Page 1
مُفْتتح
بقلم: الأستاذة الدكتورة رفيعة عبيد غباش
في قرية تولبرج Tollberg السويدية، دُعِيتُ لحضورِ ملتقىً نظَّمهُ مجموعةٌ من المفكرين للبحث عن : كيف لنا أن نحيا سويًا على هذا الكوكب >How on earth we could live together&· لم أكن أعرفُ الكثيرَ عن هذا الملتقى، لكن موضوعه اجتذبني ودفعني لحضوره·
أٌُسِرْتُ، في البداية، بروعة المكان في هذه القرية السويدية،;حيث تفصلُ الخضرةُ الممتدةُ بامتداد اليابسة بين زرقة الماء وزرقة السماء· لا يزيدُ سكان هذه القرية عن 250 نسمة، وضيوف ذلك الملتقى يصل عددُهم إلى 450 نسمة· المدينةُ طبيعيةٌ، كما خلقها الله؛ جميلةٌ أكثرَ من الجمال نفسه، والطبيعةُ ساحرةٌ، حتى إنك لا تريد أن تغمض عينيك حتى لا يغيب عنك هذا الجمال· هكذا حافظ الإنسان السويدي على بيئته وطبيعة بلاده كأمانة لأجيال قادمة·
في ذلك المنتدى، وبحضور ملك وملكة السويد، تحدَّث المجتمعون في كل الموضوعات التي يتخيلها العقل البشري؛ في العلوم، والسياسة، والأدب، والفكر؛ ولكن كان تركيزُهم المكثَّفُ على قضايا تتعلق بمستقبل الإنسان على هذا الكوكب· مواضيع متصلةٌ بكثير من القضايا التي تشغلنا كبشر نعيش تحت سقف واحد؛ قضيا البيئة، التلوث، الفقر، المرض، المجاعات، التغير في درجة حرارة الكون، الجفاف والتصّحر··· إلا أنه كان واضحًا غيابُ القضايا العربية·
وقد شعرت بأننا، كعرب وكمسلمين، وبالرغم مما نمثله، من حيث التعداد كأمة بالنسبة لتعداد سكان العالم، وكامتداد جغرافي من المحيط إلى الخليج، ومن تركيا حتى الهند وباكستان والصين وإندونيسيا وماليزيا، ناهيك عن وجودنا كجاليات إسلامية وعربية في العديد من البلدان الغربية؛ وبرغم ما تمثله رقعة عالمنا (العالم العربي والإسلامي) من أهمية استراتيجية، وما تمثله من موارد نفطية وثروات معدنية وزراعية ومائية؛ وبرغم أهمية ذلك بالنسبة لاقتصاديات العالم ومستقبل الإنسانية·· بالرغم من ذلك كله، فإن هذه المنطقة وقضاياها لم تحظ باهتمام منظمي جلسات هذا الملتقى·;وجاء برنامج المؤتمر ليؤكد ذلك الشعور بداخلي، فبرغم ثراء الموضوعات والقضايا المطروحة، إلا أنه لم يتم التطرق للحروب والنزاعات المستمرة في هذه المنطقة الحيوية بالنسبة للعالم، والتي لا يقل تأثيرها المدمر وخطورتها على الإنسان والبيئة والحياة بصفة عامة عن خطورة الكوارث الطبيعية·
تساءلت لماذا لا يناقش المؤتمر مثل هذه الكوارث التي يصنعها الإنسان والتي يمكن التحكم فيها والسيطرة عليها بدرجة أعلى من إمكانية السيطرة على العوامل البيئية والكوارث الطبيعية التي تهدد مستقبل العالم؟
تنامى ذلك الشعور بداخلي وأنا أتابع جلسات الندوة· في هذا الملتقى لم يكن المسلمون حاضرون في أذهان من خطط لهذا الملتقى، رغم وضوح نواياهم الخيرة· وحتى العروض الثقافية الموسيقية التي كانت تتخلل تلك الجلسات، كانت من ثقافات كثيرة إلا الثقافة العربية·
ولا يمكن أن أنسى أنَّ الأمير الحسن بن طلال كان ضيفًا على هذا المؤتمر، وتطرقت كلمته لمعاناتنا كعرب من استمرار الصراع العربي الإسرائيلي، دون حل عادل للقضية الفلسطينية؛ وقد حظيت كلمته بإعجاب وتقدير الحضور، خاصة وأنه يمتلك منطقًا سليمًا ولغة إنجليزية رائعة، ويتمتع بخفة الظل·
وأثناء المؤتمر لفت نظري كتابٌ معروضٌ في مدخل خيمة المؤتمر وعنوانهتصوُّرٌ لمستقبل البشريَّة - إنشاء مجلس مستقبل;العالم، تشكيل مستقبلنا، مبادرة مجلس مستقبل العالم، يدعو مؤلفه;مائة مفكر عالمي للقيام بعمل لحماية مستقبل العالم· مرة أخرى لم أجد اسمًا عربيًا مسلمًا بينهم· وبقدر تقديري للقضايا التي ينوي المجلس التصدي لها، وقناعتي بأن بحثها ومعالجتها مسألةٌ ضرورية للبحث عن مستقبل أفضل للبشرية، إلا انه لم يتم التعرض للحروب والكوارث في المنطقة العربية·
أدركت أن علّي دورًا لحمل المجتمعين على تقدير همومنا كأمة عربية ومسلمة، وكبشر من حقنا أن نكون شركاء عند التفكير في مستقبل هذا العالم· وحين دعيت;لتمثيل المائدة المستديرة التي أنتمي إليها في ذلك الملتقى، صعدت المنصة وحييت الحضور وعرفتهم بأن امرأة عربية مسلمة لم تحل تقاليدها ودينها دون حضورها ومشاركتها في هذا الملتقى؛ ونقلت لمنظمي الملتقى والحضور شعوري الذي لم يفارقني لحظة وأنا أتابع باستمتاع جلسات الملتقى ومداخلاته، مذكرة إياهم بأن عنوان ملتقاهم هو (كيف لنا أن نحيا سويًا على هذا الكوكب)، ولكني لا أجد أي حضور للعرب في هذا الملتقى، فقد طُرِحَ العديدُ من القضايا، ولم تتم الإشارة من قريب أو بعيد لسلسلة الصراعات والحروب المتصلة، على امتداد العالم العربي والإسلامي، وتأثيراتها الكارثية علينا وعلى العالم أجمع·
حاولت أن أحصل على تفسير لذلك الإقصاء للقضايا العربية من منظمي المؤتمر، مؤكدة بأننا شركاء في هذه الحياة، ولا يمكن أن يكون لأحدنا مستقبل بمعزل عن الآخر· صحيح أن الملتقى لا يأخذ صبغة سياسية، لكنه يبحث في إيقاف التدهور البيئي، وكثيرٌ من أسباب التدهور لا يستطيع الإنسان السيطرة عليه أو التحكم به؛;لكنه يمكن أن توقف الحروب والصراعات ونتائجها الكارثية على الإنسان والعمران والبيئة، والحياة بصفة عامة، إذا ما وجدت الإرادة الخيرة؛ فالحروب تبدأ بقرار، وتنتهي بقرار·
لقد استوقفت مداخلتي منظمي ذلك الملتقى، ودفعت بمؤلف الكتاب للحرص على الحديث معي فور نزولي من على المنصة، مؤكدًا تقديره لكل ما قلته، ودعوته لي للمشاركة في أعمال هذا الملتقى في المستقبل·;ولقناعتي بأهمية هذا المشروع استأذنت المؤلف أن أتبنى ترجمة ذلك المؤلف إلى اللغة العربية، وهذا ما حدث بالفعل·
شاركت بعد ذلك في اجتماعات تأسيسية للمجلس، في بريطانيا وجنيف، والتقيت بممثلي منظمات تطوعية من كل العالم، ووجدت في إيمانهم وقناعتهم بما يقومون به لتأسيس هذا المجلس تأكيدًا لما قاله هارلان كليفلاند، المفكر والسياسي والدبلوماسي الأمريكي، في كتابه (مولد عالم جديد)، إنه من قبيل العبث أن نؤمل في إمكان احتواء هذه الاضطرابات والتحولات العالمية في كيان (رسمي) عالمي، مهما كانت مسمياته· فكليفلاند لا يرى أن الكيانات الرسمية هي الأفضل كمؤسسات تحكم العالم في المستقبل، فالأصلح لهذه المهمة هو مجموعات العمل التعاوني غير الرسمي، المكونة من شخصيات مرموقة ذات خبرات طويلة متنوعة، ويقترح لهذه المجموعات اسم (ائتلاف الأخيار)!
;ويبدو أن الأخيار قد اجتمعوا لتأسيس هذا المجلس؛ وآمُلُ أن يزيد عددُهم من وطننا العربي·
Page 2
مقدمة الطبعة العربية
بقلم : جاكوب فون أويكسكولأُعبِّرُ، بدايةً، عن عظيم امتناني للأستاذة الدكتورة رفيعة غباش، لتفضلها بترجمة كتاب مجلس مستقبل العالم إلى اللغة العربية·
لقد اجتمع المجلس التأسيسي لمجلس مستقبل العالم، بعد ظهور هذا الكتاب، ووفرت لنا مدينة هامبورج الألمانية التمويل الذي سيتيح لمجلس مستقبل العالم، وقد اكتملت صورته، أن تنطلق فعالياته، ويبدأ أعماله بالعام 2007·
لقد كان يبدو لنا، حتى وقت قريب جدًا، أن المستقبل قادر على أن يتكفل بذاته، وأن الصحارى والبحار، مع دوران الفصول، قائمة على حالها؛ غير أن الحال أصبح غير الحال، في غضون أجيال قليلة؛ وتقدم لنا منطقة الخليج العربي مثالاً جليًَّا لتغيرات متسارعة، حدثت خلال جيل واحد، لا غير· ولم يكن ثمة فسحة من الوقت للالتفات إلى ما تم الاتجاه إليه من خيارات، فقد كان هناك دائما من يخبرنا بأن أحدًا لا يمكنه إعاقة التقدم؛ والحقيقة هي أننا، بطبيعة الحال، كنا نمتلك خياراتنا حول المستقبل الذي نبتغيه· وكان هناك، في أغلب الأوقات، من يقول بأن النموذج الغربي هو الأفضل؛ ولكن·· أي نموذج غربي، والغربُ ذاته مطالبٌ بأن يأتي بنماذجه وخياراته· لقد بدت الولايات المتحدة الأمريكية في عيون كثير من الناس، ولزمن طويل، هي الرمز على المستقبل، حيث المجتمع المفتوح الذي يحظى بالأمن ويرفل في النعيم ورغد العيش؛ وها هي الحقيقة تتبدى، فلا هو مفتوح كما كنا نتصور، ولا هو ينعم بالدرجة من الأمان واليسر التي كنا نغبطه عليها؛ وتبين أن نوعية الحياة الأمريكية تقوم أساسًا على مدى قبول بقية العالم للعملات الورقية الأمريكية كمقابل لثروات الموارد الطبيعية، وكأجر عن عمل شاق· كذلك، تأكد أن الأطفال الأمريكيين الحاليين أضعف صحةً، وأمهاتهم أقل سعادة، من آبائهم في الجيل السابق عليهم·
ولملاحقة عربدة المذهب الاستهلاكي، الذي يتخذه النموذج الأمريكي أساسًا له، فإننا نبدد ميراث الأجيال القادمة· لقد كتب القاضي السريلانكي (س· ج· ويرامانتري)، أحد الأعضاء المؤسسين لمجلس مستقبل العالم، يقول :
تكفل لنا قدراتنا الحالية أن نتدخل بالتأثير في الأحوال الفيزيقية التي سيعيش فيها خلفاؤنا، على مدى عشرين ألف سنة من الآن· فنحن قادرون على أن نُبدِّلَ أحوالَ مناخ كوكبنا إلى أذىً دائم لهؤلاء الخلفاء؛ وبمقدورنا أن نتخطى حدود الزمن، فنتجاوز الحدود والعوائق الجيولوجية والسياسية والثقافية، لنشكل أفكارَ تجمعاتٍ ضخمةٍ من البشر في قوالب تتناسب ورغبات أولئك الذين يحسنون تطويع القوى لصالحهم· ولقد كانت مسئولية رهيبة تلك التي ألقيت على كواهلنا في المائة سنة الفائتة، ولكننا لم نفطن إلى ضرورة تجديد وتعديل ما انتهجناه من سياسات، وما تبنيناه من تصورات، وما عملنا وفقا له من مؤسسات، في ضوء مستجدات الواقع
لقد نثرنا بذور هلاك النوع البشري وحضارته، بينما أولئك الذين نلحق بهم الدمار - أطفالنا وأطفال أطفالنا، إلى ما شاء الله من أجيال متتالية - يلتزمون جانب الطريق، عاجزين، لا صوت لهم، وغير معترف بهم· ونتشدَّقُ باتِّباع قواعد الديموقراطية التي يكفلُ مبدأُها الأساسيُّ ألاَّ يتعرضَ فردٌ أو جماعةٌ من الناس للضرر دون أن يكون لهم حقُ الاعتراض· ألم تكن (لا ضرائب دون اعتراض) هي الصيحةُ التي كافحت من أجلها الديموقراطية؟؛ فماذا، إذن، عن أولئك الذين نفرض عليهم الضرائب·· وأولئك الذين نسلبهم حقوقهم·· وأولئك الذين نحكم عليهم بالموت، دون أن يكون لهم حق الاعتراض في مجالسنا الديموقراطية المعاصرة؟· إنها ديموقراطية ترقُدُ على فراغٍ تشريعي، صنعته هي نفسها !
لقد جاء مجلس مستقبل العالم ليملأ هذا الفراغ·
إن ما يواجهنا من تحديات بالوقت الراهن هو، بالدرجة الأولى، سلوكي وأخلاقي، وليس في الشأن السياسي أو الاقتصادي؛ فحماية القدرات الحيوية لأرضنا، وتنوع الحياة فيها، وجمالها، هي أمانة مقدسة· وإن أخطارًا مثل تغير المناخ الكوني، وانقراض أنواع من الكائنات الحية، والنقص المتزايد في موارد المياه العذبة، لتدعونا لأن نعيد التفكير في مستقبلنا· كذلك، فإن مشكلةً كانتشار البطالة، في عالم أمامه الكثير مما ينبغي أن يقوم به، يمكن أن تعصف بالسلام الاجتماعي في مجتمعاتنا· وإننا لنشهد الآن تداعي النظام العالمي الذي تأسس بعد 1945، والذي - برغم عيوبه - كان يعدُ بتحقيق السلام المبني على القانون الدولي بين الأمم؛ فها هو الغرب لا يقيس بالمعيار ذاته وهو يتعامل مع علاقة إسرائيل بجيرانها العرب، مما يجعل المزاعم الغربية المتعلقة بنُصرة حقوق الإنسان محل سخرية؛ كما أن الحرب التي لا تزال تدور رحاها في العراق تُبيِّنُ لنا أن ثمة ردةً إلى نظام عالمي كان يقوم على مبدأ أن القويّ هو صاحب الحق·
لقد كان رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري يقول : (لا تنتظر من منقطعي الرجاء غير الأفعال اليائسة !)؛ وعلينا أن نختار بين أن نبني مستقبلاً على أساس من التعاون من أجل الأفضل، أو مستقبلاً يقوم على التنافس من أجل الأرخص، حيث يعيش (الفائز) فيه بحالة خوف دائم من الخاسرين اليائسين؛ وفي هذه الحالة، فإن أحفادنا لن يتذكروننا إلاَّ كمجرمين أو مخبولين؛ والأمر مرده إلينا·
إن أعظم كارثة تواجهنا لا يَرِدُ ذكرُها بين ما اعتدنا ترديده من الكوارث، وهي تتمثل في فشلنا في حل هذه المشاكل، بالرغم من الرصيد المعلوماتي غير المسبوق الذي نمتلكه، وبالرغم من الخبرة، والموارد الطبيعية، والتقنيات التي لم تكن متوفرة في عصور سبقت؛ وهي كلها عوامل كفيلة بأن تجعلنا قادرين على إيجاد الحلول المطلوبة· لكن، هل - مع كل ذلك - يتوفر لنا الحكمة والذكاء؟· إنهما، بالتأكيد، لا يتوفران لدي هؤلاء الذين قاموا بغزو العراق، ولا لدى أولئك الذين يتحدثون الآن عن مزيد من التدخلات المسلحة·
إن ما نحتاج إليه حقا هو أن نؤسس لتحالفات جديدة من أجل مستقبل يسوده السلام بين الأمم بعضها بعضا، وبين البشر والطبيعة· ويستهدف هذا المشروع مجلس مستقبل العالم بناء هذا التحالف·
جاكوب فون أويكسكول
رئيس مبادرة مجلس مستقبل العالم
لندن - يوليو 2006·
Page 3
مخطط الهيكل التنظيمي لمجلس مستقبل العالم
ملخَّص شامل*تأسيس آلية مؤتمَنَة، وبعيدة الأمد، لمخاطبة الأجيال القادمة·
* بناء منتدى عالمي يؤلّف بين كل البشر، ويقوم على أساس من القيم الأخلاقية المشتركة·
* التغلُّب على أوجه القصور في العمل من أجل مستقبل البشرية، بتحقيق روابط بين سلطان الأخلاق وقوة الديمقراطية·
إن فكرة إنشاء مجلس عالمي للمستقبل لآخذةٌ في التخلُّق؛ فثمة المئات من منظمات المجتمع المدني، ومن الشخصيات البارزة، تقدم يد العون لتطوير المخطط الذي نعرض له في هذا الكتاب· وإننا لنعبر عن امتناننا لما قدموه من اقتراحات وأفكار؛ وتجدون في نهاية الكتاب قائمةً بما يزيد عن مائتي منظمة وشخصية مرموقة، أبدت مظاهرتها لهذه المبادرة؛ ونورد القائمة، أيضا، في موقعنا بشبكة المعلومات الكونية، وعنوانه :
www.worldfuturecouncil.org
التحدّي
بالرغم من توفر قدر غير مسبوق من المعرفة والمهارات والموارد، فإن البشرية سائرة، بالوقت الراهن، نحو صدام مع مستقبلها؛ فنضوب الموارد الكونية وتلوثها، وتعاظم التباين بين الأغنياء والفقراء، وما يتبع ذلك من إمكانية احتدام الصراع، هي أمور تثير المخاوف والحيرة والشبهات· ثم إن القرارات التي تتخذ حاليا سيكون لها مردودات، في المدى البعيد، على نحو لم يحدث من قبل؛ أما قصر النظر، أو قرارات المدى المنظور، فقد صارت هي التوجه الغالب·لقد حرصت لجان ومؤتمرات الأمم المتحدة على أن يتضمَّن خطابها الرسمي الكثير من القضايا الملحَّة، إلاّ أن ما تبين لنا هو أن التغييرات الهيكلية، حتى وهي في أدنى حدٍ لها، قد تجاوزت أعلى حد للقدرة السياسية التنفيذية لهذه المنظمة· ومثل هذا الوضع كفيل بجعل عامة الناس يفقدون الرجاء في المنظمات القومية والعالمية·
إن المؤسسات التي ترعى أحوال (الوضع الراهن) راسخة البنيان، أما (المستقبل)، فلا صوت له يُعْتدُّ به· ومن أجل ملء هذا الفراغ، تأسس مجلس مستقبل العالم، ليساعد في خلق عالم جميل، منيع ضد جوائح المستقبل، وذلك بإجراء تغييرات كبيرة متسارعة في الاتجاه الذي يمضي فيه التقدم؛ منها التأكيد على أهمية مبدأ الاستدامة البيئية كقاعدة للتنمية البشرية، وتوفر عنصر العدالة في تصريف شؤون العالم·
القيم المشتركة
توضح استطلاعات الرأي العام العالمي أن القيم المشتركة تأتي بين الأولويات في الأعراف والتقاليد الثقافية، بكل موقع على ظهر البسيطة؛ فكلنا نريد حياة طيبة لأبنائنا، وبيئة صحيحة، وثقة واحتراما متبادلين، وحياة تخلو من العنف؛ ونحن الآن بحاجة للتأكيد على إمكانية أن تتحقق مثل هذه القيم·إن مجلس مستقبل العالم سوف يضطلع بدور الضمير الكوني، فيسعى لمواجهة ما يترتب على قصور الرؤية من جشع، وتبلُّد، ورضى بالواقع؛ فيضيف إلى الحاصل من مبادرات قيمًا تتولَّد من خلال إطار يتم بناؤه على قاعدة من القيم المتناسقة الفاعلة، للعمل على تنفيذ عمليات الإصلاح ذات الضرورة القصوى·
المجلس
سيتكون المجلس من أفراد بارزين، يُنتَقون من كل أنحاء العالم، ليكون من بينهم الشيوخ الحكماء، والشخصيات المبرَّزَة في مختلف المجالات، والرواد قادة الشباب؛ تجمعهم لقاءات دورية منتظمة، يهتمون فيها بسد ثغرات خطط العمل العالمي، حمايةً لحقوق الأبناء والأجيال القادمة، ويعطون تصوراتهم لما هو ضروري، وليس فقط لما قد يبدو ممكنا محتملاً، من وجهة النظر السياسية· وسيكون على هذا المجلس أن يخلق مناخًا جديدًا، تتسع فيه قاعدة من يملكون حق المشاركة في إيجاد حلول للمشاكل التي تعانيها البشرية· كما سيكون على المجلس أن يقترب في عمله من شبكات عالمية للبرلمانيين والمجتمع المدني، لعل ذلك يساعد على نشر السياسات الفاعلة، والحلول بعيدة الأمد، بين مختلف البلدان؛ ومن ثمَّ، فإن وسائل الإعلام المختلفة، وشبكة المعلومات الكونية، ستكون أدواته لنشر ما تتوصل إليه مباحث ومشاورات المجلس في أرجاء المعمورة؛ وقد تم تخصيص قناة SWR التلفازية الألمانية لتغطية اجتماعات المجلس· وأخيرًا، فإن مجلس مستقبل العالم (م م ع) سيشجع على تكوين مجالس فرعية، على المستويات القومية والأقليمية والمحلية، لتنشيط دعم الشعوب لما يقترحه من إجراءات وسياسات·لجان الخبراء
سيكون في خدمة المجلس 24 لجنة خبراء صغيرة، تهتم بالقضايا الأساسية في المجالات البيئية والاجتماعية والاقتصادية؛ وتراقب توجهات العالم، وتعد اقتراحات بتشريعات ونصوص اتفاقيات دولية· وسوف يتوفر لهذه اللجان صلات قوية بمنظمات قائمة، وبمصادر مستخلصات الأبحاث الجارية· وتقدم اللجان تقاريرها إلى المجلس، ليبحثها ويأخذ بها· أما الهيكل التنظيمي للمجلس ذاته، فسوف يتوفر فيه عنصرا البساطة والفعالية؛ وسيكون له ثلاثة أو أربعة مقار في مواقع أساسية، تتضمن جنوب العالم· وسيشتمل الهيكل أيضًا على هيئة تنفيذية، لها سكرتارية متعددة اللغات، ويدعمها دائرة من المستشارين؛ ويتحدد عملها في التنسيق بين أنشطة المجلس· ولدينا ميزانية مفصَّلَة لهذه اللجان·ما تمَّ من أعمال
شهد عاما 2004 و 2005 انعقاد لقاءات في عدد من الدول للفت الانتباه إلى ضرورة تكوين مجلس مستقبل العالم؛ كما جري الاتصال بما يزيد عن ثمانية آلاف منظمة في مائتي دولة، وبعدة آلاف من أعضاء المجالس النيابية، وغيرهم من الأشخاص المهتمين، وطُلب منهم إعلان تأييدهم للمجلس واقتراح من يصلحون لعضويته· وخلال السنتين المنصرمتين، توفر التمويل الفردي من ألمانيا وسويسرا للجنة مبادرات التخطيط الدولي المنبثقة عن المجلس؛ وفي أكتوبر 2004، انطلقت من لندن، رسميًا، مبادرة مجلس مستقبل العالم، وذلك بصدور الطبعة الأولى من هذا الكتاب، وكان عنوانها : إنشاء مجلس مستقبل العالم؛ ولم تلبث أن تلتها طبعة ألمانية، ظهرت في مارس 2005·الأنشطة الجارية
تمت دعوة مجموعة مكونة من خمسة وعشرين من الشخصيات الموقَّرة، يمثلون العالم كله تمثيلاً متوازنًا، ليكونوا الهيئة التأسيسية لمجلس مستقبل العالم؛ وهم الذين سيناط بهم اختيار بقية أعضاء المجلس· إضافةً إلى أننا نعد لكتاب جديد، يلخص القضايا التي ستوكل إلى اللجان المقترحة التابعة لمجلس مستقبل العالم·أما الإعلان العالمي لقيام مجلس مستقبل العالم، فسيتم غداة توفير التمويل المالي الأساسي اللازم لانطلاق فعاليات أول مراحل عمليات المجلس· ويجري، بالوقت الراهن، عمل دؤوب لتنمية موارد التمويل؛ وبالوقت ذاته، فثمة اجتماعات تنعقد في مختلف الدول لتحديد أفضل المواقع لمكاتب ولجان م م ع·
Page 4
مقدمة
بقلم : لويس باربرلأنهم يدركون ما نعانيه الآن، نتيجةً لاتباع أساليب تفكير بالية، وللخلل الذي لحق بأنساق القوى، أصاب القلق مجموعة من المفكرين العالميين، فأمسوا بحال من التوجس تجاه المستقبل، فتوصلوا إلى فكرة خلاّقة· وكما هو الحال في كثير من الأفكار (الجديدة)، فإن هذه الفكرة تتضمن - ببساطة - التوفيق بين عناصر ومكونات موجودة فعلاً، لكن يعاد تجميعُها في نسق جديد، وبميزان مختلف، ومن منظور آخر؛ والمأمول من هذه الفكرة أن تجلب تغيرًا ملموسًا في طريقة اهتمامنا ببعضنا البعض، وبالكوكب الذي نعيش فيه·
وتتمثل الفكرة، التي تكتسب دعمًا عالميًا متزايدًا، في إنشاء منتدى جديدًا لقيادة الكون، يطلق عليه اسم مجلس مستقبل العالم؛ يتجمع فيه القيادات الأخلاقية، وأعضاء الهيئات التشريعية القومية، ومواطنون مستنيرون، يزوّدون بكل ما يحتاجونه، ليداوموا التفكير العملي للمستقبل البعيد·
لقد نمت الحاجة إلى هذا المنتدى الجديد بعد أن تبين لنا أن السواد الأعظم منَّا، وبيننا صانعو السياسات في مجالات السياسة والاقتصاد، نركٍّز اهتمامنا على الأهداف المنظورة في المدى القريب؛ ولقد درج الناس - بعامة - على أن يتخذوا القرارات بناءً على رغباتهم واحتياجاتهم الحالية؛ كما أن السياسيين يعملون ونصب أعينهم الفوز في الانتخابات القادمة؛ ولا يعمل رجال الأعمال إلا ما يؤدي إلى زيادة أرباحهم في نهاية الشهر· وفي الغالب، فإن مثل هذا التفكير قصير النظر، بما يترتب عليه من تبعات، يرسٍّخ قيم وأخلاقيات التسوية والحلول الوسط· فمن الذي سيهتم بالبحث عن خطط طويلة المدى لحياة الجميع، بينما كلنا منشغل بالسعي خلف احتياجاته ومتطلباته العاجلة؟· ومن الذي سيرفع صوت قيمنا المشتركة، ويتأكد من أن السياسات العالمية تعكس المبادئ الأخلاقية؟·
تلك هي المهمة التي سيتولاها مجلس مستقبل العالم·· مائة من الشخصيات القيادية الأخلاقية المحترمة، سيتولون قيادة الدفة، ويصدرون التوصيات السياسية، التي ستكون بمثابة البوصلة الأخلاقية التي ستوجهنا نحو عالم أكثر عدلاً وإنصافًا وصحة·
إن مجلسًا يُنتَظَر منه أن يلعب دورًا بمثل هذه الأهمية لم يكن ليتكون إلاً من خيرة الناس، على مستوى العالم؛ وفي هذا الصدد، تمت مراجعة ما يزيد عن ثمانية آلاف من منظمات المجتمع المدني، في أكثر من 180 دولة، وآلاف من البرلمانيين والأكاديميين والقادة والمواطنين العاديين، بهدف تأمين قاعدة صلبة يقوم عليها مجلس مستقبل العالم، الذي سيوفر لنا صنفًا مغايرًا من الأفكار التي تنظر إلى البعيد، ومن القيادة التي تراعي الأخلاقيات؛ وهما شيئان يحتاج إليهما العالم كأشد ما تكون الحاجة·
إن مجلس مستقبل العالم لن يكتفي بالوقوف أمام الأعراض، بل سيضع يديه على المشاكل الأصلية والأسباب الجوهرية لما يعانيه النظام العالمي من أسقام؛ ولن يغيب ذلك عن ناظريه وهو يركز بؤرة اهتماماته بالقضايا الفاصلة، ويكشف عن الصلات البينية التي تجمع بين مشاكلنا، ليجد حلولاً لها· وسوف يدمج المجلس الثقافات التليدة بمختلف أبعاد المعرفة العلمية المعاصرة؛ كما سيؤلف بين أكثر شيوخنا حكمةً وأعظم شبابنا موهبةً، ليفكروا معًا في شؤون المستقبل ببصيرة نافذة وروح خلاقة؛ وبالوقت عينه، يكونون متأهبين للتعامل مع الأحداث الجارية بالعالم، الطارئ منها، وما كان مدرجًا - قبلاً - في خطط أعمال المجلس، الذي سيُعْنى بأن يضع أمام أعين الجميع ما نتمسَّكُ به من قيم ومبادئ عامة ثمينة مشتركة، لا يمكن التفريط فيها؛ مع التأكد من أن ما يوضع من سياسات لتسيير شؤون العالم يعكس هذه القيم والمبادئ، ويتأسس عليها·
وسيكون مجلس مستقبل العالم بحاجة إلى مشورة الخبراء ومشاركة القانونيين من مختلف الأوطان، الذين سيجدون مردود المشورة والمشاركة في صورة توصيات يتلقاها البرلمانيون من المجلس، ليحولوها إلى قوانين وطنية ودولية نافذة· ولن يكون المجلس منفصلاً في أعماله عن المواطنين ذوي الصلة بالشأن الذي يبحثه المجلس؛ كما أنه - المجلس - سيكون متواصلاً مع منظمات المجتمع المدني في كل أنحاء العالم، التي يمكن أن تكون معينًا طيبًا للمجلس، والتي سيُعَوَّلُ عليها في أمور توعية وتعليم المواطنين، وفي ممارسة الضغوط على المشرعين ليأخذوا بما يصدر عن مجلس مستقبل العالم من توصيات· إن هذا التشكيل الثلاثي، المكوَّن من أنصار الأخلاقيات، والمشرِّعين، والمواطنين المستنيرين المقبلين على المشاركة، سيكون بمثابة القوة الضاربة التي ستحقق التغيير المرجو·
إنَّ تكوين مجلس مستقبل العالم لا يعني أن نلقي عليه وحده أعباء القيادة الروحية والأخلاقية، فالقيم والأخلاقيات يجب أن تتخلل كلَّ المستويات، وأن تنتظم حياة كل الأفراد في أي جماعة سليمة التكوين· ويأتي في صدارة ذلك قيمنا الأخلاقية المشتركة، وما يترتَّبُ عليها من أفعالٍ نقوم بها، وسلوكيَّاتٍ نسلُكُها، لتحدد هوّياتنا كأفرادٍ وكأمم، و - بصفة شمولية - كنوعٍ من أنواع الكائنات الحيَّة· إننا - بعامةٍ - مسئولون عن المخاطر التي تُحدِقُ بالعالم الآن؛ ومن جهة أخرى، فإن لكلٍ منَّا دورًا يتوجَّبُ عليه القيامُ به، للتغلُّب على هذه المخاطر·
إن النوع البشري مطبوعً على أن يصطفي لنفسه قادةً، يعهدُ إليهم بإرساء القواعد، وتحديد المعايير، ورسم السياسات، وإقرار الاتجاه العام للمجتمع· وللأسف، فإنَّ ميلنا الفطري للاعتزاز بالقيادات يصطدم، طول الوقت، بما نرى ونسمع ونقرأ عن هذه القيادات في وسائل الإعلام، فيخيب رجاؤنا؛ ولنا أن نتطلَّع إلى أن ينتعش الرجاء، ونحن نرنو بالإجلال والتوقير والثقة إلى قيادة مجلس مستقبل العالم·
والظاهر للعيان، أن ثمَّة إجماعًا على أن الدمار المتزايد في أنظمتنا البيئية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية هو - بالأساس - كارثة روحية؛ ونحن لا نكاد نقدرُ على تلمُّسِ مهربٍ من هذه المشاكل؛ ولكن - لحسن الحظ - فإن ثمة نهضة روحية تخرج إلى حيِّزِ الوجود، متمثَّلَةً في انتباه - على مستوى الكون - لوجود ترابطٍ واتحادٍ بين كل الأشياء، بالإضافة إلى تبدُّلٍ في الوعي العالمي؛ كما أن ثمة نزعة محسوسة نحو احترام الحياة، ورغبة بالعيش في تكامل مع بقية مخلوقات الله·
إنَّ الإبحار في عباب مشاكل الكون الضخمة سيكون بمثابة مغامرة، على المستويين الذهني والروحي؛ وسيكون - أيضًا - مسألة محبَّة·· لقد استمعتُ، بالعام 1992، إلى محاضرة أخَّاذة ألقاها الرحَّالة والباحث البحري الشهير (جاك كوستو)، في مؤتمر قمة الأرض، الذي انعقد في ريو دي جانيرو، وأذكُرُ أنه أنهى حديثه مشجِّعًا كلَّ فردٍ على أن يدقق النظر في عالم الطبيعة؛ لأنك، حسب قوله، ما إن تسبر غور شيئ ما، فإنك تقع في حبه؛ فإذا وقعتَ في حبه، فإنك ستعمل جاهدًا على حمايته إنه الحُبُّ المتبادَل بيننا، وحبنا لكوكبنا الذي يهبنا الحياة، واهتمامنا بمستقبل أطفالنا·· ذلك كله هو في موقع القلب من الجهود الساعية لخلق مجلس مستقبل العالم· لنستمع إلى (جوانا ماسي)، تُذكِّرُنا في كتابها (العالم هو حبيبي·· العالم هو ذاتي)، بأنَّ كل أطفال القرون المقبلة هم، في حقيقة الأمر، أطفالنا نحن، فثمة رابطٌ حيويٌ يصلُ بيننا وكلِّ من سيخلفوننا·· وإذن، فإنَّ صون هذا الكوكب يعني إيجاد رابطة قوية مراعية، تربطنا بتلك الأجيال القادمة· ولا شكَّ أن مجلس مستقبل العالم، وهو يضع نصب عينيه مبدأ التخطيط طويل الأمد من أجل حياة سعيدة لأطفالنا وعالمهم، سيجدُ كثيرًا من الأصدقاء المناصرين له، ولعلَّ معظمهم لم يولد بعد·
إننا ندعوكَ للاطِّلاع على فحوى هذه المبادرة والانضمام لها؛ ونحن نأمل أن نكون شركاء لك في هذه المغامرة·
لويس باربار
نائب رئيس مبادرة مستقبل العالم
أمهرست - ماساشوسيتس
الولايات المتحدة الأمريكية
Page 5
لنجعله واقعًا ملموسًا
بقلم / جاكوب فون أويكسكول
القيم والاستقرار في العالم
في مفتتح الألفية الجديدة، يحتاج العالم لكيان له صفة الاستقلالية، يعمل على ضخِّ أبعاد أخلاقية في أساليب الإدارة والسلوكيات المتصلة بالقضايا الكونية· إننا بحاجة لصوتٍ جلي مثابر، يعبِّرُ عن قيمنا، نحن سكان العالم، وليس فقط عن قيم المستهلكين في عالمنا·إن التحدي الحقيقي الذي يواجهنا ليس هو ما يمكن تسميته بالفراغ القيمي، بل هو ما يحيط بالقيم، التي تحظى بقبول واسع، من عوامل مثبِّطة· إن مجلس مستقبل العالم يجري تأسيسه للتأكيد على أن المنحى الأخلاقي في التفكير طويل الأمد أصبح هو مركز الجدل حول مستقبل البشرية، بعامة· ويقول لنا التاريخُ إن التحديات التي تواجهها البشرية، بالوقت الراهن، فريدةٌ من حيث اتصالها بكامل الكون، ومن حيث عدم وجود حدود لامتدادها الزمني؛ فلأول مرة في التاريخ البشري، لن يقتصر تأثير ما نتخذه حاليًا من قرارات، أو ما لم نتخذه منها، على المائة سنة القادمة، بل سيمتد مفعوله ليغطي الألفيات التالية من تاريخ الحضارة البشرية، وربما يمتد أكثر، على مدى عصور جيولوجية قادمة· وبينما نحن نمتلك من القوة ما يجعلُ تأثيرنا على الأجيال الحالية والمستقبلية شديد الوقع، يبدو أن قدرتنا على التعامل مع ما تخلَّفَ عن ذلك التأثير محدودةٌ، بالنسبة لكلٍ من الآثار التي عمَّت الكون كلَّه، والآثار المؤجَّلَة، على المدى الطويل· لقد طالت ضغوط مجتمع المستهلكين العالمي ما كان يتمتع به كوكبنا من (تكاملية)، فدمرتها· وبالرغم من الصخب المتصاعد، الداعي إلى تغيير أنماط الاستهلاك، فمن النادر أن تجدَ من يبحثُ عن البدائل، مما يجعل الكثيرين يتزايد إحساسهم بالسخط، وتثبط هممهم·
ثم، إننا لا ننفكُّ نحتفي بسيطرتنا على الطبيعة، ولا نلبثُ، بذات الوقت، نتفجَّعُ عليها وننوحُ· إننا نبدو وكأننا جزءٌ من عملية آلية، عصيَّة على التوجيه والإدارة، يقال لها (التقدُّم)، إلاَّ أن تجربتنا المعاصرة في أن نعطي الأولوية لحرية العلم والحرية الاقتصادية، ثم نجيئ بعنصر الأخلاقيات، فيما بعد، ليتعامل مع النتائج المترتبة على هذه الوضعية، يبدو أنها تجربة غير ناجعة·
إن الفقر ليس بأعظم مشاكلنا، وكذلك ما يحيط بالبيئة من دمار، ولا هو - حتى - الإرهاب؛ وإنما أكبر المشاكل هو فشلنا في الاستجابة للمتغيرات الهائلة التي طرأت على زماننا، برغم أننا نمتلك من المعرفة والقوة ما كان يمكن أن يحقق هذه الاستجابة·
تلكمُ هي التحديات التي يستهدف مجلس مستقبل العالم التصدِّي لها؛ هذا المجلس الذي يتطلَّعُ لأن يكون الصوت القوي المعبِّرُ عن العالم، والذي يُرتكنُ إليه في الاستجابة للقيم الإنسانية الأصيلة·
إن قوة المجلس هي، بالدرجة الأولى، أخلاقية؛ غير أن ذلك لا يجب أن يجعلنا نهوِّنُ من شأنه؛ فهو - بصفته الصوت القيِّمُ على العالم - سيقدر على توفير الإرشادات الثمينة، وسيصبحُ عاملاً قويًا، دافعًا على التغيير· وعندما يأخذ المجلس في اعتباره ما نحفظه من القيم العامة، وما ينتظرنا من مسئوليات نحو الحاضر والمستقبل، فإنه سيرفد كلاًّ من عمليات البحث، وأعمال التنفيذ، بالبواعث الجوهرية· وسيكون المجلس المرجع الأخلاقي للقرارات الفاصلة، إذ سيصبحُ (تجمُّعًا للضمائر)، تمنحه قامات ومقامات أعضائه من الصلاحيات ما يمكِّنه من إبداء رأيه في قضايانا الكبيرة المعاصرة· وسوف يستمدُّ المجلسُ شرعيته من عمله المتميز، ومن الصفة العالمية لأعضائه؛ فهو بمثابة محكمة ثابتة الأصول، تمثِّلُ ضمير العالم، ترفع صوت القيم التي نتبنَّاها، وتدافع عن حقوقنا وواجباتنا كمواطنين نعيش في هذا العالم·
وسوف تكون للمجلس دورات انعقاد عامة منتظمة، على المستويين القومي والعالمي، حيث يستمع فيها إلى مختلف الآراء، ويتدارس القضايا، ويتخذ القرارات بشأنها· وسيكون من أهداف المجلس تقوية المبادرات الأخرى، التي تسعي من أجل إعلاء شأن التكامل والمسئولية؛ كما أنه سيُجبِرُ صانعي القرار على ألاَّ يكتفوا بالنظر إلى الميزات السياسية والاقتصادية التي يأتي بها مشروعٌ ما، فيسألوا أنفسهم : هل هذا المشروع مفيد للناس، ولسائر العالم، الآن، ومستقبلاً؟
وسوف تشتملُ مهام المجلس على تحليل وتثمينٍ لقضايا يجري معالجتها الآن في تكاسل واضح، مثل قضية تبدُّل المناخ، و قضية اجتثاث الغابات، وافتقاد العالم لعدالة التوزيع· ولن يكتفي المجلس بذلك، بل سيعمل جاهدًا لإصلاح هذه الأحوال، بأن يسد الفوارق بين ما هو حاصل فعلاً، وما تقتضي الأحوال به أن يتمَّ· ولن يعمل المجلس في وادٍ بعيد عن صنَّاع السياسات، بل سيكون قريبًا منهم، على مستوى الأفراد، ومن خلال اتصاله بالمجموعات البرلمانية، مثل مجموعة (البرلمانيون الإلكترونيون)، وهي إحدى المبادرات الجديدة، التي ظهرت لتحقق التواصل الإلكتروني بين أعضاء برلمانات العالم الذين تم انتخابهم وفق أسس ديموقراطية· ونتصور أن أعضاء مجلس مستقبل العالم، متَّحدين مع البرلمانيين، سوف يعقدون جلسات استماع مشتركة، لصياغة أفكار ومقترحات قوية، يتخذونها أساسًا لحملاتٍ منظَّمَة يقومون بها في مجالسهم التشريعية القومية، وفي المؤسسات الأخرى ذات الصلة·
Page 6
المجلس
سيكون لمجلس مستقبل العالم أعضاء مؤسسون، يبلغ عددهم مائة عضو، يُنتقون من بين الشخصيات رفيعة المقام، من جميع أنحاء العالم؛ ويشتملون على : الشيوخ الحكماء، والأبطال، وأصحاب الرؤى الثاقبة، وأفضل الخبراء الرواد في مجالات تخصصهم، بالإضافة إلى قادة الشباب· وسوف يجتمع هؤلاء الأعضاء المؤسسون، مرَّةً بالسنة، لتدارس القضايا الرئيسية الراهنة· كما سيشتملُ تكوين المجلس، أيضًا، على لجنة تنفيذية مصغَّرَة، تعقد اجتماعاتها من حين لآخر·إن التحدي الذي نواجهه الآن ليس في أن نخلق بشرًا أفضل من الموجودين، بل إنه يتمثَّلُ في قدرتنا على، ونجاحنا في، تحديد القيم التي يتعين على مجتمعاتنا أن تضعها في صدر قائمة أولوياتها، وأن تحترمها، وأن تصونها؛ ومنها، كأمثلة :
- هل نراعي قداسة الحياة وحرمتها، أم ننحاز للمتاجرة في متطلباتها؟
- قيم (المواطنة)، أم قيم المستهلك؟
- ما الأولى بالاعتبار : صحة الفقراء، أم المسائل الاقتصادية؟
- أسلوب الحياة القائم على القناعة بالكفاية، أم النمط الغارق في الاستهلاك؟
- حقوق المواطنين، أم الاحتكارات العالمية؟
- التبادل والتكافل، أم التنافس والتربُّح؟
- سعادة البشر وروحانية الحياة، أم نمو التوجُّه المادي؟
- مصالح الأجيال القادمة، أم (نحن وبعدنا الطوفان)؟
- السيطرة على رغباتنا، أم الإذعان لها؟
- التنوُّعُ الثقافي، أم السيطرة والسيادة العولمية على وسائل الإعلام؟
وتتخذ (مبادرة مجلس مستقبل العالم)، بالوقت الحالي، الخطوات العملية المؤدية لميلاد مجلس مستقبل العالم؛ وتجدون - فيما يلي - ملخَّصًَا لهذه الخطوات· أمَّا المبادرة، فقد تمت المصادقة عليها من قِبَلِ عدد كبير من المفكرين البارزين والشخصيات ذات الثقل العالمي·
Page 7
القضايا المبدئية
لم يسبق للبشرية أن توفَّرت لديها قوة تأثير على كلٍّ من الأجيال الحالية والمستقبلية كما هو حالها الآن؛ وبالوقت ذاته، فإنها تتحمل مسئوليات غير مسبوقة، أيضًا، تجاه كل هذه الأجيال· إلاَّ أننا، وقد أعمانا عن الحقيقة ما حققناه من نجاحات، قد فقدنا موقعنا في ملحمة الحياة، وبتنا ننقادُ إلى (الخبراء)، الذين يقولون لنا أن المجتمع ليس أكثر من كومة مصالح متعارضة، ويملؤه بشرٌ، هم (آلات ذكية تسير عمياء وفق برامج تدفعها إلى صون جزيئات أنانية، هي الجينات)، حسب رأي ريتشارد دوكينزوثمة من يزعمون بأننا نعاصر ما يسمى ب (الفراغ القيمي)؛ أو - بمعنى آخر - أن الخلافات بين أنظمة القيم الموزَّعَة على سكان هذا العالم لا تلتقي، بل هي متضادة· وهذه مزاعم بلا سند قوي؛ ومما يؤكد هذا ما توصَّل إليه نفرٌ من الباحثين في (معهد أخلاقيات العالم)، ومؤسسات بحثية أخرى، ومفادُهُ أن ثمة اتفاقًا لافتًا للنظر على قيم بعينها، وعلى أن القيم لها الأولوية، عبر كل قارات العالم، وبين مختلف الانتماءات الروحية والثقافية والدينية، ومع تفاوت الأوضاع الاجتماعية للناس· فهذا الإجماع القاعدي يتجاوز التباين في وجهات النظر بين سكان العالم، ويتسع ليشمل كلاًّ من المؤمنين وغير المؤمنين، من مختلف المرجعيات، وفي كل البلدان·
إن مجتمعًا عالميًا يحتضنُ مثل هذه المبادئ العامة لن يكون من الصعب تخليقه، فهو قائم بالفعل، ولا ينقصنا سوى المؤسسات التي تدعم هذه القيم العامة؛ ولا نرى أي مشكلة في اختلاف طرق التفكير فيما بيننا؛ ولكن المشكلة الأساسية تبرز حين لا نحسن تحديد الأفكار التي ينبغي أن نلتفَّ حولها لنفعِّلَها، عبر المؤسسات المهيمنة في مجتمعاتنا· إذن، فليس ثمة فراغًا قيميًا، ولكن فراغًا على مستوى الفعل·
وبينما يعيش العالم في توقٍ إلى قيادة ملهمة، فإن جانبًا كبيرًا من قادتنا السياسيين صاروا أسرى لأحلامٍ يقظة يرون فيها أوهامًا لما يمكن تسميته بالأصولية الاقتصادية، التي تخصم من حساباتها المستقبل، وتُبخِسُ حقَّ القيم والمؤسسات، التي على أساسٍ منها يمكن أن نبدأ عملية تغيير مجتمعاتنا، التي نحن بأمس الحاجة إليها· إن هؤلاء القادة لم يعودوا يمثلوننا كمواطنين، وإنما - فقط، وفي نطاق ضيق - كمستهلكين؛ وباتوا يركزون جهودهم على توفير الحماية القانونية الدولية للمنافع المتبادلة، وجعلها في مرتبة تعلو مرتبة الحقوق الأساسية للإنسان والمجتمع والبيئة· لا عجب، إذن، أن تجدهم موضع سخرية مواطنيهم، الذين لم يعودوا يكترثون بهم، بل إنهم يواجهون، في بعض الأحيان، بالمعارضة العنيفة من قِبَلِ أفراد فقدوا الانتماء إلى نظام لا يقدم سوى هذه الخيارات الكئيبة· فإذا أردنا تجنُّبَ تزايد حدة هذه المصادمات والضغوط البيئية في العالم، علينا أن نعيد تشكيل الجدل الدائر حول مستقبلنا، ليشتمل على بنودٍ أخلاقية، ويفرض قيم مواطنينا على اقتصادياتنا، بدلاً من العكس·
إن المذاهب الاقتصادية بسياساتها التطبيقية، مثل نموذج رأس المال الإنمائي العالمي، تشتغل، بشكل أساسي، على الأنشطة البشرية الحالية؛ وقد اغتصبت نظرياتها أنظمتنا القيمية وثقافاتنا وموروثاتنا، حتى أن معظم معضلاتنا الإنسانية والاجتماعية والبيئية يُنظرُ إليها الآن بصفتها مشاكل اقتصادية· والسؤال الملح الذي يطرح نفسه : هل يمكننا تحمُّل ذلك، في المدى المنظور؟
لقد اتضح لنا، خلال الأربعين سنة المنقضية، أن السلوك الاستهلاكي المعربد لم ينجح في إضافة مزيد من السعادة لأغنياء العالم، بل إن أعدادًا متزايدة من الناس أصبحوا يعانون القلق بصورة أقسى، وتنتابهم المخاوف، وتحيط بهم المثبِّطات، مع نظام يضحي بالقيم المتجذِّرةِ فينا من أجل غرض وحيد، هو الاستهلاك العالمي، الذي يتعارض، بصورة مباشرة، مع رغبتنا في الحفاظ على كوكبنا صالحًا لمعيشة البشر·
لقد استنزف قادتنا رأسمالنا من القيم الأخلاقية والاجتماعية والطبيعية (باعوا رصيد العائلة من الفضة !)؛ وحولوا ثروتنا إلى سلع تباع وتشترى؛ وينتظرون أن نصفق لهم على أساليبهم في تكوين الثروات، الذي يعدونه إنجازًا غير مسبوق· إنهم يضحون بأطفال الفقراء على مذبح ممارساتهم المحاسبية ونظمهم البنكية· إنهم يعتنقون التبضُّعَ مذهبًا، حتى أنه صار جزءًا من دولبتهم الجينية؛ وهم يستخدمون عمليات تحليلية مضللة، وعقليات آلية، في التعامل مع أنظمة مفعمة بالحياة· وعلى ذلك، فإن هذا النظام الاقتصادي لن يلبث أن يصبح غير محتمل، على المستويات الإنسانية والاجتماعية والبيئية· ويبدو أن الأوان قد فات لإعادة ترتيب الأوضاع، في بقاعٍ كثيرة من العالم· لقد تمت المجازفة باحتياطيات النفط العالمي، لأغراض سياسية وتجارية؛ ومن المنتظر أن يصل منحنى الإنتاج إلي قمته خلال سنوات قليلة قادمة، مما سيؤدي إلى قلقلة شديدة لنظام عالمي قائم على نفط رخيص الثمن· كما أوضحت تقديرات برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن التغيرات المناخية قد تُفقِرُ الاقتصاد العالمي، في غضون عشرات قليلة من السنين، ما لم نتخذ بصددها إجراءات حاسمة·
إننا بحاجة لأن ننقي الجدل الدائر في الأوساط العالمية من التفاهة والابتذال، وألاَّ نقول إلاَّ الصدق· فكثير مما يتم قبوله الآن، من وجهة النظر السياسية، هو - في حقيقة الأمر - ضَرْبٌ من الإرهاب الدولي، وإرهاب موجه إلى اقتصاديات الأجيال المتعاقبة· لقد ورد في الكتاب الأخير لقداسة الدالاي لاما : يصعبُ عليَّ ألاَّ ينتابني الشكُّ في أن الأثرياء يزدادون ثراءً، وأن تجاهل الفقراء مستمر، مع الديون العالمية، واستغلال الموارد الطبيعية بكلفة منخفضة نسبيًا
إنَّ السماح للانبعاثات مُضطردة الازدياد من غاز ثاني أكسيد الكربون، والتي تؤدي إلى تغير المناخ العالمي، يُعَدُّ جريمةً في حق الإنسانية؛ وكذلك الأمر بالنسبة لإجبار الفقراء على أداء حقوق ديون مريبة للأغنياء، متجاهلين الدين التاريخي والبيئي المستحَق على الشمال؛ فكما تدين تُدان·
لقد كان أسلافنا حريصين على مبدأ يفيد بأنَّ شركات القطاع الخاص التي تعمل لغير الصالح العام لا يحقُّ لها أن تتمتَّعَ بامتيازات؛ وفي القرن الثامن عشر، كانت الحكومة البريطانية توقف أي مشروع يتحامل على الخاضعين للتاج الملكي الإنجليزي، أو يظلمهم، أو يزعجهم؛ وحتى وقت قريب، كان تشريع مماثل لا يزال ساري المفعول في الولايات المتحدة الأمريكية· لقد تقوَّض ذلك الإجماع في الرأي الذي كان يسمح بوقف وإغلاق الشركات·· دمرته الأقلية الغنية وعملاؤها في الأوساط السياسية والعدلية والإعلامية؛ وهم يعملون الآن على عولمة الأسس التي يتبنونها، ليحكموا العالم· إنهم يزعمون أن ما يوحِّدُ بيننا جميعًا إن هو إلاَّ الجشع؛ وهذا قولٌ عارٍ من الصدق؛ فنحن لا نسلك سلوك المستهلكين إلاَّ حين تكون ثمة ضرورة تدفعنا لنتعامل كمستهلكين؛ كما أن التبضُّع لا يصبح التعبير الأساسي للمجتمعات العصرية إلاَّ عندما لا تكون ثمة بدائل مطروحة أو مطلوبة·
إن قيمنا العامة، نحن المواطنون سكان الأرض، تغرق الآن في لجَّة خطاب تجاري منفِّر؛ فالصوت الأعلى في مجتمعاتنا هو صوت الإعلانات، الذي يستهدف الجميع، بدءًا بالأطفال في سن ما قبل المدرسة؛ ولا همّّ لهذه الإعلانات غير أن تروِّج بيننا ثقافة الإحساس الدائم بالنقص وعدم الرضا واللامبالاة· لقد وصف الشباب المشاركون في المنتدى الأول لحال العالم، الذي انعقد بالعام 1995·· وصفوا النتائج المترتبة على تلك الأحوال، فقالوا : إننا الآن بصدد كارثة كونية تواجه الروح في سعيها من أجل إدراك الجوهر؛ فإذا تدهورت ثقتنا بذواتنا واحترامنا لها، فإن قيمًا مثل الصداقة، والأسرة، والمجتمع، والثقة، والاحترام، ستبدأ في الانهيار أمام الأنانية والسعي الدؤوب نحو المكاسب المادية؛ ويبدو أنه قد أصبح من الصعب، في هذه الآونة، أن تحدد بأي شيئ تؤمن
إن أشد ما يواجهنا من مخاطر، هذه الأيام، ليس هو استمرار السياسات المعمول بها حاليًا - فذلك الحال سيصبح مستحيلاً، إن عاجلاً أو آجلاً - وإنما هو انهيار مجتمعاتنا نتيجة لفقدان قادتنا مصداقيتهم، واختفاؤهم ليحلَّ محلهم مبشِّرون بالتعصُّب والظلام، كرد فعل لسيادة آليات السوق·
فما أحوجنا لقيادات أخلاقية، تستطيع أن تسعفنا؛ فمجمل المؤشرات في الاتجاه الخطأ· لقد بذلت جهود كبيرة للتوصل إلى صيغة متفق عليها لفكرة المسئولية المشتركة، يلتزم بها عند التعامل مع أسقام العالم؛ إلاَّ أن الجدل حول هذه المسئولية آخذٌ في التراجع، مما يجعلُ الأغلبية الفقيرة في العالم تفقد إيمانها بالديموقراطية· وحتى الإصلاحات التي كانت قد حظيت بقبول محدود، مثل إعلان أهداف الأمم المتحدة للألفية الجديدة، فإنها لن توضع موضع التنفيذ في الأفق الزمني المأمول·
إنني، فيما سبق، لم آتِ بشيئ من عنديَّاتي، بل هي نتائج توصَّل إليها إثنان من العاملين بهذا الشأن، هما الرئيسان السابقان لكل من البنك الدولي، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي· فأمامنا أن نُقِرَّ بفشلنا، ويسجلنا التاريخ كشركاء في جرائم رهيبة؛ أو أن نبدأ العمل، الآن·
Page 8
لقد بلغ بنا الغضب مبلغه، من زعماء (مسيحيين) يصرون على أن يدفع فقراء العالم لأثريائه الفوائد المركَّبة للديون، حتى إن كلَّفهم ذلك التضحية بحياة أطفالهم؛ وفي ذلك تحدٍ واضح لما أمرت به الديانات كلها· إننا نحرص على صحة أطفالنا، وندرك أن حليب الأمهات، في كثير من البلاد، ومنذ سنوات عديدة، أصبح على درجة من التلوث تجعله غير آمن· وإننا لنشعر بالقلق حين نفكر في رأي أحفادنا فينا، إذ نجد الأمم الغنية تعلن رفضها الصريح لتحمُّل تكلفة وقف زعزعة استقرار مناخ الكون، والتي لا تزيد قيمتها عن واحد بالمائة من إجمالي الناتج القومي لتلك الدول·
وإننا، أيضًا، متضررون حتى النخاع من الفظائع التي تُرتكب يوميًا في حق حيوانات التجارب، وتحت مسمى أنشطة زراعية·· وعلى سبيل المثال، فإنه من بين ال 250 مليونا من الأغنام والخنازير والخيول والماشية، التي يجري نقلها عبر أوربا، كل عام، ويبقى كثيرٌ منها لأكثر من عشرين ساعة متصلة دون راحة أو مياه، يموت منها 25 مليونًا عند نقطة الوصول· لكم يؤلمنا موت الطبيعة· حتى الخبراء (يُروَّعون) حين يعجزون عن إيجاد تفسير لظاهرة نفوق الأسماك، على نطاق واسع، في بحر البلطيق·
كما أننا نشعر بالغبن وانتقاص القيمة تجاه المبادئ الجامدة، التي تجري محاولات خداعنا بها ودسها لنا· وهي - تلك المبادئ - تصور لنا الطبيعة كما لو كانت مجرد آلة تُدارُ ببراعة· ومما يثير حفيظتنا، أيضًا، سيطرة الصفة التجارية على أبحاث الخريطة الجينية للحياة؛ وينتابنا القلق من أن تأتي أجيال جديدة من البشر تسيطر عليها فكرة أن الحياة ليست أكثر من اختراع بشري؛ دون تمييز بين ما هو مقدَّس وما هو مفتقد للقدسية (في الولايات المتحدة الأمريكية، يستطيع الزوجان الآن أن يطلبا، عبر الإنترنت، طفلاً له صفات محددة، وأن يشتريا ما يلزم ذلك من بويضات وحيوانات منوية، وأيضًا : الأم الحاملة، أو البديلة !)·
وعندما تُستبعدُ القيمُ، التي نعُضُّ عليها بالنواجذ، أمام دعاوى الجدوى الاقتصادية، نشعر بأن ثمة من يمارس علينا الغش والخداع؛ فنسمع وعودًا بمقدم (حضارة السليكون)، وبألفية جديدة تسود فيها الحرية والرفاهية، في حين أن الواقع يقول بأن ساعات العمل تزيد، وكذلك البطالة الدائمة والاستغناء عن العمالة· ويخدعوننا، أيضًا، حين يعدوننا بالقرية الكونية، في حين أن العالم، في أرض الواقع، يرتدُّ إلى حال من التنافس المتوحش كتلك التي عرفها في القرن التاسع عشر، حيث انعدمت الثقة وتفسَّخَ المجتمع· ومن مظاهر الغش والخداع، أيضًا : التعدِّي الإيكولوجي من الشمال على الجنوب، حسب رأي كلاوس تويبفر، مدير برنامج الأمم المتحدة البيئي؛ وسباق التسلُّح النووي الذي لم يتوقَّف، بقدرته الهائلة على أن يسمم الأرض وسكانها لأجيال كثيرة قادمة؛ وما ينتجه العلم من خلائط تسمم المياه والتربة الزراعية والهواء وأجسامنا·
إنني أتحدث، بهذا الصدد، بصيغة الجمع، فأقول (نحن)، لأن الغضب هو- في حقيقته - رد فعلٍ عام، يصدُرُ عن الناس حين تكون أمامهم فرصة للاستجابة؛ ويمكنك أن تشعر به منعكسًا في تقارير تردُ من كل أنحاء العالم؛ ومنها تلك التي تقول بأن 85% من البريطانيين يطلبون حماية الإنتاج المحلي من طغيان العولمة؛ ومنها، أيضًا، تقارير قادمة من أمريكا اللاتينية، تحكي عن (هيئات محلَّفين) من المواطنين، تعلن سخطها على المحاصيل الغذائية المعدَّلَة وراثيًا، وتطالب بنبذها، بعد أن تستمع لآراء كل من المدافعين عنها والرافضين لها· بالإضافة إلى تقارير أخرى تتعرض لمختلف قضايا العولمة·
إن اليأس ليتملَّكُ الكثيرين حيال الكارثة الإيكولوجية الثقافية التي حلَّت بنا، فيسارعون للبحث عن كبش فداء، أو ينضمون إلى زمرة المدمنين، وقد يسقطون مرضى· إن ارتفاع موجة التعصُّب، وتفشِّي إدمان المخدرات، وازدياد عدد المرضى بالاكتئاب والاختلال العقلي في الدول الصناعية، إن هي إلاَّ مؤشرات تدلُّ على أننا نسيرُ في طريق الهلاك؛ وهو هلاكٌ لن يطال الكوكب فحسب، ولكن - أيضًا - مجتمعاتنا، بل وذواتنا·
وإننا، أيضًا، متضررون حتى النخاع من الفظائع التي تُرتكب يوميًا في حق حيوانات التجارب، وتحت مسمى أنشطة زراعية·· وعلى سبيل المثال، فإنه من بين ال 250 مليونا من الأغنام والخنازير والخيول والماشية، التي يجري نقلها عبر أوربا، كل عام، ويبقى كثيرٌ منها لأكثر من عشرين ساعة متصلة دون راحة أو مياه، يموت منها 25 مليونًا عند نقطة الوصول· لكم يؤلمنا موت الطبيعة· حتى الخبراء (يُروَّعون) حين يعجزون عن إيجاد تفسير لظاهرة نفوق الأسماك، على نطاق واسع، في بحر البلطيق·
كما أننا نشعر بالغبن وانتقاص القيمة تجاه المبادئ الجامدة، التي تجري محاولات خداعنا بها ودسها لنا· وهي - تلك المبادئ - تصور لنا الطبيعة كما لو كانت مجرد آلة تُدارُ ببراعة· ومما يثير حفيظتنا، أيضًا، سيطرة الصفة التجارية على أبحاث الخريطة الجينية للحياة؛ وينتابنا القلق من أن تأتي أجيال جديدة من البشر تسيطر عليها فكرة أن الحياة ليست أكثر من اختراع بشري؛ دون تمييز بين ما هو مقدَّس وما هو مفتقد للقدسية (في الولايات المتحدة الأمريكية، يستطيع الزوجان الآن أن يطلبا، عبر الإنترنت، طفلاً له صفات محددة، وأن يشتريا ما يلزم ذلك من بويضات وحيوانات منوية، وأيضًا : الأم الحاملة، أو البديلة !)·
وعندما تُستبعدُ القيمُ، التي نعُضُّ عليها بالنواجذ، أمام دعاوى الجدوى الاقتصادية، نشعر بأن ثمة من يمارس علينا الغش والخداع؛ فنسمع وعودًا بمقدم (حضارة السليكون)، وبألفية جديدة تسود فيها الحرية والرفاهية، في حين أن الواقع يقول بأن ساعات العمل تزيد، وكذلك البطالة الدائمة والاستغناء عن العمالة· ويخدعوننا، أيضًا، حين يعدوننا بالقرية الكونية، في حين أن العالم، في أرض الواقع، يرتدُّ إلى حال من التنافس المتوحش كتلك التي عرفها في القرن التاسع عشر، حيث انعدمت الثقة وتفسَّخَ المجتمع· ومن مظاهر الغش والخداع، أيضًا : التعدِّي الإيكولوجي من الشمال على الجنوب، حسب رأي كلاوس تويبفر، مدير برنامج الأمم المتحدة البيئي؛ وسباق التسلُّح النووي الذي لم يتوقَّف، بقدرته الهائلة على أن يسمم الأرض وسكانها لأجيال كثيرة قادمة؛ وما ينتجه العلم من خلائط تسمم المياه والتربة الزراعية والهواء وأجسامنا·
إنني أتحدث، بهذا الصدد، بصيغة الجمع، فأقول (نحن)، لأن الغضب هو- في حقيقته - رد فعلٍ عام، يصدُرُ عن الناس حين تكون أمامهم فرصة للاستجابة؛ ويمكنك أن تشعر به منعكسًا في تقارير تردُ من كل أنحاء العالم؛ ومنها تلك التي تقول بأن 85% من البريطانيين يطلبون حماية الإنتاج المحلي من طغيان العولمة؛ ومنها، أيضًا، تقارير قادمة من أمريكا اللاتينية، تحكي عن (هيئات محلَّفين) من المواطنين، تعلن سخطها على المحاصيل الغذائية المعدَّلَة وراثيًا، وتطالب بنبذها، بعد أن تستمع لآراء كل من المدافعين عنها والرافضين لها· بالإضافة إلى تقارير أخرى تتعرض لمختلف قضايا العولمة·
إن اليأس ليتملَّكُ الكثيرين حيال الكارثة الإيكولوجية الثقافية التي حلَّت بنا، فيسارعون للبحث عن كبش فداء، أو ينضمون إلى زمرة المدمنين، وقد يسقطون مرضى· إن ارتفاع موجة التعصُّب، وتفشِّي إدمان المخدرات، وازدياد عدد المرضى بالاكتئاب والاختلال العقلي في الدول الصناعية، إن هي إلاَّ مؤشرات تدلُّ على أننا نسيرُ في طريق الهلاك؛ وهو هلاكٌ لن يطال الكوكب فحسب، ولكن - أيضًا - مجتمعاتنا، بل وذواتنا·
Page 9
استبدادٌ اقتصادي
ظلَّ المستشار الألماني هيلموت شميدت، على مدى عشرين سنة، يبرر المساعدات الأجنبية الألمانية بأنها وسيلة لخلق مستهلكين مستقبليين للصادرات الألمانية· وثمة بونٌ شاسع بين هذه المقولة وما يذهب إليه الشاعر هجالمار جولبرج من أنه (كلما نقص عدد البشر الجوعى فردًا، فإنني أكسبُ أخًا - أو أختًا - إضافيًَّا)؛ فأيُّ القولين يجد صدىً بداخلنا؟إن العالم بأسره هو أشبه ما يكون الآن بدولةٍ واحدةٍ من دول العالم الثالث، أغلبية سكانها من الفقراء، بينما مجتمعات الأغنياء المحصَّنَة تتناقص قدرة بوَّاباتها، مع الوقت، على منع الفقراء عنها· والأمر الآن، كالتالي : إمَّا أن يكون بمقدور الفقراء أن يعيشوا في أوطانهم معيشةً لائقة، وإلاَّ فإنهم سينزحون إلى عالم الأغنياء بأعداد متزايدة؛ ولن يكون زجرهم وإبعادهم خيارًا مقبولاً على أرض الواقع؛ فهجرة الأفراد أمر منطقي في مجتمعات السوق العالمية، وبخاصة عندما يثبت فشل السياسات الاقتصادية التي تمكُرُ بالفقراء وتستغلهم·
إن نظرية السوق، التي تؤمن بالفرد، تقول لنا بأن الفشل شانٌ شخصي؛ وعلى ذلك، فبدلاً من البقاء في أوطانهم يصارعون الضيم، قرر كثير من فقراء العالم أن يجربوا في أماكن أخرى؛ وثمة شواهد على أن 85% من الشباب في شمال أفريقيا يتطلع للهجرة إلى دول الاتحاد الأوربي؛ فماذا سيفعل الاتحاد الأوربي إذا تزايدت أعداد المهاجرين إلى عشرة أضعافٍ، أو مائة ضعف؟·· إنه إذا حاول منعهم فإنما يزيد عدد أولئك الذين سيتوجهون إلى أوضح المنافسين العالميين لسياسات السوق : التطرف·· الأصولية الإسلامية·
وتعمد المجتمعات، في كل أنحاء العالم، إلى تعليم أطفالها ما يواجهون به الرسالة الثقافية السائدة للسلوكيات الاستهلاكية؛ ولكن ذلك لا يستمر فعَّالاً؛ ففي تايلاند، على سبيل المثال، لم تعد تعاليم بوذا فيما يتعلَّق بالحياة الفاضلة تدرَّسُ لأطفال ما قبل سن المدرسة الابتدائية؛ وفي الولايات المتحدة الأمريكية تروج، بمعدَّلاتٍ متسارعة، مبيعات مضادات الاكتئاب للأطفال في سن سنتين فما فوق؛ وفي المملكة المتحدة، تقول التقارير إن 50% من الأطفال تحت 16 سنة يعانون ضغوطًا نفسية وتشتت الذهن، نتيجةً للتغيرات التي تمزِّقُ المجتمع الخاضع لسياسات السوق؛ كما أن إصابة الأطفال بأمراض الحساسية تتزايد على نحو لوغاريتمي·
وتنمو، في أيامنا هذه، المعارضة لنظام (رجل الاقتصاد)، بما يتضمنه من فهم منقوص للطبيعة البشرية؛ كما تتزايد مساحة القيم التي ترتكز عليها هذه المعارضة· فلقد قامت معارضة تغذية الحيوانات العشبية، كالأبقار، بجثث الحيوانات الميتة المطحونة، على أسس أخلاقية بحتة، وقبل أن نعرف المخاطر الصحية المترتبة على ذلك (مرض جنون البقر)· وفي حينها، رُفِضت تلك المعارضة بحجَّة أنها (غير علمية)، تمامًا كما يحدث الآن لمعارضة الأغذية المعدَّلَة وراثيًا؛ وكانت النتيجة أن (العِلمَ العظيم) أصبح موضع ريبة متزايدة، بصفته امتدادًا لعالم الأعمال والتجارة؛ وهو بسبيله لأن يفقد مصداقيته· ومن جهة أخرى، فإن العلماء الذين تتعارض اكتشافاتهم مع التطبيق الذي يقدمه أصحاب التفكير الآلي لأنظمة الحياة، يتم تجاهلهم أو يُستبعدون؛ وأذكُرُ - في هذا المجال - ما جرى لجَدِّيَ، البالغ من العمر ثمانين عامًا، وهو من علماء الحياة، وكذلك لعالم الكيمياء الحيوية ميشيل بيهي، مؤلف كتاب (صندوق داروِن الأسود)؛ وهما مجرَّد مثالين في السنوات الحالية·
ويأتي السلوك الاستهلاكي ليكون هو رد الفعل (المنطقي) لهذه القصة المحزنة؛ فإذا كانت المادة هي الحقيقة في منتهاها، فإن تعظيم ما نستحوذ عليه منها يمثِّلُ الأسلوب المنطقي الذي نُغرقُ به يأسَنا الوجودي؛ وتصبح مراكز المشتروات الضخمة رمزًا لعصرنة الجماعات البشرية·
(على الحكومات أن تسهِّلَ الأمور لمنطق السوق)؛ هكذا تكلم توني بلير، متناسيًا أن أحجار الزاوية التي ترتكز عليها السوق (مثل: المسئولية المحدودة، والأعمال المصرفية المجزَّأة، والعولمة المالية، ومنظمة التجارة العالمية)، هي من صُنع الدولة، وتعتمد عليها في وجودها؛ فالأسواق تصنع خدمًا جيدين، وسادةً سيئين·
إننا، ونحن نضرب عرض الحائط بالمعارضة المبنية على أساس من القيم، باسم العلم والاقتصاديات، إنما نعرِّضُ أنفسَنا لخطر أن نتحول في دواخلنا إلى همج وبربر، حسب رأي لويس مومفورد، وذلك لأن مثل هذه المعارضة تمثل القلب من فهمنا لما يجب أن يكون إنسانيًا·
Page 10
قيمٌ مشترَكة
إننا بحاجة لعقد اجتماعي جديد، يجمع بين الأجيال المتعاقبة، ويحقق ما نرومه من توازن وكفاية· لقد انتظمت لجان دولية في إجماع رائع عندما سُئل أعضاؤها المنتسبون لمرجعيات متباينة، ونظم عقائدية متعددة، أن يحددوا ما يحتاج إليه العالم وأجيال المستقبل· وكثيرًا ما يتردد القول بأن القيم والمبادئ الأوربية، أو الغربية بصفة عامة، تقدم حقوق الفرد على حقوق الجماعة، وعلى العكس من ذلك يفعل الشرق؛ والعبرة في ذلك بما يجري في الواقع، حيث نجد الأمور مختلفةً· لقد أنشأتُ، منذ عشرين عامًا، جوائز الطفولة السليمة، ويقدمها البرلمان السويدي كل سنة؛ وقد فاز بها كثيرون من مواطني الدول الأخرى؛ وكانت المرة الوحيدة التي اتُّهِمتُ بعدم معرفتي بالقيم الآسيوية والأفريقية، عندما اشتكى النظام الاستبدادي في كل من إندونيسيا ونيجيريا من تقديم الجوائز لنشطاء حقوق الإنسان في البلدين· ولا غبار في أن تختلف القيم التي نؤمن بها، إذ أننا لسنا شياطين، كلِّيَّةً؛ أو ملائكة بالكليَّة؛ وحرِيٌّ بذلك أن يجعل ترتيب أولوياتنا على درجة كبيرة من التشابه·لقد كان أسلافنا يُقصرون مظاهر الاستهلاك الإسرافي وغير المعهود على مناسبات وأعياد محددة؛ فلو كان ذلك النمط من الاستهلاك سائدًا طول العام لأدَّى إلى استحالة الحياة في كوكبنا الآن· ولا أحد يقبل السلوكيات الأنانية إلاَّ تحت ظروف استثنائية لها صفة الخطورة· والناس يكرَّمون من أجل ما أعطوه للآخرين، ولمجتمعاتهم؛ أما الجشع الفردي، فهو مستنكَرٌ في كل مكان وزمان، ما عدا عند ثقافتنا الغربية المعاصرة، فهي - تلك الثقافة - تحتفي بذلك السلوك، وتراه سلوكًا اعتياديًا، جديرًا بالثناء والإطراء، إذ أنه السلوك الذي تستحبه سياسات السوق؛ ولننظر إلى ما يقوله ألان جرينسبان، رئيس هيئة الاحتياطي الفيدرالي : (تتجلَّى في الأسواق طبيعة البشر في حقيقتها الراسخة بالأعماق؛ ومن هنا، فهي صادقة إلى أقصى حد)؛ ونحن نسألُ: هل السلوك الاستهلاكي - حقًا - هو حقيقتنا الراسخة؟
يقول لنا أبراهام ماسلو، مؤسس علم نفس الشخصية الجوَّانية، إنه من الصعب ممارسة قيم عليا، مثل المحبة والكرم والتكافل، في مجتمع لا تقوم قواعده ومؤسساته وأنظمته المعرفية بدورها في الارتقاء بقيمة الفرد· ولسنا كلنا أبطالاً، ومن ثمَّ فإننا يمكن أن ننصاعَ لمبادئ القوة، حتى وإن داخَلَنا شعورٌ بعدم الرضا تجاه ذلك؛ فإذا وصل بنا الحال إلى أن يكون اجتماعنا على الجشع، فقط، أو إلى أن يكون ما يفرِّقُ بيننا هو خلافات عميقة حول القيم، أصبح وضعنا لا رجاء فيه؛ فمن أين يأتي ما كنا ندعو إليه بشدة من (أخلاقيات جديدة)، و (توجهات فكرية جديدة)؟·· وعلى أي شيئ نرتكز؟
ومن جهة أخرى، إذا كانت القيم الإنسانية الأساسية مشتركة بين سكان العالم، بينما طرق وأساليب تفسيرنا وتوقيرنا وتخليدنا لها تعكس علاقات القوى في مجتمعاتنا، تبدَّى لنا طريقٌ للتقدم، إذ سيكون لكل فرد منا مشاركته في عملية تغيير الثوابت القائمة، لأنه - ببساطة - سيكون قادرًا على تحديها·
إنك، في بعض الأحوال، قد تجد الكفاية في توجيه سؤال مختلف؛ فعلى سبيل المثال، قيل لنا إن الأمريكيين يعتقدون أن دولتهم تنفق أموالاً طائلة على المساعدات الأجنبية؛ واهتمت هيئة فيدرالية أمريكية باستطلاع رأي الأمريكيين حول حجم المساعدات التي يعتقدون أن دولتهم تقدمها لفقراء العالم، مقدَّرّةً بنسبة مئوية من إجمالي الناتج القومي، فكانت الإجابة 18% بالمتوسط؛ كما تضمن الاستطلاع سؤالاً عن الحجم الذي يعتقدون أنه مناسب، فكانت الإجابة، خمسة بالمائة؛ أي ما يفوق الحجم الحقيقي لتلك المساعدات خمسين مرة !
إنهم يقتِّرون على الفقراء، ثم يعودون ويشكون من حركة الهجرة التي تدفع إليها الضغوط الاقتصادية؛ وهذه صورة من صور القصور في الفكر الاقتصادي، الذي يهتم بالتصنيف والتبويب، فيجد في زيادة الاستهلاك عند الصينيين دافعًا للقلق، بنفس الدرجة التي يشعر بها تجاه عدم إقبال اليابانيين على الاستهلاك بما فيه الكفاية· وعلى المنوال ذاته، ترى تلك العقلية ضرورة تخفيض سن التقاعد، بهدف توفير فرص عمل للشباب؛ ثم تعود - في الوقت نفسه - لتفكر في الاتجاه العكسي، فترى أن ترفع سن التقاعد، لتخفيض كلفة إنشاء وظائف جديدة؛ كما أنها - العقلية ذاتها - تبدي قلقها إزاء تضخُّم مستوى الديون؛ وتبدي قلقًا أكثر بشأن العواقب المترتبة على هبوط ذلك المستوى·
إنَّ نظامًا ديموقراطيًَّا يشغلنا بالمفاضلة بين مصادر الطاقة الكهربية المختلفة، في حين لا يعطينا حق الاختيار في مسائل تمسُّ صميم القيم التي نتمسَّكُ بها، لهو نظام زائل لا محالة؛ وقد خلصت (لجنة بينتاسيلجو)، منذ سنوات قليلة، إلى حقيقة مفادها أن ما يحدد حجم ما تفوز به من قدرات هو نجاحك في العناية به والحرص عليه· والنظام السياسي الذي يغذي نمط السلوك الفردي الجشع إنما يدمر ذلك العامل الذي يحدد حجم المكتسب من القدرات؛ وهو يدمره بصورة لن تؤدي فقط إلى تعريض المهاجرين للمخاطر، بل أيضًا إلى المخاطرة بتماسك مجتمعاتنا·