Page 1
المقدمة
أحمدُ الله الَّذي خلقَ الإنسان، علَّمَهُ البيان، والّذي رفعَ السَّماء، ووضعَ الميزان، وأصلِّي وأسلِّمُ على رسولِ الله حاملِ الوَحْي، وقائدِ الخَلْق إلى الحقّ، والمثلِ الأعلى للخليقة الَّذي اجتمعَتْ فيه كَمالات النَّفس والخلُق، وعلى آلهِ الأطهار، وأصحابِه الأبرار، وبعد؛فما أنتَ أيّها الإنسان إلا آيةٌ ربانيّةٌ باهرة بجَّلَتْها الملائكةُ بالسُّجود، وصدَحَتْ لها الأطيارُ بالتَّغريد، وترنّمَتْ لها الجداولُ بالخرير، وتضوّعَتْ لها الأزهارُ بالعَبير.
وما أنتَ إلا حكايةُ الكون منذُ البَدْء، وفي البَدْء كانت الكلمة، وكانَ القلم، وكان الحقّ، وكان القِسْط.
وما أنتَ إلا بَطَلٌ سُلِّطَتْ عليه الأضواء في مُسَلْسَل الحياةِ الذي اتّصلَتْ حلقاتُه، ولم تنقطعْ مُذْ ظهرَ آدمُ عليه السَّلام على شاشةِ الوجود أوَّلَ مرّة، إلى أنْ يرثَ اللهُ الأرضَ ومَنْ عليها.
وقد شَغَلْتَ نفسَك بنفسِك في نفسِك، أعني أنَّ المفكرين والفلاسفةَ الذين هم مِنْ جِنْسِك قد شغلْتَهم على مَرِّ الأعصار والأجيال، وأنفقوا وقتاً هائلاً، وأهلكوا مالاً لُبَداً في تعرُّف حياتك، وسَبْر أغوارك، حتى توالَتْ مواكبُهم تَتْرَى من عهدِ هيرقليطس الإغريقيّ، وسُقراط، وأفلاطون، وأرسطو، والفارابي، والكِنْدي، وابن سينا، وكانَتْ، وهيجل، ونيتشه، وديكارت، إلى عهدِ فوكاياما الأمريكيّ في هذه الأيام العِجاف السُّوداء.
ولكنَّك كنتُ تَسْتعصي على الفَهْم، وتستغلقُ في الاستقراء، غيرَ أنَّ ربَّك الذي خَلقَك، ويعلمُ ما توسوسُ به نفسُك، وما يعتلجُ في صَدْرِك، قد بيَّنَ حقيقتَك، وأظهرَ أسرارَك، وكشفَ لِثامَك:(أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ).
فيا أيّها الإنسان،
هذا نداءُ الله إليك؛ ليخرجَك من الرُّكامِ الثقيل، والظَّلامِ البهيم، والتّيهِ العريض، ليخرجَك إلى الأدواحِ المتراحبة، والرِّياض المؤرَّجة، والأنوارِ المتلألئة، فأنتَ قرّةُ عينِ هذا الكون، وبهجةُ عُمرِه، وأُنْسُ وجودِه، بك تحلو معارجُه، وتزدانُ مباهجُه!
ويا أيّها الإنسان،
هذا نداءُ الله إليك فاستمعْ لما يُوحى، واقرأ كتابَ ربّك كأنّهُ يتنَزَّلُ عليك.
استمعْ لما يُوحى إنصاتاً بأذنِك، وإصغاءً بروحِك، وتأمُّلاً بعينِك، وتدبّراً بعقلِك، واستجابةً بقلبِك، واستقامةً على جوارحِك.
ويا أيّها الإنسان،
هذا نداءُ الله إليك فاخلعْ رداءَ أوزارِك إنّك في رحابِ الذِّكر الحكيم، وافتحْ قلبَك لهذا النِّداءِ الرَّبانيّ الكريم، وتضرّعْ بأصْغريك، لسانِك وقلبِك:
رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (84) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85).
د. أحمد عطية السُّعوديّ
Page 2
(1) ذِكْرُك في كتابِ رَبِّك
إنْ رُمْتَ أخي الإنسان أنْ تسألَ عن نِجارة أصْلِك، وكريمِ مَحْتدِك، وعراقَةِ إنسانيتِك، فأنتَ في لغة العرب من الجَذْر الثلاثيّ أنَسَ)، فإذا قيل: أنسَ فلانٌ بفلان فيعني أنّه سكنَ إليه واطمأنّ، وذهبتْ به وحشتُهُ، ففرحَ وجَذِلَ.وأصلُ لفظِك: إنْسِيان؛ لأنَّ العربَ قاطبة قالوا في التصغير: أُنَيْسِيان، وجمعُك ناس، وأناسين، وأناسيّ. ويقال للمرأة إنسان، ولا يقال: إنسانة، والعامةُ تقولُه.
وأنتَ في اصطلاح الشّرائع، وعُرْف العقلاء: كائن حَيّ، ناطق، مُفكّر، مُكرّم، مسؤول، راقٍ ذهناً وعقلاً، مكلّف بحمل الأمانة.
وأنتَ من سُلالةٍ من طين، أصلُك جَليٌّ جلاءَ الشمس، وشجرةُ نَسَبِك أوثقُ شجرة في الكون، ولستَ قِرْداً من سُلالة القرود كما زعمَ الخرّاصون.
وأنتَ قبضةٌ من طين الأرض، ونفخةٌ من روح الله، قبضةٌ من طين الأرض تتمثّلُ فيها عناصرُ الأرض المادية، ورغائبُها وضروراتُها، وقبضةٌ من روح الله تتمثّلُ فيها إشراقةُ الرّوح الصافية، وقوةُ الوعي المدركة، وقدرةُ النفس المريدة.
وقد بثَّ ربُّك ( من أبويك آدمَ وحواء رجالاً كثيراً ونساء، فأنتَ اليومَ واحدٌ من ستة مليارات من البشر الأحياء الذين يقطنون ستَّ قارات تنتشرُ في هذا العالم الواسع.
ولقد ذكرَك ربُّك المَلِكُ القُدّوسُ في كتابه العزيز، وحَملتْ إحدى سُورِه الكريمة اسمَك، وخصَّكَ بخطابِه وندائِه؛ ليشرِّفَك ويُشعرَك بقربه منك، وحبِّه لك، وأنّك مناطُ تكليفِه، وموضعُ عنايتِه وإكرامِه، ومحلُّ رحمتِه ولطفِه.
ولقد جعل لك ربُّك الرَّافعُ المُعزّ قيمةً عظيمة، وأعلى لك شأنك، ورفع لك قَدْرَك، وحَبَاك مكانةً سامقة، وفضَّلك على كثير ممّنْ خلقَ تفضيلاً.
ذكرَكَ ربُّك العَليُّ الكبيرُ في كتابه العزيز خمساً وستين مرّة، منها ستّ مرات وردت في سُورة واحدة هي القيامة، ومنها مرّتان ذكرَك فيهما بصيغة النِّداء.
وفي كلّ هذه المرّات التي ذكَرَك فيها ربُّك السَّلامُ المؤمنُ لم يأمرْك بصيغة الأمر المعروفة، ولم يَنْهَك بصيغة النَّهي المألوفة، وإنّما تحدّثَ عنك، وتحدّثَ إليك:
تحدّثَ عن أصلِ خَلْقِك، وحذَّركَ من عدوِّك، وبيّنَ صفاتِك وتقلُّبَك، وحمَّلَك مسؤولية أعمالك، ووصّاك بوالديك، ودعاك إلى التفكّر في خَلْقك، وفي طعامِك، وأعلمَك بأنّه سيبعثُك بعدَ مماتِك.
وتحدّثَ إليك بنداءٍ كريم، فأخبرَك أنّك ستجدُ ما تكدحُ وتعمل، وسَتُحاسَبُ عليه يومَ القيامة، وستقابلُ ربَّك الجليل، ليس بينَك وبينَهُ تَرْجَمان.
وتعجّبَ ربُّك الكريم في حديثه إليك من جرأتِك عليه مع أنّك خَلْقٌ من خَلْقِه، فما يغرُّك، وما يُبْعدُك عنه، وهو الذي خلقَك فسوَّاك فعدَلَك في أيّ صورةٍ ما شاءَ ركَّبَك.
وربُّكَ الكريمُ إذ يتحدّثُ إليك، ويتحدّثُ عنك فإنّما يريدُ أنْ تكونَ إنسانيتُكَ سَويّةً متّزنة كخَلْقِك السَّوي المتّزن، وتكونَ إنسانيتُكَ جميلةً قويمة كخَلْقِك المركَّب في أجملِ صورة، وأحسنِ تقويم، وذلك ليتوافقَ في كيانِك الخَلْقُ والخُلُق، ويتكاملَ فيك الجوهرُ والمظهر، فتغدو الإنسانَ الذي أرادَهُ ربُّك، وكرَّمَهُ ربُّك، وأحبَّهُ ربُّك.
Page 3
(2) يومَ كُنْتَ صِفْراً
لم تكنْ أنتَ شيئاً، ولم أكنْ أنا حينَ كان الكونُ رَتْقاً فَفُتِق، فإذا هو بُنيانٌ ضخمٌ هائلٌ، وملكوتٌ مُهَنْدَسٌ مَوْزون لا ترى فيه من تفاوتٍ أو فُطُور، وإذا هو أرضٌ وسماء، وأثيرٌ وفضاء، ونجومٌ وأجرام، وجبالٌ وبحار، ومِهادٌ ووِهاد.لم تكنْ شيئاً مذكوراً في أروقة الكون؛ إذ تطلعُ شمسُه، ويُطِلُّ قمرُه، ويتنفّسُ صبحُه، ويَسْجُو ليلُه، ولم تكنْ هَباءً منثوراً، ولم تكنْ نوراً منشوراً، بل كنتَ عَدَماً.
وكانَ الوجود، وأنتَ غيرُ موجود، وكان الشُّهود، وأنتَ مفقود، وكان الكونُ أرقاماً كبيرةً كثيرة، وكنتَ صِفْراً لا تعلمُ شيئاً:
(هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا) الإنسان، آية1
ثمَّ شاء ربُّك ( لحكمةٍ بالغة أنْ يخلقَك من نطفةٍ أمشاج، ويجعلَك سمعياً بصيراً؛ ويهديَك السَّبيل؛ ليبتليَك فيما آتاك، أتشكرُ أم تكفر.
( إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) الإنسان، الآيتان 2، 3
ثمَّ لمّا صرتَ بشراً سَويّاً تَعي وتَعْقل، وترى وتسمع، وعافَسْت الحياة، وأبحرتَ في نعمِ الله، ها أنت ترى من بني جِنْسِك مَنْ يُنكرُ المآلَ والمصير، ويزعمُ أنَّه لنْ يُبعثَ بعدَ الممات:(وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (66) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (67)) مريم، الآيتان 66-67
ثمَّ بعدَ أنْ لم تكنْ شيئاً مذكوراً جعلَك الله ( شيئاً، بل جعلَك خليفةً له في الأرض، وكلمةُ الخلافةِ كلمةٌ ضخمةٌ ذات إيحاءات، ومن إيحاءاتها أنَّك كائن عظيم القَدْر ذو أهمية بارزة في الحياة، وأنّك خليفةُ الخالق المبدع المسيطر على كلّ قُوى الكون، فأنتَ المخلوقُ الذي احتفلتْ به السَّموات والأرض، وتولَّى الله ( بنفسِه إعلانَ مَقْدمك على الملأ الأعلى، والملائكةُ يفزعون للنبأ ويهتزّون.
وأنتَ مخلوقٌ مُتفرِّد، وخطير الشَّأن في دورة الحياة، ومُزوَّدٌ بطاقات هائلة، ومُشتملٌ على نقطة ضَعْف هي حُبّ الشهوات، ونسيان العَهْد، ومخلوقٌ ذو طبيعة مزدوجة فيه القدرةُ على الارتفاع إلى أقصى مدى، والقدرةُ على الهبوط إلى الحضيض.
وأهلُ العلم يقدّرون أنَّ جدّك الإنسان الأول يرجعُ ظهورُه إلى نحو مليون سنة، وأنّه استأثرَ بالعقل وحْدَهُ دون سواه حتى إنَّ أيّ حيوان لم يُسَجِّلْ لنفسه قدرةً على تربيع حَجَر، أو العَدّ لغاية عشرة، أو فهم معنى عشرة، وأنّ العلمَ يعترفُ باشتياق الإنسان إلى أشياء أسمى منه، والذي يراه العلم ويقدّره المفكّرون جميعُهم هو أنّ الاعتقادَ بوجود الله له قيمة لا تُقدّر.
وترى نظرية أخرى أنَّ وجود جدّك الإنسان الأوّل يعودُ إلى نحو مليوني سنة، وليس سهلاً على الخيال أن يدركَ المدى الزَّمنيّ البعيد الهائل الذي يغطيه ارتقاءُ الحياة على هذا الكوكب.
وأنتَ شيء مختلف عن الحيوان، فالحيوان بأعضائه وجوارحه مُكيَّفٌ بصورة دائمة على أسلوب معيّن من الحياة والبيئة لا يستطيع تجاوزه، أمّا أنتَ فلك سلسلةٌ غير محدودة من الأعضاء، وتستطيع أنْ تُكيّفَ نفسَك مع كلّ ظرف وكلّ مُناخ، وأنت في كلّ مكان تحلّ فيه تنوّعُ آلاتِك ونشاطَك وطعامَك وملابسَك وأسلوبَ حياتك.
وهذه الأرضُ التي تعيشُ عليها والتي قدَّرَ أهلُ العلم عمرها بنحو ثلاثة ملايين سنة، أثبتَ العلماء المسلمون من قبلُ أنّها كُروية، وقاسوا حجمَها ومحيطَها وقُطْرَها، وعرفوا أنّها أصغرُ من الشمس حجماً، ودرسوا القُبَّة السَّماوية، وبنَوا المراصد لذلك، وحرّورا علمَ الفلك من الخرافة، واخترعوا عشراتِ الآلات الملاحية.
وقد استمدّ العلماءُ المسلمون معرفتهم عن الأرض من القرآن الكريم كلامِ الله الذي أبدعَ ما في الكون بعلمِه وحكمتِه وقدرتِه، فكلُّ كلمة في القرآن وكلّ حرفٍ حقٌّ مطلق، وثمّة إشارات كثيرة، وآيات كريمة تتعرّض للأرض في نحو 461) آية، منها 110) آيات تشير إلى القواعدالأساسية لعلوم الأرض.
والحياةُ التي أودعَها الله ( فيك سرُّها الرُّوح، والرُّوح من أمر الله، والحياةُ تُعرف من آثارها فهي التي تسبّبُ الخِصْب والتوالد، وهي التي تلوّنُ كلَّ زهرة، وتخطّط كلَّ ورقة، وكلَّ جناح فراشة، وهي التي تجعلُ العقل يفكّر، واليدَ تتحرك، والعيَن تُبصر، والأذنَ تسمع، واللسانَ ينطق، والجلدَ يحسّ ويتألّم، وهي التي تجعلُ على خديّ الطفل حُمْرة، وعلى شفتيه بسمة، وفي عينيه بريقاً، وهي التي تراها نبتةً تفلقُ الصَّخر، وترفعُ أطنان الماء إلى الأوراق كلَّ يوم.
فلا تعجبْ بصورتِك بعد هذا الفيض الإلهيّ، ولا تختلْ بمشيتك، ولا تنسَ مبدأ أمرك، فما أنت إلا لقمة ضُمَّتْ إليها جرعة ماء، وقطعة من لحم، ومَذْقة من لبن، فطبختها الكبدُ، فأخرجتْ منها قطراتِ مَنيّ، فاستقرَّ في أبويك فحركتهما الشَّهوة، فصُبّت في الرَّحم مدّةً حتى تكاملت، فخرجتَ طفلاً تتقلّبُ في خِرَق البول، ثمّ بعد موتك يُلقى بك في التراب، ويأكلُك الدُّود، وتصيرُ رُفاتاً تسفيه السَّوافي.
أمّا ما عليه العملُ فالرُّوح، فإن تجوهرَتْ بالأدب، وتقوّمَتْ بالعلم، وعرفَت الصَّانع، وقامتْ بحقّه، فما يضرّها نقصُ المركب، وإن هي بقيتْ على جهالتها شابهت الطين، بل صارتْ إلى أخسّ حالة منه.
وأنت كائن مُكلّف قد ميَّزَك ربُّك ( بخاصة التكليف، وأعدَّك لخطاب العقل، وبيّنات الإقناع، ووَضَعك في أشرف مَنْزلة في ميزان الفكر، وانتشلَك من قاع الصُّور الفلسفيّة التي حاولتْ تصويرَك بغير صورتك، ووضْعَك في غير مكانك، فأنت كائن مكلّف تَشْرُف في التقدير من قول القائلين إنك "الكائن الناطق "، أو "المَلَك الهابط"، أو "الحيوان الصَّاعد"، ولستَ بشيء إنْ لم تكن أهلاً لأمانة التكليف.
ومَنْ أنت إذا لم تجدْ ذاتك، وتستقرّ نفسُك على الاختيار الصَّحيح، وتخلد إليه وتستريح، لقد أعطاك الله ( مساحةً كبيرةً هائلة من المنازل والمراتب، تختارُ منها عُلوّاً وسُفْلاً ما تشاء، أعطاك مِعْراجاً عجيباً تتحركُ فيه روحُك حتى ترقَّ وتَلْطُف، وأعطاك منازلَ للجسد إذا لم تحسن استعمالَهُ شابهتَ الحيوان في غرائزِه وشهواتِه، وشابهت الشَّيطانَ في ظلمتِه وانحطاطِه.
فهل تطوي صفحاتِك المليئة بالأدران والأوزار، المثقلة بالغفلة والإعراض، وتفتح صفحةً جديدةً بيضاء من غير سوء، وتعرف حقَّ ربّك ( الذي أوجدك من العَدَم، ولم تكن شيئاً مذكوراً، والذي ربّاك بالنعم، وأنتَ في بطن أمّك في ظلماتٍ ثلاث، لا يستطيعُ أحدٌ من المخلوقين أنْ يوصلَ إليك غذاءك، ثمّ لما ولدتَ أدرّ لك ثديين باردين في الصيف، دافئين في الشتاء، ولو حجبَ عنك فضلَهُ طَرْفةَ عينٍ لهلكتَ، ولو منعك رحمتَهُ لحظةً لما عشتَ، وربّك غنيّ عنك لا يريدُ منك إلا أنْ تكونَ عبداً له خاضعاً طائعاً.
ولو كان لأحد من الناس عليك فَضْلٌ لاستحييتَ أنْ تبارزَهُ بالمعصية، وتجاهرَهُ بالمخالفة، فكيف بربّك الذي كُلُّ فضلٍ عليك هو فضلُهُ، وكُلُّ ما يندفعُ عنك من سُوء هو من رحمتِه.
Page 4
(3) أنتَ أجملُ الكائنات!
أنبأك ربُّك الخالقُ تباركَ وتعالى بأنّه قد جعلَك شيئاً عظيماً، وأوجدَك على مَسْرح الحياة، وسلّطَ عليك الأضواء، بعد أنْ لم تكنْ شيئاً مذكوراً، فأنباك عن أَصْل أبيك آدم، وأنّه خُلِقَ من طينٍ يابسٍ يُسْمَعُ له صَلْصَلة إذا نُقِر، حتى صار في غاية الصَّلابة كالفَخَّار:(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ) الحِجر:26
(خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ) الرحمن:14
فأصلُ خَلْقِ أبيك من خُلاصة اُستُلَّتْ من طين، ثمَّ صارتْ ذُرّيتُهُ تتناسل من خلاصةٍ من ماء ضعيف حقير هو النُّطْفة:
(خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ) النحل:4
{الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (8)} السجدة:7-8
ولم يَقُلْ سبحانه من نُطَف، بل من نُطْفة واحدة من المَني، فملايين النُّطَف التي تسبحُ باتجاه البويضة الموجودة في الرَّحم تعودُ كلّها خائبة خاسرة، ولا يصلُ منها إلى البويضة إلا حيوان منوي واحد يقوم بتلقيحها، ويشكّل معها سَدّاً منيعاً لا يخترقه شيءٌ بعد تشكّله، ومن هذه النُّطْفة الدَّافقة من الرَّجل يتكّونُ جنسُ المولود، وهذه الحقيقة القرآنيّة هي حقيقـةٌ علميّة طبيّة.
وقد تحوَّلَ هذا الماءُ إلى دم جامد يشبه العَلَق يتعلّقُ بالرَّحم، والعَلَقة دودة صغيرة، وقد أثبتَ الطبّ الحديث أنَّ المنيّ يحتوي على ديدان صغيرة لا تُرى إلا بالِمْجهر الدقيق، وأنّ لها رأساً وذنباً.
(خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ) العلق:2
وانتقلت النُّطْفة من صُلْب الرَّجل، واستقرَّتْ في مكان متمكّن من الأنثى هو الرَّحم، ثم صار الماءُ الدَّافق دَماً جامداً يشبهُ العَلَقة، وصار الدَّمُ الجامد قطعةَ لحم لا شكلَ لها ولا تخطيط، وصارتْ قطعةُ اللحم عظاماً صُلْبة؛ لتكونَ عموداً للبدن، وسُتِرت العظامُ باللحم، فكانت كالكسوة لها، ثمّ بعد تلك الأطوار نفخَ الله تبارك وتعالى فيه الرُّوح، وجعله خَلْقاً آخر في أحسن تقويم، فتعالى الله وتبارك، فهو أحسن الصَّانعين صُنْعاً:
(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14)) المؤمنون: 12-14
وبهذا وصفَ القرآنُ الكريم أطوارَ الجنين وصفاً دقيقاً من خلال إطلاق مسمّى على كلّ طور له بداية ونهاية محدّدة، حيث وصفَ المظهرَ الخارجيّ للجنين، وعكسَ عملياتِ التخلّق الداخلية له في فترات زمنية متعاقبة.
والتقسيم القرآنيّ لمراحل نُموّ الجنين أدقّ من وصف علم الأجنّة، فبعضُ علماء الأجنّة لا يركّزون على مرحلة العَلَقة كما يركّز عليها القرآن، وكذلك مرحلة التَّصوير والتَّسوية والتَّعديل؛ إذ إنَّ ما يحدثُ في الجنين يشبهُ ما يحدث عند بناء عمارة ما، فهناك السِّقالات والأعمدة التي تُقام، ثمّ تُهدم وتُزال، وهناك مرحلة بناء الأساس أولاً، ثمّ مرحلة الأعمدة والجدران، ثمّ مرحلة الأبواب والنوافذ، ثمّ مرحلة التبليط والتحسين المسماة "الدِّيكور".
ثمّ بعد هذه الأطوار كلِّها أخرجَك ربّك البارئ المصوِّر في أحسن صورة، وأبدع خَلْق، مُنتصبَ القامة، مُتناسبَ الأعضاء، حُلْوَ القَوام، مُشرقَ المحيّا، وضّاءَ الوجه، مُزيّناً بالعلم والفهم، مُميّزاً بالعقل والوعي، مُجمّلاً بالنُّطْق والأدب:
(لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) التين:4
وها قد استويتَ خَلْقاً رائعاً حتى صرتَ أجملَ الكائنات، وأحلى المخلوقات، فإنْ حفظتَ الله تبارك وتعالى في نفسِك وأهلِك وعبادتِك حفظَك من الارتداد إلى أسفل أسفلين، ورعاك وأنت في أرذل العُمر، وضَعْف الشَّيخوخة، ووقاك من دَرَكات النار، وبيّضَ وجهَك، وسلَّمَك من قُبْح الصُّورة وبشاعتِها يومَ تبيَّضُ وجوه، وتسْوَدُّ وجوه:
(ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ) التين:5
ومن أروعِ صُور الجمال التي فيك أنَّ الله تبارك تعالى قد جعلَ لك شخصيةً مستقلة، واتجاهاً محدّداً، وأسلوباً مميّزاً، ووجهةً خاصّةً بك، وشاكلةً تعملُ عليها، فأنت مميّز ببصمة الإصبع، ومميّز ببصمة العين، ومميّز ببصمة رائحة الجسم.
وأنت وَحْدَة مستقلة في ذاتها وصفاتها، فلا تماثلَ بينك وبينَ غيرِك؛ إذْ لَكَ وجهك الخاصّ الذي تتميّز به عن الناس جميعاً، ولك لونك الخاصّ، وصوتك الخاصّ، وبصمتك الجلدية الخاصّة، وتفكيرك الخاصّ، وحواسك الخاصّة، ولك موجة ذاتية تنبعثُ كهربائيتُها وإشعاعاتُها من جسمك، وهذه الإشعاعات أشبه ما تكون بأمطار غير مرئية تنهالُ دائماً فوق الأرض، وتُطْلَق من النجوم والكواكب نتيجة للتفاعل النوويّ الرهيب في أجوافها.
وقد أثبتَت الأجهزة الحديثة الدقيقة أنّ لكل جسم هالةً خاصّة من الأضواء المشعة تتشكّل على شكل بيضة ناعمة أعرض عند الرأس منها عند القدمين، وتتكّونُ من طبقة خارجية باهتة وطبقة داخلية لامعة برَّاقة، ويخرجُ من هذه الهالة أحياناً شعاعٌ أكثر بريقاً يمتدُّ عِدَّةَ أقدام من الجسم قبلَ أن يتبدّد.
والعجب أنَّ هذه الجماليّة الباهرة، والجاذبية السَّاحرة الكامنة في شخصيتك تنطفئ إذا تقمّصتَ شخصيةَ غيرك، وصرتَ تقلِّدُهُ في الكلمات والأصوات، والحركات والإشارات، وهجرتَ صوتَك لصوتِه، وتركتَ مِشْيتَك لمشيته، وذُبْتَ فيه، فإذا هو أنت، وإذا أنت هو!
والحقّ أنّك نسيجُ وَحْدِك، وشيءٌ فريد في هذا العالم، وأنت مخلوقٌ بدقة تثيرُ الرّهبة، وتستدعي الإعجاب، ولو أنَّ لك 300) ألف بليون أخ وأخت لكانوا جميعاً مختلفين عنك مُناقضين لك، فاغبِطْ نفسَك على هذا التفرّد، واعملْ على الاستزادة مما رُكِّبَ فيك من مواهب وصفات،ولماذا لا تنمو أنت وينمو غيرُك كما تنمو أنواعُ الفاكهة، ولماذا تقلّدُ غيرَك، وقد علمتَ قصّةَ الغراب الذي قلّدَ الحمامة، وراقَهُ المشي على الأرض، فلا هو استطاعَ أن يخطوَ كما يبغي، ولا هو استطاعَ الطيرانَ كما خُلِقَ.
ولقد خلقَك الله البديعُ الذي يحبُّ الجمال خلَقَك جميلاً في كونٍ جميل يموج بالضياء والألوان والظِّلال في الجبال والوديان، والمحيطات والبحار، والجداول والأنهار، والسُّحب والأمطار، والنبات والطير والحيوان، وفي كلّ ما أبدعَ وخلَق؛ من أجل أنْ تتجاوبَ بموهبتك الفذّة مع روح الكون العميقة تجاوباً مباشراً، فإذا الجمالُ مُنطبعٌ في حسِّك، وإذا نفسُك تتحرّكُ لاستقباله في فرح وسرور، وكأنّ روحَك وروحَ الكون شقيقان متعارفان حيثما تلاقيا هَشَّ كلٌّ منهما لصاحبِه، والتقيا في عِناق طويل.
والإحساس بالجمال من أعجب الأعاجيب في كيانِك، وقد عجزَ العلمُ عن تفسير ماهية هذا الإحساس، فلا يَعرفُ كيف يحدث، ولكنّه يكتفي بتسجيلِه وتتبّع مظاهره المختلفة، فأنت تحسّ بالجمال الحسّي في المنظر الجميل، والوجه الحسن، واللون الصافي، والصوت الرَّخيم، وأنت تحسّ بالجمال المعنوي في الفكرة الجميلة، والسُّلوك المهذّب، والذَّوق الرَّفيع، والكلمة الموحية.
وربّك ذو الجلال والإكرام يحبّ الجمالَ في الأقوال والأفعال واللباس والهيئة، ويُبغض القبيح من الأقوال والأفعال واللباس والهيئة، يحبُّ الجمال وأهله، ويبغض القبيح وأهله، ومن الجمال الذي يحبّه أنْ يَرى أثر نعمته عليك، وهو جمال الظاهر، أمَّا جمال الباطن فهو أنْ تشكرَهُ عليها.
لقد حباك الإسلام جمالاً على جمال؛ إذ أعلى شأنَك، ورفعَ قَدْرَك، وأعلنَ في العالمين أنَّك كريمٌ على الله، وأنَّ كرامتَك ذاتيّة أصيلة مستمدة من إنسانيتِك، لا تتبعُ جِنْساً، ولا لوناً، ولا بلداً، ولا قوماً، ولا عرَضاً من الأعراض الزائلة.
وكان إعلانُ الإسلام عن كرامتِك ميلاداً جديداً لك أعظمَ من الميلاد الحِسّي، فما أنت بإنسان إذا لم تكنْ لك حقوق وكرامة، وإذا لم تكنْ تلك الحقوق متعَلّقة بوجود ذاتك، وبحقيقتك الماثلة على الأرض.
حقّاً، أنت أجمل ما في الكون، أجمل من السُّحب البيضاء السّابحة في الفضاء، وأجمل من الأمواج السَّاجية على صفحة الماء، وأجمل من الأطيار الملوّنة بتغريدها المطرب، وأجمل من الأزهار المخضلّة بألوانها الزّاهية، وأجمل من كلّ لوحة فاتنة!
وإنْ شئتَ فاقرأ هذه القصة واستمتع بها:
يروى أنَّ "عيسى الهاشميّ" كان يحبُّ زوجتَهُ حبّاً شديداً، فقال لها يوماً: أنتِ طالق ثلاثاً إنْ لم تكوني أحسنَ من القمر! فاحتجبَتْ عنه، وقالت: طلَّقني، فلا شيءَ أحسن من القمر.
أمّا هو فحزنَ حزناً شديداً، وذهبَ إلى الخليفة "المنصور"، وأخبره الخبر، فاستحضرَ الفقهاءَ واستفتاهم، فقال جميعُ مَنْ حضر: قد طَلُقَتْ، إلا رجلاً واحداً من أصحاب أبي حنيفة، فقد بقيَ ساكتاً، فقال له المنصور: ما لك لا تتكلّم؟ فقال الرَّجل: يا أميرَ المؤمنين، يقولُ الله تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ)التين:4
فليس شيء أحسن من الإنسان. فقال المنصور: صدقتَ، وردَّها إلى زوجِها!
Page 5
(4) احذر عدوّك الأخطر
في كتاب ربّك العزيز تحذيرٌ لك من عدوّ خبيث ماكر خَفيّ لا يُرى بالعين المجردة، ولا يُرى بالمِجْهر الدَّقيق، وإنّما تُرى آثارُ أفعالِه، فكأنّه الزّلزال الذي يضرب، ثمّ يتوارى، وكأنّه الثعبان الذي يلدغ، ثمّ ينسلّ انسلالاً، وكأنّه "الفيروس" الذي يفتكُ بالجسم، ويورثه الدَّاءَ العُضال.إنَّ ربّك الحقَّ يحذّرك من الشَّيْطان عدوّك الأخطر الذي فتنَ أبويك، وأخرجَهما من الجنّة، والذي أضلَّ خلائق كثيرين عن الجادّة.
إنّه عدوّك الظاهر الجليّ الذي يُوغرُ صدورَ الناس بعضهم على بعض، ويزيّن لهم الخطيئة والشّر، إنّه العدوّ الذي حذّر منه يعقوبُ ( ابنه يوسف، فنهاه أن يُعْلِمَ إخوته برؤياه، خشية أن يفتن الشيطانُ إخوته، ويملأ نفوسَهم بالحقد عليه:
(قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ) يوسف:5
ومن أجل ذلك دعاك ربّك الحكيمُ أنت وعباده إلى قول الأحسن، وفعل الأحسن، واختيار الأحسن من الكلام حتى لا يُفْسد الشَّيْطانُ ما بينكم من مودة؛ لأنّه متربّص بكم ينْزَغ بينكم، ويشعل نارَ الكراهية في قلوبكم بسبب كلمة خشنة، أو ردّ قبيح، أو جدل عقيم، والكلمةُ الطيبة تقطع على الشَّيْطان الطريق، وتسدُّ عليه الثغرات، وتأسو جِراح القلوب، وتندّي جفافَها، وتحفظ حرَمَ الأخوة آمناً من نزغاته ونفثاته:
(وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا) الإسراء:53
ومن أجل ذلك يعرضُ عليك ربُّك الخبير مشهداً من مشاهد يوم القيامة؛ لترى فعل الشَّيْطان بمَنْ أطاعه، واتّبع خطواته، وترى هذا الظالمَ الذي يعضّ على يديه من الندم الشديد؛ لأنه لم يسلكْ طريقَ الرَّسول، بل سلكَ طريق صاحبه الذي صدّه عن طريق الرَّسول، وزيّن له الضّلال، وأعانَ عليه الشَّيْطان ذلك العدوّ الذي يقودُ إلى الانهزام والخذلان:
(وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (29)) الفرقان: 27-29
وربُّك العزيز يكشفُ لك أنَّ الشَّيْطان أمكرُ الماكرين يُغْري الإنسان، ويزيّن له الفِعالَ المنكرة، فيصوّر القبيح جميلاً، والخبيث طيّباً، والباطل حقّاً، والهدى ضلالاً، حتى إذا صدّقه الإنسان واتّبعه تخلّى عنه وخذلَه، وأعلن أنّه برئ من جريمة إغوائه، وأنّه يخاف عذاب الله وانتقامه، وهو كذّاب، فلو خافَ اللهَ لامتثل أمره، وما عصاه. ثمّ ماذا؟
ثمَّ يصير الشَّيْطان والإنسان الضَّال إلى النار الحامية المؤبّدة؛ لأنّها بيت كلّ ظالم فاجر:
(كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (16)فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ (17)) الحشر: 16-17
أرأيتَ ما يفعل الشَّيْطان بِمَنْ يفتحُ له قلبه، ويثقُ بنصحه ووعده؟
إنّه يذكّر بقول العرب إذا دَعَوا على واحد منهم: باعَك الله في الإعراب؟ فقيل لأهل البادية: ما تفعلون بالعبد إذا بِيْع فيكم؟ قالوا: نُعْرِي جِلْدَهُ، ونُطيلُ كدَّهُ، ونُجيعُ كَبِدَهُ!
والواجب على العاقل أنْ يأخذ حذره من هذا العدوّ الذي يجري من ابن آدم مجرى الدَّم، والذي قد أبان عداوتَه من زمن آدم، وقد بذل عمرَهُ ونفسَه في فساد البشر، والتحريش بينهم، والسَّعي الحثيث إلى إضلالهم بالخصومات والشَّحناء والفتن، وإتيانهم من قبل الشَّهوات حتى لَبَّسَ على عدد من الفقهاء والأدباء والفلاسفة وعامة الناس، ونشر البدعَ والشبهات فيهم.
وقد بذل الشَّيْطان الرّجيم جهوداً كبيرة في إغواء الناس المعاصرين، ولا سيما المرأة قلب المجتمع النابض، فأغراها بالتبرّج والسُّفور، وعرّض كرامتها وعفّتها للخدش، فلبسَتْ ثياباً لا تسترُ شيئاً، وزاحمَت الرجال في الأسواق، وذهبَت الغَيْرة من محارمها، فصارتْ بلا سياج كأنّها ريشةٌ في مهبّ الريح.
فأين غيرة الأزواج من أعرابيّ رأى مَنْ ينظر إلى زوجته، فطلّقها غَيْرة، فلمّا عُوتب في ذلك قال أبياتاً كأنّما قُطعتْ من بُرْد الحكمة:
وأتركُ حُبَّها من غير بُغْضٍ
وذاك لكثرة الشُّركاء فيهِ
إذا وقع الذّبابُ على طعامٍ
رفعتُ يدي ونفسي تشتهيهِ
وتجتنبُ الأسودُ ورودَ ماءٍ
إذا كان الكلابُ ولَغْنَ فيه!
وأين حياءُ النساء من عربية سقطَ خِمارُها عن وجهها، فالتقطته بيدها، وغطّتْ وجهَها بيدها الأخرى حتى قيل فيها:
سقطَ النَّصيفُ ولم تُرْدْ إسقاطَهُ
فتناولتْـهُ واتّقتنـا باليـدِ!
وأعلى من ذلك وأجلّ ما ذكره الله سبحانه في قصّة ابنتي شيخ :(مَدْين:فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ۚ فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) القصص:25
وفي الآية الكريمة من الأدب والعفّة ما بلغ بابنة الشيخ مبلغاً عجيباً في التحفّظ والتحرّز.
كما تعاونَ الشَّيْطان الرّجيم مع أعداء الأمّة على الإثم والعدوان في إغواء أبناء المسلمين وبناتهم، والنيل من قيمهم وثوابتهم عبرَ آلة إعلامية ضخمة، فزيّنوا للجيل الجديد سليلِ الأسود أنْ يكونَ رقيقاً للشهوات والجنس والعيش الرَّغيد، حتى تحوّلَ الشّبل إلى ظبي وديع جَفُول، وتحوّلت الحُرّة إلى دُمية هامدة خامدة.
فلا بدَّ من البراءة من الشَّيْطان وأتباعه، والتيّقنّ أنّ العداوةَ التي وقعتْ بين آدم ( وبين إبليس هي عداوة قائمة بين إبليس وبني آدم إلى أنْ يرثَ الله الأرض ومَنْ عليها، والتاريخ البشريّ يصدّق حقيقة انقسام الناس إلى فريق هدى ورشاد، وفريق ضلال وغواية، وعلى ذلك فإنّه لا التقاء بين الفريقين في الدنيا، ولا في الآخرة.
والواجب على العاقل أنْ يوطّن نفسَهُ على الصبر على المغريات والشهوات وسائر المفاتن التي يجلس الشَّيْطان على أبوابها ونوافذها، ثمَّ يدخل من خلالها إنْ أذِنَ له صاحبُ المَنْزل بالدخول، وما أكثرَ الذين يأذنون له بالدخول في عالمنا المعاصر!
ولك أن تتصوّر ماذا يفعل الشَّيْطان إذا دخل؟ انظر إلى بيوت جيرانك كم أفسد علاقاتٍ كانت متينةً بين الأزواج، وانظرْ إلى بيوت أقاربك كم قطّع أرحاماً كانت موصولة، وانظرْ في قريتك ومدينتك كم نشرَ فيها خلاعةً وجريمة ومصيبة، كم أحدث فيها محلّاً للأفلام الخليعة، والكتب الفاسدة، والمقاهي العابثة، والسَّهر الفاجر. كم وكم؟
وانظرْ إلى بلدك كم نزغَ بين إنسان وأخيه الإنسان، وفتنَ بين صاحب وصاحبه، فقتلَ هذا أباه، وسفكَ هذا دمَ شريكِه، وذبحَ هذا أخته، وحرقَ هذا خَصْمَهُ.
وانظرْ إلى عالَمِك المعاصر هذا كم فرعون من فراعنة هذا الزَّمن أغراه بقصف المدن الآمنة المطمئنة بالقنابل النووية، والأسلحة الكيماوية، وأغراه بتقتيل الأبرياء، وتشريد ملايين الناس، وتدمير مساكنهم، وتخريب ممتلكاتهم، وإهلاك حَرْثهم ونَسْلهم؟
فما الواجب إذن؟ الحذر منه؛ لأنّه عدوّك الأخطر!