Page 1
{مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها}
كم أضعنا أنفسنا في متاهة الحياة··· ولكنّنا التقينا بها مصادفةً أو قَدَرًا ونحن ننبش ذكرياتنا··· نحن ما ننسى فنغفو في ذواتنا، أو ما نتذكّر فنصحو على فجائعنا وخيباتنا··· لم يكن الإنسان - يومًا - ما يأكل أو يشرب؛ مثل ذلك تفعله الحيوانات والدّوابّ··· إنّنا ما نحاول أن نتذكّره فنعيش من جديد؛ ولأنّ الذّكريات استعادةٌ للإنسانيّة حين تغيب في ممرّ السّنين اللّولبيّ، خرجتُ من ذاتي العميقة، لأروي لكم فصلاً من حياتي بعد غيابٍ طَوعيّ طويل···
كثيرًا ما كنتُ أتساءل عن جدوى ما أقوم به الآن··· فقد صرختُ في وجه كينونتي مؤنّبًا: مَنْ كان مستعدًّا أن يسمع صدى صوتك وأنت تصرخ في الجبّ، وحده القابع في قعر تلك البئر كان ينادي بلا مجيب، ويصرخ ويذهب صدى صُراخه هباء··· وحده كان يستمتع بجدران البئر المطليّة بغبار السّنين، وفي كلّ ذرّة من هذا الغبار المتناثر حوله وبين يديه كان يرى قصّة أو حكاية جديرة بأن تُروى··· غير أنّه يستيقظ من أحلامه ليصرخ فيها من جديد: لِمَن تُروى؟ ولماذا؟ وهل من أحدٍ حين تناديه سوف يُصيخ لك السّمع؟!
ما أصعبَ أن يجمع المرء من الغبار المتناثر في الأجواء خيوط الحكاية! لِيُعيد نسجها، وتَخرُجَ ثوبًا جديدًا قد حِيك الآن، وليس كما لو مضى عليه أكثر من أربعة عشر عامًا··· غير أنّ الألوان قد تبدو غيرها إذا لم يُحسن المرء الأناة في الاختيار، ويغوص في الماضي بتؤدةٍ من أجل أن يكون أمينًا··· أمينًا لأنّ التّاريخ شاهدٌ ولن يرحم المُزايدين، ولن يغفر للكَذَبة··· ها هو يحاول - ما استطاع - أن يكون ذلك الّذي توقّف عنده الزّمن خارج الحياة وداخل قضبان السّجن في تلك الحقبة من حياته···
في لحظات الصّمت الرّهيبة، كان يحدّق في الأفق، وأيّ أفق تحمله البئر المسكينة؟ لكنّه ببصيرة جاءت من السّماء تكشَّفَ له هذا الأفق عن مدى واسع··· اخترق المسافة الشّحيحة عند أوّل اصطدامٍ بهذا الجدار الأبله، لكي يصنع أفقه الخاصّ به، أفقه الّذي امتدّ بعيدًا بعيدًا··· وصنع فيه حكايات وحكايات···
Page 2
في البئر وجد كثيرًا من الكنوز المدفونة··· رموه هناك وقالوا: يلتقطْه بعض السّيّارة، ولم يعلموا أنّ النبوءة أوّلها إلقاءٌ في الجبّ···!! مساكين أولئك الّذين ظنّوا أنّ الموت أو الغياب السّحيق سوف يُودي بصاحب الجبّ، لم يَدُر في خَلَدهم يومًا أنّ الفضاءات المُطلقة تبدأ من الجحور الضّيٌقة··· هُناك تُصنع الحياة، ويُعاد ترتيب مكوّناتها··· هناك يتهجأ الإنسان حروف ولادته من جديد···
وبلا ادّعاء أو عجرفة··· لقد كنتُ - حقًّا - هناك···!!
إلاّ أنّ الذّكريات رصاصةٌ طائشة؛ قد تقتلك وأنت غير مستعدّ لبقعة دمٍ كبيرة تحيط بك مُلقىً على فراش الحنين··· وقد لا تُحدث إلاّ ضجيجًا يمرّ قريبًا من أذنٍ تتشهّى سماع أخبارٍ تُوهِمُ نفسها بأنّها سارّة وهي ليست كذلك أبدًا···
بين فاصلين زمنيَّين يلتقط المرء أنفاسه، ليُصغي إلى إيقاعها وهي تدور من جديد، بين رصاصَتَين يلتقط القتيل جسده ليصبح شاهدًا على زمن الظّلم، وبين كلمتَين يصنع الشّاعر مجده حين يتقن حَرْفَ الحَرْفِ، ويذهب عميقًا في التّأويل والتّأمّل···
ليس سهلاً أن أَقِفَني لأُسلّم عَليّ، بعد أنْ أَنْكَرْتُني··· لا أدري لماذا نتنكّر لأنفسنا أحيانًا، نخون ذلك الملاك الّذي يعيش فينا··· لم يكن ملاكًا، فأنا لست يونانيًّا يحاول أن يمجّد الآلهة··· أنا إنسان يطفح في الجبّ بماء الشّعور··· أنا شاعر بسيط يحاول أن يبتلع آلة الزّمن ليرجع بذاكرته إلى الوراء قليلاً فيكتب ما غيّبته سجونُ الأيّام والسّنين··· لكنّ ألف صارخة في الطّريق تُعول وتصيح، ليس لأنّها ثكلى، ولكنّها تفعل ذلك لكي لا تمنحني الطّمأنينة والسّكينة الّلتين بهما أكون قادرًا على استصفاء مجاري النّبع في مخيّلتي فأكتب بأمانة، أو قل بدقّة معقولة···
ها أنذا أصمّ أذني - وأنا أسير واثق الخطوة - عن كلّ ناعقات الطّريق، استخدمتُ قُطن الحقيقة من أجل أن أنجح في مسعاي الصّعب هذا··· تراني أنجح؟ ربّما· تُراني أُخفِق؟ ربّما···· ولكنْ يكفيني أنّني حاولت···!!!
Page 3
(يَقُصُّ الحَقَّ)
عجلون الّتي ترتفع في سماء التّاريخ شامخة، هي أمّ بارّة بأبنائها··· وأنا أحد أبنائها··· دَعَتْني ذات مساءٍ إلى قلعتها، وحين تدعوك أمّ مثلها، فلا يمكن أن تتأخّر أو تتذرّع بالأعذار الواهية··· تعرف هذه الأمّ أنّ الشّاعر السّاكن في أعماقي أبرّ بها منّي، فلا تفوّت فرصةً واحدة لمثل هذا اللّقاء دون أن تستميله بقصيدة ينثرها لئالئ أمام قدميها، طالبًا منها الدّعاء···
لبّيتُ، وشعورٌ بالحميميّة يغمر كياني، وهُرعت إلى حيثُ كَتَبَ صلاح الدّين على حجارتها تاريخ الحرّيّة والشّهادة، بدماء لم تسل هدرًا وهي تحفظ لنا عالَمنا في البقاع المباركة، الخالدة بخلود آيةٍ في كتاب الله العزيز···
لم أصبح نقابيًّا بعدُ، حين دعتني نقابة أطبّاء الأسنان إلى تلك الأمسية الشّعريّة الطّافحة· وصعودًا إلى قمّتها حيثُ القلعة، ثمّ صعودًا آخر إلى حيث قمّة القلعة، وقفتُ في مهبّ الرّيح، أتلو نشيدي، أو قل نشيجي؛ فمنذ أن احترفت الشّعر، واحترقت بلهبه المُقدّس، كان صوت بُكائي يرافقني أكثر ممّا يرافقني إيقاع غنائي، ولكَ أن تُسمّي غنائي - إن كان موجودًا يومها - بُكاءً بلون الحُرقة··· وقفتُ كأيّ مواطن أتلو يوميّاتي في القلعة، وابتدأ الإيقاع على لحن الجوع والفقر في قصيدة: (يوميّات مواطن)، ولعلّ الشّعور بالجوع يورثُ النّقمة لدى بعض المُترَفين، أو لعلّك ترتكب جريمة، حين تفتح عيون المُتخَمين على واقع الجوع والفقر والتّهميش، ولعلّ شاعرًا مثلي لم يكن يحقّ له - في عرف الدّولة بالطّبع - أن ينحاز إلى جانب الفقراء··· بل تعوّدتِ الدّولة على شعراء من نوعٍ خاصّ؛ شعراء يلهثون وراء بريق المنصب والشّهرة والمال، فيبيعون كلّ شيء من أجل الحصول على شيء من ذلك البريق··· وأنا أعترف اليوم أنّه بريقٌ خُلّب، يخدع المضبوعين، وأولي النّظر القصير··· تعوّدتِ الدّولةُ على شعراء السّلاطين، وقلّما ينهض في الأردنّ شاعر يخرج عن هذه الدّائرة، ولأنّني رسمتُ لنفسي دائرتي الخاصّة البعيدة عن الزّعيق والتّطبيل والتّزمير، كنتُ عرضةً لسهامهم، وكنتُ هدفًا سهلاً لبنادق صيدهم - ربّما - وأنا أغرّد خارج السّرب··· غير أنّ الطّيور تحمل غريزة الحريّة قبل كلّ شيء، وهي الّتي تدفعها للغناء، بل هي الّتي تُحافِظُ على صوتها··· آه لولا توقنا إلى الحرّيّة لفقدنا أصواتنا منذ زمنٍ بعيد···
Page 4
\
بعد إلقائي القصيدة، شعرت بقلعة عجلون تشدّني من يدي إلى زاوية من زواياها القصيّة، حينها تشكّلت القلعة أنثى في ذلك المساء، وراحت تسألني بعض الوقت معها، كنتُ - من أجل عينيها - مستعدًّا أن أبقى مُسامرًا لها حتّى ظهور صلاح الدّين مرّة ثانية، أو حتّى يطلع علينا أسامة بن منقذ ممتطيًا صهوة جواده عابرًا الممرّات المتشابكة، وصولاً إلينا هناك، حيث التّاريخ يُسجّل لقاء استثنائيًّا بين عاشِقَين··!!
تنهّدت القلعة طويلاً، أشفقتُ عليها يومها، وراحت تتمتم بعبارات غامضة، لم أتبيّن ما تقوله؛ خلتُ أنّني أسمع نشيجًا، لم يكن كذلك، أقصد أنّني سمعتُ سيمفونيّة حزينة، غنّتها بصوتٍ هادئ ساحر، وشعرتُ - كما لم أشعر من قبل - بحبّ عتيق يجتاح جوارحي جمعاء؛ كان صوتها يشدّني إليها أكثر، ويجعلني أنحني لأطبع قبلةً على ترابها المضمّخ بالمسك··· لم أقل كلمة واحدة، ظللتُ حتّى هبوط اللّيل أستمع إلى موسيقاها الشّجيّة، وحين لاح القمر في الأفق، كان نصفُه مضيئًا، بدأ يقترب منّا وهو يصعد ليصبح مشرِفًا علينا من علٍ··· كان ظلّي يرتمي بين يدي القلعة، وحينَ غادرتها تركتُ ظلّي هناك، وجعلتُ القمر عليه دليلاً···
مرّ أسبوع على الأقلّ منذ منتصف شهر آب في العام 1996م، التّاريخ الّذي ألقيتُ فيه فاجعتي والتقيتُ فيه رائعتي، ولا زالت جوارحي معطّرة بلقاء القلعة، يرافقني اللّقاء حيثُ أذهب، أخرج من البيت فيخرج معي، أصعد الباص فيفعل مثلي، أدخل الجامعة فلا يتركني، وحين أهمّ بقراءة كتاب، تخرج ظِلاله من بين السّطور··· ولا يختفي، بل قل لا ينزوي جانبًا إلاّ حين ألتقي بعض الأصدقاء القُدامى أو الزّملاء··· ثمّ يُعاود الظّهور مرّة أخرى حالما أفارقهم· أحد الزّملاء نظر إليّ مستغربًا، قال لي:
- لم أتوقّع أن أراك هنا !!
- ماذا تعني (أخاطبه وأنا أمسك بعِيْنة من التّربة بين يديّ في المختبر لأفحصها···) ؟!
- ألم يأتك زوّار اللّيل···؟!
- زوّار اللّيل··· لا تزورني في اللّيل إلاّ قصائدي !!
- لا تتحذلق··!!
- يا رجل··· ماذا تقصد بزوّار اللّيل··؟!
- لقد علمتُ من قريبٍ لي في المُخابرات أنّهم يتحيّنون الفرصة لإلقاء القبض عليك··؟!
- ولماذا (بلامبالاة) ؟! وبتهمة ماذا؟
- يريدون القبض عليك، هذا كلّ ما علمته··· ولا تُخبر أحدًا أنّني أخبرتك···
- ليفعلوا ما بدا لهم···!!
- لستَ خائفًا !!
- ولماذا أخاف··· لم أرتكب ذنبًا غير الشّعر··· هل هو خطيئة···؟!
-····· !!!!!
Page 5
مرّ أسبوع آخر أو يزيد قليلاً على هذا الحوار العابر، نسيت ما دار بيننا أو تناسيته، لم أعد أدري· ولكنّي استسلمت من جديد لروتين الحياة·
صيفٌ قائظ، لم يكن آب قد ودّعَنا تمامًا، رحل تاركًا شيئًا منه مع أوّل أيلول، وأيلول أسود دائمًا، حتّى في تركيّا والمغرب يسمّونه كذلك··· ورجلٌ متكرّشٌ يلهث وهو يصعد المرتفع الّذي يسبق الانعطاف إلى البيت، جوعٌ دائمٌ، وعطشٌ قديم، لا بدّ من إفراغ دلوٍ كاملٍ من الماء في الجوف (هكذا حدّثتُ نفسي)·
لحظات للمرور إلى المخبز، هناك حلويّات من النوع المحبوب، وقليلٌ من الكعك الشّهيّ، جزءٌ من مسار التّسمين قبل تناول العشاء الدّسم كالعادة· كيس الخبز في يدي، وشعورٌ يزداد بشدّة العطش، والأمتار القليلة الّتي تفصلني عن البيت تُخفّف من غُلواء العرق الّذي لا يُفارقني مع كلّ مشوار· آه يا أبي··· فصلٌ واحدٌ يقف بيني وبين باب اليقين، فصلٌ واحدٌ هو كلّ ما تبقّى لي كي أصبح (باش مُهندس)· تُرى هل أحمل إليه هذا القلب بلا أسئلة؟ أيّ أحمق مثلي لا يستفزّه قلق السّؤال؟!! لماذا أنا هنا بحقّ السّماء؟ سوف أكره أستاذ الكيمياء؛ لأنّه علّمني أنّه لا بدّ لكلّ تفاعل من مُحدِّدٍ له، أين يمكن أن أسيطر على مُحدِّد تفاعل كلّ هذه الهواجس الّتي تثقب ذاكرتي، لأواجهها فأخرج بنتيجة بدل كلّ هذا الهذيان؟! يا لها من ذاكرةٍ تلك الّتي تتحمّل كلّ الطّعنات القديمة، وتستوعب كلّ هذا النّزيف، وتحتفظ بالتّفاصيل، ولم يرشح منها شيء!!!
آه لو يعرف الإنسان ما تُخبِّئ له الأيّام، لاستطاع أن يتحكّم بذهوله على الأقلّ، ولا يتفاجأ إلاّ في الزّوايا الميّتة الّتي لا تُخفي شيئًا!! لم أكن أدري حتّى تلك اللّحظة كم هي الأيّام جميلة، وكم هي مُباغِتة، وإلى أيّ حدّ نحن نجهلها !!
خطوات أخرى وستكون أمّي على الشّرفة تنتظرني، وتعرف مسبقًا كم أنا عَطِش وجائع وحزين!!
مساء الخير··· رأيتك في القلب هذا المساء، كان وجهك شاحِبًا، لم أعرف السّبب· حاولتُ أن أمسح عن عينيك دمعةً باردة استقرّت منذ زمنٍ بعيد على جفنيك المُقرَّحَين· لا أدري لماذا شعرتُ وقتها بالحنين القاتل! أيهاجمني هذا الشّعور وأنتِ تستقرّين في ذلك المهوى العميق من قلبي؟! أشحْتِ بوجهك عنّي فجأةً، كان الموقف مؤثِّرًا جدًّا، لأوّل مرّةٍ أشاهدُ هذا الأسى في حياتي، كانت دموعكِ تزيدني لوعةً! أهي دموعي أم دموعكِ تلك الّتي تتساقط كينابيع الوجع ؟!! كنتِ تبدين هزيلةً، لم أعرف ماذا أفعل أو أقول؛ أأسألكِ عن ماضٍ أليمٍ ما زال ينخر في الأحشاء··· أم أسألكِ عنّي، أم عنكِ، عمّا فعلتْ بكِ الأيّام··· عن الزّمن السّارق··· أم عن الحياة الحُلم··· أم عن القلب الذّبيح؟!! لم أستطع أن أحدّد هل أنا أسالكِ أم أسأل نفسي!! أيُّ جزءٍ من الماضي شكّلكِ أمامي؟!! أينَ يُمكن أن أثقَ بقدرتي على التّمييز بين ما كان بالأمس، وما هو كائنٌ الآن، وما سيكون غدًا؟! هل أستطيع أن أدركَ جدوى الأسئلة في الزّمن الخاطئ؟!
Page 6
على أيّ جنبٍ يا أُميمَ يروحُ
مُحِبٌّ له بين الجنائبِ روحُ
يرى الرّكبَ يطوي البِيدَ للحبّ طائعًا
فيقعد يبكي مُثقَلاً وينوحُ
لم تكوني طيفًا··· لم أغرق بعد في لجّ الهذيان· كنتِ أنتِ، ولكنّك مختلفةٌ تمامًا؛ الشّحوب الّذي أرعبني··· العيون الّتي غارتْ في المَحجَرين··· الهُزال الّذي كاد يقضي عليك··· الجسد الّذي يتماثل للانهيار··· والجفنان اللّذان يرجفان كعصفورٍ خائف··· والخدّان اللّذان يبدُوَان كأوراقٍ يابسة··· والبسمة الّتي ضاعت، واللّفتة الّتي خُنِقت، والصّوت الّذي اختفى··· اقتربْتُ منكِ لأعرفَ أنّني ما أزال أراكِ، وهمستُ في أذنيكِ وأنا أرتجف:
- لا يمكن أن يستمرّ الحال هكذا!! نحن نسير إلى الحتف باختيارِنا·· إنـّ···
(قاطعْتِني بابتعادٍ آخر لخطوتين من مركز القلب):
- ليس بعدُ· أنا أقف مكاني··· أنتَ الّذي تسير، ليس من شأن الغيوم أن تستقرّ فوق أرضٍ ثابتة· أنا أختار الحتف واقفةً، أمّا أنتَ فتبحث عنه· ليسَ لك من أسبابٍ، أمّا أنا فلي· ليس لك من عُذرٍ، أمّا أنا فقد صُنِعت الأعذار من أجلي··· لا تستطيع الورود أن تبرح مكانها، وهناك مَنْ يتسلّط على ضعفها بحركةٍ فاضحة· أنتَ لم تُحسِن الحركة المُناسِبة· وللورود عاداتُها في التّعامل مع القادمين إليها··· ألم تتعلَّمْ بعدُ ؟!!
- ولكنّني لستُ تلك الغيوم الّتي تتحدّثين عنها؛ أنا سماؤك الّتي تُظِلّ هذه الصّحراء العقيمة· أما تشتاق هذه الصّحارى القاحلة إلى وابلٍ، فإن لم يُصِبْها وابلٌ فَطلّ؟!! وأنا أرضك الّتي سوف تُنبِتُ لك أجمل أزهارها···
- ليس هذا وقت التّباكي !!
- ما هذه القسوة الّتي تُفاجئينَ بها ذاكرتي· أنا أكثر ثباتًا من الصّخور في أعماق الوِديان··· أليسـ···
قاطَعَتْني مرّة أخرى:
- كان في اللّيل قافلةٌ تنتظر حاديها، لم يأتِ· مع الصّباح ارتحلتْ بدون حادٍ، ليس شرطًا أن يكون في القافلة مَنْ يُشعِلُ جذوة الشّوق العارمة في صدور هذه الإبل المسكينة· يكفيها تعب الرّحلة الطّويلة، وعطش اللّيالي المُضنِية، وذلك الّذي لا بُدّ له من أن يكون قائدَها !!
- ولكنّني دخلتُ وطنَ الحبّ لأحفظ النّشيد الّذي سأرتّله على مسامعها· ليسَ عدلاً أن ترحل دوني!! أما من أحدٍ ينتظر دقائق أخرى!!
Page 7
- شروق الشّمس لا ينتظر النّائمين·
- لم يكن الأمر بيدي· قالوا لي: إنّ القافلة لا يمكن أن يستخفّها الطّرب بدون حادٍ يحفظ أغنياته···
- أنتَ واهم !!
- صدّقيني· دخلتُ لأحفظ تضاريس وطني، دخلتُ لكي أستطيع رسم خارطة بلادي على جدار القلوب الميّتة· لم يكن معي غير الحرف، كان أحمر وكانت القلوب حمراء، إنّها تجربتي الأولى، وإلاّ فما حاجة القلوب الحمراء إلى حروفٍ حمراء مثلها··· يا لأسايَ؛ لم تحفظ تلك القلوب شيئًا !!
- ألم أقل إنّك واهم· هذه ليست تضاريس لوطن؛ لكنّها وطنٌ يُصنع لتضاريس· إنّهم يرسمون لك حدود بيتك، ويقيسون بطباشيرهم دائرة حياتك· هل تستطيع أن ترسم بغير طباشيرهم ؟!! حبُّكَ لي لم يزدْكَ إلاّ ضلالاً !!
- ولكنْ أعرفُ النّاس بالحبّ أجهلُهم· اعتمدتُ على بوصلة الحبّ العفويّ· هل يُمكن للنّجوم أن تغيّر مسارها وهي تدور دورتها الأزليّة حول مركزها؟! أنا لم أكن إلاّ نجمةً في سمائك، لا يُمكن أن أتصوّر أنّني أُخطئ دورتي حول مركزك أبدًا !!
كانت العاشرة مساء، لستّة أيّام خلتْ من أيلول، لأربعة أعوامٍ بقيتْ من عمر القرن العشرين··· العاشرة مساءً من زمن الأحلام المسفوحة، وأنا أجلس فوق حصير الألم، وأنتظر ساعات الفجر لكي أمارس طقوسي في تعتيق الحبّ المُركَّز··· تمرّ - أحيانًا - الدّقائق أثقل من جبال الأوهام، وهي تُصارع مدّ البحر القادم من زمن الله· كم تحتاج عقارب السّاعة من القوّة لتتغلّب على جاذبيّة الوقت الثّقيل !!!
أنظر إلى قلب أمّي قبل دخول غرفتي··· أتذكّر (مكسيم غوركي): قلب الأمّ زهرة لا تذبل إنّها الآن معي لكي تشهد مع أبي كم نحن نحبّ، وكم نحن نعشق!!
لا تُهاجِمُك الذّئاب إلاّ إذا كنتَ مُعطَّرًا بدماء الحبّ؛ الذّئاب تتبع رائحة الدّماء، والنّساء تتبع دمَ الرّائحة، وفي تلك اللّيلة بالذّات، كنتُ مُثخَنًا بدماء الحبّ، وعلى موعدٍ رائعٍ مع الذّئاب··· وكأنّ الله هيّأ أمّي - ذات القلب الفائق الأحاسيس - لأوّل مشهدٍ حقيقيّ·
طَرَقاتٌ مُتقطّعة على الباب· أعرفُ مِنْ إيقاعها أنّها غريبة، وأنّها جافّة· دلفتُ في الممرّ الطّويل خارجًا من البيت باتّجاه الباب الرّئيسيّ، لألتقي وأبي الخارج من غرفته القريبة من الباب هناك··· ومعًا فتحناه وتواجهنا مع صورةٍ جديدةٍ للوحةٍ لم تقف بكامل ألوانها أمامنا فيما مضى··· ثلاثةٌ بلباسٍ مدنيّ، ورابعٌ بلباس عسكريّ، يزدهون بأجهزة اللاسلكيّ الجوفاء في أيديهم، وهي تُصدر زعيقًا متواصلاً، أشبه ما يكون في بعض الأحيان بهرير نَمِرةٍ جريحة·
Page 8
دفع العسكريّ - وهو ضابط برتبة ملازم - يده بالورقة الّتي بين يديه إلى أبي، قرأها أبي··· وحتّى هذه اللّحظة أعرف أنّني أنا المقصود، غير أنّ أبي الّذي لم تتغيّر ملامح وجهه قال بنبرةٍ واثقة، ولكنّها خفيضةٌ بعضَ الشّيء: انتظروا قليلاً· وهَمّ بأن يُغلق الباب في وجوههم· أعرف أنّه كان يريد أن يفعل ذلك ليعطيني فرصةً للاطّلاع على محتوى الورقة، ولكي يناقشني في كيفيّة التّصرّف حيالها··· غير أنّ الضّابط والآخرين ساوَرَتْهم الشّكوكُ فجأة، وعدُّوا ذلك من قبيل الرّفض أو التّهرّب، لم يُكمل أبي إغلاق الباب حين وضع الضّابط يده في الفراغ المتبقّي قبيل أن ينغلق الباب تمامًا، وحينَ انفتح الباب ثانية، رأيتُ على وجه الضّابط المسكين علامات الرّجاء اليائس، بأن يُنفَّذ الأمر حالاً· خِلتُ وجهه اسودّ في تلك اللحظة ربّما خوفًا على نفسه من أن يفشل في مهمّة بسيطةٍ كهذه، ويشهد على ذلك ثلاثة من ضُبّاط المخابرات يقفون خلفه مُتحفّزين··· لم نقاوم انفتاح الباب أنا وأبي أمامهم··· أفسح أبي الطّريق، وأشار دون أن يتكلّم إلى غرفتي···
كانت الورقة، من مدّعي عام محكمة أمن الدّولة، تُعطي الجوقة الّتي حلّت علينا ضيفًا غير مُتوقَّعٍ في ذلك المساء الحقَّ بتفتيش الغرفة، ومصادرة كلّ ما يُمكن أن يهدّد أمن الدّولة واستقرارَها···!! الضّابط ذو اللّباس العسكريّ احتلّ زاويةً في الغرفة، وأقعى فيها دون أن يتحرّك شبرًا واحدًا··· الثّلاثة الآخرون هم الّذين بدؤوا يمارسون هوايتهم المُفضّلة في نبش كلّ ما يقع تحت أيديهم··· بدا الأوّل طويلاً جهمًا ممتلئ الجسم، يتهدّل ما فاض من كرشه عن حِزام البطن، وعيناه ملوّنتان، غاض فيهما البِشْر، وتملكتْهُما الغِلظة··· الآخران مربوعان، أحدهما نحيلٌ مفرطٌ في النّحول لم أره من قبل، والثّاني لم يكن شكله غريبًا عليّ لكثرة ما رأيته في المظاهرات والمسيرات والنّدوات الّتي يُقيمها اتّحاد الطّلبة في جامعة العلوم والتّكنولوجيا··· لطالما استمع إليّ وأنا ألقي قصائدي وبدا من أكثر المتحمّسين لشعري!!
كانت غرفتي متواضعة الأثاث، تخلو من كلّ شيءٍ عدا مكتبي الّذي تناثرت فوقه بعض الكتب والأوراق، ومكتبتي الّتي تحوي من نُثارات قصائدي أكثر مِما تحتويه من الكتب··· وخزانة فيها بعض الأشرطة والدّروع··· بهذه المواصفات البسيطة بدت غرفتي كنزًا ثمينًا لزوّار اللّيل (تذكّرت كلمة زوّار اللّيل الّتي قالها زميلي ونحن في مختبر التّربة في الجامعة)· هجموا على كلّ ورقة مكتوبة، وأخذوها، شريط الفيديو كان مادّة إثبات التّهمة عليّ؛ إذ إنّه كان شريط الأمسية الشّعريّة في قلعة عجلون، والّذي بسببها تُقام الحفلة الآن· جواز السّفر الّذي وقع بين يدي أحدهم، تصفّحه، ثمّ مدّ به إلى أبي، كأنّما يُشعره بمنّة عظيمة أنّه لم يأخذه· قال له أبي: بالطّبع لن تأخذه· فردّ عليه باستعلاء وعجرفة: أتريدني أن أصادره؟! فبادره أبي قائلاً: ليس لك الحقّ في ذلك! ليس من قانون يتيح لك هذا الأمر· ولأنّ ضابط المخابرات تذكّر أنّ مهمّته مصادرة كلّ ما يعرّض أمن الدّولة للخطر فقد كفّ عن الاستمرار في مناكفة أبي، ولعلّه رجع إلى نفسه فقال: يا لَغبائي، هذا جوازٌ تُصدره الدّولة؟ فكيف يُمكن أن تُصدر الدّولة ما يُهدّد أمنَها؟!
Page 9
كان اثنان آخران في الخارج قد تمركزوا بجانب البيت تحسُّبًا لأيّ تفكيرٍ من جهتي بالهرب، ولأنّ البيت ذو طابق واحدٍ، فقد كانوا قريبين بحركتهم هذه من النّوافذ، مِمّا أغضب أبي، فصرخ فيهم، ونَهَرهم، وعاب على الضّابط فِعلتهم، فاضطرّ هذا الأخير إلى أن يصرفهم ليعاودوا الاختباء في سيّارتهم المنزوية· الهَرب، قلتُ في نفسي!! ما أبعده عنّي وما أبعدني عنه، وأنا في هذه الهيئة من وزني الثّقيل· غير أنّهم لم يدروا أنّهم كانوا بذلك ينقشون هذا المُصطَلحَ في ذهني، ليقفز ذات مرّة إلى السّطح في إحدى ليالي السّجن الباردة·
تابَعَتِ الجوقةُ تفتيشَها الدّقيق، لم تترك ورقةً واحدة مطبوعةً عليها قصيدة، أو بضعة أبيات، أو ما هو مخطوط بخطّ يدي إلاّ جمّعَتْه، وألقت به في (كرتونةٍ) كبيرة، وكأنّها تجمع دُررًا ولئالي··· وقد كانت في نَظَرَينا كذلك !!
في غمرة هذه التّفتيشات الدّقيقة، أخذني الضّابط الّذي كان شكله مألوفًا لديّ، وانتحى بي في إحدى نواحي الغرفة، وخاطبني بصوت خفيض: لقد قرأت لك قبل أيّام قصيدة: (قالوا حجابك)، وإنّها من أروع ما قرأتُ لك··· كم أنت جميلٌ أيّها الشّاعر··· لم أكن أدري لماذا فعل معي ذلك؟ هل كان بهذا التّصريح بعيدًا عن الأعين والأسماع ينطق بحقيقة ما يُكنّه لشعري؟! أم أنّه قال ذلك من باب تلطيف الأجواء بعد أن رأى أنّ غيومًا من التّوتّر تسود الغرفة آنذاك، فأراد أن يبدّدها بمعسولٍ من الكلام؟! لا أدري··· ولكنّه - بالفعل - نجح في أن ينقلني أنا - بالذّات - إلى مراتب أخرى امّحت فيها بعض التوجّسات من ذهني· هتفتُ به: حقًّا؟! فأجاب: أنتَ لا تحتاج منّي إلى مدح، فشعرك معروف· اكتفى بذلك، وانضمّ إلى زميليه الأخرَين ينهشان في جسد غرفتي الّتي أصبحت الكرتونة في منتصفها تُشبه مركزًا يجذب إليه الأوراق من كلّ صوبٍ وناحية··· استغرق تفتيش الغرفة ما يزيد عن ساعةٍ، وبعد أن شعرت الجوقة بالامتلاء، قال لي أحدهم: كلّ هذه الأوراق تستطيع استعادتها، بعد أيّام قليلة، هي لك ومن حقّك المراجعة بشأنها، ساعة تشاء··· والآن عليكَ أن تتفضّل معنا، لبعض الإجراءات الرّوتينيّة، لن يستغرق ذلك أكثر من ساعتين، بعض التّحقيق في أمورٍ بسيطة وتعود إلى أهلك···
كنتُ حينها قد وصلتُ إلى درجةٍ كبيرةٍ من اللامُبالاة، أو قل من التّحدّي، الورقة الّتي مَهَرها مدّعي عام محكمة أمن الدّولة بتوقيعه كانت تقضي بالإضافة إلى تفتيش غرفتي، أن تعتقلني، وتخوّل الضّابط ذا اللّباس العسكريّ بذلك· قلتُ لهم: إنّني أريد أن ألبس ثيابي لأذهب معكم، قبلوا الأمر بعد تردّد، وظنّوا أنّني سأهرب في هذه الأثناء، ولكنّي طلبتُ هذا الأمر من أجل أن أذهب في الدّاخل إلى أمّي· ودّعتُها - ومع أنّني كنتُ أشعر بأنّ الغياب سيطول - إلاّ أنّني خاطبْتُها لأطمئنَها: سأعود بعد ساعتين يا حَجّة··· لا داعي للقلق··· نظرتْ إليّ بعينين تفيضان حنوًّا وشَكًّا··· كدتُ أضعف أمامهما: ولكنّي أعدتُ على مسامعها: لا تخافي، سأعود قريبًا·· ليس أكثر من ساعتين إن شاء الله··· خرجتُ وكأنّ سِكّينا من الإشفاق على أمّي انغرز في ظهري، لم أكن أريد أن أسبّب لها الأسى··· غير أنّ الأقدار تمضي على غير اختيار···
أحاط بي اثنان منهم، وتوجّهوا بي إلى سيّارة المخابرات الّتي اختارت النّاحية المُعتمة من قطعة الأرض الّتي تربض في الجهة الغربيّة من البيت، ومعها سيّارة الشّرطة· أجلسوني بين فردين من أفراد الأمن في المقعد الخلفيّ، كانت المسدّسات تستقرّ على جانب كلّ شرطيّ، وأنا قابع بين مُسدَّسين·
كانت السّيّارة المُسلّحة تقطع بي الطّريق اللّيليّ إلى الدّائرة· لأوّل مرّة أشعر بي؛ نِعمةٌ كبيرةٌ يُسديها إليكَ الآخرون، حين يُشعرونك كم أنتَ أنتَ· وَشْوشات الجِهاز كانت تقطع عليّ أحلامًا تمتدّ لسنوات أصنعها في لحظة· تبدأ الآن فرص الحياة بالتّقافز، لأوّل مرّة يتغيّر روتين حياتي؛ أشعر بالجديد في رتابة أجوائي، لا بدّ أنّني مُقدِمٌ على مرحلة عشق جديدة، كسر مرحلة الجمود والرّتابة لا يحدث معي إلاّ في حالات العشق!! أيُعقَل أَنّني أمارس الآن واحدًا من طقوسه ؟!
كانت عيوني تُقبّل الأرض، وأعمدة الرّوح تنير الطّريق، والسّماء تبتسم للتّراب، والأرض والطّريق والتّراب كلّها مجتمعةً تُشكّل الجسد الجديد لمحبوبتي القديمة··· أنظر إلى الأرصفة والطّرق، كنتُ قبل هذا اليوم أحفظها غيبًا، أمّا اليوم فأنا أرسمها، أكاد أجزم بأنّ سيّارة الأمن سارت في الطّريق الّذي رسمْتُهُ في مخيّلتي، رغم أنّه لم يكن غريبًا على أحدٍ فينا، ولكنّه كان من صُنعي أنا!
أيّها الوطن؛ فاتحة البدء: مساء الخير! أوّل مرّة أعرفك على هذا النّحو، أتُصدِّق؟!! إنّها المرّة الأولى الّتي أشعر فيها كم أنا أحبّك، وكم أنتَ مخبوءٌ فِيّ· أيّها الطّائر الّذي يستيقظ من جديد: ها أنذا أهيئ لك أعماقي لتتغلغل فيها··· لقد جئت على قَدَرٍ··· يا··· وطني!!