eKtab
EN ع
تطور الفكر الإنساني .. حضارة مصر القديمة
Read free sample

تطور الفكر الإنساني .. حضارة مصر القديمة

by نجلاء حبيب الزحلاوي

Page 1

إهــداء

إلى والدى العزيز

الأديب الكبير والناقد الأدبى

الأستاذ "حبيب الزحلاوى"

أهدى هذا الكتاب

كما يسعدنى أن أقدم لأفراد عائلتى وأحفادى الأعزاء

ولكل أصدقائى نتاج فكرى واستنتاجاتى

كما أقدم شكراً خاصاً للأستاذ الدكتور عبد الحميد حامد عوض

على كل ما قدمه من عون لإنجاح هذا العمل.

Page 2

أيها الإله الأوحد الذى لا مثيل له

إنك وحيد تزدهر فى شكلك كآتون الحى

متجلى ومشع، أنت بعيد وقريب

نشيد آتون

Page 3

مقــدمة

أقدم للقارىء هذا الكتاب المبسط عن الحضارة المصرية القديمة وموقعها من الإنسانية كى يلم كل شاب أو فتاة بالأبعاد الحقيقية لهذه الحضارة المؤثرة على الحضارة العالمية فى جميع المجالات.

إن سر عظمة وخلود هذه الحضارة يكمن بين سطور هذا الكتاب التى تعكس الصورة الحقيقية للإنسان المصرى القديم، كيف فكر المصرى وكيف نما فكره هذا والتطبيقات العملية لهذا الفكر.

يقدم لنا المصرى نتاج علم وعمل وترابط أسس بهم مجتمعا أخلاقيا يحكمه الضمير الإنسانى، إن فى حضارتنا هذه قدوة وحافز على النهوض المستمر بالكيان المصرى، فالتطلع إلى حضارة الماضى يحفز للمضى قدما نحو مستقبل أفضل.

يسهل من خلال هذه الصورة المبسطة متابعة تفاصيل تاريخ وحضارة مصر الخالدة التى لم يتوقف نبع الحضارة فيها فتوالت حقبات الزمن على تنوع متطور وشامل فى الكثير من المجالات.

ومن خلال هذا الكتاب يلمس القارىء الدوافع الطبيعية التى دفعت المصرى لتبسيط فكره العقائدى فلجأ للأساطير والتجسيد المادى لبعض المفاهيم كى تصبح العقيدة فى متناول الجميع، وكذلك لتبسيط مفهوم الوجود والمظاهر الكونية للعامة والخاصة معا مما نتج عنه ممارسات عقائدية قربت الإنسان من خالقه عبر خطى تحسسية تصاعدية نحو السمو الروحى الإنسانى.

لقد برزت حتحور للوجود، كامتداد للفكر السائد منذ عصور ما قبل التاريخ الذى يفسر الوجود كعملية انجاب بيولوجية اوجدت الوجود خروجا من رحم الأم المطلقة، برزت لتجسد السماء حيث يتربع قرص الشمس فى أوضاع وأماكن مختلفة، وبرزت الأمومة كسمة أساسية تقرب للأذهان إحتضان الشمس فى باطن السماء وتدور حولها الفلك، فتصبح حتحور الأم الحنون لظاهرة كونية طبيعية.

وقدس المصرى هذا المعنى المتجسد فى شكل البقرة التى نوع تصويرها فأصبحت أيضاً تلك السيدة الجميلة التى تحمل على رأسها قرص الشمس بين قرنى البقرة، واستتبع هذا ظهور شخصية إيزيس الرمز الذى يجسد ويمثل الأم بمعنى الأمومة المطلق التى انجبت للمرة الأولى الكون وما استتبعه من تفاصيل، والزوجة الوفية التى اخلصت وساندت زوجها، والأم الصالحة التى تمتلك سحر الكون.

لقد أوجد المفكر المصرى القديم شخصية حتحور ليجسد السماء أو بالتحديد الطريق اللبنى حيث يتحرك قرص الشمس بحرية من خلال أشكال متنوعة طبقاً لموقعه الزمنى فى السماء، تجسد حتحور اذا الطريق اللبنى الذى تخيله المصرى كنهر من اللبن يتدفق من درع البقرة. وطور هذا المفهوم من مهام حتحور خلال الأساطير ليشمل أداؤها فى كل من السماء والأرض معا، فأوجد المبدع المصرى شخصية إيزيس المنبثقة من حتحور كتجسيد آدمى فصورت كسيدة ذات وظائف عملية فى المجتمع الحياتى، واعتبرت حتحور السماء وايزيس الأرض والسماء معا، وتمثل كلتاهما معانى الأمومة بمعناها المطلق مما يعكس ويؤكد مع التطور الدائم فكر المصرى فى ازدواجية الوجود.

Page 4

وظهرت الاحتفالات لتمجيد كلتاهما من قبل الخاصة والعامة معا مما جعل من هذه الاحتفالات محورا هاما لممارسات ما زالت قائمة فى أنحاء العالم منها على سبيل المثال مهرجان ريو دى جانيرو الذى هو امتداد لاحتفالات حتحور\ ايزيس.

وبالرغم من انتشار العديد من الرموز اللاتى يحملن نفس المعنى فى أفريقيا أولا ثم فى المنطقة الممتدة من اليونان وروما والمشرق حتى بعض بلدان آسيا، إلا أن مفهوم إيزيس ومؤثراتها طغت فى المنطقة لتمهد الطريق لتعاليم وممارسات أخرى.

لقد أوجد خيال المفكر المصرى العديد من الرموز التى لعبت دورا هاما فى حياة الجموع اليومية فنتج عنها معتقدات وممارسات عقائدية تتسم فى بساطتها بتطلعها للكمال.

لقد طور المصرى مفاهيمه وتصاعد بها تدريجيا كى يبنى أسسا عقائدية من خلال ممارساته الطقسية أعلت من قيمه الروحية والعملية معا.

"لا تجعل قلبك يستشعر الكبر بسبب علمك

فاستشر كل من الجاهل والعالم

اذ أن الفن بلا حدود ولا يوجد حرفى مثالى

فالخلق الحسن أكثر تواريا من الحجر الأخضر

كما أن الحكمة يمكن أن تكمن لدى العاملات اللاتى يطحن الحبوب ،"من تعاليم بتاح حوتب، الدولة القديمة

لقد تصاعد المفكر المصرى بمفاهيمه ليميز الإنسان عن باقى الكائنات التى احترم فى كل منها خصال مميزة لكل كائن وهى تمثل فى مجموعها معانى دارت حولها الحياة العملية فبزغ الضمير الإنسانى وسط ظلام اللا معرفة الذى سيطر على الإنسان مع بداية الخليقة ورسخت أهمية الضمير والايمان بالحق والحقيقة ودارت عجلة الحياة التى تطرق المفكر من خلالها لمفاهيم عدة منها تفسيره لكنه الحياة المتحركة ومحاولاته لتفهم طبيعة وكينونة وكنه الخالق فظهرت الاجتهادات المتنوعة لتفهم الوجود بكل مشتملاته، وما زال الإنسان فى رحلة بحث دؤوبة سعيا وراء فهم سر هذا الكون والمؤثرات الحيوية المسيرة له.

Page 5

العلم الحديث والمفاهيم القديمة

يرجع عمر الكون تقديرياً لحوالى أربعة وستة من عشر بليون عام 4,6، وتعتبر المحاولات العديدة لمعرفة المراحل الأولى للوجود وكيفية بدايات هذا الوجود من أصعب المحاولات والدراسات العلمية للوصول للحقائق المترتبة علي ما عرف بالانفجار الأعظم الذى أوجد تدريجيا هذا الكون بكل جوانبه.

وقد نتج عن الانفجار الأول تمركز الأجزاء الثقيلة فى الوسط، بينما اتجهت الأجزاء الأقل حجماً وثقلاً نحو السطح، فمعظم العلماء يعتقدون أن الأرض لم تكن فى حالة انصهار كلى وأن هذه الأجزاء الصلبة المتناثرة نتجت عن الانفجار وساعدت على تصلب الكتلة الأرضية من خلال عدة طبقاًت، ولكن معظم الأجزاء المتمركزة فى منتصف الكتلة الأرضية أو الجزء المركزى منها تحتوى على مواد مشعة تعتبر السبب الرئيسى فى الحرارة الداخلية الكامنة داخل مركز الأرض، ومع تحرك المواد الثقيلة للداخل واستقرار الأقل ثقلاً بنسبية ما، تكونت طبقاًت حول المركز من مواد صلبة مختلفة.

وتعرض منذ أربعة بليون عام كل من الأرض والقمر طبقاً لنظرية النشوء لتفجيرات بعض النيازك والشهب الناتجة عن البقايا الصخرية، فقد ظهرت هذه الشهب والنيازك نتيجة لتكون المجموعة الشمسية فى الفضاء الخارجى، وتظهر بوضوح آثار اصطدام هذه النيازك على سطح القمر نظرا لعدم وجود غلاف جوى حوله يسهم من خلال عوامل التعرية فى محو آثار هذه الانفجارات، بينما معظم حفر الأرض غطتها الجبال ومحت معظمها عوامل التعرية.

Page 6

وأدى هذا الاصطدام بسطح الأرض والقمر إلى انبعاث طاقة هائلة أوجدت درجة حرارة عالية على سطح الأرض بالتحديد، مما ساهم فى انصهار القشرة الأرضية التى تماسكت مع انخفاضات الحرارة فيما بعد وتكونت الصخور مع قشرة سطح الأرض وقاع المحيطات المختلفة واستمرت تغيرات الطبيعة، مما دعا العلماء لتقسيم العصور الجيولوجية إلى فترات زمنية مختلفة، وتشمل التقسيمات الجيولوجية العصر السحيق أو archean era ثم فترة ما قبل العصر القديم Precambrian، وتشمل عصور الأرض الفترات المعروفة بالباليوسين والايوسين والأوليجوسين والميوسين والبليوسين واليليستوسين ثم الهولوسين،

Paleocene، Eocene، Oligocene، Miocene، Pliocene، Pleistocene، Holocene

لقد تجمعت المجموعة الشمسية داخل سحابة من الغازات والأتربة التى تدور حول قرص الشمس منذ عدة بلايين من السنين، وقد أدى دوران هذه الجزيئات المختلفة إلى العديد من الاصطدامات بينها أوجدت درجات حرارة عالية فانصهرت الصخور وتماسكت فيما بعد مع انخفاض درجات الحرارة على الأرض التى كانت كامنة أسفل المحيطات فساعدت برودة المياه على تصلب سطح الأرض المغمورة وأصبحت القشرة الأرضية السائلة، سطحا صلبا. وتكونت كتلة الأرض تحت سطح الماء كنتيجة للانصهارات البركانية وظلت الأرض كامنة ككتلة انتظارا للتطور الذى أدى لظهور الكتلة الأرضية فيما بعد. لقد بدأ تاريخ الأرض الجغرافى مع هذا التصلب والتكتل فى حدود فترة زمنية ترجع 8,3 بليون عام، ويعتبر العلماء الجغرافيون هذا التقدير تقديراً نظرياً اذ أنهم أرجعوا عمر الأرض منذ 6,4 بليون عام، وبالتالى تمكنوا من تحديد عمر تقريبى لتكوينات طبقاًت الأرض والحفريات التى تحتويها والتى عثر عليها فى ترسيبات الصخور الجيرية والرملية وفى ترسيبات الفحم.

لقد وجد الوجود بعد فترة من التفاعلات الكيميائية وتطوراتها مع بدايات عصر البريكامبريان أو عصر ما قبل الزمان، ولكن ازدهرت الحياة خلال الفترات الزمنية الثلاث وهى الفانيروزويك حيث ظهرت الحيوانات المختلفة منذ 570 مليون عام، ثم ظهرت الفقريات حوالى 205 مليون عام تقريباً، وقد سهل هذا التقسيم التقريبى على رصد تاريخ الحياة على الأرض، ومع اكتشاف الاشعاع تمكن العلماء من تحديد تاريخ الصخور بصورة أفضل وتحديد التقسيمات الجغرافية المتعددة.

وتم تحديد عمر الأرض طبقاً للنشاط الاشعاعى منذ 4600 مليون عام تقريباً، ولكن الفترة الزمنية المعروفة بعصر ما قبل الزمان شهدت فى نهاياتها ظهور الحيوانات الأولى، ومع الانفجار العظيم وجدت العديد من الجزيئات الكونية التى اختفت معظمها الآن ولكنها أوجدت طاقة حرارية هائلة سيطرت على الكون الذى تمدد تمددا سريعا نتج عنه المجموعة الشمسية وظهور بدايات الحياة منذ 550 مليون عام على سطح الأرض حيث ظهرت الحيوانات ذات الأجساد الصلبة أولا ثم تلاها ذوى الأربع. ويمتد عصر ما قبل الزمان من 6,4 بليون عام إلى 5,2 بليون عام تقريباً.

Page 7

وشهدت احدى فترات ازدهار الأرض انكماش الشمس وتقلصها لترسل أشعتها الضوئية والحرارة اللازمتان للحياة واستمراريتها على الأرض، فالطاقة الحيوية للشمس تنبع من مركز قرص الشمس وتمر عبر سطحه وطبقة الغاز الشمسية المعروفة بالفوتوسفير والكروموسفير photosphere and the chromo sphere

وينتج ضوء الشمس من تحول غاز الهيدروجين إلى هيليوم داخل مركز القرص الشمسى الشديد الحرارة، ومن المتوقع أن يخبوا وهج الشمس التى هى مصدر الحياة من ضوء وحرارة بعد فترة تقديرية بعشرة بلايين عام. تحولت الأرض اذا من سحابة غازية إلى جسم صلب وتكونت القشرة الأرضية، ثم ظهرت اليابسة أو الغلاف الخارجى للأرض المكون من نوعين يصل احدهما لارتفاع 40 كم فى المناطق الجبلية ويتكون من صخور متحولة غنية بالبوتاسيوم والثوريوم واليورانيوم والسيليكون التى تكون القاعدة الجرانيتية للأرض، بينما سمك القشرة التى تبطن قاع المحيطات لايتعدى 6 كم وتتكون من صخور من البازلت المكونة من السيليكا المطعمة بالألومنيوم والحديد والمنجنيز.

واكتسبت الأرض تدريجيا مع مرور السنين شكلا أكثر صلابة تحيط به سحابة من الغاز يمكن اعتبارها الغلاف الجوى للأرض، وانحسرت المحيطات عن كتلة الأرض وظهرت الأنهار والبحيرات فيما بعد.

لقد برزت الأرض من تحت سطح البحار والمحيطات وأحاط بها الغلاف الجوى، ثم بدأت مع برودتها التدريجية دورة المياه من تبخر، ثم أمطار، ثم تراكم الماء فى تجاويف القشرة الأرضية التى برزت ككتلة منذ 514 مليون عام عرفت بجوندوانا غطتها البحار الضحلة، ثم تولت المحيطات مع مرور الزمن مهمة انفصال القارات لتصبح كتلة جوندوانا أربعة أجزاء منفصلة عرفوا بلورينسيا وبلطيقا وسيبيريا ثم جوندوانا وهى الكتلة الرئيسية، وشهدت الأرض طقسا شديد البرودة حيث غطت الثلوج الجزء الجنوبى من جوندوانا تبعها خلال العصر الفانيروزويك انتشار الفصائل الحيوانية التى عاصرت تطوراً وتحولا كبيرا منذ 6,3 بليون عام تقريباً، وسط النباتات المتنوعة من المتناهية الصغر للأكبر حجماً. وقد انتشر الأوكسيجين فى الجو منذ حوالى 9,1 بليون عام، وتوالت التطورات وتكون المحيط الأطلسى بدئاً من 150 مليون عام ثم جبال الهيمالايا منذ 30 مليون عام تقريباً.

Page 8

ومع نهايات الفترة الزمنية المعروفة بالكاربونيفير تشكلت كل القارات وتوحدت فى تشكيل عرف ببانجييا Pangaea اذ أن المحيط التيسيسى الذى انغلق خلال 200 مليون عام التالية بدأ يمتد حيث تحركت القارات من موقعها جنوب الأرض فى الاتجاه الشمالى، وظهرت كتلة الهند الأرضية لتتحد مع آسيا منذ 50 مليون عام تقريباً، وظهرت سلسلة جبال الهيمالايا فى وسط بانجييا كنتيجة لتلاحم أفريقيا وأمريكا الجنوبية مع أمريكا الشمالية وأوروبا وهذا منذ 300 مليون عام ظهر خلالها أيضاً جبال الأورال وجبال الأنديز الأولى.
وامتدت بانجييا عبر الخط الوهمى المعروف بخط الاستواء، ويحيط بهذه الكتلة محيط عرف بمحيط بانساليسا، وتقع شمال خط الاستواء كتلة أرضية عرفت بلوريزيا بينما جوندوانا تقع جنوباً وأصبحت فيما بعد مدغشقر، وقرن أفريقيا، ووسط أفريقيا، والكنغو وتنزانيا، وجزيرة سيشيل، وأستراليا، وكتل أرضية أخرى أصبحت فيما بعد الأرجنتين وأنترتيكا والهند.
وقد بدأت جوندوانا فى الانفصال منذ حوالى 167 مليون عام. وانفصلت جوندوانا عن افريقيا لتصبح أنترتيكا، ومدغشقر، والهند وأستراليا كتلة واحدة انقسمت بدورها فيما بعد، كما انفصلت أمريكا الجنوبية عنها متجهة ببطء فى اتجاه الغرب، بينما اتجهت الهند شمالاً، ثم توالت الانفصالات الأرضية، فبعدت أستراليا عن أنترتيكا منذ 80 مليون عام تقريباً.
تكونت اذا اليابسة وأحاط بها الغلاف الجوى الناتج عن انبعاثات غازية بركانية وهى مزيج من بخار الماء وغاز ثانى اوكسيد الكربون والنتروجين مع وجود آثار قليلة للأكسيجين.
لقد بدأ تاريخ الوجود مع خلق الأرض والمجموعة الشمسية كنتيجة مباشرة للانفجار الأعظم، وتوالت عملية الخلق، فظهرت الحيوانات، ثم النباتات، مما ساعد على ازدهار الحياة، وبدأ خلق البشر الذين أعمروا الأرض فقد ظهر مزيد من الأكسيجين منذ 400 مليون عام.


 

Page 9

هذا ما تحقق منه العلم الحديث، ولكن المصرى القديم مع تفكره، قدم للإنسانية نظرياته الخاصة فى كيفية خلق الوجود كما تصوره وكنتيجة لملاحظة دقيقة ودؤوبة لعناصر الطبيعة المختلفة ولتقلباتها، ونتيجة لتفاعلاته الفطرية مع هذه الطبيعة الشاسعة.

واستخلاصاً لما ورد فى نصوص الأهرام التى ترجع للدولة القديمة ونصوص التوابيت، الدولة الوسطى، وكتاب الموتى للدولة الحديثة، وكتاب العالم السفلى الدولة الحديثة، وكل من الحواديت والأناشيد والأغانى ومجموع المنتج الأدبى للمصرى القديم من تعاليم الحكماء والنظريات المتنوعة للمفكر المصرى التى صاغها فى شكل أساطير، نلمس أن المصرى قبع يفكر ويتمعن فى العناصر الطبيعية وتفاعلاتها ونتيجة هذه التفاعلات على مجريات تفاصيل حياته، فبدأ يتفكر فى كيفية نشأة الكون ثم توصل المفكر إلى أن الوجود كان فى حالة فوضى أزلية وأن عناصر الوجود كامنة فى ظلام دامس فى عالم اللا وجود داخل النون الذى يغلف الكون، أوالمياه الأزلية التى تحتوى على كل العناصر الطبيعية، وعبر انفجار مدوى شبهه بنعيق الأوز ليسهل على الجموع فهم الحدث، برز قرص الشمس ليبدد الظلمات وليبدأ الوجود الحركى مع الحياة، وبرز قرص الشمس بفضل رغبة من آتوم الخالق.

لقد أكد المفكر المصرى وجود كل عناصر الوجود فى حالة كمون داخل المياه، وخرجت هذه العناصر من الماء وانتقلت من حالة الجمود إلى الحياة المتحركة بفضل الخالق الأوحد الذى جسده عبر السنين فى شكل آدمى ليقرب المفكر لنفسه وللجموع مفاهيم تجسد صعوبة عملية خلق الكون، واجتهد فيما بعد فى محاولة فهم كنه هذا الخالق الذى أعلن فى متون الأهرام:" لقد جئت للوجود فى الأزمنة السحيقة، ثم انشطرت منى منذ البدايات الأولى الأشكال المختلفة التى لم تكن قد تجسدت على الأرض من قبل. لقد أتممت كل عملى عندما كنت وحيدا ولم يكن هناك أحد غيرى ليعمل معى فى هذا المكان."

وفسر المفكر المصرى مجىء الخالق مع بدايات فكره كمولود برز من الماء عبر ولادة الهية شبيهة بولادة البشر والحيوان البيولوجية، انها الطبيعة الأم التى انجبته بلاتدخل ذكرى، وبرز قرص الشمس من النون بمراحله المتعددة فأصبح خبر فىالصباح الباكر ورمز له بالجعران، ثم رع وهو فى أوج حرارته فى منتصف النهار، ليصبح آتوم عند الغروب ويتجه غربا حيث تلمع النجوم فى السماء.

"...لقد جئت إلى الوجود فى شكل خبر...لقد خلقت الأشكال بفضل الطاقة العليا الكامنة بداخلى، وجمعت الأشياء عندما كنت فى حالة كمون داخل النون ولميكن لى مكان بعد، ثم ظهرت التفاعلات فى قلبى وظهرت لى خطة الخلق، ثم حققت كل عملى وأنا وحيد."

ومما سبق نلمس أن آتوم الخالق هو أول من ذكر الطاقة الحيوية الكامنة داخل كيانه التى احتاج لخطة مسبقة أعدها كى تخرج هذه الطاقة للوجود، وهذا منهج علمى قائم .

ولكن المفكر ترجم فكره من خلال أسطورة تقدم آتوم كخالق أوجد قرص الشمس ليبدد الظلام ويبعث الحرارة فى الوجود مع الضوء، ثم خلق السماء نوت والأرض جب، ثم شو وتفنوت اى الهواء والرطوبة، ثم أكمل التاسوع الذى يرأسه ب أوزيريس وايزيس ثم نفتيس وست وهما زوجان من البشر ،ثم حورس الكبير، وطبقاً لفكر المصرى فان الطاقة الحيوية الكامنة داخل قرص الشمس هى المسؤول الأول عن الحياة المتحركة بكل عناصرها.

Page 10

ويقابل هذا حالياً على الصعيد العلمى الطاقة الكهرومغناطيسية المنبعثة من الشمس، ويكمن لب هذه الأسطورة فى حقيقة علمية وهى الطاقة الحيوية داخل قرص الشمس، وباختيار المفكر المصرى لآتوم كخالق للوجود يعتبر اشارة بليغة لغروب شمس لا تملك كل طاقاتها، مما يتطابق علميا مع تجميع طاقات وقدرات الشمس بعد انكماشها كى تكتسب قدرة وطاقة أكبر، ويحدث هذا عادة فى موسم الشتاء.

وتعتبر نظرية التاسوع التى اختمرت فى مدينة الشمس، هليوبوليس، انعكاساً رمزياً للعناصر الرئيسية المكونة للوجود والتى انبثقت من النون أو المياه الأزلية التى تغمر الكون خلال فترة اللاوجود، ويرمز التاسوع للطاقة البيوخلوية التى تكون أساس المادة.

ويتكون هذا التاسوع من آتوم على رأس القائمة، ثم رع، ونوت، وجب، وشو، وتفنوت، ثم أوزيريس وايزيس ونفتيس وست. لقد لجأ المفكر للرمزية للدلالة على العناصر الطبيعية وتكويناتها المختلفة، فخبر او شمس الصباح الباكر هى الجعران كرمز لقدرته على ايجاد بيضته بدون تدخل أى طرف آخر ويكمل دورته التكاملية مثل الشمس فى استقلال تام.