eKtab
EN ع
تتكسر لغتي.. أنمو
Read free sample

تتكسر لغتي.. أنمو

by نجمة إدريس

Page 1
خارطة أولى
 
رُقاقة من الصفيح الهشّ تآكله الصدأ · · هكذا رأيت سطح بيتنا ذات منام في أرض نائية حدّ اليُتْم ! ورأيتني أخطو فوق هذه الرُقاقة الصدئة متوجسةً حذرة · أخطو وأتوجس · · وإذا بقدميَّ يسوخان حين تتهاوى الرُقاقة الهشة · · أتشبثُ بجدار السطح وأتأرجح كالثمامة ! · · ووراء الجدار المتطامن ألمح رأساً يطل ، وذراعاً تلوح !
 
ما تلك الذراع ؟! · · أهي حبلي السُّري ؟!
 
كان ذلك من أضغاث الأحلام · ولكن أول مشهد في ألبوم طفولتي الغابرة لم يكن مناماً :
 
أراني ضئيلةً مموّهة الملامح ، ألهو وأتحرك في حوش رملي شاسع ، وزمان كالهُلام أو كنثار المجرة ، وحولي أشباحٌ ، ووجوه ، وأصداء أصوات ، وحجرات متباعدة · ولسبب ما أخذتُ أسير إلى الخلف متراجعة ! أ هو لون من اللهو ؟! · · أسير إلى الخلف · · أسير حتى وجدتُني أسقط فجأة على ظهري في طست كبير مملوء بالماء !!
 
ما هذا الماء ؟! · · أهو الرحم ؟!
 
وما بين أضغاث الأحلام والذكرى ، تتكدس الصور متوترةً مرتعدة ، كشريط فيلم ينزلق من آلة تصوير معطوبة · شريط لا أدري إن كان ينتمي إلى الأحلام أم اليقظة؟ أو أنه مزيج منهما ؟! صور سوداء وبيضاء ورمادية وملونة ، ولكنها جميعاً لقطات متعددة لمشهد واحد يتكرر ! مشهد تلك السيارة المنطلقة التي أجلس وراء مقودها ، سيارة منطلقة كالجنون ، وكلما حاولتُ لجمها ، أراني أدوس في الفراغ · · حيث لا مكابح!!
 
ما تلك السيارة ؟! · · أهي الحياة؟!
 
ثلاثة مدارات : حبل سُرّي ، ورحم ، وحياة · وفي فلك هذه المدارات تنداح الأسئلة دائريةً ومغلقة بلا نهايات ! تماماً كآلة الروليت التي لا تملك أن تجيبكَ حين تسألها عن رقم رابح أو خاسر! عليكَ فقط أن تتابع الكرات المتقافزة ، ما دمتَ قد دخلتَ صالة القمار · · أو سيارة الحياة · · لا فرق !
Page 2
(1) بزوغ
 
قيّضت لي خارطة الحياة والأحياء أن أطلّ على الدنيا قبل بزوغ عام 1953م بستة أيام فقط ! لا أدري لماذا لم أنتظر انقضاء هذه الأيام الستة لأكون من مواليد العام الجديد لا العام المنصرم ؟!··· هكذا يحاصرني السؤال الاستنكاري، وينمو في داخلي لون من الرفض لأنْ أكون من مواليد النهايات والذُبالات المتبقية، لا مواليد الطلائع والبدايات· وظل هذا الشعور بالخذلان يلازمني إلى أن انتقلتُ للعيش في انجلترا طوال فترة بعثتي الدراسية للدكتوراه· وهناك اكتشفتُ أن الخامس والعشرين من ديسمبر هو اليوم الأهم والأشهر في العام كله· ففيه ولد نبي السلام والرحمة المسيح عليه السلام، وفيه تقام أعياد الكريسماس العالمية بظلالها الدينية والاجتماعية المبهجة، وعلمتُ أن كل من يولد في هذا اليوم المجيد - على حدّ زعمهم - ما هو إلاّ مسيح صغير يأتي ليمسح آلام البشرية ويلوّن الحياة بالسلام والرحمة ! وأمام هذا الانطباع الجديد ليوم الخامس والعشرين من ديسمبر، بل أمام علامات الدهشة والاغتباط التي أراها على الوجوه حين أُسألُ عن تاريخ ميلادي، بدأ شعوري إزاء هذا اليوم يتبدّل ويكتسب في نظري شيئاً من التميّز واالخصوصية· بيد أن الشعور بإضافة سنة كاملة إلى عمري - لا ستة أيام فقط - حين أُحسَب من مواليد العام المنصرم لا الجديد، يظل مصدراً للتململ والضيق لا ينتهي !
 
ورغم ذلك فميلادي بتاريخ 25/12/1952م هو توثيق صحيح ودقيق· ومما يعزز هذه الدقة ما قرأته على ظهر صورة فوتوغرافية لي حين كنتُ في حوالي الثالثة من العمر، فقد تم تسجيل تاريخ التقاط الصورة ثم تحديد عمر صاحبة الصورة باليوم والشهر والسنة، مما يدلل على الاستناد إلى مرجع موثّق هو شهادة الميلاد· ولعله من فضلة القول التنويه إلى أن اعتماد تسجيل المواليد كان قد بدأ في الكويت مطلع الخمسينات من القرن العشرين، بينما عانى مواليد عقد الأربعينات ومن سبقهم من صعوبة تحديد تواريخ ميلادهم بسبب غياب مثل هذه الوثائق·
 
ولعل هذه التقدمة تبقى بلا ضرورة، لو لم تأتِ كإشارة مهمة إلى فترة تاريخية فاصلة في عمر مجتمع مثل الكويت كان ينقذف بقوة نحو التغيّر والحراك الثقافي والاجتماعي منذ مطلع الخمسينات خاصةً· ففي هذا العقد بالذات حدثت أكبر حركة نزوح سكاني من مدينة الكويت - التي أضحت مركزاً مالياً وتجارياً - نحو الضواحي المحيطة، لتتواكب مع ازدهار عمراني لافت· ولعل معظم أبناء جيلي من مواليد الخمسينات لا يكادون يتذكرون شكل المدينة القديمة، أو ملامح البيوت التي ولدوا فيها ثم غادروها أطفالاً صغاراً بذاكرة غضة مموّهة لا تكاد تعي ما حولها·
 
بيد أن الذاكرة تبدأ بالتيقّظ حين تتزامن أعمارنا - ونحن ندرج نحو الخامسة والسادسة من العمر - مع حركة التعليم الطليعية التي كانت قد بدأت حديثةً ومتمكّنة ونحن ندخل صفوفنا الإبتدائية· ويأتي انبهارنا الأول أمام معمارية مدارسنا الحديثة البناء، والتي كانت آية من آيات الفن المعماري، بأبهائها الفسيحة، وأقواسها ومشربياتها، وأرضياتها الرخامية الصقيلة، وأفيائها الظليلة، وحدائقها الغنّاء· ناهيك عما تنفحه أجواؤها من عبق يُشعر بالرفاه والرعاية والأنس والدعة· لا تدري من أين يأتي الشعور باللطف والطمأنينة ؟! أهو الانتماء إلى مؤسسة كانت تتبنّانا من الألف إلى الياء، حين تبدأ الرعاية المجانية من ملابس الزي المدرسي والوجبة الغذائية الساخنة، مروراً بخدمة التوصيل اليومي بالباص ذهاباً وإياباً، وانتهاءً بتوفير الكتاب والدفتر وقلم الرصاص والمسطرة ! أم هو جو الدرس ووجوه مدرساتنا حيث تمتزج الرصانة باللهو والحزم بمتعة الانفلات وبراءته! أم تراها نفحات العوالم المعرفية التي تتفتّح أمام دهشة الطفولة وجدّة خبرتها بالحياة ومشاهدها ! يقيناً أننا كنّا الجيل الأكثر انتفاعاً بثمار النهضة التعليمية والاجتماعية الحديثة، وربما أيضاً الجيل الذي عُقدتْ عليه الكثير من الآمال في تحقيق خطط التنمية البشرية الطامحة التي كانت تُرسى أسسها حينذاك· لقد كانت سنوات عقدي الخمسينات والستينات بكل المقاييس سنوات وفرة اقتصادية، وسنوات بناء مطّرد للمؤسسات التعليمية والخَدَمية، وسنوات للتحوّل والتحديث، وسنوات للأحلام والطموحات·
 
وما كان الجو الاجتماعي خاصةً بمعزل عن هذه التطورات العامة· فعلى صعيد الحياة الاجتماعية كان هناك لون من المرونة في تقبّل مستجدات المرحلة، وروح أقرب إلى التلاؤم والمهادنة منها إلى التحفظ والنفور· وإذا كان هذا يصدق بصورة شبه عامة على البالغين من فئات المجتمع المختلفة، فلعله يصدق بصورة مطلقة علينا نحن الأطفال حينذاك· فقد ولدنا لنجد أنفسنا في مدينة حديثة، نعيش حياةً عصرية، ونتلقّى تعليماً حديثاً، وننعم بأدوات الحضارة المتاحة كالكهرباء والتلفزيون والسيارة والهاتف··· إلخ· لذلك لم تشكل لنا النقلة الحضارية أزمة أو إشكالية· وحين يتحدث آباؤنا عن مهنة الغوص على اللؤلؤ، وبيوت الطين، وجلسة الكتاتيب، وشظف العيش قبل عهد النفط، يلذُّ لنا الاستماع والإنصات، تماماً كما يلذّ لأي طفل الاستماع إلى القصص التراثية والاسطورية التي توقظ المخيلة وتغذّي الفضول وتلهب مشاعر الانتماء والتعاطف·
Page 3
ومن هنا كان هناك خط فاصل رهيف بين جيلنا وجيل آبائنا· هو مجرد خط رهيف وليس حاجزاً كؤداً· لأنهم وبفضل حسّ من المرونة والمهادنة كانوا يروننا أبناء زماننا ونتاج عصرنا، وكانوا يُقرّون لنا ما لم يُتح لهم· ففي حين كُنّا نحن نتلقّى تعليماً عصرياً مميزاً، كانت أمهاتنا أميّات لا يُحسنّ حتى القراءة والكتابة، وفي حين كنّا نرتدي الملابس العصرية وننطلق متصالحات مع مظهرنا الخارجي ووجوهنا السافرة المتطلّعة، ظلّتْ أمهاتنا متدثّرات بالعباءة والبوشية ( غطاء أسود شفّاف للوجه) حتى آخر حياتهن·
 
ورغم التغيرات الاجتماعية في السلوك والعلاقات والمظاهر، يظل لون من الاعتدال والوسطية يحكم الجو الاجتماعي عامةً، وتظل أنماط من التقاليد والعادات غائرة الجذور وباقية رغم كل شيء، لتعطي هذا المجتمع هويته وسمته·
 
ما كان ذلك غير توطئة مبدئية لعلها تصلح خلفية مناسبة للانطلاق من العام إلى الخاص، أو من الآخر المنكشف إلى الذات المستسرّة المتكتّمة، التي تحاول ما استطاعت أن تترائى من خلال الثقوب والفجوات· وها أراني وأنا بصدد محاولة الكتابة عن تجربتي الشعرية أنني إزاء امتحان عسير ولا شك· فأية طاقة يحتاجها الكاتب حينئذ؟!·· أية شجاعة ؟!
 
بل أية قدرة تلك التي تطمح إلى صياغة الإنسان وانتهائه إلى نَسَق نفسي وروحي على شيء من التلاؤم، بعد طول افتراق بين ذاته الكامنة وذاته الظاهرة ؟! ذاته الكامنة التي تلوذ بالشعر، وذاته الظاهرة المتدثّرة بالرصانة، واللياقات، والأقنعة اليومية·
 
مَنْ يستطيع أن يجتاز هذا البرزخ ليوحد بين العري الباهر، وبين الإتكيت والملابس الرسمية ؟! أو بين البريّة المنفلتة، وبين أضواء النيون والصالات المستريحة ؟!
 
مَنْ يستطيع أن يفعل ذلك دون أن يسقط في محرقة الروح ؟!!
 
ليس هناك من طاقة يمكن أن تصنع للإنسان الاكتمال والنسق، والكتابة عن التجربة الشعرية مهما بلغت درجة حميميتها وصدقها، لن تلامس غير الحافات والحدود، وسوف تلهث خيولها دون القلاع المتأبّية والنوافذ المسدلة، التي تظل خيالاً وغباراً، ومطامحَ، وغاياتِ شوق·
 
هذا التأرجح بين الكمون والظهور، والتوحد والانكشاف، ما كان جدلية نفسية ومقصلة وجودية فقط، بقدر ما يأتي ثمرة من ثمار التنشئة، ولوناً من ألوان الطيف لتربية بيتية ومجتمعية تميل إلى رسم حدود الشخصيات وتسييجها بالتحفّظ أو الرصانة أو الاكتفاء أو اللامبالاة· وأمام تلك المسارب المغلقة والأبواب التي أضاعت مفاتيحها، تتقلص مساحات التعبير والبوح والمكاشفة، وتنكمش الذات كقوقعة ملقاة على ساحل مهجور·
 
ولعل الصراع الخفي بين الذات الكامنة والذات الظاهرة كان قد بدأ منذ الإطلالة الأولى على المدرسة، حين يدعونا عالم آخر : درس التعبير، ودرس الرسم، وهناك أناشيد ونصوص شعر تبوح بأسرارها، وهناك موسيقى وآلات عزف، وهناك مسرح كأنه عريشة من عرائش الجنة نقفز في أفيائها بالشرائط والأوراق الملونة، متقمصين الأزهار والعصافير· عالم يضجّ بالتعبير عن الحياة والبوح بأبجديتها الأولى·
 
وعلى قدر ما كانت المدرسة سخيّة بروحها المفعمة بالحياة، كانت كذلك سخيّة بأفيائها ومشاهدها ومنعطفاتها الظليلة· لم أكن قد رأيت في بيتنا أو حيِّنا شجرةً قط، فأتى بستان المدرسة ليفاجئني بعالم من الخضرة والندى والظل والاحتواء ! وما كانت تلك حديقة مختصرة متقشفة، بقدر ما كانت جُنينة غنّاء وبقعة ساحرة، تكامل فيها العشب والشجر والنوافير والفسقيات والعرائش الظليلة، حيث تلتفّ عليها النباتات المتسلقة كما يلتفّ العنب على الدالية، وحيث تزورها الطيور وأسراب الفراش والنحل· أما الأزهار فقد كانت بحراً من الألوان والأضواء، تومئ لنا في كل بقعة ومنحنى، وتهمس لنا بأسمائها لنحفظها ونستظهرها : الدفلى والقرنفل وفم السمكة والريحان والأقحوان وعبّاد الشمس·· عالم من الظل واللون والعطر والحنو ! وعلى أطراف هذا البستان الرائق تتجمع وتتفرق أشجار باسقة طويلة السيقان شامخة الرؤوس، لا ندري متى نمت ومتى امتدّت ظلالها بسخاء لتحنو على طفولتنا، وتصدّ عنّا وَهج الشمس ! في ذلك البستان البهيّ البهيج درجت الأقدام الصغيرة، وبألوان أزهاره تلوّنت العيون، وتلّون معها العالم الصغير الكبير·
Page 4
وبقدر ما كان البستان نافذة أولى للانبهار الكوني، كانت الحظيرة هي النافذة الثانية للبهجة وتلقي علوم الحياة· فما أن تنفرج الأشجار المستطيلة الفارعة ونحن نتوغل بينها، حتى تنكشف الساحة الرملية عن أقنان الدجاج والأرانب والكتاكيت الصفراء، المتراكضة بين أرجل أمهاتها حيناً، وبين أرجلنا الصغيرة حيناً· وبين أسراب الدواجن والوقوقات تتوسط البركة التي يسبح فيها البط والإوز حراً بلا سياج، حتى ألِف المكان وألِف وجودنا ومداعباتنا· كانت معلمة العلوم تدعونا لنقترب من حافة البركة لنرى كيف تضرب البطة الماء بأرجلها التي نمت بين أصابعها أغشية شفافة تعينها على السباحة، وتأخذ بأناملنا الصغيرة لنتحسس قطرات الماء الدهنية التي تغطي ريش الإوزة حتى لا تبتل· لا أتذكر في تلك الأيام أن المناخ كان قاسياً، أو أن الشمس لافحة ! بل كان كل ما حولنا ينضح الندى والظل والحنو· هل كان السبب الجُنينة الغنّاء، والحظيرة الظليلة؟!
 
هذا الاندياح في عالم ملوّن وفسيح - بمقياس قامة طفلية -، وعالم مُعبِّر ومنكشف على مباهج الروح الغضّة ودهشتها، تعزّز باندياح آخر نحو تحسس الذات وفهم حاجاتها· ويبدو أن الإنسان منذ الوعي الباكر بكينونته، يبدأ بالالتفات إلى ذلك الفراغ الذي يغلفه، والذي يشعره بالذوبان والسقوط، وعليه لتدارك ذلك أن يتشبث بمساند ودعائم تبني ذاته وتحدّدها وتؤكّد ملامحها، وتخلّصها من الضعة والهشاشة واللون الحائل· ومن هنا يتخذ الإطراء والتشجيع، وكلمة برافو في الفصل وقعاً آخر، ويستحيل إلى رافعة فولاذية هائلة ترفع عن الكاهل والصدر كل آثام الغفلة والاستصغار واللامبالاة· أما لمسة المعلّمة لكتف أو ذراع مع كلمة عابرة أو إيماءة حنون، فتلك فرصة نادرة لمباهج الروح وأعراسها ! حينها يكتشف أحدنا أنه موجود، وأن له روحاً وجسداً، وأنه لم يعد سقط متاع أو مجرد شيء من الأشياء !
 
لم تكن المدرسة - بكل تواضع عالمها وصغره - نافذتي على الحياة فقط، وإنما كانت أيضاً نافذتي المبكرة على انطلاقة الوجدان، ودبيب المشاعر، وحماقات الصبا ومراراته· ويبدو أن الحياة المدرسية بما تكرّسه من قيم المنافسة والسبق، والثواب والعقاب، تظل دوماً هي المحرّك الأول للأنا البازغة، تشحذها كي تهتزّ وتربو، وتتغلب على هشاشتها وعدميتها· وربما تنكؤها بقسوة لتستخرج دَرَناتها وجذورها المغروزة في الطين· وفي المدرسة تتحقق الملامسة الأولى لعالم الآخرين، والدخول إلى عالم من المرايا التي تنعكس فيها الوجوه، ما بين كاملة الملامح ونصفية ومضببة، وتتلامح فيها الألوان ما بين دافئة وباردة، ومبهجة وقاتمة· وجوه تبقى، ووجوه ترحل، وأسماء تذوب، وأخرى تتعرش كالأعناب في دالية الذكرى·
 
ورغم ما انطوت عليه الحياة المدرسية من انتصارات وخيبات، ومن تسلّق مؤلم أو تأرجح فارغ، يظل لتلك الحياة زخمها المعرفي والنفسي والعاطفي، وتظل بصورة ما كوناً ذا حركة ومَوَران ، نرانا بين عطفيها نكبر وننمو وتستطيل غصوننا، ونرانا نتسلق درجاتها ومراحلها مفعمين بالانتظار والتوقّع واللّهاث· يقابل هذا الكون المتحرّك المتنامي في المدرسة عالم البيت، بإيقاعه المتخثّر، وزمانه الأقرب إلى الثبات والارتهان للركون والحجز· لا شيء ينمو في ذلك العالم البيتي سوى طحالب الضجر والرتابة، والأيام المتشابهة، والعمر الحائل! كون مستعصٍ على النمو، ومستعصٍ على الحركة، ومستكبر على الحميمية والملامسة· كل شيء يسقط في الفراغ كحجر، اليوم والأمس والغد، وكل شيء يتساوى، الشهقة والدمعة والضحك، وكلٌ باقٍ لا يريم، العزلة والغفلة والصقيع ! لا غرو أن تكون العطل المدرسية مقصلة للروح، وطاحونة للقلب· وكما يحصي السجين أيامه ويحفرها على جدران زنزانته خطوطاً طولية وأفقية تعينه على اجتياز محنة الوقت، كنتُ أفعل فعله حين تطبق عليَّ العطلة الصيفية بدهورها الثلاثة· أهرع كل يوم إلى الرزنامة لأشطب منها رقماً وأحصي ما تبقى·· أشطب وأحصي ! وكأني بذلك أهرس بقلمي عقارب الوقت وثعابينه وسحاليه، وأسلخها من جلدي وشعري·
 
وتظل معجزة المدرسة الكبرى أنها تعلّم القراءة والكتابة· وهل هناك أعظم وأروع من قدرة الإنسان على تعلُّم الأبجدية ؟! ليس أبجدية الحروف قطعاً، وإنما ما تقود إليه تلك الشيفرة السحرية من إبحار سخي في عالم من القراءات والمشاهد والأصداء، ثم ما تُنمّيه لاحقاً من قدرة على الإفاضة من معين لا تدري من أين يفجؤك برذاذه وغواياته !
 
هل كان صدفة أن يهديني المنفلوطي نظراته وعبراته وأنا في الثانية عشرة من العمر، ليضيء لي شمعة أخرى من شموع البهجة واللوعة ؟!·· كيف تقمصني هذا المنفلوطي وجعلني أنشد مقطوعته الرحمة في الصف الثاني متوسط وأستظهرها بكل ذلك التوهّج والولع ؟! ثم كيف أخذ بيدي وئيداً نحو عذوبة الحزن، ولذة الشكوى، وبؤس الحياة، وصفاقة المقادير، وضعف الإنسان· وقبلها أخذني نحو شعرية النثر، وموسيقى التعبير، ودبيب المشاعر وطراوتها· لم تكن مقطوعة الرحمة سوى درس من دروس المحفوظات كما كان يُسمّى في عهدنا، ولكنه درس قادني إلى اكتشاف المنفلوطي الأكثر سخاءً وانثيالاً من تلك المقطوعة المبتسرة· والغريب في الأمر أن النظرات بأجزائها الثلاثة كانت تربض في خزانة أبي مع غيرها من كتب لم أكن أُحسن فك أبجدياتها حينها، كدواوين التراث والكتب التاريخية والمجلات الشهرية· ولعل للفضول دوراً في تلك المصادفة التي رأيتُني بها ألامس تلك الأجزاء الثلاثة من النظرات، ثم العبرات، ثم أقاصيصه الرومانسية المترجمة مثل بول وفرجيني التي أسماها الفضيلة· لا أزال أذكر أغلفة هذه الأجزاء بطبعاتها المتواضعة وقد تربعت صورة المنفلوطي بالحجم الصغير على غلافها، متشحاً زيّه الأزهري وشاربيه المعقوفين· لم يكن ثمة ارتباط في ذهني بين تلك الصورة الرصينة المجللة بتقليدية ظاهرة، وبين تلك الروح المنسرحة بالرومانسية والرقة وطلاوة الأسلوب ونداوته! ولعل المنفلوطي كان يقصد إلى تلك المفارقة ويتعمدها ليثير هذا التساؤل المشروع !
 
وتأتي ميّ زيادة بعد المنفلوطي لتسكن حشاشتي ! وتأتي معها نكهة الحسّ الأنثوي وعذوبته ولوعاته· ما كان أبدعها كاتبة وأديبة وشاعرة ! حضورها في الفكرة والجملة والمفردة كان حضوراً طاغياً للأنثى الواثقة المتأبّية، واثقة من صوتها وملامح وجهها وجدّتها الطارئة، ومتأبّية جموح في المواقف والأهواء والعواطف· ولعل ما زاد تألقها في نفسي أمران· الأول، قصة الحب بينهـا وبـين جبــران، وهي تكاد تكون قصة كل الفتيات الطليعيات الحالمات بالإنسان - النموذج الذي يخلقه الوهم، ويغلفه الغموض، وتستدعيه الحاجة· ولكنه يظل نائياً ومترامياً كغيمة، ومستعصٍ على الحضور، وذلك هو الإغراء الأكبر· إذ ما كان أكثر الرجال حول ميّ زيادة، وما كان أندرهم وأبعدهم! ولعلها أدركت بحدسها المرهف وحسّها الراقي ما انطوى عليه أولئك من ازدواجية وممالأة وتذبذب، فلاذت إلى أصقاع نفسها واكتفت بعالمها رغم صقيعه وفرادته· أما الأمر الآخر الذي سمّرني عند عالم ميّ زيادة، فهو ما انتهت إليه رحلتها الإبداعية والحياتية من انكسار وخيبة، ومن سقوط مُروّع للكمال والجمال والعقل كما يزعمون· إذ يُقال أنها جُنّت ! ويُقال أنها أُدخلت إلى العصفورية ! ويُقال أنها انتهت إلى حطام بشري، وقضت وحيدة في الخمسين من عمرها، بعد أن أرمضتها الوحشة والكهولة أو (العنوسة) ! وكأنني بمن كتب هذه السيرة، أو من أخرجها بهذه الصورة المُذلّة المتهكمة يشير بطرف خفي إلى المصير الذي ينتظر النساء الطليعيات في شرق يفوح بالبؤس، ويعاني من الحساسية المفرطة إزاء النساء المتمردات على الوأد والضعة· لا أدري إذا كانت ميّ زيادة وهي تكتب الشعر بالفرنسية، وتخطب في الندوات، وتخط بقلمها البارع المقالة والقصة والدراسة، وتتصدر صالونها الأدبي بثقة واعتداد، لا أدري إذا كانت وهي تفعل كل ذلك تدرك حينها أنها تقبض على الريح وتبذر في وادٍ غير ذي زرع ؟! لقد ظلت ميّ زيادة بزخمها الحياتي العابق بالصراع والمأساوية نابضة في وجداني حتى الآن، وممثلة للنموذج الإبداعي النسوي في قمة معاناته للمأزق الثقافي والحضاري في مجتمعاتنا الشرقية·
Page 5
وتكتمل صورة ميّ ذات النَفَس العابق بالروحانية والمثالية وبراءة الوجدان الأولى، بصورة جبران وميخائيل نعيمة والتهاويم المهجرية· وكان جبران بالذات مستراحاً شعرياً للعشق والتعلّق ! هل كان السرّ يكمن في صورته الإنجيلية الغامضة المضببة بغبار السنوات والحقب، وهو يربض وراءها ساهماً ومغرياً ومتحفزاً للقفز إلى حاضرنا أنى استدعيناه ؟! هل هو نَفَسه الرومانسي المفرط في تهاويمه وكشفه وماورائيته ؟ هل هي حميمية الملامسة وسحر الرؤيا في موسيقاه وأجنحته المتكسّرة ومواكبه ونبيّه وعواصفه ؟! لعله خلاصة كل ذلك في عين ترصد العوالم الجبرانية من سفح صباها المتوهّج، فتبدو لها جميلة حدّ البكاء، ومشبعة حدّ النشوة· ويأتي ميخائيل نعيمة ليكمل اندياح أرجوحة النشوة بـ نهره المتجمّد وأوراق خريفه وتائهه وطمأنينته وبعدهم يطلّ الشابي بعذوبة صلواته وصباحه الجديد وغابه وطفولته، وانتحابه الرائع أمام الطبيعة والحب والموت·
 
ولعل هذا العالم الشعري السادر في عذوبته وتأوّهه أمام الجمال والألم، بدأ يحفر روافده في وعيي الأول، ويجد له بذوراً يسقيها ويطعمها· فلا غرو أن يأتي النص الأول في مرحلة الثانوية مضمخاً بالشكوى، متبرماً بالحياة، باحثاً عن وجهها الآخر المفقود ! ويقيني أن ذلك ما كان (ذنب) جبران ونعيمة والشابي، بقدر ما هو استعداد نفسي أصيل، وميل إلى معاينة خلل الحياة ونقصها، ودفاع عن النفس ضد كل ما يمضّها من هشاشة وتهافت وعريّ·
 
في سنتي الأولى في الجامعة يفاجئني نزار قباني لأول مرة! وكأني به يشبك ذراعي ويأخذني معه إلى ردهة أخرى حيث الموسيقى·· والموسيقى الخالصة ! لقد ظل نزار قباني من أكثر الشعراء غراماً بموسيقى الشعر، يعزفها حيناً بانسيابية مذهلة، ويعزفها أحياناً بصخب وبهرج واحتفالية عالية النبرة، ويدعو من يقرؤه أن يوقّع بأصابعه وأقدامه رغماً عنه ! وطالما رأيت في نماذجه المموسقة خير مثال في تدريس العَروض، بسبب وضوح التوقيع اللحني لديه وصخبه· ويبقى أن لنزار قباني الفضل في تفتحي الأول على شعر التفعيلة في أكثر نماذجه حرارةً ومباشرة· أذكر أن ذلك تزامن مع دروس العروض التي كنا نتلقاها على يد نازك الملائكة في سنتي الأولى في الجامعة، ولكن الاستمتاع بنص الشعر التفعيلي وتذوقه عملياً تم باكتشافي لنزار قباني وموسيقاه الراقصة· وما كان عالم نزار الشعري يقف عند حدّ الموسيقى، أو يتحدد بنصوصه الحرة فقط، وإنما كان لنصوصه العمودية في مجموعات طفولة نهد وقالت لي السمراء وقصائد تجلياتها وأعاجيبها أيضاً، سواءً في الصور الذاهلة، أو المفردات الطازجة، أو الأجواء اللونية فاحشة الثراء· ويظل نزار قباني بتفرّده، وعذوبته، ومشاكساته، وغوصه في الأشياء الحميمة والمشاعر اليومية السهلة الممتنعة مشروعاً للتعلّق والاقتفاء· تماماً كما تبقى أبجديته المميزة في قضايا الحب والجمال والثورة والرفض وحتى في الشتائم والسباب، تاركة بصمتها على جيل بأكمله، عارضه حيناً، وأحبه أحياناً، ولكنه أجمع على جوهر الإبداع والتميّز في معدنه·
 
لقد كان لا بد من كل هذه الوجوه، وكان لابدّ من آخرين قبلهم، وكان لا بد من آخرين معهم وبعدهم، ليستمرّ السفر، ويكتمل المشهد، وتقرُب المسافة، وتدنو العناقيد !
 
ماأصعب أن يحدد الإنسان طريقه العلمي وهو دون العشرين ! إذ رغم تبرعم الوعي وبروز الميول، تظل غمامات الغفلة والتوَهان من سمات الطفولة المتبقية· لا أدري لماذا تُهتُ وأنا في الصف الرابع الثانوي في غابة الاختيارات، وتوجّهتْ أصابع عشوائية نحو تخصصين من تخصصات الجامعة، الحقوق أو الجغرافيا !! وما كان لي نسب مع الحقوق، ولا صلة بالجغرافيا· ولكنها مجرد كرة روليت أقذفها وأظل أراقبها ببرود، حتى تقف عند ما تشاء هي من فجوات وأرقام !
 
ولكن يبدو أن لمخططات أقدارنا أعاجيبها! إذ لا تدري من أين يأتيك ذلك الطائر الغريب لينتشلك بمنقاره من متاهة المنعطفات ولزوجة الطحالب، ويلقيك برفق عند شاطئك لتكمل السباحة حراً نقياً· ما الذي كان يخبؤه لي الطائر الغريب حين أتى بتلك الفتاة السورية الشاعرة بالذات دون سواها، في ذلك العام الدراسي بالذات دون غيره من الأعوام، لتكون معلّمة اللغة العربية لفصلي بالذات دون غيره من الفصول ؟!! ولماذا أشارت عليَّ وكأنها تصوّب بندقية صيد واثقة من رميتها : عليكِ بدراسة علوم العربية دون غيرها ! هل كانت أبلة نوزت أبو شوشة - وهذا هو اسمها - عرّافتي وقارئة طالعي ؟! وهل كان أسلوبي في دروس الإنشاء، وقصيدتي اليتيمة التي صوّبتْ عروضها وأرجلها العرجاء ولثغاتها، كافيين لأن تطلق نحوي رصاصة النجاة، فتنقذني من الحقوق أوالجغرافيا في آخر لحظة، وقبل الانتساب إلى الجامعة بشهر واحد ؟!
 
حقاً إن لأقدارنا أعاجيبها ! أما الترتيب لهذه الأقدار، وتنسيق ملابساتها فتلك أُحجية أخرى !
 
كثيرون يراودون الشعر، وقد ينبغون فيه، دون أن يدرسوا علوم العربية وآدابها· وهذا أمر وارد حين تقودهم السليقة والميل، فيمرون برحاب الأدب وأبهائه كما يمرّ المُتنزّه بالحدائق والبساتين، فتعلق بثيابه روائحها وأنداؤها· ذاك حال المتنزهين والمتريضين من الهواة، ولكن حين تصبح العربية وآدابها قدراً ومهنةً ودرباً من دروب الحياة، فإن العلاقة مع الشعر تتخذ حينها وضعأ أكثر حساسية ورهافة، إن لم يكن أكثر توجساً ومسؤوليةً·
 
كانت الأعوام الجامعية الأربعة ما بين 1972م - 1976م في قسم اللغة العربية أعواماً مهمة في مقام الصقل والتشذيب والإعداد لتلك العجينة الخام التي كنتُها· وكانت أعواماً مهمة أيضاً لتعلّم الالتزام العلمي، والمتابعة الدؤوب للسلم المعرفي وتدرّجاته· وكانت أعواماً مهمة كذلك في مقام الإحاطة المنهجية الشاملة بالمشهد الأدبي والشعري الممتدّ من التراث حتى المعاصرة· ناهيك عما حققته هذه الرحلة المعرفية من تقويم للسان والبيان، وما غرسته من وعي علمي بأدوات التعبير وقواعد اللغة وأصولها· وطوال هذه الرحلة المبهجة حيناً، والمضنية حيناً آخر، لا تستطيع أن تلغي مشهداً وتُبقي آخر، أو تُسقط لبنة وتستند على أخرى· فكله بناءٌ واحد متواشج يتنامى ويتطامن، وكله سيمفونية متكاملة تنداح حتى نهاياتها، لتوقّع ذبذباتها الأخيرة في العقل والذوق واللسان والروح والعاطفة· في هذا العالم السيمفوني الذي يتكوّن في داخلك، لا تستطيع أن تقول أن الشعر أجمل من النحو، أو النقد أيسر من البلاغة، أو الصرف أبسط من علم اللغة· تماماً كما لا تستطيع أن تفضّل طرفة بن العبد على أبي نواس، أو المتنبي على أبي العلاء، أو قدامة بن جعفر على الجرجاني، أو الجاحظ على أبي حيّان التوحيدي، أو أحمد شوقي على بدر شاكر السياب· فأنت لستَ في مقام قبول وإلغاء، أو ميل ونفور· فكلهم حاضر وشاخص في تاريخ آداب الأمة وروحها، وعليكَ أن تتعرفهم وتلامسهم ما دمتَ في طور التعلُّم والأخذ· وها هي أرواحهم ما تزال ترقد بين الصفحات في تلك الكتب المرصوصة حتى الآن بولاء وعناية، أمسح عنها الغبار بين حين وآخر، وأستشيرها حين تعنّ الحاجة· أرواح تآلفت وتقاربت، وانقشع فيما بينها ضباب القرون، وامتزجت بشبابي الباكر هيّنها وصعبها، وسلْسُها وحوشّيها، فقوّمتْ لساني، وكوّنتْ ذائقتي، وأهدتني خيوط المعرفة الأولى·
 
وكما كان للمعلومات المعرفية دورها في التثقيف والبناء، كان لأساتذتنا الأجلاء أثرهم في إشعارنا بقيمة العلم وهيبته، بما توحي به شخصياتهم من جلال ورسوخ ومقدرة· ولعلنا كنّا الجيل المحظوظ الذي عاصر السنوات العشر الأولى من عمر جامعة الكويت· إذ خلال هذه السنوات المبكرة كانت الجامعة تستقدم خيرة العلماء والعقول في شتى فروع المعرفة الإنسانية· ويكفي جيلنا اعتزازاً أنه تلقى علومه على أيدي شخصيات علمية وأدبية مثل نازك الملائكة، وشوقي ضيف، وأحمد مختار، ووديعة طه نجم، وخديجة الحديثي، ومحمد حسن عبدالله، وغيرهم من الشخصيات العلمية·
 
ورغم أهمية مرحلة الجامعة، تبقى ولا شك مجرد جواز مرور اوليّ يؤهل لدخول الحياة، والتعامل مع إشكالاتها ودروبها· ولعل الحياة بعد التخرج أو قُبيله بدأت تتخذ ملامح أكثر إبانة ووضوحاً·
Page 6
(2) أقفاص وأجنحة
 
تظل مباهج الروح ومراراتها المبكرة تسبح على ضفة نائية، متلفّعة بسريّتها ودهاليزها، منكفئة على العطش والأشواق الغامضة، والسراب القلبي· أما الضفة الدانية، فلها ذلك الوجه البارد، والعينان الهاربتان، والصوت الباهت، والظل المموّه !
 
أي عذاب أن تظل تسير على هذا الخط المرهف، الجارح كحدّ السكين، فلا أنتَ تهبط على الضفة النائية فتتضوّع وتنمو لك الأجنحة، ولا أنت تسقط على الضفة الدانية فتضيع كسقط المتاع مع البسطاء والعوام والمنسيين الذين يزحمون العالم !
 
ثم مَنْ يستطيع أن يراهن على الطيران والأجنحة، دون أن يكابد أوجاع التعلّم وإباء المرتفعات، ومخاوف الأمطار والريح ؟!
 
كان لزاماً على النفس لكي تدخل مدرسة الطيران أن تضخّ بضع شرارات في الصوت الباهت، وترشّ الظلَّ المموّه ببعض الألوان· الصوت والظل صاريتان لخيمة الذات، وبهما تنهض وترفّ أجنحتها، ويتفتّق بياضها وامتدادها·
 
لا غرو وقتئذ أن تتابعت نصوص شعر بدائية طالبة الانعتاق من عتمة الجوارير وسجن الأوراق الهزيلة· ولا غرو أن زامنتها محاولات أولى في كتابة المقال والدراسة الأدبية· كانت هذه الأفراخ تتعلم الطيران قبيل مغادرتي لمقاعد الجامعة، وكانت تتوق لرؤية ضوء النهار متمرّدة على هشاشتها وزغبها الغضّ· ورغم ما في المحاولات الأولى من بدائية وبساطة، تظل بلا شك تحمل سمات نفس وفكر تواقّين إلى تسجيل نقطة للبدء، وتشييد قاعدة للطيران، وقبلهما إضمار نية لخرق اعتيادية الحياة من حولي، والتمرد على بلاهتها وثباتها·
 
في هذه المرحلة تأتي رابطة الأدباء في الكويت لتهبني الثقة والدعم والاحتواء· ولعل الحديث يطول حين التعريج على دور رابطة الأدباء وأثرها في جيلي وفي الجيل السابق علينا· فرابطة الأدباء التي تأسست عام 1966م، كانت قد أوجدت لها قاعدة طلائعية من المخضرمين والشباب أواخر السبعينات وأوائل ثمانينات القرن العشرين، وهي المرحلة المهمة التي عاصرتها في بداياتي حين كنت طالبة في جامعة الكويت، أو بعد تخرجي بقليل· ورغم تقاطع الأجيال في أبناء الرابطة وأعضائها، إلا أن الجو العام في منتدياتها ومجلتها البيان كان جواً منفتحاً وثرياً ومتعدد المشارب، بل ومرحباً بحفاوة بما تقدمه محاولات الجيل الأحدث عهداً· ويحضرني في هذا المقام ما اتسم به رموز الرابطة ومؤسسوها حينذاك من تفهّم واستيعاب للتجارب الغضّة، وما اتصفوا به من مرونة لافتة، وتواضع جمّ، واستعداد للحوار رغم فارق الأجيال والأذواق، والأهم من ذلك ما أظهروه من حنو وحدب إزاء خطواتنا المتلكئة· كنتُ وأنا الطالبة حديثة التخرج، أجادل عبدالرزاق البصير وأحاوره حول موضوع وحدة الأدب العربي الذي طرحه فوق صفحات مجلة البيان، وذلك في عدد سبتمبر 1976م· ورغم ما في المجادلة من حماس الشباب وفورته وتباهيه، وما في الحوار من مناكفة ومشاكسة وأسئلة مدببة، إلاّ أن الرجل بكل هيبته ومكانته كان يتلقى ذلك بإصغاء جميل، وابتسامة سخية لا تنتهي· ويأتي عبدالله زكريا الأنصاري ليمثل النموذج الأمثل للأريحية والمواكبة، حين لم يتوانَ عن الكتابة إلى تلك الفتاة الغرّة طرية العود (التي كنتُها حينذاك)، ليذكّرها بشروط الإبداع وأولوياته، وأهمية الصدق في الطرح، والإيمان بالذات· أما خليفة الوقيان فلعله (الفدائي) الأول الذي تجشم عناء النظر في نصوصي الأولى، بكل هِناتها وهشاشة ريشها، ولكن يبدو أن صبره وعنايته كانا أكبر من مساحة أملي وتوقعاتي· في رحاب هذه الروح التي رانت على مؤسسة الرابطة كنّا ننمو ونتفتّح، وتنمو معنا الطيور والكلمات، مشمولين بنظرات الحدب ترمقنا عن بُعد، وتوسع لنا منصات الظهور شيئاً فشيئاً دون إفراط أو تفريط·
 
وتأتي مجلة البيان لتكون الدفتر الأول لمحاولاتي البازغة في الشعر، والصفحة التجريبية لكتاباتي في الظواهر الشعرية· على نطاق الشعر كانت تلك مرحلة العصفور الأسود، والعنقاء، وعندما ينتصر الحزن، والبحث عن ملامح في مدينة الكرنفال، وأشلاء عام وغربتي، وغيرها من النصوص التي سقطت من الذاكرة وبَهتتْ مع مرور السنوات· ولكنها تبقى علامات مميزة لمرحلة اكتشاف الذات، وتحسسها المبكر للارتهان والنفي، واغتراب الروح، وانكسارات الصبا· وما كانت تلك النصوص البازغة مجرد مسامرة لحزن غامض، أو تصوير لكآبات متلكئة، بقدر ما كانت تختزن في تضاعيفها رغبة حارة في التوحّد بالنموذج - المثال في الإنسان والظواهر الحياتية· النموذج الأقرب إلى النقاء والرقي والرهافة، مع نفور جامح من الاعتيادية والبلاهة والفجاجة والأرواح المعتمة· ولما كان ذلك عسير التحقق في عالم بهذا الضيق والفقر، فلم يكن هناك بد من إطلاق تلك النفثات الملتاعة اليائسة، السادرة في همسها وخفوتها حيناً، والمضمّخة بغنائية مسرفة أحياناً أخرى· وتظهر ثنائية الحب المفقود والزمن المنسكب في العراء منذ هذه المرحلة المبكرة، قبل أن تجد لها مجارٍ أكثر عمقاً وتجسيداً فيما تلا من مراحل· رافق ذلك، التعلّق برموز الطيور والأجنحة، ربما لتخفف من جهامة العالم الذي بلا حب، ومن صفاقة زمن بلا نوعية، ولتَشي أيضاً بالتلازم بين الإحساس بالضعف والهشاشة والإرتهان من جهة، والحُلم بالانعتاق والخلاص من جهة أخرى·
 
أما الذاتية التي تعلن عن نفسها في مجمل نصوص المرحلة الأولى، فلعلها سمة عامة في الشعر النسوي لدى شاعرات جيلي (غنيمة زيد الحرب وجنة القريني)· والسِمة العامة عادة تأتي إفرازاً طبيعياً لملامح المرحلة التاريخية وظلالها المجتمعية والثقافية· والذاتية بما تعنيه من إنكفاء وسفر نحو الذات، تكاد تكون ردة فعل طبيعية إزاء وضع المرأة الشاعرة ، كظاهرة ثقافية خضعت للكثير من الإلغاء والتحجيم على مدى العصور والحقب· ناهيك عما يحاصر قدراتها الإبداعية وقواها النفسية من تابوهات ومحرمات وخطوط حمراء، تصبّ أحياناً في مجرى العادات والتقاليد، وتصبّ أحياناً أخرى في أنساق ثقافية وقوالب حددّت مساحة القول والشعور في الشعر النسوي، وروّضته على مدى الحقب ليكون شعراً طيّعاً وخادماً أميناً للنسق الثقافي المرغوب أو المسموح به·
Page 7
إن التغيّرات الحضارية التي طرأت على مجتمعنا منذ نصف قرن كانت أقرب إلى الحضارة المادية القشرية أكثر من أي شيء آخر· وهذا اللون من التوجه السطحي عادة ما يكرّس الإزدواجية في الفكر والسلوك، ويخلق جيلاً - من النساء خاصة - مسكوناً بالخيبات والأحلام المجهضة· إذ رغم ما أحدثته هذه الحضارة من تغيرات ظاهرية، وما استحدثته من خطط التنمية، وأحلام النهوض بالإنسان، ظل الوضع بالنسبة للمرأة يراوح بين التقدمية والتقليدية، ويتذبذب بين التمسّح ببهرج التحضر وبين الانزلاق نحو أقبية الانغلاق، والوصاية، والقهر المقنّع· ويمكن ملاحظة هذا التذبذب والتخبّط بين الأحلام التنموية من جهة، وبين ميول التحجيم والإلغاء من جهة أخرى، ليس على مستوى الفكر والسلوك الإجتماعي فقط، وإنما على المستوى السياسي والمؤسساتي أيضاً· فلا غرو إذن ونحن بنات هذه المرحلة المتذبذبة، أن تأتي الذاتية بما فيها من اجترار لآلام الذات وأمانيها الهاربة، ردة فعل طبيعية إزاء الخلل في هذا المحيط الكوني، وما يشوّهه من فجوات وندوب·
 
ولعل التحسس لهذا الخلل الكوني في محيطي القريب تجسّد باكراً في ذلك الانشطار المؤلم بين الذات الكامنة والوجه الظاهر، حين اضطررتُ للتقنّع باسمٍ مستعار :(موناليزا) لفترة وجيزة· كان ذلك هو المخرج الوحيد من الحصار والعيون، منذ عادت أمي ذات يوم من زيارة لبيت الجيران، وكانت محتقنة الوجه ملتاعة الفؤاد، لأنها علمت من جارتنا أنهم قرؤوا اسمي في المجلة تحت مقطوعة من الشعر !·· شعر ؟!! كانت تنتفض تأثراً واستنكاراً للفعلة التي تقع في رأيها تحت خانة السبة والعيب ! كنتُ وأنا أستمع لوصلة التوبيخ والترهيب، والتحذير المدجّج بحراب الكلمات ودبابيسها، أشعر أنني أسوخ كحشرة هيّنة في رمال متحركة، وأنني أتنفّس بصعوبة، وأن أجمل ما فيّ لا يعدو في نظر أمي غير سفاسف وترّهات تؤذي أكثر مما تنفع ! وأنني أعود مترنّحة وطافية على موجة هائلة من الزَبَد لأرسو على خانة اللاشيئية وسقط المتاع مرة أخرى !
 
ولعلني منذ ذلك الموقف المبدئي المستنكر لتفتّحي على الشعر والكتابة، آثرتُ التكتّم والسرية، وتدثّرتُ بالانكفاء، مما قاد في النهاية إلى نفي الذات، والانسلاخ النفسي التام عن وسطي، الذي ضاعت فيه سبل التواصل وتقطّعت الأسباب !
 
كان لا بد من (موناليزا) لأَعبُر على جناحها نحو المنفى، وأرمم بعض شظاياي، وأتصالح مع واقعي· ولعل المعاناة الحقيقية في هذه المرحلة تجسّدت في عملية الانسلاخ المؤلم عن الهوية والذات، واللجوء إلى أصقاع غربة مضاعفة، على شواطئها يضيع ما تبقى من سمات وملامح لم تعُد لي وخاصتي ! تماماً كما لم يعُد لي اسم ووجه أُعرف به !! ورغم ما في (موناليزا) من رموز الغموض والحزن، لم أشعر بأنها استنسختني أو حلّت في كينونتي، إذ ظل الاسم يتمرّد على محوه وارتهانه لجسد أخرى ليست أنا !
 
وتأتي مرحلة الجهر بعد الهمس، أو البزوغ بعد الكمون متمثّلة بالوقوف على المنصة وأمام جمهور، لتكون اختباراً مبدئياً لصوتي الطالع من المحو والرماد· وما كان ذلك خروجاً فعلياً وتاماً من عنق زجاجة، بقدر ما كان مراوحة ومراوغة لواقع لم يفقد الكثير من تحفظه وزجره، ولكن كان بالإمكان تفاديه بالمراهنة على غفلته ونأيه ولامبالاته· كان ذلك في شهر فبراير من عام 1979م، وكانت المناسبة حفل تأبين الرائد المسرحي صقر الرشود إثر وفاته في حادث مأساوي· لم يكن الحفل هو حافز كتابة النص، بل كان الموت بحدّ ذاته والتساؤل حول عبثيته وعشوائية اختياره هو الذي خلق النص سلفاً· لم أكن قد التقيتُ صقر الرشود قط، وإنما عرفته كما يعرفه عامة الناس من لقطات التلفزة وحوارات التمثيل ومشاهده· وربما أحسستُ روحه القلقة المتمرّدة بادية آثارها في نماذجه المسرحية الرائدة، ورأيته طاقة مبدعة تتحفّز للتغيير والقفز فوق الاعتيادي والمكرر· ومن هنا يكتسب صقر الرشود بُعده الرمزي، ويتحوّل إلى موضوع شعريّ نموذجي في مقياس الفن، وإلى نموذج إنساني مغرٍ في مقياس التقدير والرؤية القلبية· إن سرّ الجاذبية في نص باقية عيناك في الفجر يكمن ربما في صدقه العاطفي، وانحيازه الواضح للتسامي والاستعلاء والكدح الإنساني الجميل، أكثر من أي شيء آخر· إذ يبقى هذا النص بغنائيته المسرفة، وروحه المنتحبة، وجِرْسه الصاخب نموذجاً ممثلاً لشعر البدايات ليس إلاّ· ولكن يبدو أن الأجواء في حفل التأبين ، الذي حضره خاصة المثقفين والمهتمين، كانت مهيّأة حينها لذلك الاستقبال الحار الذي قوبل فيه النص عند إلقائه على المنصة· وأكاد أجزم أن السعد كان حليفي في تلك الأمسية النادرة المبهرة، التي خرجتُ فيها من الرماد لأجرب الطيران أول مرة !
 
وتتوالى بركات الظهور الأول، أو الأهم إذا صحّ التعبير، حين تم اختياري من قِبَل المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب للاشتراك في الأسبوع الثقافي الكويتي في المغرب ربيع 1979م· لم تكن تلك مجرد تجربة أولى على منصة أكثر أهمية، بقدر ما كانت محكّاً وتدريباً على نمط أرقى من المسؤولية· ولعل مفاجأة هذه المناسبة الثقافية - بالنسبة لي - كانت تكمن في تلك المفارقة المدهشة، حين وجدتُ نفسي أشارك منصة الإلقاء مع أحمد السقّاف بعراقته التقليدية ، وخالد سعود الزيد بتمكّنه الفني وجهوريته ! ولعل المجلس الوطني بتقديمه لهذا المزيج من الأجيال والاتجاهات، كان يمثّل الانفتاح، وسعة الأفق، تماماً كما كان يراهن على خياره الثقافي، وانحيازه لنبض الإنسان· وتتأكّد عناية المجلس الوطني ورعايته لجيلنا الجديد حينذاك، حين يعاود الكرة في اختياري بعد أقل من عام للمشاركة في الأسبوع الثقافي الكويتي في بغداد جنباً إلى جنب مع جنة القريني وعبدالله العتيبي وخالد سعود الزيد، لنمثل جميعاً تلك التشكيلة الملونة من الأصوات والتوجهات والتجارب الفنية· ولعله من فضلة القول التنويه إلى دور رابطة الأدباء في التزكية والترشيح لأمثلة هذه المشاركات في الخارج، الأمر الذي يُعدّ مؤشراً إيجابياً على روح التعاون والتنسيق التي سادت بين المؤسستين الثقافيتين، وسعيهما الدائب نحو التكامل في إبراز المشهد الثقافي المحلي في أفضل صوره·
 
ما كانت مرحلة البدايات تلك، مرحلة دفق نفسي وعاطفي فقط، بقدر ما كانت مرحلة دربة وتعلّم وحرص على التجويد· كنتُ وأنا أتعامل مع الخامة الشعرية في طور تشكيلها تنتابني حساسية مفرطة إزاء اللغة والعروض خاصةً· وكان أكثر ما يفزعني أن يُكتشف لديَّ خطأ في قواعد اللغة أو كسر في موسيقى العروض· ورغم ما اكتسبته من أذن موسيقية فطرية تقود إلى انسيابية تلقائية حين الكتابة، ألا أن الوسواس قد يبلغ في نفسي حداً يضطرني معه إلى تقطيع النص تقطيعاً عروضياً شطراً شطراً وتفعيلة تفعيلة، لأطمئن إلى سلامة البنيان الموسيقي !
Page 8
هذا الميل إلى التجويد ما كان يتعارض على الإطلاق مع النوايا التجديدية، والرغبة في تجريب الأدوات الفنية الحديثة، ويأتي على رأسها مسألة الشكل في النص الشعري· صحيح أن مرحلة الصبا تبقى مرحلة تدريب واستنساخ للشكل العمودي في نصوص بدائية لا ترى النور عادة ، ولكنها تبقى تمريناً ضرورياً لتذوّق الموسيقى الشعرية، والتعرّف على جِرْسها وامتداداتها وأصولها العروضية· لذلك ما كان ضرورياً في نظري، بعد فترة التدريب، أن أتلكأ عند مشهد لم يعد يمتلك الحضور، فالزمن الإبداعي من حولنا يجري بسرعة مذهلة، وما عاد ينتظر المتلكئين· كما أن أواخر سبعينات القرن العشرين وأوائل ثمانيناته لم تعد تحتمل المزيد من المناورة حول الشعر العمودي! صحيح أنه حتى نهاية السبعينات كان المشهد المحلي يراوح ويتردد إزاء نص شعر التفعيلة، إلاّ أن جيلنا الطالع حينئذ ما كان جيل شعر عمودي، وما كان من المستساغ ارتداء جبة ومسوح لا تتناسب وقاماتنا·
 
ومن هنا جاءت أصواتنا خلال الفترة سالفة الذكر لتلوّن المشهد الرصين، ولتتخذ من شعر التفعيلة ملاذاً وبيتاً· كنتُ وباقة من الوجوه ممن قدّمتهم منصة رابطة الأدباء كجنة القريني وفيصل السعد وسليمان الفليّح نصرُّ على تقديم نصوصنا التفعيلية في كل المناسبات تقريباً، مما ساعد في ضخّ دماء جديدة، وساهم في تلوين المشهد الشعري المحلي، وإخراجه من نمطيته وسكونيته· وربما لا نستطيع أن ننكر في هذا المقام، تأثير أصوات شعرية رائدة كانت قد سبقتنا في التأسيس للشعر التفعيلي على الساحة المحلية كأحمد العدواني ومحمد الفايز وعلي السبتي، ثم لحقهم بعد لأي خليفة الوقيان·
 
ولكن - ومن سوء الحظ - أن هذا الانطلاق نحو التجديد لم يواكبه تقييم جاد أو مناورات نقدية حول قيمته أو انتفائها· فقد شهدت الساحة الأدبية لوناً من الانحسار في هذا النشاط خاصة، واقتصر الأمر في نهاية المطاف على تعليقات مبتسرة، وتقارير محايدة تتداولها الصفحات الثقافية في الصحف السيّارة· ولعل الأسف لايأتي من عدم وجود تلك النشاطات النقدية على الإطلاق، وإنما يأتي في المقام الأول من الشعور بانحسارها وتقلّصها اللافت بعد فترة مدّ وخصوبة ! ولعل المتابع للمشهد الأدبي المحلي في أواخر ستينات وأوائل سبعينات القرن سيلاحظ أن تلك الفترة شهدت عناية فائقة، وحسّاً نقدياً لافتاً إزاء ما يستجدّ من نصوص إبداعية، سواءً في الشعر أو القصة· وتحضرني في هذا المقام ما لاقته نصوص مثل الصوت الخافت لسليمان الشطي وهدامة لسليمان الخليفي والمبحرون مع الرياح لخليفة الوقيان، وغيرها من النصوص المسرحية الطليعية لصقر الرشود وعبدالعزيز السريّع، من مداولات نقدية ومقالات تقييمية ثرية حتى قبل نشرها في كتب ومجموعات· لا ريب أن ظلال التجريب والدربة كانت ترين على جيلنا الطالع حينذاك، ولكني أعتقد جازمة بأنه لو تهيأت لنا فرص التقييم والتوجيه الجاد، لربما استطعنا حرق مراحل نضجنا بسرعة أكبر وأداء أفضل· صحيح أن الناقد لا يصنع الشاعر، ولا يمنحه الموهبة، ولكنه بالتأكيد يعينه على التعرّف على موقعه، وتلمّس موضع أقدامه في تلك المرحلة الضبابية المبكرة، ويضخّ فيه إحساسأ مضاعفاً بالمسؤولية، وينمّي فيه النزوع نحو تجويد أدواته وصقل ذاته·
Page 9
(3) سَفَرٌ ومخاضات
 
تظل التجربة الشعرية ذات نسب ووشيجة متأصلين في أنساغ حياة كاتبها وسيرته، مهما حاول المراوغة والالتفاف· ويقيني أن علاقة الشعر بحياة مبدعه لا تختلف عن علاقة الجنين بمشيمته : مربوط بها حدّ الاعتقال، وسابح في فلكها حتى نهاياته، ومستسلم لما تضخّه في أعراقه من جينات وسوائل وأغذية· صحيح أن الجنين قد يحرّك أطرافه، ويهزّ جذعه، ويقلب وضع رأسه من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ومن أعلى نقطة إلى أدناها، ولكنه رغم ذلك يبقى مربوطاً إلى تلك المشيمة الجهنمية ! وعلى قدر ما تهيؤه هذه المشيمة من أغذية وسوائل، على قدر ما يربو الجنين أو يهزل، يكمل دورة حياته أو يسقط خديجاً· ورغم ما في تلك المشيمة - الحياة من قدرية لا رادّ لها، تبقى بكل زخمها ومنعطفاتها، وتوهّجها أو خمولها، مدماكاً أساسياً لنمو جنين الشعر وتشكّله، واكتماله خلقاً سوياً· لا توجد تجربة شعرية تستطيع أن تنسلخ عن حياة كاتبها النفسية والفكرية، وعلاقاته الإنسانية، وامتداداته في زمنه ومكانه، وتقلبات حياته· فكل هذا الزخم هو نسيج الشعر ونبضه، ولحمته وسداه·
 
كان عام 1981م عام منعطفات حياتية ومتغيرات· هكذا تأتي الأشياء قَدَرية حدّ الاستسلام، وحدّ الدهشة! صحيح أنه كان عاماً للموت والأحزان المباغتة، والهجران، وفراغ المكان، ووحشة القلب، إلاّ أن كل هذه الفوضى الوجدانية كانت جديرة - بعد اكتمال ذروتها - أن تقذفني نحو طريق جديد وفضاء آخر·
 
لم يشأ العام المثقل بالأحداث أن يودعني دون أن يختم شهره الأخير برحيلي إلى أرض نائية، اخترتُها واختارها قدري مهرباً، ومنفى، وفاتحة آمال ! لا أدري لماذا اختارت السماء أن تُثلج بكل تلك القسوة مطلع عام 1982م ؟! ولماذا ارتدَتْ المدينة ثوبها الأبيض الفاحش، وهي تستقبلني طالبةً في قسم الدراسات العليا في جامعة لندن ؟!
 
هكذا يبدأ الطريق بالصقيع·· بالوجه الضائع·· والقلب المرتجف يُتْماً وغربة!
 
وهكذا أراني وأنا أذوب في قوس الرمادي والأبيض، أن الأشياء فيَّ تتناثر وتتشظّى : وجهي، وجلدي، وصوتي، ولغتي ! وكان عليَّ لكي أوقف هذا التصدع أن أخترع توليفة ناجعة ترمم الجسر بين الذات وعالمي الجديد· كان عليَّ أن أعيد ترتيب بعض الأشياء، وتشذيب أخرى، والتخلي عن ثالثة، وقذف رابعة من النافذة· وكان حملي يخفّ يوماً بعد يوم، ويتشقق جلدي القديم، وتتلوّن ملامحي، وينمو ريشي·
 
كانت هذه المخاضات الجديدة وهي تعيد تشكيل العجينة التي كُنتُها تضرب في اتجاهين: الأول، ضرورة التعرّف على الذات الجديدة، والتأقلم مع طقوسها ومناخاتها· والثاني: أن أعقد صلحاً بينها وبين محيطها القريب والبعيد، كيما تقل الجفوة وتتيسّر المسالك والمنعطفات· كان لا بد أن تأتي الضرورة الثانية في المقدمة، لتهيء الأسباب لمناخات النفس وطقوسها· ومن هنا كان لا بد من اكتشاف العالم في البدء، والذوبان في أحواله ومفرداته: الخضرة والحقول·· وقرميد البيوت الريفية المدببة·· القطارات المتدثّرة بالأنفاق، والحافلات المترهلة بركابها·· قبلات العشاق اللامبالية·· رذاذ المطر، وانكسار الأشعة، وغمامات الضباب الصباحي·· نهارات الشتاء المختصرة حدّ الشهقة، ومساءات الصيف المصلوبة على شمس العاشرة مساءً··· معاطف وقفازات ومظلات·· وصحن حساء وحيد في نهاية المساء·· وآلة طابعة·· وأوراق تتناسل·· وكتب تنعس معي، لتوقظني حروفها المنمنمة كل صباح، كيما ألحق بقطار التاسعة صباحاً···
 
هذا العالم المتناثر في أحشاء الرهبة والوحشة، والمنكشف على العري والجمال، والمنفلت كالبريّة، كان كفيلاً أن يصدّع العديد من الجدران والقلاع، ويُحدث بعض الشقوق المباركة، التي أدخلت الشمس والأوكسجين· وكانت لغتي أحد هذه الجدران·
 
كم هو أمر بسيط حدّ البداهة، ومذهل حدّ الدهشة، حين تكتشف فجأة أن للتناثر والانفلات والتشظي معجزاته وآياته! وأنك تسبح في نثاره حراً نقياً، إلاّ من نشوتك ورؤاك التي لا يراها أحد ! ولكنك تدرك أيضاً وأنتَ تشق الشرنقة، كم هو مؤلم هذا المخاض، وكم يحتاج من لُهاث وترنّح ! بل كم يحتاج من جسارة تسلخك من حنينك القديم، وقوالبك الدافئة، وبقاياك !
 
كنتُ أدرك وأنا أكتب أول نص لي في قصيدة النثر عام 1983م، وتحت عنوان طقوس الاغتسال والولادة، أنني فعلاً أغتسل وأتطهّر، وأستعدّ لطقس لغوي آخر· ومن خلال هذا الحدس كانت تنثال عليَّ صور الماء والبحر والاغتسال والزعانف والأغنية المائية، بعيداً عن صليل الوزن ورنينه المهيب· وكنتُ وأنا أطفو فوق الثبج منتشيةً بالرذاذ والانعتاق، تطفو معي الحروف والأصوات والتفاعيل والكلمات المثلّمة وعلامات التعجب والاستفهام، كطيور نورس تكتشف بياضها لأول مرة ! وكان حريّ بتلك اللغة المغتسلة الطازجة أن تعيد ترتيب أبجديتها فوق دفتر الرمال المشمسة، لتدع وجهي بلا أصباغ وشَعْري موجة أَرَج بعد هذه الطقوس البدائية المبهرة، كان لا بد من تطهير حجراتي وزواياي من بعض الدبابير المتلكئة، التي وضعت بيوضها في دفاتري الصفراء، وكان لا بد من إنهاء الأزيز، وبقايا الأجنحة المحنطة، وولائم اللغة القديمة، كيما أستطيع فتح الكوّة المنوّرة واستنشاق نسيم البحر· هل كنتُ أحتاج إلى كل هذا التناثر في عالمي؟! كل هذا التفتّت والانصهار، كيما تتناثر لغتي وتتكسّر، وتعيد ترتيب أبجديتها؟!!
Page 10
ما كان الإيقاع القديم للعَروض يشكّل لي عقبة في التعبير، بقدر ما كان يشكّل عقبة أمام ما وراء التعبير· هناك منطقة أشبه بتموّجات الحلم و اهتزازات الضمير كما يقول بودلير، منطقة سادرة في اندياحها وهيولاها، لا تتكيّف إلاّ مع الحركات المتناغمة التي تصدر عن الروح في هذه المنطقة الواقعة ما وراء التعبير، يصعب ترويض الإيقاعات المنفلتة، أو تعليبها في مدى صوتي مقنن لا يتجاوز امتداد تفعيلة، أو امتداد زنزانة لا فرق! ولعل هذا التصور لعلاقة التعبير بالإيقاع يقترب كثيراً من صورة الفارس والجواد· فرغم اكتمال أحدهما بالآخر، يبقى أن نتساءل : مَنْ الفارس؟ ومَنْ الجواد؟ وعلى قدر ما كنتُ أشعر بأنه في النص الموزون يكون التعبير هو الجواد، أما الفارس فهو الإيقاع المقنن الذي يسوس جواده ويوجهه، بدأت أتيقن أنه في قصيدة النثر تنعكس الآية، فيصبح الإيقاع هو الجواد، أما التعبير فهو الفارس الذي يقود جواده ويحدد انطلاقاته ومساراته·
 
ولكن يبقى أن الحرية فيقصيدة النثر ليست حرية مقطوعة الجذور بتاريخ الشعر وميراثه، بقدر ما هي سبقٌ وتجاوز لطقوس هذا التاريخ المضمر وصلواته الأولى· وهي أيضاً ليست حرية الجهل والفوضى، بقدر ما هي حرية الاكتشاف والنمو والاستعلاء· لذلك لا يمكن لقصيدة النثر المتميّزة أن تنهض على فراغ معرفي، أو تنبت في قريحة بلا مرجعية· بل يمكن القول بكل اطمئنان، أن الوصول إلى هذا الشكل من الشعر ، لا يمكن إلاّ أن يمثل مرحلة تطورية تولد من رحم شرعيّ وأبوّة حقة· أما تحديد هوية هذه الشكل الشعري، وكونها أصيلة أم مقتبسة، فتلك مسألة خارج السياق، ما دام الشاعر ابن الحياة الواسعة وسليل الميراث الإنساني الكبير·
 
وتأتي الإنجليزية لتشكل لي بُعداً لغوياً آخر· كنتُ وأنا أطعّم نص طقوس الاغتسال - الذي واصل امتداده عبر ثلاث ثنائيات متقابلة - بمقاطع شعرية ونثرية من اللغة الإنجليزية، أشعر بأن فضاء النص يتّسع ويشعّ ويواصل انتشاره الكوني، وأنني أعاين لوناً من الذهول والتوارد الحر وانثيال اللاوعي، بل كأن هناك طاقة حرارية مضمرة تشبه طاقة النواة الألكترونية تواصل مداراتها واندياحها· ويبدو أن هذا الانفجار اللغوي، جاء ليوازي الانفجار في كوني الداخلي وأنا أعبُر تلك التخوم بمستوياتها النفسية والفكرية والحياتية، فبدا لي عالمي بغتةً عارياً ومنكشفاً ومهولاً في ذكرياته، ووجوهه، وصوره، وأوجاعه، وتحدياته، وآماله·· وأنني أقف إزاء هذا الانثيال كما يقف الإنسان الأول أمام طقس الأعاصير، مرتجفاً وبريئاً، إلاّ من صلواته وتهجّده !
 
كان لا بد أن يواصل هذا الانفجار النثري مداه، ما دام للمكان شروطه، وللزمان خصوصيته· وما كان للروح إلاّ أن تلوب في فلك هذين القطبين: زمانها ومكانها، كما يلوب الفهد البريّ في براري الظمأ ومهاوي الغبار ! لا شجرة تنبت فوق حافة ذلك العالم المتوحّد حدّ اليُتْم، الخاوي حدّ الهول، اللامبالي حدّ الدهشة !·· وما كان لثمرة الكمثرى - التي كنتُها - إلاّ أن تتدلى كنقطة أخيرة، وتنزف عصيرها في الفراغ !
 
ومن هنا ما كانت لغتي المنثورة وتضميناتها ترفاً لفظياً أو مماحكة فنية، بقدر ما أتت على مقياس ذلك العالم : فضفاضة، حارقة، قانطة، مخذولة، متشظية· كانت لغةً معذِّبة تبحث عن نجم النبوّة على مستوى الخلاص الإبداعي، وعن كفّ الله لتمسح جسد الكون العاري على مستوى الخلاص الشعوري والنفسي·
 
قد يبدو غريباً، وأنا أعيد اكتشاف ذاتي من خلال قصيدة النثر، أن قراءاتي في الشعر الإنجليزي كانت قليلة، إن لم تكن نادرة ! وأن جلّ القراءات الخارجية كانت تصبّ في خانة الرواية والسيرة الذاتية· لعله نزوع نحو الفضفضة والتأمّل، والانسراب المتأني إلى قلب الأشياء· بل لعله رغبة في اقتسام خبز الهمّ الإنساني وإدامه، حين يتراءى من خلال شخصيات حقيقية أو أقرب إلى الحقيقة· لقد وجدتُ في تلك الأعمال النثرية لغة أقرب إلى الشعر، ليس الشعر المصقول، المكثّف، المرمري الملمس ، وإنما لون من الشعر الغائر، المنسرب، المكتوم، المتدثّر بنكهة النحيب دون الدموع، واللوعة دون الصراخ، والبوح دون الجهر· وما زلت حتى الآن استطعم ذلك الزخم الإنساني الحميم في Sons and Lovers ل د· اتش· لورنس، وأعيش عذابات سومرست موم في رائعته Of Human Bondage، وأنسرب مع تأملات أوسكار وايلد ووحشية رؤاه في The Picture Of Dorian Gray· وأحياناً أسرق نفسي من ذلك العذاب الجميل لأجلس على رصيف Roald Dahl كما يجلس العامة يتفرجون، ويلحسون الأيس كريم· وقبل كل ذلك كانت لي مساءات كالضوء مع أرق لغة إنجليزية وأكثرها شفافية وعذوبة، متجسّدة في مزامير داود وفيوضها الإلهية، والعهد القديم وآياته· موائد من العذاب والحنو والمباهج الآسرة، تحلّق حولها طيور الروح وتنقر منها ما تيسّر، ثم تؤوب مغتبطة بالجنى، مشرعة أشواقها نحو المزيد·