفاع.
شعرت أن هذه الطبيعة مألوفة لي، الجبال نفسها، التربة الطينية الحمراء، أشجار الزيتون، التين، الكروم، شجيرات السويد والزعرور، الزحيف، بقايا النباتات الصيفية، الجدران الحجرية المتراصة من حجارة أجيد تركيبها. إنها ملامح فلسطين، وطني!.
اندلعت عاصفة من الحنين والذكريات، عبرت بقلبي، توهج الجمر المقدس، كدت أتخيل نفسي وأنا في هذا الطريق بين مدينتي لارنكا وليماسول من جزيرة قبرص، وكأنني في إحدى مناطق فلسطين.
هل هي الطبيعة الواحدة لحوض المتوسط؟! ربما، حتى هذا الهواء الخريفي المعتدل، وشمس ما بعد الظهيرة، يأخذاني بعيداً في عمق الذاكرة.
غادرت فلسطين آخر مرة في عام ألف وتسعمائة وسبعة وستين، بعد أن دخلت إليها متسللاً عبر نهر الأردن، الذي قطعنا إحدى مخاضاته في عز النهار، ما زلت أذكر تفاصيل تلك اللحظة مع أنها لم تكن مثيرة أو حتى محفوفة بالمخاطر كغيرها. فقد اتجهنا بعد عبورنا النهر نحو قرية العوجا القريبة من مدينة أريحا في منطقة الغور، شاهدت أنا ورفاقي طائرة مراقبة صهيونية تحوم فوقنا، كانت أرضاً رملية جرداء منبسطة. لا بد أنها لاحظتنا، فبعد أن اقتربنا من القرية ميزنا غباراً أثارته من بعيد عجلات سيارة عسكرية صهيونية، فاختبأنا في إحدى المزارع التي أصبحت بمحاذاتنا. مرت السيارة العسكرية باتجاه النهر، غادرنا مخبأنا وتمكنا من دخول قرية العوجا، حيث قضينا تلك الليلة فيها.
هذه هي المرة الثانية التي أتسلل فيها عبر قرية العوجا، فلم تكن سلطات الاحتلال قد أحكمت في ذلك الوقت سيطرتها على معابر ومخاضات نهر الأردن، على الرغم من تعمدها قتل الكثيرين من الأبرياء العائدين إلى ذويهم. سقط الكثيرون قرب نهر الأردن من الذين لم يجدوا بعد الحرب سوى النهر معبراً للعودة إلى أطفالهم أو زوجاتهم أو أمهاتهم.
وصلت مدينة الخليل مشياً على قدمي، أذكر أنهما كانتا داميتين عندما ساعدتني شقيقاتي على خلع حذائي المطاطي. مكثت في المدينة حوالي أسبوعين، صعدت أثناءها إلى منطقة نائية وعرة كي التقي بمجموعات من أصدقائي الشباب الذين أصبحوا فدائيين.
لقد عثر هؤلاء الشباب الوطنيين الذين جاش في صدورهم إرهاص الثورة على ما ينضوون تحت لوائه، وتجمع بعضهم في قواعد سرية انتشرت تلك الفترة في كثير من المناطق المواتية داخل الأرض المحتلة من بينها هذه القاعدة في واد وعر مشجر، يقع على سفح أحد الجبال الشاهقة في الخليل. ما أروع جبال الخليل الشامخة، وما أبهى حلل كرومها الخضراء. لن أنسى ما حييت لحظات وداعي لها بعد أن اشتد من حولي طوق التفتيش والمطاردة، وبعد أن أصبح ضرورياً أن أتابع خطوات تنظيم علاقتنا بخارج الأرض المحتلة، وهي المهمة التي كنت أقوم بها.
غادرت الخليل وقلبي ينجذب إليها أكثر من أية مرة سابقة، عاهدت جبالها، عاهدت طيفها الجميل أن استمر في النضال من أجل وطني.
تأملت الكروم الخضراء على مشارف بلدة حلحول ساعة ذلك الفجر الندي، وكأني أعاهد كل ذرة تراب، شعرت برهبة العهد تستقر في أعماقي وأنا في محراب الخشوع الروحاني الغامر. لقد شعرت بأعمق وأقوى تصميم على الوفاء والصدق.
فاض الحنين بقلبي، كنت أودع مدينتي ووطني، وفي ذات اللحظة تدفقت في زوايا القلب اليافع تراكمات من المشاعر الخاصة تركتها مراحل الصبا لهيباً دافئاً، ملأت الخيال بصورها، وجعلتني أشعر وكأن قطعة من روحي غادرت جسدي.
بقيت هذه الصور قمراً وردياً في سماء خيالي، وحلماً جميلاً يراود حياتي حتى هذه اللحظة، وبقي الحلم نداءاً يحرك أشواق الذاكرة ولا يبدده واقع الحياة. ما أحلى ذلك الحلم يختلط فيه الحنين إلى الوطن بوجيب الفؤاد، ويرسم قلبي وذكرياتي وصورة وطني في لوحة واحدة.
لم أعد أنتبه إلى الطريق الذي ردني إلى لحظات كثيفة المشاعر، سوف تبقى حية في جدران روحي ما دام في جسدي رمق من حياة.
وثب فؤادي مثل غزال يبحث عن مدى، أو مثل قبرة بلون الأرض، وذهب وحده بعيداً.. واشتعل الضوء المقدس ليغمر زوايا المعبد، واستيقظ الجمر الإنساني متقداً ودافئاً، يستل لون الشفق من غمد البحر.
لعلني أفقت من الحلم الذي بعثر فؤادي، لقد مضى على آخر مرة شاهدت فيها وطني قرابة تسع سنوات كرست كل نبض فيها من أجله، هو الفردوس الذي وعدت نفسي به والذي لا أتصور مصيري من دونه، أنني رجل حالم يمتلئ بالطموح، ولا أشعر وأنا أحلق وراء حلمي بأي خيط يشدني إلى الحياة خارج انتمائي إلى تلك البقعة النورانية المقدسة من الأرض.قد يكون للمرء أن يختار انتماءه حينما يكون الانتماء ارادياً، ولكن ثمة نوع من الانتماء غير الإرادي، يسكن الإنسان قبل مولده، ويصبح من مكونات ذاته التي لا يستطيع أن يفر منها مهما تراءى له غير ذلك. فالإنتماء حاجة من حاجات التبلور الذاتي للإنسان، وتجسيد للذات الفردية والجماعية في آن واحد، وحافز من حوافز التحدي والعمل.
أي منطق يأخذني إليه ؟! لقد سلمت أن هناك ما هو فوق المنطق، ما لا يمكن تفسيره بعامل واحد من عوامل الطبيعة الإنسانية، ما لا يمكن اختصاره دون تفاعل العقل والإرادة والروح والجسد، جميعها مع الطبيعة والحياة، ما لا يمكن أن يقتصر على المقاييس العلمية البحتة.
إن شعوري بالإنتماء هو تفاعل تراكمات الماضي مع تطلعات المستقبل، هو حاجة الإنسان إلى موطيء معنوي لوجوده وتبلور غريزة بقائه، هو ما يمكن وصفه بلغة العلم، أو ما يمكن استشفافه بالإحساس والوجدان. إنه خيط من لهيب الروح وضياء الشمس.
ربما أصبحت النقطة التي يجذبني منها هذا الطريق وطابعه الذي مس أوتار فؤادي، ليعزف نغم الحنين إلى إنتمائي، مع أنه لم يمض على وجودي فوق هذه الجزيرة سوى ساعات قليلة. فقد أخذت قراري بالسفر إلى قبرص قبل يوم واحد، في أجواء مشحونة بالعواطف التي ملأت أرجاء بيتنا في الكويت طيلة مساء يوم السادس من تشرين أول عام ألف وتسعمائة وستة وسبعين.
راحت والدتي بوقارها، وحزنها الذي أصبحنا نلمحه منذ أن توفى والدي في الثالث من أيلول، تكرر عليّ طلبها أن أرجيء سفري إلى ما بعد ذكرى مرور أربعين يوماً على وفاة والدي مستخدمة كل ما تستطيع من حجة ورجاء.
ليس من السهل أن أخبرهم في تلك الظروف عن وجهتي الحقيقية، فاضطررت إلى أن أكتفي بالقول أنني مسافر إلى البحرين، واخترتها بالذات لأنها محطة في طريقي.
شعرت أن لدي إصراراً قوياً للتوجه إلى لبنان، لأن واجبي يحتم عليّ أن آخذ موقعي بين رفاقي من المناضلين وهم يقاتلون دفاعاً عن الثورة.
كنت أفكر بإلحاح أن من واجبي أن أعود بأسرع ما يمكن، فقد احتدم كثيراً وطيس القتال، وتعقدت علاقاتنا بالسوريين أكثر من ذي قبل، وليس أمامي سوى المخاطرة بعبور البحر ما بين قبرص وصيدا، حيث تتعرض السفن والمراكب لمطاردة الزوارق المعادية ومحاولات الإغراق والأسر، وسوقها إلى موانيء الأرض المحتلة. شعرت أنني سوف أصبح أقرب إلى روح والدي حينما أواصل مسيرتي في الطريق إلى فلسطين، رحمه الله، لقد أحبها، وكانت أعزّ أمنية عليه أن يدفن فيها، وعندما توفى في الكويت صممنا أن نلبي رغبته. قد يعبّر هذا التصميم عن الوفاء لوالدنا الذي أعطى كل شيء من أجلنا أو عن اللاوعي الذي يكمن في داخلي، ويجسد رغبتي العارمة في أن يصير مآلي إلى القدس، أو إلى مدينتي الأصلية الخليل. عاش والدي غريباً وتوفى غريباً، وقد لامس شغاف فؤاده دائماً أمل العودة وحنين الوطن.
ما زلت أذكر كيف كان ينعكس ظل فؤاده في عينيه وهو يتحدث عن القدس أو عن الخليل أو عن فلسطين ووالده الذي توفى دون أن يراه، لقد ورثت منه هذا الحنين الرقيق الصامت، تماماً كما ورثت من جدي لأمي عناده وإصراره الذي لا يلين، والذي يختلط بحسه العارم بأصالة أرومته وجذوره التميمية.
عاش والدي رجلاً كافح في سبيل وطنه، وحمل السلاح شاباً يافعاً وهو وحيد أبويه، وقد احتفظنا دائماً بكثير من الاعتزاز بصورة له وهو في ريعان الشباب يأتزر برداء الجهاد المقدس.
ومات رجلاً صلباً تحمل المرض في أشد لحظات آلامه بجلد ويأس شديدين ضاناً على جميع من حوله أن يلحظوا عليه علامة ضعف واحدة طيلة صحوته.
انصرفت إلى حوائجي ارتبها في حقيبتي، ثم اضفت إلى محتوياتها ستة جوازات سفر تخص بعض الأخوة في دمشق وبيروت، وقبل أن أكمل التفَتَت إليّ والدتي تذكرني بموضوع إبن عمي الذي يرغب في الالتحاق بدراسة جامعية وسألتني:
- هذه شهادات إبن عمك، هل تأخذها معك أم نبقيها لإرسالها إلى دمشق؟.
- سآخذها معي، ربما يستجد جديد.
نهضت في الصباح مبكراً، وارتديت ملابسي قبل أن يستيقظ أحد في البيت، ثم رحت أوقظهم لنتوجه إلى المطار، فلي موعد مع الأخ أبي خلوي مدير مكتب "فتح" في الكويت، ويجب أن أنهي بعض الإجراءات، خاصة وأن عدداً من شباب الحركة سيرافقني أثناء رحلتي.
التقيت فعلاً بأربعة من الشباب الذين تعرفت عليهم في المطار، وحملت معي كتاباً موجهاً إلى الأخ أبي جهاد يتعلق بهم.
أنزوى شقيقي عبد الحي الذي يليني سناً، يحذرني وخاصة من البحر، فهو الوحيد من عائلتي الذي أخبرته أنني ذاهب إلى لبنان، إنه أقرب أشقائي إلى قلبي، بل إنه أقرب الناس، فهو رفيق عمري، عشنا الطفولة والصبا والشباب معاً، زرعنا أحلامنا ولهونا في وهاد المكان والزمان ومرتفعاتهما، وليس بيني وبين ذلك المنبت الحبيب من ذكرى إلا وهو الموازي الأثير، إنه معدن حقيقي وصلب.
أما والدتي فقد ظهرت كأنما تودع مفارقاً آخر من الأسرة. ولعله إحساس غريب انتابها، وربما هي الحاسة السادسة، إذ بدا على وجهها القلق والحزن وانعكس في وجوم على وجه شقيقي وباقي أفراد الأسرة.
لم تكن المرة الأولى التي أذهب فيها إلى أداء المهمات الخطرة، كلهم يعرفون أية طريق هي طريقنا، كان واضحاً على الجميع إحساسهم أن شيئاً ما سوف يحدث، أما أنا فقد شعرت بالاطمئنان تماماً، لأنني تعودت أن أواجه القدر وأن أعبره في كل الظروف، وجدت دائماً شيئاً له الأولوية أمامي، اسمه واجبي.
غادرنا مطار الكويت إلى مطار البحرين الذي وجدنا فيه مندوباً من مكتب "فتح" رافقنا داخل قاعة الانتظار خلال الفترة التي مكثناها، والتي أقلتنا بعدها الطائرة متوجهين إلى مطار لارنكا في قبرص.
أتصلت من المطار بمكتب منظمة التحرير الفلسطينية في نيقوسيا، فأفادني أحد الأخوة بتوفر سفينة ستتوجه الليلة إلى صيدا، وأعطاني عنوان "وكالة بدر" في مدينة ليماسول، مؤكداً أنه سيتصل بالحاج بدر صاحب الوكالة، كي يؤمّن لنا الحجوزات. وجدت نفسي بعدها في هذا الطريق الذي أنار الشوق والذاكرة وزوايا الفؤاد.
عندما وصلنا إلى وكالة بدر وجدنا ابنته وموظفة أخرى اخبرتني أن مكتب منظمة التحرير طلب أن أتصل به حال وصولي، ولما أتصلت تحدث معي الأخ أبو يحيى، مدير المكتب، فعزاني بوفاة والدي، واعتذر عن عدم دعوتنا إلى نيقوسيا، بسبب توفر سفينة للسفر إلى صيدا ذات اليوم الذي وصولنا فيه.
وجدنا أشخاصاً آخرين في وكالة بدر ينتظرون صاحب الوكالة، وعندما وصل قدمت له الفتاة جوازات سفرنا، ولما وصلني الدور بدت عليه علامات الاهتمام وسألني ما إذا كنت من مدينة الخليل، فأجبته مؤكداً ذلك، ومظهراً معرفتي بأنه هو أيضاً من المدينة نفسها، وأضفت:
- يرافقني أحد أقربائك.
- أين هو؟ .
- هذا هو، الأخ وليد بدر.
قدمت له أحد الشباب الأربعة، فراح الحاج بدر يسأل الشاب عن أسم والده وجده حتى عرف أرومته، بعد برهة، وصل مندوب من "فتح" يتابع المسائل الإدارية لحركة مناضلينا بين لبنان وقبرص، وما أن رأينا بعضنا البعض حتى تعانقنا، فنحن زملاء دورة عسكرية بكلية نانكين في الصين الشعبية قبل حوالي ثمانية أعوام، فقدمني بدوره للحاج بدر على أنني أحد مسؤولي فتح، ورحب بي صاحب الوكالة من جديد، وطلب على الفور فنجان قهوة لي، لأن علينا أن نتحرك إلى الميناء بسرعة.
وجدنا عدداً من الركاب على رصيف الميناء، فذهبنا جميعنا مع الحاج بدر إلى مركز الأمن لإنجاز الخروج على جوازات السفر، ثم صعدنا إلى السفينة "بيسميكر".
تحدث الحاج بدر مع قبطانها عني موصياً إياه أن يعطيني غرفة خاصة للنوم، وأن يقدم الخدمات اللازمة، فأدركت من لهجته الآمرة أنه مالك السفينة.
نزل الحاج بدر ومندوب الحركة إلى الرصيف بعد أن ودعانا، وانتزع البحارة الحبال، وبدأ المحرك يدور، ثم أخذت السفينة ترجع إلى الخلف بإتجاه الرصيف ليبدأ صياح البحارة وصياح الحاج بدر محاولين أن ينبهوا القبطان وأن يستحثوه على تدارك الأمر.
خرج جميع الركاب من المقصورة في محاولة لتبين سر الضوضاء، وتكاثر الناس على الرصيف، وحتى تلك اللحظة لم استطع أن أعي ما الذي يحدث!.
كانت السفينة تسير بسرعة باتجاه الرصيف، والبحارة يرمون الحبال إلى بعض المتحفزين عليه، فأخذ بعضهم يشد الحبال إلى المرابط الموجودة في الميناء، وهرع البعض الآخر يعدل من وضع دواليب المطاط على حافة جدار الرصيف.
أخذ القبطان يصرخ على العامل المختص بشؤون المحرك في الأسفل، ويطلب دون جدوى إيقاف السفينة التي أصبحت على وشك الارتطام بجدار الميناء، وبعد أن أمكن إيقافها في آخر لحظة أخذ المتجمعون على الميناء يحمدون الله على سلامتنا، كل ذلك حدث في غضون لحظات قصيرة. بالنسبة لي لم أكن أقدر خطورة الموقف، ونظرت إلى ما يجري باستغراب، فليست لدي خبرة سابقة بالبحر، لقد قمت برحلتين بحريتين في السابق، ولكنهما قصيرتان، ولم أعرف منهما أي شيء عن المراكب وسيرها بأكثر من المعلومات العادية.
كان القبطان قد أدار المحرك وبدأ بالرجوع إلى الخلف استعداداً لإخراج السفينة من الميناء، وعندما أراد إيقافها تعطلت الآلة الخاصة بإيقافها، فاستمرت السفينة تواصل تقهقرها باتجاه الحائط الخلفي الاسمنتي الصلب، موشكة أن ترتطم به، وهو ما يشكل خطراً عليها وعلى الركاب، لولا تدارك الموقف عن طريق شدها بالحبال إلى مرابط وقوفها الجانبية في الميناء، صرخ الحاج بدر للقبطان:
- لماذا لم توقف المحرك؟.
- تعطلت الآلة عندي، فناديت على العامل في الأسفل، ولم يتمكن هو الآخر من إيقافها.
- تأكد لي أن كان هناك ما يدعو إلى بعض الإصلاحات.
- ليس في الأمر ما يجعلنا نتأخر، يجب أن نتابع الإبحار.
بدأت سفينتنا في الساعة الثامنة من مساء السابع من تشرين الأول، عام ألف وتسعمائة وستة وسبعين تغادر ميناء ليماسول متجهة إلى صيدا، وعلى ظهرها أربعة عشر راكباً، وعشرة بحارة، جميعهم يتحسبون قرصنة الزوارق الصهيونية التي اعتادت أن تقطع على المراكب طريقها.
رافقني على متن السفينة الشباب الأربعة من أعضاء "فتح"، وهم وليد بدر، معين أحمد، علي حسين، محمد الزغموت، الذي كان يحمل وثيقة سفر لبنانية للاجئين، ويحمل الثلاثة الباقون جوازات سفر أردنية، وبقية الركاب يحملون جوازات سفر لبنانية، أما أنا فكنت أحمل جواز سفر يمني جنوبي.
وكان هناك عدد من البحارة الباكستانيين، وواحد قبرصي، واثنان من مواليد مدينة حيفا، يحمل أحدهم وثيقة سفر لبنانية للاجئين الفلسطينيين، واسمه عبد الفتاح أمين خالد ويلقب أبو مروان، والآخر يحمل جواز سفر لبناني ويلقب أبو علي، أما القبطان فقد كان لبنانياً.
اختلط جميع الركاب بعضهم ببعض، وبدأوا يتناولون المأكولات السريعة والمرطبات، اقتربت الساعة من التاسعة مساء عندما شعرت بالتعب والحاجة للنوم، فلم أنم في الليلة الماضية إلا القليل، وذهبت إلى القبطان في غرفة القيادة، فاستقبلني بقوله:
- سأعطيك غرفة تستريح فيها.
- نعم إنني أشعر بالحاجة إلى الراحة.
أمر أحد بحارته بترتيب غرفة في الأسفل لأنام فيها. ودعاني للجلوس برهة لشرب العصير، وبدأ يشرح لي كيف يحدد اتجاه سير السفينة بواسطة البوصلة، وإلى جواره البحّار الفلسطيني عبد الفتاح، الذي يناديه القبطان بلقبه أبي مروان.
راح الاثنان يدققان اتجاه الإبحار بين بوصلة بجوار مقود السفينة، وأخرى في الطرف الثاني من المقود حتى استقر الاتجاه تماماً.
جاءني بعد هنيهة أحد البحارة، ودعاني لأن أتبعه إلى غرفة أنام فيها، فتبعته إلى أسفل،حيث فتح باب إحدى الغرف، وهي غرفة صغيرة فيها حامل خشبي يشبه السرير، مفروش بطريقة ملائمة ومريحة، وأشار علي:
- بإمكانك أن تنام هنا، وإذا احتجت شيئاً يمكنك أن تبعث لي بواسطة العمال بقرب هذه الغرفة.
- شكراً، لا أريد شيئاً.
صعدت إلى الفراش ولم أمكث سوى برهة قصيرة، استغرقت بعدها في نوم عميق.
أفقت في الصباح متأخراً، وقد تسلل الضوء إلى الغرفة من نافذة دائرية بالقرب من رأسي، نظرت من خلالها إلى أمواج البحر المتلاطمة، ولم تكن هذه النافذة تعلو عن سطح الماء إلا بمقدار يقل عن نصف المتر، فمددت يدي لألامس المياه التي تشقها السفينة محدثة فجوة وخطاً يحيطها من الزبد والماء النافر والرذاذ الكثيف، وهي تسير متأرجحة تجعلني أهتز مع تأرجحها.
أحسست برأسي يدور، وفكرت: إنه دوار البحر ثم قررت النهوض والصعود إلى الأعلى، إذ شعرت بحاجتي إلى التقيؤ. وجدت قسماً من الركاب على سطح السفينة يجلسون حول المقصف وهم يشربون الشاي أو المرطبات، فسألني بعضهم:
- أين أنت؟ لقد افتقدناك..
مع أنني لم أتصور أن هناك من يمكن أن يفتقدني من غير رفاقي، فقد أجبت بدون إبداء الاستغراب:
- كنت نائماً في الأسفل..
جلست معهم قليلاً، ورأسي ما زال يدور، إنه الغثيان! لقد اشتدت حاجتي إلى التقيؤ، فنهضت مسرعاً إلى حافة السفينة ورحت اتقيأ بشدة.
أخذت أتشبت بحبال السفينة بينما رأسي يتدلى نحو البحر، وأنا أشعر بأمعائي تتلوى ومعدتي تتقلب وهي تضغط ضعطاً شديداً كي تطرد الطعام، اعتصرتني هذه الحالة، أبقت فمي فاغراً، وضغطت في أعلى الحلق، فأخرجت سائلاً أصفراً، وتكرر خروجه مع دفع ضغطات المعدة المتلاحقة، جاءني البحّار أبو علي قائلاً:
- لا بأس، يجب أن تخرج الصفراء من معدتك، لأنها السبب.
ثم أحضر لي بعض الماء، وطلب مني أن أغسل وجهي وفمي، استرحت قليلاً ثم شعرت براحة أكبر، وذهبت لأجلس في مقدمة السفينة أتأمل العباب.
راقبت حركة الماء وتجعدات الموج الخفيف، عصفت بذاكرتي الأفكار الكثيرة وأنا في مواجهة البحر. لم أر في تلك اللحظة من العباب سوى خيال والدي، هل رحل إلى الأبد حقاً؟! وهل طوته الحياة بعد أن كان يملؤها ؟! وفكرت لا بد لي أن احتفظ ببعض صوره، ولعل الأجمل منها تلك التي يضع فيها بندقيته على كتفه ويتمنطق (بالسلاحلك)، ويأتزر بزي الجهاد المقدس.
بدت لي تلك الصورة أجمل ما يتراءى من وجوه الطيف الذي يتماوج في خيالي على صفحة الماء، لكأنها تحمل المعاني التي تلامس أعماق جيلنا وأمانيه. شعرت بشيء من الراحة يعاودني لأننا تمكنا من الوفاء له، ونقل رفاته إلى مدينة القدس ليدفن في مقبرة باب الاسباط بجوار الكثيرين من أبناء عائلتنا.
لعلها أمنيته الوحيدة التي أفصح عنها، وكأنها إرادته الأخيرة أن يدفن هناك بباب الأسباط، في ظل أسوار القدس التي أحبها وقاتل دفاعاً عنها، وارتبطت بها كل أمانيه وذكرياته.
لن أنسى أبداً عيون النسر المهاجر الذي زرع فينا لون الصخور الشامخة، لقد عاش صلباً ودافئاً ومضحياً، وعارك الحياة وحده، وجعل ابناءه ينبتون في ظل تربية صارمة، وعلّمهم كيف يعتمدون على صلابة أجنحتهم.
حقاً كان نسراً جديراً بالمهابة التي ظللت حياته، وبجلال الموت لحظة السكون الأخير، وبثرى الوطن مآلاً حنوناً للجسد الذي أجهدته تضاريس الحياة.
خطفتني من الذكرى أسئلة بعض الركاب الذين اقتربوا مني وهم يستفسرون من أحد البحارة عن الزمن المتبقي، فأجابهم:
- لم يظهر البر حتى الآن، بعد قليل سنشاهد الجبال، ثم ننتظر بضع ساعات للوصول.
نظرت إلى ساعتي فوجدتها العاشرة صباحاً، ومكثت بعض الوقت قبل أن يدفعني الغثيان إلى التقيؤ في البحر مرة أخرى، وقد كرر البحّارة معي المساعدة نفسها، أراد البحّار المسن أبو علي أن يهدئني بالقول:
- انك تربح كثيراً بخروج هذه الصفراء اللعينة.
عدت لأجلس في مقدمة السفينة، ومضى أكثر من ساعة قبل أن تظهر ملامح واهية للجبال، عندها بدأ بعض الركاب يشيرون إلى البر ويهتفون: إنها الجبال، لقد ظهر البر.
راحت السفينة تشق عباب الأمواج بأناة وبطء، فهي سفينة قديمة، ليست كغيرها من السفن أو المراكب الحديثة سرعة وثباتاً. كانت شمس تشرين معتدلة في ظهيرة ذلك اليوم، والبحر ليس عالياً ولا منخفضاً، والجو صاف لا تشوبه أية آثار للأحوال التي تضعف الرؤية، ومعالم الجبال تزداد وضوحاً وهي تملأ الأفق بخط متعرج يغلب عليه اللون البني.
يجب أن لا يعترف أحد من المجموعة بأنه يعرف أي واحد من رفاقه، وأن يتظاهر وكأنه لم يشاهد أياً منا إلا على المركب فقط، وأن يحاول ترتيب أسلوب خاص به للتوصل إلى وكالة بدر، ثالثاً، يجب أن نكون رجالاً، "وإذا لم يكن من الموت بدّ فمن العار أن تموت جباناً"، ينبغي أن نحتفظ بأنفتنا وشموخنا، أعدت لهم كلامي مؤكداً على كل نقطة، ثم قلت: كل واحد منكم يخبر أحد الأخوة الآخرين دون أن يشعر بقية الركاب، من جهتي بدأت أفكر:
"لو اكتشفوا هويتي سيقتلونني حتماً، وربما يحاولون الإساءة لي أو إجباري على الإساءة إلى شعبي وثورتي!".
قلت في نفسي: "كلي ثقة بأنني لن أرضخ، سأموت قبل أن يكسروا إرادتي، من الأفضل لي أن أموت على خط دفاعي الأول، وأن أصر على أنني يمني". وتابعت تفكيري: "إنني أحمل جواز سفر يمنياً، ولكن هناك عدة ثغرات متعلقة بشكلي، ولهجتي، وسبب مجيئي في مثل هذه الظروف إلى لبنان، إضافة إلى أنه من المؤكد أن "فتح" سوف تطالب بنا إن نحن بقينا على قيد الحياة، إذن لا بد من أن تتوفر علاقة ما تربطني بفتح، ولا تؤدي إلى إدانتي أمامهم.
يجب أن أنسج رواية أتلافى فيها كل هذه الثغرات الحرجة، رواية منطقية ويمكن تصديقها، وأن تتوافق مع جواز السفر الذي أحمله، وكل الأختام التي على أوراقه، وأن لا أحتفظ بغير الأوراق التي تؤكدها وتنسجم معها، والأهم من كل ذلك، يجب الثبات عليها.
بدأت في البحث عن الأوراق التي بحوزتي، وأخذت أمزقها جيداً، وانزويت إلى الجانب الآخر من المركب حتى لا يراني من في الزورق الانعزالي، ورميت بتلك الأوراق في البحر.
تذكرت أن في حقيبتي ستة جوازات سفر لبعض الأخوة في دمشق، وسألت نفسي، ما الذي يجب أن أفعله بها؟
وقلت: لأنتظر قليلاً!.
ثم فكرت: "ولكن الانتظار سوف يجعلنا على مسافة أقرب لمنطقة نفوذهم، ولا أدري ما الذي سيكون عليه الأمر، إذن عليّ أن أوثقها ببعض القطع الحديدية وأغرقها في البحر.
تناولت حقيبتي، وأخرجت جوازات السفر، ولففتها جيداً، ثم جئت لأحد البحّارة –وهو مسن وساعدني أثناء التقيؤ- وطلبت منه بعض قطع الحديد، فسألني: لماذا؟
- لأمر ما!.
- ولكن يجب أن أعرف! فربما تريد أمراً لا ينبغي أن تقوم به!!
- حسنا! اتبعني.
نزل إلى باطن المركب، وسلمني بعض قطع الحديد الثقيلة، وقال لي: أحكم ربطها.
صعدت إلى مؤخرة مركبنا، من زاوية لا تتيح للزورق الآخر أن يراني وقذفت بجوازات السفر إلى البحر فبدأت تتهادى أمامي إلى العمق رويداً رويداً.
ما أن عدت من مؤخرة المركب حتى وجدت محمد الزغموت يبادرني بالقول:
- سألقي بنفسي في البحر محاولاً الوصول إلى الشاطيء سابحاً.
- ولكنك لن تصل، فالشاطيء بعيد جداً.
- أعلم، إنهم سوف يقتلونني! فلأمت الآن!.
قلت له بحزم: نحن رجال علينا أن نواجه قدرنا لا أن نهرب منه.
- ما هو الفارق إذا كان قدرنا الموت؟!.
- إذن أنت تهرب من موت إلى موت، يجب أن لا نموت بأيدينا وأن لا نفقد الأمل.
جعلني هذا الحوار أسأل نفسي: ما هي الشجاعة الآن؟ أن نموت أو أن نتشبث بأي أمل؟.
وقلت : لعل فرصة ما تلوح يجب أن لا تضيع، على أي حال ينبغي أن نسير على حافة الموت برباطة جأش.
نظرت إلى محمد بحزم واضح وأردفت: فكروا بما قلته لكم، لا بد أن نقدم إفادات منطقية ويمكن تصديقها، سوف يسألوننا عن سبب مجيء كل واحد منا في هذه الظروف إلى لبنان، لا أحد منا يعرف أياً من الآخرين، ولا أحد يعترف بحقيقة أمره، ولا أحد يذل نفسه، أو يضعف، هل هذا واضح! أجابني وهو يمضي.
- واضح.
أبقيت بعض الأوراق التي قد تفيدني في التحقيق منها تذكرة سفر دمشق-الكويت-دمشق، اشتريتها عند سفري من دمشق إلى الكويت، وبقيت معي بعد أن غيرت وجهتي إلى لبنان، ومنها رسالة أعطاني إياها أحد الأصدقاء لشقيقه في دمشق. كنت أعرف أن مضمونها يفيدني وأنها ستؤكد لهم أن مجيئي إلى لبنان هو في الحقيقة أمر طاريء.
عليّ أن أنسج قصتي الآن جيداً، وأن أفكر في كل شيء. فمعركتي معهم معركة إرادة وعقل في آن واحد.
اتجهت إلى مقصورة المركب، وجلست أفكر بالأمر، وجلس بعض الركاب وفي وجوههم الخوف والتعب يتحدثون عن أساليب القوى الانعزالية في لبنان ووحشيتها، وكيف أنهم يقتلون أي فلسطيني أو مسلم ثم يشوهون الجثث ويلقونها في مناطق التماس.
قال أحدهم:
لم ينج أي شخص وقع في أيديهم!.
وقال آخر: سوف يقتلوننا حتماً.
طفقت أستعيد في ذاكرتي كل القصص التي سمعتها عن الخطف والقتل والتمثيل، وهي كثيرة ومثيرة للإشمئزاز، فمئات الأبرياء قتلوا وشُوّهوا على الهوية، لمجرد أن أسم الواحد منهم يدل على انتمائه المذهبي أو الوطني.
تفقد أحد الركاب مصحَفَهُ، وخاطب نفسه بصوت مسموع:
- سوف يكون سبباً في زيادة تعذيبي، مع ذلك سأحتفظ به!!.
كنت مستغرقاً في التفكير فيما يمكن أن يسألوني، وكيف ينبغي أن أجيب، حينما أخذت السفينة تتمايل فجأة مع الأمواج إلى درجة وصول مياه البحر حد حافتها، هرعنا لنعرف الأمر، فسقط البعض على الأرض، وتعثر البعض الآخر، وراح البحارة في مقدمة السفينة ينادون بأصواتهم العالية على الزورق الذي أمامنا.
أعتقدنا أن المركب من شدة تمايله واضطرابه يوشك على الغرق، مما أوقع الخوف والفزع لدى الركاب.
- ولكن ما الذي حدث؟
أجابني أحد البحارة بعد أن سألته هذا السؤال قائلاً:
- توقفت آلة المركب، هناك عطب ما.
- هل الأمر مجرد عطب أم أن هناك شيئاً آخر؟
- لا إنه عطب حقيقي.
رجع إلينا الزورق، فأخبر بحارتنا رجاله بالأمر، وسرعان ما رموا حبلاً متيناً ربطوا مركبنا به، ومضى الزورق بقطر سفينتنا.
استغرق الأمر أكثر من عشر دقائق حتى بدأ الركاب يعودون إلى وضعهم الطبيعي. حضر البحار الفلسطيني أبو مروان محاذراً أن ينتبه إليه الآخرون وأسرّ لبعض زملائه البحارة: أرجو أن لا يناديني أحد باسم سلام، اسمي هو عبد الفتاح.
رحت بدوري أتصل برفاقي كلاً على حدة متظاهراً بأنني أتحدث بأمور عادية، وكأنهم ركاب لم أعرفهم من قبل، مذكراً كل واحد منهم بما قلته لهم، وسائلاً إياه ما إذا فكر جيداً بما سيقوله لآسرينا، وأطلب مزيداً من التفكير أو أصلح بعض الأقوال وأناقشها.
حرصت بالمقابل على أن أتحدث مع ركاب آخرين، ولم يكن حديثي معهم يعدو عن سؤال أو كلام غير ذي بال، المهم أن أغطي حديثي مع رفاقي.
جلسنا في المقصورة، معظم الركاب، وبعض البحارة، وقبطان السفينة الذي تأهب بجدية وقال: يجب أن نعرف اسماء بعضنا البعض، فربما يبقى أحدنا حياً ويخبر عن الآخرين، راح المتواجدون يعرفون بأنفسهم الواحد بعد الآخر، أما أنا فقد خرجت إلى مقدمة المركب، لأنني لم أرغب أن أواجه حقيقة الموت بأدنى قدر من الاستسلام!.
انطلقت فجأة بعض العيارات النارية المتعاقبة، وجعلت الركاب يهرعون لمعرفة ما الذي يحدث، فوجدوا الزورق الحربي مصدراً لهذه العيارات المتجهة نحو السماء، حيث ما فتيء أحد رجاله يطلق الرصاص باتجاه طائر بحري كبير، يعلو زورقهم ويطير بهدوء وبطء، أخطأته العيارات النارية المتعاقبة، ولم يتمكن ذلك المسلح من إصابته! فوقف أخيراً ينظر للطائر يبتعد شيئاً فشيئاً، وهو ما زال يأخذ وضع الاستعداد للرماية، وجدت نفسي أبتسم لهذا المنظر!!.
شاهدنا بعض رجال الزورق يتحدثون إلى أحد بحارتنا، وهو يقف في مقدمة المركب، إنه بحار باكستاني لا يجيد اللغة العربية، كانوا يتوعدونه ويشتمونه، وهو يبتسم لهم معتقداً أنهم يتسامرون معه، أصبحوا يتفوهون له بألفاظ بذيئة وقذرة، وهو يشكرهم على لطفهم ويستزيد، ابتسمت مرة أخرى للمنظر.
انقطع حبل القًطْر فجأة من جديد، وراح المركب يتمايل في أحضان حركة الماء التي أخذت تتقاذفه بقوة، ومرة أخرى هب الركاب بعضهم مذعوراً تحت وطأة هذه اللطمات البحرية.
رجع الزورق الحربي وربط رجاله الحبل بتذمر وامتعاض، إلا أن الأمر لم يتوقف، فقد عاد الحبل للانقطاع قبيل غروب الشمس مباشرة، فأعيد ربطه هذه المرة مع الزورق الآخر الذي عاود اللحاق بنا والاقتراب منا.
وكانت الشمس قد أصبحت على حافة الأفق تماماً، وكانت اشعتها تنعكس على أمواج البحر البعيدة محدثة تمازجاً جميلاً ما بين لون الشفق ولون البحر، وقد أصبح ينعكس عليه خط الشفق بذرات حمراء متلألئة على سطح الماء آخذة شكل نهر المجرة.
صار البحر سجادة زرقاء فسيحة تكتسي صفحتها الرحبة بالخطوط والانحناءات التي أحدثتها حركة الهواء بتياره اللين الهادئ، وكانت الأشعة الحمراء تنعكس بخط طولي يتماوج مع انحناءات الماء، وينعكس بلون يغمره لون الشفق، ويختلط بالأزرق الذي يشوبه اخضرار خفيف.
كان خط الانعكاس بين الشمس والبحر يحتد ويمتد كلما أصبح سقوط الجمرة المضيئة وشيكاً.
راح جو تشرين المعتدل يضيف رونقه للبحر ولبقايا الأصيل، ويترك لمساته وهو يبعث الطراوة من نسائمه المنعشة، لتمس الجسد مساً لطيفاً وعذباً، وكأنها تناجيه بلحن من الشفافية والنعومة.
أما السماء فكانت صحفة صافية تمتد امتداداً يتصل بخط الرؤية في البحر عند نقطة الأفق.
كان المنظر أمامي وكأن الطبيعة عروس طاووسية تختال وتتجدد وهي تستعرض بهاءها الجامح بجلال قوة الخلق المبدعة، كي تدخل في النفس ذلك الإيقاع الموسيقي الدافيء، الذي يوقظ توتراً شعرياً وجمالياً عظيمين.
شعرت بحاسة جديدة تتحرك في أعماق روحي، هي الحاسة الجمالية، وبدأت تتدفق إلهاماتها في النفس محركة الحنين إلى الشعر والرسم والموسيقى تماماً كما تتدفق أمواج البحر وتفيض على حافة السفينة.
إن البحر يلقي في النفس إحساساً بالطبيعة وعظمتها أكثر عمقاً، يجعل الإنسان يرى نفسه نقطة صغيرة في صفحتها اللامتناهية.
أعادني البحر إلى علاقة الإنسان بالطبيعة، وصراعه المرير من أجل السيطرة على قوانينها، وتسخير قواها لخدمة حياته.
واجه الإنسان هذه الطبيعة الهائلة أعزل عارياً، لكنه استطاع بفضل العقل والإرادة والعمل أن يصبح سيد الأشياء الكبيرة والصغيرة في عالمه بعد أن كان في الغابة طريداً للحيوانات المفترسة.
البحر غابة هائلة، لا نرى سوى سطحها ونحن نمر من فوقها. عمق البحر مليء بالحياة والأشياء، إنه عالم معقد يضج بالكائنات وتدور فيه صراعات حادة للغاية، فثمة أحياء تبحث عن البقاء، وثمة أحياء تفترس كل ما تجده في طريقها، حيث القوة هي الحكم الأول.
إنه قانون الغريزة الذي يجعل الأمور رهناً بالحاجة على مستوى الكائن الفرد، والغريزة عاتية، يجب أن يضبطها الضمير والعقل والإرادة، وهو ما يحتاج في المجتمعات البشرية إلى وصول عوامل الذات الإنسانية إلى مستوى من التطور والتأهيل بعوامل الفضيلة في إطار الترابط والتكامل وتأمين الحد المناسب.
ثمة أفراد وجماعات ضمن المجموع الشامل للبشرية والأمم يفتقرون بدرجة من الدرجات إلى هذا الوصول، وهو ما يؤدي إلى سيطرة الحس الغريزي عليهم، سواء بحكم غرائز الأفراد أو غرائز الجماعات. غالباً ما يتحول هؤلاء الأفراد أو الجماعات إلى قوة مدمرة ومعتدية في تاريخ الإنسان، إلى إحياء بحر مفترسة تمتلك القوة أحياناً، وربما تمتلك التفوق العلمي أيضاً، ولكنها محكومة بحس الغريزة المنفلت عن إطار الحس الشامل للإنسان ككائن يتكامل في مسيرة التطور.
إنه الجانب الآخر من النفس البشرية، ذلك الجانب الذي يمتلئ بحوافز العدوان وتلبية الشهوات، والسيطرة، والتدمير، ولا يضيؤه من شيء سوى شمعة الوجدان المتقدة، ونور البصيرة والخير.
أيتها النفس المليئة بالشهوات والخوف والأنا، هذا الثلاثي المزدوج ما بين خصائص الحاجة الفطرية والشر، إنك أيضاً مليئة بالسمو والجرأة والتجرد، وإذا كان الثالوث الأول يخلق الإنسان بين حدوده الطبيعية وبين الشرير، فإن الثالوث الآخر يمكن أن يخلق الأبطال والقديسين.
بالعقل والإرادة والعمل انتصر الإنسان في الصراع بين الخير والشر، وبين الإنسان وغيره، وبها يمكن أن ينتصر في كل معاركه.
تذكرت أنني الآن على أبواب معركة تحتاج إلى مقومات الانتصار، ليس فقط دفاعاً عن الحياة، وإنما دفاعاً عن المعاني السامية وتحقيقاً للواجب أيضاً.
إن الحياة لدى المناضل في سبيل ما هو أسمى ليست فوق كل شيء، وخاصة لدى المناضل في إطار قضية مليئة بالتحدي والصراع، تجعله يعتاد الموت اليومي ويستهين بملاقاته.
في أوار التحدي والصراع والمسيرة الصعبة إلى فلسطين لا بد لنا أن ندرك أن المسألة ليست مسألة العمر الأطول، ولكنها مسألة الفعل الأكثر.
إن الفارق بين الحياة والموت يكمن من حيث الجوهر في فعالية الإنسان وآثاره، فثمة من يعيشون مائة عام ولكنهم ينتهون بمجرد أن يواروا الثرى، وثمة من لا يعيشون سوى العشرات القليلة من السنين، ولكنهم يتركون بذوراً تنبت في الحياة وتنبت لهم أعماراً جديدة.
الحياة تقاس بالفعالية وليس بالأيام، وثمة من يكثفون في لحظة واحدة فعلاً عظيماً يساوي عمراً بأكمله.
نعم علي أن انتصر، لأن واجبي أن انتصر!! عدت أفكر من جديد بما أنا مقبل عليه، أخرجت جواز سفري، وتفقدته صفحة صفحة وختماً ختماً، لكي لا أدع مجال لأي خطأ يمكن أن يتحول إلى ثغرة في أقوالي واستغرقت أوافق بين الأقوال التي أعددتها وبين جواز السفر والأوراق الأخرى التي أبقيتها.
أصبح الظلام يخيم على البحر، تألقت نجمة الغروب، النجمة الزهراء، وقد توهجت اشعاعاتها الثمانية توهجاً ماسياً لترسل نورها الأزرق الذي ألهم الخيال الاسطوري للإنسان، وصارت أضواء الشاطئ تتلألأ أمامنا، وكأن الحياة عادية في لبنان، شاهدت خطاً متصلاً من أنواع السيارات على الطريق الرئيسي الساحلي ما بين بيروت والمنطقة الشمالية المحاذية للبحر، تمكن الإعياء والتعب من بعض الركاب، فاستلقوا هنا وهناك نائمين، أما أنا فقد أحسست باليقظة والجوع، وقلت في نفسي:
- يجب أن آكل، فمن يدري كم سنبقى بغير طعام؟!
طلبت من العامل المختص في المركب بعض الطعام، فأحضر لي قطعاً من الخبز اليابس وقليلاً من حبات الزيتون تذكرت طفولتي، فأنا أجهل مصدر هذا التفاؤل، وقد سبق أن تفاءلت في موقف آخر برؤيا الخيل التي أعشقها منذ الطفولة.
صرنا على مقربة من ميناء جونيه عندما تركنا الزورق عند نقطة في البحر، وأمرنا بالانتظار فيما كان يمضي باتجاه الميناء، وما هي إلا لحظات حتى اقتربت منا قاطرة بحرية يسبقها ضجيج محركها، وأشار رجالها إلى القبطان أن يرفع مرساة ليقوموا بقطرنا باتجاه الرصيف.
شاهدنا في طريقنا إلى الرصيف سفناً مضاءة على الجانبين، يقل بعضها ركاباً يبدو عليهم انتظار السفر، أما الرصيف فقد اكتظ بحشد من المسلحين الذين كانوا يحملون البنادق والمسدسات والخناجر، ترك هذا المنظر حالة من الخوف والتحسب وانتظار المجهول في نفوس ركاب سفينتنا، فكرت:
- ربما تصبح رؤوسنا بعد قليل بين أقدامهم يتقاذفونها!.
يا لكآبة الخيال، وما أضيق الطريق الذي يفضي إلى الحياة وما أوسع مسافات الأمل.
أعمدة الرماد
ما أن رست سفينتنا على الرصيف حتى قفز بعض المسلحين إليها يتسابقون في سؤال الركاب:
- من منكم فلسطيني؟
كنت أقف خارج المقصورة على حافة المركب متوارياً أرقب المنظر والرصيف، فاقترب مني أحد الضباط ليسألني:
- هل أنت من الركاب؟
- نعم.
- أدخل مع الآخرين!
دخلت إلى المقصورة، بذل الضابط مجهوداً ومعه بعض الجنود النظاميين في إخراج المسلحين، حاول بعضهم الإفلات للفتك بمن سيجدون أنه فلسطيني، لكن الجنود تمكنوا بصعوبة من إخراجهم، حضر ضباط آخرون، وفي محاولة منهم لإقناع الحشد الهائج بالنزول إلى الميناء قال أحدهم:
- سنسلمكم كل فلسطيني نجده، يجب أولاً أن نفرز الركاب فهناك بعض الأجانب، وهذه السفينة قبرصية!.
وبمحاولات من هذا القبيل تمكن أخيراً ضباط من الجيش اللبناني ومعهم بعض جنودهم من اقناع المسلحين بالتريث.
أبقونا في المقصورة، ووقف عند كل من بابيها جنود حراسة يمنعون غير المرغوب فيهم من الوصول إلينا، أمرونا بالجلوس في إحدى زواياها، وجمعوا جوازات سفرنا.
جلس عدد من مسؤوليهم خلف مقصف السفينة، وبدأوا في استدعائنا بعد أن فرزوا جوازات الركاب عن جوازات البحارة.
في هذه الأثناء عاود بعض المسلحين والجنود التجمع قرب نوافذ المقصورة يتصيدون البحث عن الفلسطينيين دون أن يجيبهم أحد الركاب، أخذ الضباط يستدعوننا واحداً واحداً.. بادئين ببعض اللبنانيين مركزين على سؤالين ما هي جنسيتك؟ ولماذا أتيت قاصداً صيدا، محاولين التأكد لدى كل إجابة بتقليب جوازات السفر التي بين أيديهم.
توقفوا عند اللبناني الأول بعد استجوابه وسؤاله عن تذكرته الشخصية وعندما أبرزها لهم قالوا:
- أنت لبناني، وهذا بلدك، نحن نبحث عن الغرباء!.
صاروا يفرزون اللبنانيين الذين يحملون تذكرة شخصية إلى جانب جواز السفر عن غيرهم، أما الذين يحملون تلك التذكرة وقد صدرت جوازات سفرهم بعد انقلاب الأحدب، فقد أبقوا جوازاتهم عند المحقق بسبب الاشتباه بهذه الجوازات.
نادوا على أحد الشباب من مجموعتنا، وهو علي حسين وراحوا يسألونه:
- اسمك؟
- علي حسين.
- جنسيتك الأصلية؟
- أردني.
- هل أنت من أصل فلسطيني؟
- لا.. أنا من شرق الأردن.
- لماذا كنت قادماً إلى صيداً؟
- لآخذ شقيقتي التي تسكنها.
سألوه عن اسم شقيقته، وزوجها وعمله، وبعض التفاصيل الأخرى، ثم قالوا:
- أنت تكذب، أنت فلسطيني، أخبرنا بالحقيقة؟
ولكنه بقي مصراً وثابتاً على أنه أردني وأنه قال لهم الحقيقة، ويبدو أن إجاباته قد عززت شكهم بكونه فلسطيني، فأبقوا جواز سفره معهم طالبين منه أن يجلس.
وما أن جلس حتى بدأ المسلحون خلف النوافذ يسألونه ما إذا كان فلسطينياً، وهو ينفي، فطلب منه أحدهم أن يقول (بندورة) فأجاب:
- بندورة، (بسكون النون).
فصرخ المسلح قائلاً:
- كاذب، الفلسطينيون هم الذين يلفظونها (بندورة، بسكون النون)، أما الآخرون فيقولون (بندورة، بفتح النون).
هاج المسلحون على النوافذ، وراحوا يصرخون (فلسطيني)، وهم يلوحون ببنادقهم وخناجرهم، واندفع بعضهم باتجاه الأبواب محاولين التدفق إلى المقصورة وهم يطالبون بإخراج الفلسطيني، وقف الجنود بأوامر من الضباط في وجههم، وتدخل ضباط الجيش شاقين طريقهم إلى الأبواب، ولولا هذا التدخل وتشكيك البعض بأن الأردنيين يلفظون كلمة بندورة مثل الفلسطينيين، وتعهد المسؤولين بتسليمه للمسلحين في حال ثبوت كونه فلسطينياً، لأصبح الأخ علي حسين ضحية تسكين النون في كلمة بندورة.
بعد علي حسين جاء دوري بحسب ترتيبهم لجوازات السفر، نادوا علي، ووجهوا لي الأسئلة:
- اسمك؟
ذكرت لهم اسمي كما ورد في جواز السفر بين أيديهم، وقد ورد فيه خطأ أفادني، وهو اختلال في الأحرف في أسم العائلة أدى إلى تقدير حرف عن آخر.
- جنسيتك؟
- يمني جنوبي.
- لماذا كان حضورك باتجاه صيدا؟
- جئت لتصفية حساب تركة والدي بعد أن توفى في الكويت.
- أين ستصفي هذا الحساب؟
- مع شريك لوالدي يقيم في بيروت.
- ولا تأتي إلا في هذه الظروف؟!
- نحن مضطرون أن نوزع الإرث بعد حصره بحضور الورثة مجتمعين، وقد أخبرني جيران لنا في الكويت أن بإمكاني أن أسافر عن طريق قبرص إلى صيدا، ثم أتوجه إلى بيروت وأن أعود، مؤكدين أن كثيرين قد فعلوا ذلك.
قطع أحد الضباط أسئلتهم لي بدخوله للحديث معهم بأمر ما فطلبوا مني الذهاب والجلوس بين الركاب.
بعد برهة من الوقت عادوا ثانية لاستدعاء الركاب، إلا أنهم استدعوا واحداً غيري، سرعان ما أثبت أنه لبناني يدرس في فرنسا، وحضر لزيارة أهله والاطمئنان عليهم.
انتهزوا هذه الفرصة للحديث عن الفرق بين الفلسطيني واللبناني، مستخدمين ألفاظاً بذيئة ونابية، مما جعل كل واحد منا يحس بالاستفزاز والألم.
رحنا نتبادل فيما بيننا نظرات الغيظ والقهر، ولعلي لم أكن وحدي الذي أحس بداخله أنه على وشك الصراخ بهم عندما قطعوا هذا الهاجس ونادوا على التالي وهو أحد أفراد مجموعتنا.
تقدم وليد بدر باتجاه المحقق الذي بادره بالسؤال:
- وليد سليمان بدر، لماذا أتيت إلى لبنان؟
- جئت إلى لبنان لأن لدي بعض الأعمال والمصالح، ولأنني أريد أن أشاهد "كباريهاتكم"!.
قال "كباريهاتكم"، وهو يشير إليهم، إلى المحققين، وكأنه يعنيهم هم على وجه التحديد، بل أنه قصدهم فعلاً، ولم يقصد غيرهم، فوجيء الجميع بجوابه، أما أنا أدركت تماماً أنه أراد إهانتهم وأنه تحدث وهو شديد الغيظ مما سمع قبل قليل.
لطمه المحقق على وجهه وسأله مستنكراً:
- كباريهات في الحرب يا ابن ... ؟!
رفع وليد رأسه عالياً، وبعنفوان وإباء صرخ فيه:
- اضرب!
ضربوه في كل مكان من جسده، ركزوا على رأسه ووجهه، وأصبح في لحظة خاطفة بين أقدامهم، وسال الدم من أنفه ليغطي فمه والجزء الأسفل من وجهه، فتحوا جرحاً في رأسه، وما زال يصرخ بكبرياء وعناد:
- اضربوا!.
هب أحد المسؤولين مشيراً للآخرين بالتوقف عن الضرب، ثم تحدث مع بعض زملائه بالفرنسية، فأدركت فوراً أنه يعني تغيير مكان التحقيق، وبالفعل سألوا القبطان عن وجود مكان آخر مناسب على ظهر السفينة، فدلهم على غرفة قيادتها.
انتقل المحققون إليها آخذين معهم جوازات السفر والأوراق، وبقي معنا أفراد الجيش، وبعض الضباط، ومن يبدو عليهم أنهم بعض المسؤولين.
ساقوا معهم وليد لاستكمال استجوابه أو بالأحرى ضربه وتعذيبه، كان من بين ركاب السفينة أحد الذين اعتادوا التنقل بين صيدا وقبرص للكسب التجاري، وأسمه رفيق ضو، وهو لبناني يبدو عليه أنه من صنف المهربين الحقيرين، إنسل من بيننا في المقصورة بخبث مع أحد المسؤولين من حزب الكتائب اللبناني إلى خارج الباب، وأنزوى به يهمس له ببعض الأمور، فأخذ هذا المسؤول ينظر من النافذة إلى الأشخاص الذين أشار عليهم رفيق ضو، وقد كنت واحداً منهم، قدرت أنه يقدم وشاية عن الذين اشتبه بهم أو الذين تخلصوا من بعض أوراقهم في البحر، أكتشفت فيما بعد أن حسي قد أصاب، وهو ما تبينته من البحار أبي مروان الذي كان واقفاً بين البحارة قريباً منه، وتمكن من سماع بعض أجوبته وبعض الاستفسارات التي وجهت إليه من قبل عناصر كتائبية تحلقت حوله وحول المسؤول الكتائبي الذي وقف معه.
أخذوا الأخ علي حسين واستدعوا الأخ معين بعد وليد مباشرة، فساورني الشك، لماذا يأخذون علياً ومعيناً الآن!؟ هل تكلم وليد !؟ لقد ظهر كصاحب إرادة حقيقي ولا أعتقد أنه تكلم.
ثبت أن الأمر مجرد صدفة، لقد أخذوا علياً لأنهم قرروا عدم إبقاء الذين يستجوبونهم في المقصورة بعد الاستجواب الأولي معهم، وأخذوا معيناً نتيجة لترتيب الجوازات ليس إلا !، المؤشر الأول على ذلك جاء باستدعاء أحد اللبنانيين العاديين مباشرة بعد معين.
دخل مسؤول كتائبي، رحب به الحضور من عناصر الجيش ومن الكتائبيين على السواء، واتخذ مكاناً له في المقصورة، ثم توجه بالحديث إلى بعض اللبنانيين الذين انتهى استجوابهم دون الاشتباه بأمرهم.
قال لهم على مسمع الجميع:
- سيتم إعدام كل الغرباء الذين على ظهر السفينة، أما اللبنانيون الذين لا علاقة لهم بالحرب فسيطلق سراحهم فوراً.
أصبحت هذه العبارة تتكرر فيما بعد من قبل الكثيرين من مسؤوليهم، ومنهم كتائبي آخر جلس إلى جواري قريباً من رفيق ضو، وقد سمعته يقول:
- من تثبت براءته نعيده إلى هذه المقصورة، وسنطلق سراحه، أما المشبوهين فلن يخرجوا أحياء.
استمر الاستجواب، وهم يستدعون الواحد بعد الآخر، وفي كل مرة اتساءل، ما إذا اكتفوا بسؤالي أم أن دوري سيكون التالي، ولكنني بقيت انتظر.
راح بعض الكتائبيين، ومعهم ضباط صغار يتحدثون معي، بدأت الحديث عن سبب مجيئي، كررت لهم بالطبع الجواب الذي رتبته، وبعد أن دخل إلى قلوبهم شيء من الاطمئنان حدثوني عن الحرب في لبنان، وأنهم يرون بلدهم يدمر ويحترق بسبب أطماع الفلسطينيين، فرحت أجيبهم بإبداء الاستغراب لما يقولون بدون استفزازهم.
رأينا من نافذة المقصورة الركاب الذين اشتبهوا بأمرهم ينزلونهم إلى الرصيف، ويتراكضون حولهم، لم نستطع أن نميز ماذا يفعلون بهم، لكن الإحساس الذي ساد أن تصفيتهم قد تمت، خاصة أنهم عندما أنزلوا محمد الزغموت سمعنا إطلاقاً للرصاص، وأننا لاحظنا أثر حركتهم واندفاعهم بينما المدي والخناجر والمسدسات والبنادق جاهزة بأيديهم.
أصبح رهاني الأول في تلك اللحظة على إمكانية خداعهم والافلات منهم.
إنتهى استجواب جميع الركاب، عاد بعض المشاركين في الاستجواب فسأل أحدهم:
- بقي شخص واحد لم يأخذ جواز سفره اين هو؟
عرفت أنني المعني، فأنا الوحيد الذي بقي ينتظر دون أن يعيدوا إليه جواز سفره، فأجبته بهدوء.
- نعم ، أنا هو.
- تعال معي.
بدا واضحاً أن المحققين قد تركوا غرفة القيادة على اعتبار أنهم فرغوا من مهمتهم، تبعت المحقق الذي ناداني، وإذا به يسألني:
- أين حقائبك؟
- إنها هناك.
أشار لبعض المسلحين أن يأخذوني معهم بعد تناول حقيبتي، فقلت له:
- انكم لم تسألوني؟
- حسناً سوف نسألك في مكان آخر.
أمسك بي كتائبي يرتدي قميصاً طبعت على صدره عبارة "الكتائب اللبنانية"، وهو شخص قصير القامة ممتلئ البدن قليلاً، توقعت أن يكون أسمه جورج لأنني سمعت من حوله في تلك الأثناء يتداولون هذا الأسم، وقد قال لهم:
- هذا يمني لا علاقة له بهم، أتركوه معي.
فسألته:
- أين ستأخذني؟
- ستشرب فنجان قهوة ثم تعود!.
تأبطني من ذراعي وهو يقتادني إلى رصيف الميناء، وبعض المسلحين يتبعوننا في الظلام، تحسس ساعتي ثم خاتم زواجي وسألني:
- أين النقود؟
وضعت كل ما معي من نقود في جيب قميصي على الصدر،ومن السهل عليه أن يجدها، إلا أنني أنكرت وجودها، فقال لي:
- كذاب، مسافر ولا تحمل نقوداً؟!
مد يده مباشرة إلى جيب القميص، وأخذ كل ما أحمله، ثم قال لي:
- إذا تحدثت بكلمة واحدة سوف أقتلك.
واستدار بي عائداً ليقول للمسلحين:
- أدْخِلوه.
أدخلوني إلى بناء مجاور، وراحوا يضربونني بالعصي وأكعاب البنادق والأيدي بدون توقف، حتى وجدت نفسي في غرفة يقف فيها كل الآخرين الذين تم احتجازهم، وتبدو على الجميع آثار الضرب الوحشي، الدماء تسيل من جروح في رؤوسهم، ووجوههم أصبحت متورمة، ومزرقة، ملابس معظمهم ممزقة وصدور بعضهم عارية.
قذفوني بين الآخرين، وانهالوا علي باللكمات، وبالعصي على رأسي وظهري، ركلوني بالأرجل، ضربوا بكل وحشية، كأنهم يفرغون أطناناً من الحقد الأعمى!.
لم أعد أحس بشيء، أدمن الجسد بسرعة فائقة ركلاتهم وضربات أعقاب بنادقهم، شعرت بقوة التحدي والصمود، تساوى الموت بالحياة، وامتلأ قلبي بالعنفوان وقررت أن لا أنحني.
أحس الجلادون بالكلل، تعبت أياديهم، جروني إلى صف المحتجزين، وصاروا يضربوننا الواحد بعد الآخر.
وقف ثلاثة من الحراس على باب الغرفة يشهرون بنادقهم باتجاهنا، سمعنا أصوات المسلحين في الخارج والجنود الآخرين يتدافعون محاولين الوصول إلينا، يمنعهم رقيب أنيطت به حراستنا، وهم لا يكلون عن محاولة إقناعه بالقضاء علينا.
أصبح ضغطهم عليه شديداً، مما جعله يعرض عليهم أن يدخلوا واحداً واحداً، وأن يكتفوا بضربنا، وهكذا راحوا يدخلون علينا الواحد بعد الآخر.
دخل المسلح الأول، وبدأ باستجواب أقرب واحد منا إلى الباب، ثم انهال عليه ليفرغ منه، بالانتقال إلى واحد آخر، وهكذا حتى دار على الجميع، فتبعه مسلح آخر، وبهذه الطريقة راحوا يتوالون علينا واحداً واحداً.
جاء دور مسلح لا يدل مظهره على أيه لياقة عسكرية، له شكل مدرس غبي منفوخ العضلات والجسم، وقد اختارني بالذات ليجرب فيّ عضلاته، بدأني بالسؤال عن اسمي، فلم أجبه. صرخ في وجهي ولم أجبه أيضاً، صممت على أن أوجه إليه أبسط أنواع الاستخفاف به وهو عدم الإذعان له، وجه لكمة قوية إلى معدتي، وانهال علي ضرباً، لكنني بقيت راسخاً أشعر أن وقفتي هذه كفيلة بإيقاع الهزيمة في نفسه مهما آلت إليه النتيجة.
استدار إلى الناحية الأخرى، موجهاً لكماته إلى شخص آخر، وهو يشتم العرب والفلسطينيين، وخرج من الغرفة لما تعب، ليحل مكانه جندي ملتح قصير القامة، وقف في منتصف الحلقة وراح يسأل باستعراض سخيف:
- من منكم يلعب كراتيه؟
ولما لم يجبه أحد، نظر إلى وليد وقال:
- أنت يبدو عليك أنك لاعب كراتيه.
لعله اختار وليداً بالذات لأنه أقل الموجودين وزناً، أمسك بوليد من شعره الطويل، واستجمع كل قوته ليهوي عليه بضربة عنيفة على وجهه المليء بالكدمات وبآثار الضرب السابق، ثم سأله:
- لماذا أتيت إلى لبنان؟
ولأن وليداً لم يجبه قال له أحد الحراس:
- جاء يفتش عن كباريه.
وضع الجندي رأس وليد بين يديه، وضربه بالركبة في وجهه، فجرح وجه وليد، ونزل الدم مرة أخرى من أنفه، ولم يتوقف الجندي عن مواصلة الضرب باللكمات، ولم يترك وليداً إلا بعد أن تعب وخرج.
نظرت إلى وجه وليد فوجدته قد ضرب بقسوة بالغة، مما جعلني لا أتمالك صبري، ووجهت حديثي إلى الحراس قائلاً:
- أنتم المسؤولون عن حراستنا، فلماذا لا توقفوا ضربنا؟.
نظر إليّ أحد الحراس باستغراب، وهمّ بالرد علي، ولكنه سرعان ما أشاح بوجهه عني.
تهيأ جندي آخر للدخول، لكن الرقيب سارع من خلفه قائلاً:
- ارجع حضر الرائد.
ولج الغرفة ضابط برتبة رائد، وراح يتفحصنا بعينيه واحداً بعد الآخر، سأل بعضنا عن اسمه وجنسيته، وكنت واحداً من الذين سألهم، وبعد أن استمع إلى أجوبة بعضنا هز رأسه وبدأ يلقي علينا حديثاً، قال فيه:
- أنتم تريدون إحراق لبنان، لأنه الحضارة، ولكننا نحن اللبنانيين سوف نحرقكم لأنكم الهمجية، أنتم العرب تمثلون الهمجية ونحن نمثل الحضارة، العروبة فكرة نحن الذين اخترعناها، ولكننا تركناها لأنها صارت تمثل الهمجية.
استغرق يتحدث عن حضارة مسيحيي لبنان، واصفاً إياهم بأنهم إنسانيون ومتحضرون ويدافعون عن وطنهم، وأكد من جديد أن كل من هو غير لبناني لن يخرج حياً. وعاد يتحدث عن العروبة وكيف أوجدها المسيحيون.
شعرت وهو يركز نظراته باتجاهي وكأنه يخاطبني مما دفعني إلى الرد حول فكرة العروبة.
فنظر إليّ مستغرباً أن أرد عليه، وتقدم مني ذلك المسلح الذي يبدو كمدرس غبي ليصرخ في وجهي:
- اخرس، عندما يتحدث الرائد أنت تسمع فقط.
غادر الضابط الغرفة فور فراغه من حديثه، ولم يكن قد ابتعد أكثر من ثلاثة أمتار حتى عاد المسلحون يضربوننا بأيديهم وبنادقهم وبما توفر لديهم من عصي وهراوات، واستمروا في ضربهم العشوائي الحاقد حتى سمعوا أحد الحراس من الخارج ينبههم من جديد:
- الرائد.
توقفوا عن ضربنا، ثم دخل ضابط جديد برتبة رائد أيضاً، ونظر إلينا واحداً واحداً، ليحدثنا هو الآخر عن لبنان، وعظمة الموارنة فيه، وإنسانيتهم وأسلوبهم الحضاري.
كانت الدماء على وجوهنا، وآثار الضرب الظاهرة فينا تكذب كل حرف مما يدعيه لهذا الجزء الذي يمثله من المارونية الانعزالية، فقد كان التزوير والإدعاء واضحين في كل جملة تفوه بها..
انتقل إلى الحديث عن الأزمة اللبنانية مشيراً إلى أنها بدأت بمقتل معروف سعد، واتهم المقاومة الفلسطينية بقتله من أجل تفجير لبنان.
شعرت بأن كلامه، يدعو للإشمئزاز، وأنه كذب واضح، فمن المؤكد لنا أن عملاء المكتب الثاني هم الذين قتلوا المناضل معروف سعد، وأن رحيله شكل خسارة كبيرة للصف الوطني اللبناني وليس العكس.
تعمدت أن أنظر إلى ساعتي مبعداً وجهي عن الضابط هرباً من استفزاز نظراته وعباراته، فانتبه أحد المسلحين إلى ساعتي، واستدار لأحد الحراس قائلاً:
- لماذا تبقون هذه الساعات الجميلة معهم؟.
نظر الحارس إلى الساعة، وأدركت من نظرته أنه عزم على أخذها، بينما استمر ذاك الرائد في الحديث عن اللبنانية واللبنانيين، مضيفاً هو الآخر:
- إننا سوف نتسامح مع كل لبناني، حتى المسلم اللبناني سوف نسامحه، أما غير اللبنانيين فإنهم لن يخرجوا أحياء.
وأضاف أيضاً:
- سنقضي على الفلسطينيين، ونخلص العالم من شرهم، لم يبق لهم سوى منطقة صغيرة في بيروت، سندمرها على رؤوسهم!.
تذكرت بداية حديثه عن الإنسانية، وطفقت أتابع كلامه وأنا أفكر في دوافعهم، ما الذي يجعلهم يحقدون كل هذا الحقد!
لقد تلمست لدى جنودهم ومسلحيهم دوافع عميقة، إنهم يحسون أنفسهم كمدافعين عن وطنهم ضد غزو الأغراب، وتملأ غرائزهم درجة عالية من التعبئة لا يمكن أن تعبر إلا عن إيمانهم بقضيتهم.
اكتشفت في هذا الجندي أو المسلح الذي يقاتلنا أنه يمتلك قناعة بكونه مناضلاً في سبيل الحرية، بل لقد تذكرت في عيونهم حقدنا على الغزو والاستعباد، ولكنني لعنت التعبئة الخاطئة التي شوهت الأمور لديهم.
لقد رأيت فيهم سكيناً وضحية في نفس الوقت، وأشفقت عليهم عندما تذكرت أنهم يموتون ضد مصالحهم الحقيقية، وضد انتمائهم الحقيقي وهم يدافعون عمن يخدعوهم.
إنهم يموتون ضد أمتهم وشعبهم، ودماؤهم تذهب لمصلحة العدو الحقيقي، وهم يعيشون وهم التمايز عن واقعهم. إنهم لا يدركون أين يصنفهم العدو؟ّ، هذا العدو الذي نقاتله لو ترك وشأنه سيبتلعهم ولن يرحمهم! لماذا لا يدركون هذه الحقيقة؟ لماذا لم يقرأوا الحكمة التي تقول "أكلت يوم أكل الثور الأبيض"؟!! هل يمكن أن تكون هناك حروب عادلة من الطرفين؟! من المستحيل أن يكون الحق في جانب طرفي الحرب معاً. أحدهما بالتأكيد عدواني وظالم، وربما كلاهما، فخندق الحق لا يتسع لطرف واحد من أطراف أية حرب. وكثيراً ما شهد التاريخ حروباً ظالمة من كل أطرافها.
اسئلة كثيرة جابت أفكاري، وأنا أرى هذا التناقض بين لون جلودهم وأفكارهم، وسألت نفسي أخيراً أين يكمن السر في كل ذلك؟ إنه عدم الوعي لحقيقة الموقع في إطار الصراع الشامل! إنها الفتنة! إنه تاريخ الإنقسام الطائفي، الذي في أوار ردود أفعاله المتبادلة تنشأ تطلعات متعاكسة تحدد اتجاهاته الأرضية الموضوعية والذاتية لكل طرف، وهي التربية المتأصلة نتيجة لكل ذلك في حالة هؤلاء الانعزاليين للنزوع خارج الأمة، بل وإلى أعدائها أحياناً.
من يفقد الإنتماء إلى أمته يخرج من جلده، والذي يحصل أمر غير طبيعي، لا يمكن أن يدوم. في مثل هذه الحالة من الإنقسام والتناحر لا يوجد سوى حل واحد وهو الحل الوحدوي الديمقراطي، الذي يقوم على أساس العوامل المشتركة، وعلى أساس إنسانية الإنسان والمساواة بين المواطنين.
سألت نفسي عن مثل هذه الظواهر من الإنقسام الإجتماعي لدى الأمم الأخرى، فوجدت أن الشروخ الإجتماعية ظاهرة عامة تقريباً، أوروبا، تلك الشعوب التي تبحث عن الشمس مليئة بظاهرة الشروخ بين الجماعات، فبريطانيا التي كانت عظمى تتنازعها أربعة تمايزات بين الإيرلنديون والويلزيون والسكوتلانديون والانجليز.
وبلجيكا الصغيرة يتنازعها التمايز بين الوالو والفلمنك، ولا يمكنك أن تجد مجتمعاً في أوروبا خالياً من هذه الظاهرة، فأوروبا هي أم الصراعات، الصراعات القومية والصراعات الطائفية على حد سواء.
نحن شعوب تبحث عن المطر، وهم يبحثون عن الشمس. البحث عن المطر يعبر عن ظمأ الحياة، وحرارتها ولهيب الحقيقة الساطع فيها، أما البحث عن الشمس فأنه يعبر عن ظمأ الروح للحقيقة العليا ووضوحها، عن جليد الحياة، تترك المسافة بين البحث عن المطر أو الشمس فوارقها في الوجدان الإجتماعي الحضاري، في وعي الأشياء والتأثر بها، وتلقيها، والاستجابة بردود الأفعال عليها في التشكيلة النفسية للمجتمع.
أنها فوارق في الكثير من مظاهر السلوك، البلاد التي تبحث عن المطر تتعلق دائماً بالغيث، وتنتظر الأمل في حركة الطبيعة، وترتبط بكنه الحياة وأولياتها.
البلاد التي تبحث عن الشمس تتعايش مع حركة الطبيعة، وتقلباتها وتستثمر الفسح بين فصولها، وترتبط بآلية الحياة.
ومع ذلك فنحن وإياهم نمتاز بهذه الظاهرة التي تنم عن انفصال الإنسان في نهجين، ابتداء من داخل ذاته، ثم داخل مجتمعه، ثم داخل عالمه.
هذا هو توازن السالب والموجب في الحياة التي نعيشها!
قطع حبل أفكاري عندما أنهى الرائد حديثه وانصرف، ليعود الحراس مرة أخرى إلى تسلية أنفسهم بضربنا، ذلك الظمأ الأسود لا ينضب، اقتربت الساعة من الواحدة بعد منتصف الليل، سألت نفسي: وماذا بعد؟!.
وجدت جواباً واحداً لهذا السؤال هو:
- الموت!
فأنا أعرف تاريخ الأسر والخطف في هذه الحرب القذرة، وسألت نفسي من جديد:
- إذن ماذا انتظر؟ وكيف يجب أن أتصرف؟.
عقدت العزم أن أغامر بشكل انتحاري عندما أتيقن أنهم سيقتلوننا، عليّ أن أحاول أن لا يكون موتي بلا ثمن، وأن تكون محاولتي في اللحظة المناسبة والاتجاه الصحيح.
عبرت خواطر كثيرة في ذهني، وقلت في نفسي: هل حقاً ستكون النهاية؟ وهل أعطيت ما يجب أن أعطيه في الحياة؟ كنت أحلم بدور أكبر، ولكن هذه الساعة، ساعة النهاية لا يمكن للمرء أن يعرف متى تأتي.
المهم أنني حاولت وسرت في الإتجاه الذي وجدته صحيحاً، وينبغي أن أكون راضياً وقرير العين، وقبل ذلك ينبغي أن لا أستسلم فما يزال لي دور هنا أيضاً.
أدرك الآن بقوة وصفاء أن الحياة دور ورسالة، وأن هذا الدور وهذه الرسالة عظيمان بقدر عظمة الأفكار والإرادة خلفهما، وبقدر عظمة الغاية أمامهما.
ليس الأهم أن يقطع عليك القدر الطريق، ولكن أن تكون قد أخترت طريقك بالذات.
نحن ذرات صغيرة جداً في مسيرة الإنسان الخالدة عبر الزمان والمكان وليست العبرة فيما تتمكن أن تؤديه ذرة واحدة، ولكن العبرة في أن تتواصل مسيرة الإنسان نحو أهدافه، وأن تتحقق هذه الأهداف هدفاً بعد هدف، وأن تتجدد الأهداف، وأن يتتابع الرقي والتقدم والعلم والقدرة على استخدام البيئة لما هو أكبر وأسمى وأعظم.
عندما تأملت مسيرة الإنسان، لاحظت المفاصل لتبلور أهداف شمولية اتجهت نحوها حركة البشرية الدائبة. وتلك الأهداف الخالدة التي تبلورت عبر النضالات بين الإنسان والإنسان هي الحرية والعدالة والسلام والتقدم.
إننا جزء من الحركة الدائبة نحو هذه الأهداف، توجد فوق ذلك أهداف أخرى في نطاق أعم وأشمل من العلاقات بين الإنسان والإنسان، ونحن أيضاً جزء من حركتها المنبعثة من خاصية الحياة.
عزائي أنني في اتجاه هذه الحركة الخالدة!!
عندما يقرر الإنسان التحدي والمجازفة فأنه في لحظة واحدة يتجرد ويصبح فوق خيار الموت، ويجد العزاء في قبول هذا الخيار من أجل أن يلج تحديه بعزم ودون تردد. وقد وجدت عزائي في راحة الضمير، راحةٌ مبعثها الرضى عن مسيرتي في طريقي عبر مسالك الحياة.
أوقف أفكاري هذه المرة مجيء الضابطين الذين طلبا منا أن نحمل حقائبنا ونصطف، أخذوا بعدها بإخراجنا كل ثلاثة معاً.
خرجت إلى الباحة وبرفقتي اثنان والجنود خلفنا ومن حولنا، يركلوننا ويضربوننا بأعقاب البنادق، وعندما انهال عليّ أحد الجنود بقسوة ملحوظة نظر إليه الرائدين نظرة تعني أن يخفف قليلاً.
وجدنا بانتظارنا سيارات (لاندروفر)، فأمرونا أن نصعد كل ثلاثة في سيارة واحدة لنتخذ أماكننا في أحد المقاعد الخلفية، وصعد في سيارة مقابلنا حارسان مسلحان، وفي الأمام جلس أحد الضباط وإلى جواره سائق السيارة، وعندما اكتمل الصعود إلى السيارات بدأنا نتحرك.
سارت السيارات بسرعة جنونية بدون إضاءة في شارع طويل، لم أكن أعرف أين يتجه، تبدو فيه آثار القنابل والانفجارات بشكل واضح.
كان الطريق شبه منار، تملؤه الحواجز وبقايا سيارات محترقة، وحجارة وعجلات من المطاط، وأشياء كثيرة مما يمكن أن يتناثر بسبب القصف الشديد. حاولت تفحص الشارع كي أعرف الاتجاه الذي نسير فيه، أما الجنود فقد واظبوا على تسديد فوهات بنادقهم نحو صدورنا، وأياديهم على الأزندة.
تخيلت أن اصطدام السيارة بالأنقاض المتناثرة يمكن أن تؤدي إلى قتلنا. فبنادقهم جاهزة للإطلاق وليس صعباً عليّ أن ألاحظ وضعية البنادق.
صادفنا بعض كمائن الحراسة التي كنا نتوقف أمامها ليتحدث إليها أحد الضباط فتسمح للسيارات التي تقلنا بمواصلة سيرها.