eKtab
EN ع
طيفٌ ومرآة
Read free sample

طيفٌ ومرآة

by أمل تيسير عبدالله

Page 1

الإهداء

إلى الثورة التي أعطتني هويتي

إلى الحب الذي ليس بداية ولا نهاية

إلى طيفٍ سيبقى حاضراً أبداً

إلى قلبي الذي ينبض في جسدٍ صغير

إلى من علّمني أن أثق بالحياة مجدداً

...

أنتم قصصٌ نظنّها قصيرة

وأنا المِرْآة

Page 2

قصصٌ مبعثرة وجنونٌ مدروس

"كم أرغب بالقيام بشيءٍ مجنون معكِ. أريدكِ أن تخبريني شيئاً جديداً... شيئاً مجنوناً لم تخبريه لأحدٍ غيري من قبل.

إحكي لي قصة، أُرسمي لي صورة لتكون آخر شيءٍ أراه قبل أن أغمض عينيّ وأنام، وأول شيءٍ أراه عندما أفتحهما.

أريد أن أعيش قصتك في أحلامي وأن أتذوّق طعم جنونك ذلك حتى ولو في الوهم. ومن قال إن الأحلام ليست واقعاً؟ أنا أشعر بالرعب واللذة والتعب بعدما أنتهي من الحلم. هيا اكتبي لي قصةً حتى تنام فوق جفوني وتوقظني عندما تتعب من النوم".

ثم عادت لتقرأ رسالته السابقة للمرة الثالثة.

"أخبريني.. ماذا ترتدين؟ هل أنت في غرفتك؟ أنت وحدك في المنزل؟ أريدك أن تخلعي كلّ ثيابك قطعة قطعة. هل أنت الآن عارية؟ أريدك عارية تماماً.

الآن أغمضي عينيكِ. يدي اليمنى تمسّد شعرك. لا. لا تتحركي. لن أضايقك صدقيني. يدي اليسرى فوق شفتيك. لن أقبلكِ، أعرف أن الأمر يزعجك.

أتذكرين إجابتك عندما سألتك ماذا تريدين مني؟ أتذكرين؟ قلتِ لي يومها: أريد أن أنسى نفسي معك. هلّا تركتِ لي نفسك الآن. أريد أن أشعر بنبض قلبك. سأستمع إلى دقّات قلبك حتّى أشعر بتلك الرهبة من المجهول. أوليس هذا ما تشعرين به الآن؟ قلت لكِ بأنّي لن أزعجكِ. أريد فقط أن أعرف بما تشعرين. اكتبي لي قصّة عمّا تشعرين به الآن".

مدّت يدها وأطفأت الضوء.

صارت غرفتها مظلمة تماماً، ضوء هاتفها الخلوي هو الشيء الوحيد الذي يساعدها على قراءة كلمات الرسالتين. قرأتهما مجدداً، ومجدداً.

Page 3

تراه كلّ يومٍ تقريباً، ولا تجرؤ على النظر في عينيه. ولا تريد حتى أن تتذكر سبب خوفها هذا. تخشى أن تفضحها ذاكرتها أكثر مما تخاف أن تفضحها نظراتها. هما لا يلتقيان في الحقيقة إلا نادراً. في العالم الافتراضي فقط، على الشبكة الوهمية.

رفعت الغطاء عنها، شعرت بالقشعريرة لكنّها قررت أن لا تستمع إلى برد تشرين الثاني ورغبات جسدها الضعيف، بل إلى الجنون الذي يعتريها في هذه اللحظة، ببطء شديد، كما لو أنه يشاهدها من وراء نافذة غرفتها، نزعت ثيابها قطعة قطعة، لم يتبقَّ إلا ثيابها الداخلية. فكّرت لجزء من الثانية بأن تكفّ عمّا تفعله، فقد تذكّرت صديقتها التي لم تلمس جسدها يوماً لأنها تخجل من نفسها. لكنّ، بسرعة البرق، انتفضت رغبة الجنون على عقل صديقتها التقليدي ورمت بالتردد إلى خارج رأسها. وضعت الغطاء فوقها مجدداً، ربما بسبب البرد وربما لأنها شعرت بأنه يراقبها من وراء النافذة. ثمّ نزعت ثيابها الداخلية أيضاً وتمددت على طولها. فكّرت بما تشعر. لم تستطع أن تفهم إحساسها في تلك اللحظة، ربما تشعر بالخجل من نفسها، ربما تشعر بالخجل من أنه يتأمّل عريها في رأسه. "لن أخبره بأنني عارية الآن" قررت.

يريدها أن تخبره بما تشعر، "يريد قصّة" قالت لنفسها. أغمضت عينيها وسرحت في أفكارها. ثمّ رفعت ظهرها واسندته إلى الحائط، رفعت الغطاء ووضعته تحت إبطها محررة يديها، أحسّت بأنها إن خرجت إلى الغرفة الأخرى لتحضر دفترها الأبيض، ستفق

د رغبتها في الكتابة. وهي عارية والبرد شديد. لذا أخذت حاسوبها الذي لا يفارق سريرها وبدأت تكتب تلك القصة. لم تكن تعرف عن ماذا وكيف ولماذا لكنها قررت أن تبدأ.

واجهةٌ زجاجيةٌ عريضة، البحر يُطلّ من وراءها، ومن ثمّ الأفق. ضوء المنارة القريبة من الشاطىء يثقب الليل ويرمي بنفسه على فراش وحيد تمدد عارياً فوق البلاط القديم.

مشغّل الموسيقى في هاتفها الجوال ملأ الهواء بموسيقى هادئة لكنها لم تكن تسمع سوى صوت دقّات قلبها المرتفع. وذلك الطرق المتناغم داخل رأسها. بم بم. بم بم.

في الغرفة شبه الفارغة تلك أربعة: جسده وجسدها، ظله وظلها. حتى صوتهما لم يكن هناك.

رقص خياليهما على رذاذ الضوء المتساقط من المنارة القريبة. هما، مثل خياليهما، لم يرقصا على وقع الموسيقى، بل على نبض قلبيهما المتسارع نحو ذلك الإحساس. في فضاء الغرفة يتمدد إحساسٌ استثنائي، مع أنّ كلّ شيءٍ في الغرفة عاديٌ جدّاً. هي ربما تشعر برائحة التمرد على شيءٍ ما. لكنّ الرائحة الوحيدة التي ملأته تلك الليلة لم تكن رائحة التمرّد، ولا رائحة عطرها بل رائحة جلدها. صار رقصهما حميماً، صار حبّهماً جميلاً.

كم رغبت في الماضي بإيجاد بقعة معزولة عن العالم.

أرادت أن ترقص دون موسيقى، أن تحب دون حضارة، أن تسافر دون طائرة، أن تجنّ دون رقابة. أرادت أن تسبح عندما تستيقظ الشمس من قيلولتها. وأن تشاهد انعكاس أشعتها من تحت الماء.

"سنسبح عند الشروق. عليك أن تتوقف عن التنفّس، ثمّ نغطس أنت وأنا تحت الماء وننتظر. هناك سأُقبّلك. سأكون أنا من يعطي الحياة لتلك الرعشة الاستثنائية التي ستشعر بها عندما تتنفّس مجدداً. سأصبح أنا آلهتك الجديدة" همست في أذنه وهما يتمددان على الفراش العاري. تحت الماء في رأسها.

على السرير في غرفتها.

هي الآن ليست في أيٍّ من هذه الأماكن بل في تلك البقعة التي سقطت سهواً من العالم الحقيقي.

Page 4

هكذا بدأت قصّتها مع الكتابة: "كم أرغب بأن تخبريني قصّة جديدة كلّ ليلة".

أولم تكن القصص زاد شهرزاد الذي أطعمت منه شهريار ألف ليلة وليلة حتّى تبقى على قيد الحياة؟ ألم تكن رغبة شهريار بقتل كلّ النساء هي السبب الكامن وراء كلّ تلك القصص؟ أولم تكن رغباته الجنسية وفانتازياته هي ما أبقى على حياة شهرزاد؟.

خائفاً من الخيانة راح شهريار يقتل كلّ النساء بعد أن يتزوّج بهنّ. وخائفةٌ من الموت راحت شهرزاد تخبر قصصاً ليس لها نهاياتٍ ولا بدايات. عالمٌ لا يتنهي من الحب والجنس والخيانة والقوة والعظمة.

أول مكان سقط سهواً من العالم الحقيقي... كان رأس شهرزاد.

شهرزاد أخبرت شهريار فقط بما كان بحاجة لأن يسمعه. أرادها أن تكذب عليه، أن تعطيه ذلك المهدّىء فهو أيضاً تعب من الموت والعنف.

لكن هل نهايتها حقيقية؟ قالت الكتب أنهما عاشا بسعادةٍ إلى الأبد. ولكن!! من يدري حقاً. لربما قتلها بعد ألف ليلةٍ وليلتين. لربما قتلت هي نفسها. هل هرب منها؟ هل سئم ذلك الروتين أيضاً؟

أوليس هذا سببٌ يدفع الأشخاص إلى الهرب؟ إلى الخيانة؟ إلى الطلاق؟ إلى الممارسات المجنونة؟ إلى أن يعيشوا تلك الفانتازمات في خيالهم؟ أليس صديقي الذي يريد أن يمارس الجنس مع زوجته وصديقته هارباً من سئم روتين المجتمع؟

لماذا يريد أن يتصوّرها عارية فهي بكلّ عريها له؟ لماذا يريدها عارية في الفراش، في غرفتها البعيدة عنه مئات الأميال فهو لن يراها؟

وعندما تكون بين يديه لن يراها أيضاً.

ربما يريدها عارية في مخيلته فقط.

ربما...

العري في الخيال أجمل.

هي الآن عاريةً في فراشها.

عاريةً في رأسه.

تكتب قصةً على شاطىءٍ مهجور في خيالها.

Page 5

حبة اللامكان

وضع الهاتف على الطاولة أمامه بعد أن ودّعها ثمّ نظر طويلاً إلى تلك الحبّة التي كان يحملها بيده طوال فترة المكالمة الهاتفية.

وضعها في فمه وتركها تذوب متلذذاً بتلك المرارة التي ستأخذه إلى اللامكان... المكان الوحيد الذي يهرب إليه كلّ مرّة.

ابتلع الحبة فسحبته كقلب مغترب إلى غرفته وألفة سريره. استولت على تفكيره تلك القوة الكامنة. سيطرة الكلمات المسافرة في الهواء كانت أقوى بكثير من سيطرته على أعصابه. هواجسه تقفز بين تلك الجدران الأربعة وتمتزج بإيقاع الموسيقى المنتشر في فضاء الغرفة. سحب الغطاء وسجن رأسه وحاسوبه في آن، معتمداً على ضوء الشاشة الباهت ليخفي ذلك الارتباك الداخلي تحته.

إنها تلك التجربة الخارقة إذاً. يريد أن يعيش ذلك الجنون... لكن الغبار كثيف وضوء الشاشة خفيف.

صمت الغبار يغلّف رأسه من الداخل. والكلمات ترفض أن تتوقف عند ذلك الصمت اللعين...

يستطيع أن يراها الآن... إنها تدور في دوامة داخل عينيه.

تبتلع نفسها وتواصل مسيرها إلى اللامكان.

ويرتفع صوت الموسيقى ليستوطن في أذنيها ورأسها... عظيم... لا تستطيع أن تسمع أفكارها. عليها أن تفتح تلك النافذة. أن تنتقل مع تلك الدوامة مجدداً.

Page 6

شاهد هو ذلك الانتقال من اللاوعي إلى الوعي.

هما الآن في قلب ذلك الإحساس معاً... قمة الوعي والهدوء.

أخذ قيثارته واندمج فيها.

تنتبه هي الآن إلى كلّ حركاته. تلامس يداه الأوتار وتتسارع مع حركاته دقّات قلبها فتتوقف عن النظر وتغمض عينيها.

ها هي الآن في رأسها... ترقص فوق طبقة رقيقة من الهواء... تتمايل بهدوءٍ حتى لا يتمزّق البساط المتمدد تحتها...

وبحركةٍ واحدة من يده ترتفع هي إلى السماء... تمدّ يدها لتلامس السواد اللامع فوق رأسها وتذوب فيه.

تفتح عينيها مرّةً أخرى فتراه يجلس على صخرة ويتأملها...

تتذكر قصيدةً كتبها شخص على دفترها الأبيض ذات يوم...

"الأفكار الجميلة متغطرسة جداً. إذا لم نسرع إليها تختفي... كما الفرح."

هي الآن في رأسه... هو يراها... لا تريد أن تختفي، لا يريدها أن تختفي، لأن "الرحيل يتجدد في كلّ فرحة."

لكنها ككل المرات السابقة... ترحل.

Page 7

الأقنعة

وضعت فنجان القهوة على الطاولة بعد أن تأملته محاولةً أن تجد عيناً أو سمكة أو طريقاً طويلة.

تذكّرت الطريق الجبلية الموحشة التي قطعتها السيارة في رحلتها لزيارة تلك العرافة. ولم تستطع، وهي تعيد ذلك المشهد في رأسها، ألّا تشعر بالرعب مرة أخرى. الغرفة الفارغة، السرير القديم، وكل كتب قراءة الطالع.

تذكّرت ما قالته لها العرّافة ذلك اليوم بعد أن قرأت لها طالعها في الفنجان، "ستتزوجين رجلاً ثرياً... يحبك كثيراً. حياتك سعيدة. ستحصلين على الكثير من المال. أه، هناك شخصٌ مريضٌ في عائلتك. وشخصٌ كبيرٌ في السنّ يهتمّ بك. حسد... عيونٌ كثيرة في أرض الفنجان. طريقٌ طويلة. هذا الشاب متعلق بك كعنقود عنب. يحبك كثيراً".

كم هي بلهاء في هذه اللحظات، لكنّ يأسها سيغرقها. هي تعرف أن معلومات العرافة ليست إلا كلاماً. في كل عائلة ستجد شخصاً مريضاً. وإذا لم تجد كلّ فتاة شاباً يحبها ستتمنى واحداً. ستحلم بفارسها والحصان. لن تخطىء العرّافة. ضحكت يومها على ما تقوم به. لكنّ يأسها من أنها حقّاً لا تعرف دفعها للقيام بذلك.

تريد أن تعرف. تريد أن تعرف. تريد أن تعرف. "حتى ولو كذباً". لم يعد رأسها يحتمل التفكير.

هي لم تعد تفهم.

"نحن البشر نولد من أرحام شخصياتنا.

لا نتغير.

هو التبرّج نرتديه أمام المرآة، ونزيله أمام المرآة أيضاً.

هي الأقنعة تسقط عن الوجوه في نهاية السهرة التنكرية.

هي الألوان، تتحلل ولا تشبه قوس قزح عندما تمطر الشمس.

هي الشخصيات المتناقضة التي نراها كلما أردنا أن ننتقد الآخرين.

ثمّ... دون أن نلاحظ، نصبح نحن البشاعة التي نرفض رؤيتها.

كلنا نرتدي أقنعة.

كلّ شخصية تحملها الأنا في طيات عقلٍ ما لها قناعٌ خاص.

نتعدد داخل أنفسنا، ونتحول لنلائم الظروف المحيطة بنا".

هذا ما قالته لنفسها عندما قررت أن تفهم.

دفترها هو الشيء الوحيد الذي سينقذها في مثل هذه اللحظات. لكنها لا تشعر برغبة في الكتابة. لعلّها إن قرأت قليلاً ستشعر بالتحسّن.

أخذت كتاباً من المكتبة وحاولت أن تقرأ.

...

Page 8

هي.

ابنة بائع الخضار. نعم. ابنة بائع الخضار الذي ظلّ يدفع عربته في شوارع ضاحية بيروت الجنوبية لأكثر من خمسة عشر عاماً. ظلّ يدفع عربته حتّى توقف قلبه عن دفعها. وتوقفت ساقاه عن الحركة. عندما فقد ذات يومٍ مشؤومٍ ساقيه بسبب لغم عنقوديّ. لكنه لم يستسلم يوماً لقدره ذاك، ليس لأنه قويّ الروح بل لأنه لم يكن يملك خيارات أخرى. لديه عائلة يجب أن تأكل وتشرب. نفذ بعض التعديلات على سيارةٍ اشتراها بمساعدة جمعية تعنى بشؤون المعوقين. ومنذ ذلك اليوم وهو يقود سيارته بيديه فقط، ويبيع الخضار بهما أيضاً. يتصارع مع الحياة بيديه، لا بقلبه. لم تكن القدمين الشيء الوحيد الذي فقده. كذلك فقد قلبه وروحه في ذلك اليوم المشؤوم. لذا ما عاد يعتني بأولاده ولا بالكتب التي كان مدمناً على قراءتها.

لكنها ورثت ذلك الإدمان منه رغم ذلك.

هي.

الفتاة التي تعيش مع والديها واختيها في منزلٍ مؤلف من غرفة جلوسٍ واحدة وغرفة نومٍ واحدة. ترتدي حجاباً. وتقرأ الكتب كما يتنفّس شخصٌ خرج لتوه من حالة اختناق.

الفتاة التي ثارت على مجتمعها التقليدي.

لن تكون محجبة فقط لأنها ولدت في عائلة تؤمن بالحجاب.

لن تتزوج من أول رجل مناسب فقط لأن عائلتها فقيرة.

هي.

ابنة بائع الخضار. تعيش في ضاحية بيروت الجنوبية. ترتدي الحجاب. تشكّ بوجود الله. ولا تجرؤ على إخبار أحد. كيف يمكن لإلهها العظيم أن يسرق ساقَي والدها؟ لماذا يموت الأطفال في أفريقيا من الجوع وينعم غيرهم بكلّ الكماليات؟ كيف يمكن للعدل أن يكون عندما يتزوج زوجها امرأة أخرى بينما لا تستطيع هي ذلك؟ لم عليها أن ترتدي الحجاب؟ لمَ لا يكبت الرجل رغباته؟ لن تعاني هي من الحرّ وثقل الثياب ومظهرها المختلف فقط حتّى لا يهتاج الرجل عندما ينظر إلى مفاتنها. هل هذا عدلٌ أيضاً؟

وبناءً عليه اتخذت الكثير من القرارات:

قررت ألا تكون تلك الفتاة الساذجة التي يتمناها الرجل زوجةً له.

قررت أن تكون ذكية.

سوف تتخطّى القناعات الذكورية التي تسيطر على عقول النساء. تلك الجمل التي تكبر الفتيات على سماعها. ستكون بارعة في قيادة السيارات وسيقول الرجل إنها اسثناءٌ للقاعدة. ستكون أقوى ولن تخاف من الصرصار. ولن تخاف من الحية عندما تراها في أحلامها. ستكون أشياء أخرى كثيرة.

لن تسير على الدرب "ونقطة على السطر"، قالت لنفسها.

أرادت أن تقرأ قليلاً... أو ربما كثيراً...

ستحب رجلاً مختلفاً. ستمارس الجنس معه قبل أن تتزوجه. لن تقبل بأن يكون زواجها البطيخة التي يتحدّث عنها الجميع. لن تتزوج من بطيخة. ولن تكون بطيخةً سخيفة هي أيضاً.

الخَبَر

...

ارتجفت شفتاها. تريد أن تقول شيئاً، لكن الكلمات صارت تتسلل إلى داخلها بدل أن تصير أصواتاً. استجمعت كلّ قوتها، عضّت شفتها السفلى حتّى تتمكن من تخفيف حدّة التوتر وتكلّمت دون أن تُفلتها حتى كاد لونها يصير أزرقاً.

"نظنّ أننا نتعلم السيطرة على الأشياء."

الجملة الوحيدة التي قالتها بعد أن نظرت إليه لأكثر من نصف ساعة. كان هو يتكلّم وهي لا تسمع.

Page 9

قالت جملتها.

صمت هو.

توقفت عن الكلام. وقفت. خرجت دون أن تقول أي كلمة إضافية.

لم يقم هو في المقابل بأي ردّة فعل. لم يلحق بها ولم يحاول أن يزعجها.

خرجت من باب العيادة دون أن تنظر وراءها. نزلت الدرجات الأربع التي توصلها إلى الطريق بسرعة كبيرة وسارت ما يقارب الساعة حتّى وصلت إلى منزلها القائم في منطقة الطيونة. نعم لقد مشت كلّ المسافة من الحمرا إلى الطيونة دون أن تلاحظ، فقد كانت غائبة عن الزمن والمسافة، فتحت الباب. نظرت إلى غرفة الجلوس ودون أن تفكّر جلست على الأرض بجانب الباب الذي بقي مفتوحاً. ذلك الجرح القديم لم يلتئم يوماً كما اكتشفت منذ قليل. كان يخدعها كل تلك السنوات.

عيناها الآن زجاجٌ يعكس تلك الأيام التي أصبحت حاضراً مرةً أخرى. جالت المرآة في عينيها على الغرفة شيئاً فشيئاً.

كانت خيوطٌ من أشعة الشمس الهاربة من حرارة الصيف الشيء الوحيد الذي يوحي بالحياة.

إلى جانب فتات الضوء، جلس على الحائط أمامها بعض اللوحات التجريدية التي تفتقر إلى شكلٍ حقيقي.

الغبار، الكثير منه، يسكن الكتب المبعثرة ككتيبة جنود أصابتها قذيفة.

الخزانة القديمة تحمل تلفازاً يعترض على الأصوات، يطلق صوراً متلاصقة لها أصواتٌ شكلية.

الطاولة الخشبية تحمل ندبات زيارات الأكواب والسجائر.

الحائط نبتت أحشاؤه إلى الخارج لتسمح لتيار كهربائي قليل التواجد بالقليل من الزيارات.

الباب طلاؤه صورٌ غير متناسقة تحمل بين ألوانها أزمنة معتّقة، وتحمل تفاصيل نقاشاتٍ لم توضع يوماً في صندوق متناسق الأبعاد. نقاشات لم تنته بعد.

كنبة في مقعدها جرحان عميقان سببهما رصاصٌ ليس طائشاً. وكرسي اشترته من صديقتها قبل أن يأكله السوس. السوس نخره. جعله ينسى أنّه كان يوماً صديقاً حميماً للشاه. هو نفسه الكرسي الذي تجلس عليه كلما أرادت أن تفكر، أو كلّما اجتاح السوس أفكارها.

لطالما أغراها أن تهتز أفكارها مع حركة الكرسي. أن تتأرجح في رأسها مثلما يتأرجح النبيذ في كأسٍ يحمله ذواقةٌ ما. ذلك الشخص الذي يدّعي بأنه يفهم الطعم عندما يقدم له النادل الكأس الأولى ليتذوقها.

كانت دائماً تجلس على كرسيها الهزّاز ذاك تفكّر كيف أن بيروت، بيروتها، مدينة الفوضى في الحب والسياسة والأدب والجغرافيا وكل شيءٍ آخر، وعلى الرغم من كلّ تناقضاتها، تعيش. بيروت تنصب، كلّ يوم متاريس حزن، أو ربما فرح، على شرفة منزلٍ أو وراء نافذة.

وضعت يديها على الأرض أمامها وحاولت أن تقف على رجليها فتعثرت. لكنها سمعت فجأةً صوتاً يقول، "هل أنت بخير يا عزيزتي؟ دعيني أساعدك". أدارت رأسها لتكتشف أن الصوت هو لزوج شقيقتها التي تسكن في الشقة المقابلة لشقتها.

بعدما ساعدها للوصول إلى الكنبة واهتمّ بسبب وقوعها على الأرض، اطمئنّ إلى إجابتها: "لقد تعثّرت".. وخرج من باب منزلها ليكمل حياته اليومية.

قامت من مكانها بعدما أغلق الباب، أخذت دفترها من على الطاولة، جلست على كرسيها الهزّاز المتمركز أبداً أمام باب الشرفة، وبدأت تكتب:

عندما نعتقد خطأً بأننا نسيطر، نكون، وبدون أن نلاحظ، نقمع أنفسنا للإمتناع عما نرغب به حقاً. أحيانا علينا أن نستعمل الديكتاتورية سلاحاً ضدّ أنفسنا. علينا أن نحمي شخصياتنا المتهالكة من نقد المجتمع، من معاييره ومقاييسه التي نظّمتها المجتمعات يوماً لتناسب ظروفاً معينة وأشخاصاً آخرين.

أحياناً، أوربما دائماً، نتعاطى مع كلّ ما حولنا كما يريدنا الذين حولنا أن نفعل.

يدٌ تمسك بك وأخرى تمسك بالمجتمع.

لم أدرِ أيٍ منهما أقوى.

تهالكت أنت ووقعت من يدي.

تحوّلنا إلى زوجٍ من الأحذية القديمة.

رأسان يدوران كلٌ في فلك.

Page 10

تحطّمت المرآة...

حاول الوجه الناظر إلى الزجاج المتطاير ان يفهم...

... استبدلت المرآة بأخرى ...

رفعت عينيها ونظرت إلى الشرفة الواقعة أمامها. تأملتها طويلاً. هذه الشرفة والغرفة ورائها هما بطلتا معظم قصصها.

على تلك الشرفة، كانا قد انفصلا قبل أيام.

هي منذ ذلك الوقت تبكي فجأة، تتساءل عمّا إذا كانت هي السبب أمّ أنّ أخرى أخذت مكانها. هو يقرر بسرعة البرق أن يمزّق تلك الشرنقة، فيخرج مع الأصدقاء، يناجي صديقات قديمات، يجري مكالمات هاتفية طويلة، ويعمل كثيراً. هو ليس أقلّ انزعاجاً منها. لكنه لا يناجي المرآة كما تفعل هي.

لا يريد أن يفكّر بما يزعجه.

غريبٌ كيف أنّ معظم النساء تملن إلى التفكير والتمسك بفكرة وجوده إلى جانبهنّ. وفي المقابل يميل معظم الرجال لِعدم الإنتباه إلى ضرورة الفكرة، على الأقل في جزءٍ كبير من حياتهم. ربما لأنهم أصحاب القرار في كثير من الأحيان. ربما لأنهم أقلّ عدداً في هذه البيئة، ما يعطيهم الأفضلية. وربما ثالثة تقول أنّ توزيع الأدوار الاجتماعية، وبالتالي طرق تفكير وطموحات الطرفين، تجعلنا نلصق مميزاتٍ محددة بجنسٍ معين. هكذا نقولب الأدوار الاجتماعية.

الجنون قد يقود في النهاية إلى الحزن.

طريقٌ يسمح لنا بأن نعيش كما يحلو لنا، ومن ثمّ يضعنا أمام تلك التجارب التي، مهما حاولنا، لا يمكننا أن نتخطّى نتائجها. فهي، التجارب، تَحفر عميقاً في قعر خزّان يومياتنا. تصبح شبيهة بالمتحجرات. وحتى لو حاولنا أن ندّعي بأنها لا تؤثر علينا، سنبقى دائماً نتصرّف بهذه الطريقة، أو تلك، فقط لأنها حدثت يوماً.

إنّ امتلاء الخزان بالماء لا يعني أن ما يجلس في القعر قد زال أو تغيّر. تلك المتحجرات راقدة تنتظر فرصتها لتنقضّ على الفريسة: العقل الذي يظنّ أنّه مستقل وقادر على التحرر.

كل تلك الأخطاء التي نرتكبها خلال حياتنا اليومية هي المتحجرات ونتيجتها. هي الهيكل الذي نبني على أساسه مشاكلنا النفسية وعقدنا المركّبة.

شعرت للحظةٍ بأن شيئاً غريباً يحدث لها فوضعت الدفتر على الأرض وذهبت لتتفقد وجهها أمام المرآة. كانت تشبه أمرأةً صينية صدمها خبر وفاة عزيز عليها. تذكرت عندها كيف كان يقول لها بأنها تشبه امرأة صينية لطيفة عندما تكون متعبة. "أحب شيئان فيك. كيف تمشين والمرأة الصينية،" كان دائماً يقول.

لكنها الآن لا تريد أن تتذكر بل أن تعرف. هل هي شاحبةٌ بسبب الخبر الذي سمعته من الطبيب؟ هل هي قوية لتتأقلم مع هذه المعرفة الجديدة التي سقطت على أعصابها مثل دلو من الماء البارد؟

نظرت مجدداً إلى انعكاس صورتها في المرآة. الوجه لم يتغير.

العينان سوداوان، منذ الولادة، أو من كثرة الهموم. الرموش طويلة وسوداء. الشعر أسود أيضاً، مذ غزاه الشيب، لا العمر، واضطرت لاستعمال تلك المساحيق التي تغير اللون. الوجه نحيلٌ أبيضٌ مُشِعّ كما لو أنّه ملاك. لكن الملائكة لا تشيخ مثل هذا الوجه. الأنف، دقيق كمن يحاول أن يتلصص ويستمع إلى ما سيقوله الفم الصغير الرابض تحته. دائماً مستعدٌ للهجوم. فمٌ لم يتمهّل يوماً ليعرف إن كان محقاً أم لا. لم يكن يعرف إلاّ قذف الكلام. يفكّر لاحقاً، ويندم لاحقاً. لكنه اليوم لم يتكلّم. لم يجد فمها اليوم ما يقوله.

الوجه حزين على ما يبدو. أو ربما مهموم. لكنه ليس شاحباً.

مرآتها الآن منفىً للماضي.

الماضي نواة الذاكرة.

ذاكرتها سكين يذبح الحلم من الغد إلى الأمس.

أحلامها أوهام تبقيها على قيد الحياة؛

تتمسك بها علّها تتذكرها بعد أن تستيقظ لكن عبثاً.

الحزن الساكن في المرآة يعكس نفسه على الوجه الناظر إليها. مرآتها منزل ذكريات داسها الوقت وعبرت فوقها أيام.

كانت حمرة المساء تشارف على الاختباء تحت خط الأفق، وكانت هي تشارف على الغرق تحت زجاج المرآة. بقيت تنظر حتى احتلّت الظلمة عينيها من كثرة التركيز في انعكاس الحمرة. أغمضتهما وخبّأت داخلهما ظلام تلك الشخصية الجديدة علّها تكون الشيء الوحيد الذي ستراه عندما تفتحهما مجدداً. ثمّ، وببطءٍ شديد أبعدت جفنيها عن بعضيهما متوقعة أن ترى ما تريد. ثمّ نظرت في المرآة مجدداً. لكنها لم تجد شخصاً آخر حتى تبرر لنفسها ما حدث. لم ترَ إلا رسمها مع مسحة حزن على الخدين وذبول في العينين.

كما في قصة بياض الثلج، تلوّنت المرآة بصورة الحقيقة.

الفتاة في المرآة حزينة لكنها لا تعرف السبب. لا تذكره. أو لربما عقلها لا يريد أن يتذكّر. في مطلق الأحوال هذا أفضل.

ارتعبت.

ما رأت كان أسوأ بكثيرٍ مما ظنّت. الشيخوخة تهاجم وجهها. أو ربما هي الأفكار.

إذا سمعها ذلك الرجل تقول أن كلّ الناس يشيخون سيغضب. هو الرجل الخمسيني الذي رفض أن يحتسب العمر بالأيام. قال إن العمر هو عمر الروح. خاف يومها أن تنظر إليه على أنه رجل كبير السن فقال مسرعاً أن الشباب شباب الروح لا الجسد. ونسيت فكرتها هذه عندما نظرت في المرآة مجدداً.

في عالم المرايا، تسللت أفكارها إلى المستقبل. لكن الاسفلت الذي سحبتها فوقه جرّح روحها. يومها نزفت حزناً، ورأت ذلك الطيف يرقص على وقع أنغام الرؤية الراكعة في قلبها.

الآن ستجلس في المرآة مكان الطيف. ستصبح صورةً متحركة.

يمرّ ما حدث في ذاكرتها البعيدة أمامها. ويجلس مكانها. ليس في مرآتها هذه المرّة.

هما واحد. الطيف وهي.

تأملت طيفها الجاثم أمامها وفي قلبها. تأملته طويلاً وحاولت أن تُطمئِن نفسها. انعكاسه يثير فيها قلقاً لم تعهده من قبل. حاولت أن تبحث عن شخص يشبه هذا الطيف علّه يكون لأُخرى، وتنجو هي من الحزن. راحت تقارن وتتخيل نماذج علاقات مرّت فجأةً أمام ذاكرتها، وتمسّكت بها كما يتعلق ضائع بسراب.