eKtab
EN ع
يوم ماطر في مينابوليس
Read free sample

يوم ماطر في مينابوليس

by عادل سالم

Page 1
(1)
 
لبنان
 
تموز، يوليو 2011
 
عندما وصلت إلى مطار بيروت، كان فادي بانتظاري· وجه حزين لم أعهده من قبل· غابت البسمة عن وجهه· عانقني بحرارة والدموع تسيل من عينيه مع أنني لم أغب عنه سوى ثلاثة أيام· لم أستطع مقاومة دموعه، فسكبت عليها بعضًا من دموعي·
 
لم ينبس بكلمة واحدة· كان الموقف مشحونًا بالعواطف والأحاسيس· سار أمامي إلى السيارة· لم أسأله عن أي شيء، فعَن ماذا أسأله في مثل هذا الموقف؟ قدرت الوضع الصعب، وكنت على يقين أنه سيُخرج ما في جعبته عندما تتحرك السيارة متجهة بنا إلى البيت في صيدا·
 
في الطريق من بيروت إلى صيدا ظل صامتًا· سألته عن تفاصيل أكثر، فرد علي قائلاً 
 
- ستعرف كل شيء عندما نصل البيت·
 
تركته ولم أثقل عليه، واستسلمت مثله للأحزان· كنت أبكي بصمت وأنا أتذكر رحلة عمري الماضية في لبنان·
 
أوقف سيارته أمام العمارة التي كانت تعيش فيها· صعدنا إلى الشقة في الطابق الثالث· فتح الباب بمفتاحه، وأشار إليّ بيده أن أتقدم، كأنه يريدني أن أسبقه إليها·
 
دخلت البيت، ثم توجهنا فورًا إلى غرفة نومها· اقتحمنا عليها خلوتها· لم يكن هناك أحد· الغرفة ساكنة لا حراك فيها· غابت عنها صاحبتها· نظرت إلى السرير فرأيت ورقة وصورة· رفعت الورقة لأقرأ ما بها، فإذا هي رسالتي الأخيرة إليها؛ تلك التي قدّمتها إليها بنفسي قبل أيام فقط عندما ودعتها في صيدا·
 
رفعت الصورة الصغيرة لأرى صورتي على السرير؛ لأول مرة أدقق مليًّا في صورتي كأنني لم أرها من قبل· تساءلت: لماذا كانت تحملها قبل وفاتها؟
 
هل أرادت أن تستعيد بها ذكريات حب قديم قتلته بيديها، أم لتندب حظها الذي ساقه إليها قدرها؟
 
نظر إلي فادي، وبدأ يشرح لي كيف وجدها· قال لي:
 
- بعد أن ودّعناك قبل ثلاثة أيام، أوصلتها شقتها، وعدت إلى بيت أهلي· اتصلت بي بعد ساعة باكية، وطلبت مني أن أحضر حالاً، ففعلت، فقدّمت لي رسالتك التي قدّمتها إليها أنت قبل سفرك في مغلف مغلق، وطلبت منها ألا تقرأه إلا بعد سفرك، وعندما فتحته، ووجدت فيه مبلغ خمسمائة دولار، لم تصدق أنك تقدم لها تلك الهدية بعد كل ما فعلته بك، وعندما قرأت رسالتك أصيبت بصدمة·
Page 2
 كانت تتوقع أن تكون رسالتك رسالة عتاب· رسالة توبيخ· رسالة انتقام· كانت تعتقد أنك ستلسعها بسياطك ولسانك بعد أن عجزت بيدك· كانت تتمنى لو قتلتها، أو ضربتها، لا أن تسامحها بعد كل المشاكل التي وضعتك بها·
 
رسالتك إليها كانت تقول لها: سامحتك·· سامحتك· كأنك تردد على مسامعها أغنية أصالة نصري (سامحتك)· كنت فعلاً تحمل قلبًا كبيرًا لا تقاومه كل المخارز·
 
قالت لي: اقرأ ما كتبه لي؟
 
لم أصدق أنك سامحتها على كل ما فعلته، وأنك تقدم لها هدية مهما كانت متواضعة·
 
هدأتَ من روعها، وأعدت البسمة لوجهها الشاحب بعد أن استعدت معها رحلتنا معك، وثرثرنا عن طيبتك وأصالتك، وضحكنا كثيرًا، وبكينا· لم نكن نعلم كيف كنا ننتقل من البكاء إلى الضحك، فالحديث عنك نصفه نار، ونصفه جنة، أو لعل نصفه مفرح، ونصفه الآخر مبك·
 
وبعد حوالي ساعتين عدت إلى بيت أهلي· كنت على اتصال مستمر معها حتى نمت، وفي الصباح كان أول شيء عملته هو أنني اتصلت بها لأطمئن عليها، لكنها لم ترد، فاتصلت مرة، ومرّات، وعندما لم ترد جئت إلى بيتها بسرعة· قرعت الجرس فلم تفتح الباب، فاضطررت إلى أن أكسر الباب، ودخلت الشقة بسرعة لأجدها في السرير نائمة· حاولت إيقاظها فلم تستيقظ· حركتها فلم تتحرك· صمت برهبة وتساءلت: هل ماتت؟ لفت انتباهي شيء في يديها؛ فتحت اليد الأولى فرأيت ورقة مطوية عندما فتحتها رأيت رسالتك إليها، وعندما فتحت اليد الثانية كانت بها صورتك؛ تلك الصورة الصغيرة التي رأيتها على السرير·
 
كانت قد أحكمت إغلاق يدها عليها، كأنها لا تريد أن يراها أحد سواها·
 
تنهد فادي بعد أن توقف لثوانٍ ثم قال:
 
- لا أدري هل ماتت حزنًا على حبيب لن يعوض، أم لأن رسالتك إليها وصفحك عنها قد أشعرها بوخزات الضمير التي لم تعد تتحملها؟
 
نظرت إلى عينيه، ورحت أجول بالنظر في الغرفة· كنت مندهشًا لمَا آلت إليه الأمور· بحثت في جدران كل غرفها فلم أر سوى صوري معها التي كنا نلتقطها قبل هجرتي من لبنان· تساءلت وأنا أعيد ذكريات تلك الصور: لماذا تحتفظ بكل هذه الصور، وتحرص على تلك الذكريات، وهي التي اختارت أن نفترق؟ ما الذي أدخلني إلى عالمها الغامض؟ أكنت العاشق الولهان، أم كنت الباحث عن مصائب لنفسه بنفسه؟
Page 3
لعن الله المسبب· لو كنت أعرفه لقتلته·
 
فجأة، تمسمرت أمام المرآة التي كانت تقف أمامها كل صباح لتصفف شعرها· نظرت فيها فلم أر سوى صورتي وخلفي يقف فادي حزينًا ينتظر ردة فعلي، هذه المرآة ستكون حزينة بعد اليوم؛ لقد غابت عنها صاحبتها· ظالمة هذه الحياة· أناس يزرعون الحياة، وآخرون يزرعون الرعب والدمار! 
 
أليس غريبًا أن يحصد الشر من لم يزرعه؟ لماذا يا رب تركتها تموت وهي في ريعان شبابها، بينما المجرم حر طليق؟
 
وضعت الصورة والرسالة في جيبي، وخرجت من غرفة النوم لأرى صورة فوق التلفاز تجمعنا نحن الثلاثة· ربما الصورة الوحيدة التي جمعتنا·
 
سألت فادي:
 
- ماذا ستفعل بالشقة والأثاث؟ هل ستعيش بها؟
 
- أعوذ بالله· هل تريدني أن أعيش مع الصور والأشباح؟ أنسيت أنني أسكن عند أهلي؟ أما الأثاث فهو لك، فأنت صاحبه·
 
- أنا؟ أبعد طلاقنا بقي لي شيء؟
 
- أنت من اشتريته، أم تريدني أن أعطي الأثاث لأهلها؟
 
- أهلها؟ لا تعطهم شيئًا، فهم سبب كل بلائها·
 
- حسنًا·· ماذا تقترح؟
 
- سأترك لك المهمة، فأنا لن أظل في لبنان أكثر من عدة أيام·
 
صمت، ثم قلت له:
 
- فادي أنت زوجها·· أنسيت؟
 
- هل تريد أن تذكرني بأنني زوج على ورق؟ أنت تعرف أنني تزوجتها بعد سفرك لأضع حدًّا للشائعات التي لاحقتها· ما هذا الزوج الذي ينام في بيت أهله؟!
 
حاولت أن أضحك فلم أفلح· كنت أشعر بإرهاق شديد، كيف لا وأنا القادم من أمريكا قبل وقت قصير بعد وصولي هناك بساعة فقط!
Page 4
(2)
 
الولايات المتحدة
 
مطلع حزيران 2011
 
  
 
أصر أولادي هذا العام على أن أصحبهم في عطلة الصيف في رحلة بعيدة، خارج الولايات المتحدة، لأنني وعدتهم أكثر من مرة ولم أف بوعدي· كنت كل صيف أؤجل السفر بسبب الضائقة المادية، أو بسبب الانشغال، وأكتفي معهم برحلة قصيرة في إحدى الولايات الأمريكية القريبة· 
 
هذه المرة لم يعد بإمكاني أن أختلق أعذارًا لهم· سأفي بوعدي حتى لا تهتز صورتي أمامهم، فالوفاء ليس مجرد مشاعر، أو أحاسيس، بل هو كذلك ممارسة على أرض الواقع، يتعلمها الأبناء من الآباء·
 
لكن·· هل نذهب إلى هاواي؟
 
كلا، فليست لي رغبة بذلك على الرغم من جمال تلك الجزيرة· أحب أن آخذهم معي لزيارة إحدى الدول العربية ليتعرفوا إلى بلد العرب التي جاء والدهم منها·
 
بعد صمت وتفكير قلت لنفسي: سنزور لبنان· نعم·· آن الأوان لزيارتها· مر وقت طويل على مغادرتي لها· اشتقت لأهلي، وأقاربي، وأصحابي·
 
تنهدت كمن تفتحت جروحه واستعاد معها آلامه· نعم لبنان·
 
فردت علي زوجتي عواطف:
 
- يا حبيبي·· لماذا لبنان الآن؟ الأوضاع صعبة، والمشاكل كثيرة· لم لا نزور ماليزيا؟
 
- ربما في العام القادم·
 
- حسنًا·· لكن ألا تخشى مما يحدث في لبنان؟ ألم تسمع عن مسلسل الاغتيالات؟ الوضع مخيف هناك· لا نريد أن تنفجر فينا قنبلة أو سيارة مفخخة؟
 
- ما هذه الوساوس؟ أليست بلادنا؟ أنت ولدت هنا، لكن أباك وأمك ولدا هناك· لقد تعودنا على ذلك، أم أن سنوات الغربة في أمريكا غيرتنا؟
Page 5
- ماذا لو أعلنت إسرائيل الحرب على لبنان ونحن هناك؟
 
- ستجد أبطالاً مقاومين بانتظارها·· أبطالاً يستحقون أن يرفع لبنان كله وسامًا على أكتافهم·
 
كنت أعرف أنهم على حق، فالأوضاع صعبة للسياحة في لبنان، لكنني أعتقد أن الأوضاع ستكون على ما يرام· عشت في لبنان في ظل المقاومة في الماضي، وعلى الرغم من كل الحواجز بين المدن فقد كنت سعيدًا·
 
سعيد؟ أية سعادة تلك التي أتحدث عنها؟ كم مرة لعنت فيها لبنان؟ أقصد لعنتها هي، هي التي··· يبدو لي أنني لم أخرج من وساوسها بعد·
 
لا أحد يستحق اللعنة سواي· أنا السبب في كل ما حصل· أنا الـ···، ولماذا أزور لبنان الآن؟ ألأنني وعدت أولادي بالسفر إلى بلد جديد هذا العام؟ هل حقًّا أنا ذاهب هناك كي أعرّفهم إلى بيروت، وصيدا، وبعلبك، والجبل، ومغارة جعيتا؟ أم أنني أريد العودة إلى هناك كي أستعيد ذكرياتي الماضية؛ ذكرياتي التي كلما حاولت أن أنساها تعود فتقفز لي من صفحات الماضي، رافضة أن يطويها الزمان؟
 
أيها المخادع·· ألم تكتب آخر قصيدة تستعيد فيها الماضي وتطلب منها أن تخرج من جبال ذكرياتك دون عودة؟ ألم تقل لها فيها:
 
هيا احملي 
 
تلك الحقيبة وارحلي
 
وخذي دفاترك القديمة كلها
 
لا تتركي من ذكريات الأمس 
 
حتى قبلة 
 
طبعت على ثغر جميل
 
وقصائدا كانت على صدر 
 
قلادة لؤلؤ
 
لا تتركي بيتًا ولا حرفًا ولا صورًا
 
تذكّرنا بأيام الحنين
Page 6
لا تنظري للخلف
 
فالدمع في عينيك
 
منذ حكاية وخيانة قد جف
 
لقد دعوتها لتأخذ معها كل ما يذكرك بها، فلماذا تحاول نبش الماضي؟
 
أليست العودة إلى لبنان محاولة لاستعادة الذكريات التي طلبت منها أن تأخذها؟ 
 
لماذا تحاول العودة لتستعيد منها بعض ما حملتها إياه؟
 
ألم تخنك؟
 
كيف؟ ومتى؟ 
 
لو كنت مقتنعًا بكل ذلك ما فكرت بزيارة لبنان·
 
تقول إنك تحب لبنان حتى بدونها· نعم·· لبنان بلد جميل، لكنه متقلب بين الحب وبين الحرب، لا يفرق بين الاثنين سوى حرف الراء، وأنت تشبهه؛ فلم تعد تفرق بين الاثنين· تحذف حرف الراء متى شئت، وتعيده في أي وقت تشاء·
 
ستراها طبعًا مع زوجها· ستزورهما· ستزور صديقيك، اللذين أصبحا منذ تلك اللحظة المشؤومة أو السعيدة، أخوين لك·
 
ستأخذ أولادك لزيارتهما· ستقول لهما لكنك تقصدها هي تحديدًا: انظُرا·· ها هم أولادي· انظري إلى علي، وسعيد، وعماد·
 
لا بد أنك تنتظر تلك اللحظة· تريد أن ترى عيونهما كيف تدور وهم يرونهم· 
 
أولاد مثل القمر جمالاً، وذكاء· سوف يسألك أولادك بالتأكيد:
 
- بابا·· من هؤلاء؟ وأين أولادهم؟
 
- لن تستطيع أن تجيب شيئًا، فماذا يمكنك القول والأولاد ما زالوا صغارًا؟!
 
لكن زوجتك تعرف كل شيء، تعرف السر المخفي أو بعضه، فهل ستأخذها لتلتقي بمن سبقتها إلى هذا القلب؟ 
 
النساء يغرن· صحيح أن زوجتك تعرف أنه لم يعد لك علاقة بها، لكنها لن تكون سعيدة وهي تراك تسلم عليها وترحب بها· ستراقبك مثل الإيواكس وأنت تلتقي بها بعد هذا الغياب الطويل· ستراقب عيونك، وتعابير وجهك· ستراقب كل حركة من عينيك· ستعد عليك همساتك· أنت لا تعرف النساء، فخبرتهن في هذا المجال يصعب وصفها· إنه حقها الطبيعي· أليست زوجتك؟ ألا تحتل مكانًا في قلبك، أم هل تنازعها عليه امرأة أخرى؟
Page 7
ما هذه الوساوس التي تنتابني؟ لا بد من طردها، وأفضل طريقة لذلك ألا أستسلم للوحدة؛ علي الانشغال بأمر ما لأطرد كل أشباح الماضي، فأنا رجل تسكنه الأشباح، مثل الفيروسات غير المرئية التي تسكن الأرجل، وتحب المناطق المظلمة في الجسم، وتظل تنخر في الجسم دون أن يراها أحد·
 
حملت معطفي، وقلت للأولاد: سأذهب الآن لأحجز لكم التذاكر· كم يومًا تريدون البقاء هناك؟
 
- هل نستطيع أن نبقى شهرًا؟ 
 
- شهرًا بكامله؟ حسنًا·· سأرى·
 
قبل أن أغادر البيت، سألني علي:
 
- بابا·· في أي فندق سننزل هناك؟
 
- سنحاول أن نستأجر شقة مفروشة، فما رأيكم؟
 
- على الروشة؟ سألتني زوجتي·
 
- لا طبعًا، ولكن في صيدا؟
 
- شو شو بدنا بصيدا؟ احنا رايحيين نشم الهوا مش نزور صحابك·
 
- طيب سأحجز في فندق قريب من الروشة·
 
رقص الأولاد لأنني استجبت لأمهم دون أن يعرفوا الفرق بين الروشة وبين صيدا·
 
حجزت التذاكر، وترددت قبل أن أحجز الفندق· قلت في نفسي: لم لا أتصل بفادي هناك كي يحجز لي بالفندق فقد يكون أسهل· بعد تفكير قررت أن أحجز الفندق ولا أُعلم أحدًا هناك؛ سأجعلها مفاجأة لهم·
 
بدأت العطلة الصيفية، وعاد الأطفال سعداء· علي أنهى الصف الثالث وعمره عشر سنوات، أما سعيد فعمره ثماني سنوات وقد أنهى الصف الثاني، وآخر العنقود عماد فعمره ست سنوات· 
 
كان عماد أكثرهم حركة، ودائم السؤال، وعندما عدت قال لي:
 
- هل اشتريت التذاكر؟
Page 8
- نعم·· اشتريتها يا عماد·
 
- بابا·· هل تسمح لي برؤيتها؟
 
- لماذا؟ ألا تصدقني؟
 
- بلى، أصدقك، لكني أردت أن أراها؟
 
- لماذا؟
 
- لأني أحب أن أرى لونها؟
 
- وماذا يهم لونها؟
 
- أوووه يا بابا، لماذا لا تريدني أن أراها؟
 
نظر علي وسعيد إلي وقال كل منهما: 
 
- بليز بابا بدنا نشوف التذكرة·
 
- لا تكلموني بكلمات إنجليزية مع العربية، وإلا ألغيت السفر·
 
- حسنًا·· من فضلك أرنا التذاكر·
 
ناولتهم التذاكر، فبدؤوا يقلبونها ويتفرجون عليها· لم يصدقوا أن السفر إلى لبنان سيصبح حقيقة·
 
كانت زوجتي سعيدة، وبدأت منذ قررنا السفر إلى لبنان بالتخطيط ماذا ستفعل هناك· لأول مرة ستزور لبنان منذ ولادتها· لم تترك صديقة لبنانية إلا وسألتها عن أحلى المناطق في لبنان· لم تترك موقعًا على الشبكة عن لبنان إلا وزارته، وصارت تسألني كل يوم عن مناطق زرتها، ومناطق لم أزرها·
 
قلت لها ذات مرة:
 
- لا تقلقي نفسك، فنحن سنبقى هناك شهرًا كاملاً يكفي لزيارة كل لبنان من الجنوب حتى الشمال·
 
ردت علي ضاحكة، وقالت:
 
- لن أترك موقعًا بدون زيارة، أو سهر
Page 9
- أنت لا تسمعين الأخبار يا عواطف؟ فقد يكون السهر غير آمن في هذه الأيام·
 
- نعم·· نعم·· نعم، ولماذا نذهب؟
 
- ألا تخافين؟
 
- ألم تقل لي لا يوجد ما يدعو للخوف؟ ما يحصل للبنانيين يحصل لي· سنتفق من الآن قبل أن نسافر، كل ليلة سنسهر في مكان· أنسيت بأنك قلت لي إنك كنت تسهر هناك في بيتي كافيه على الروشة، وفي نهر الفنون، وفي···، كل هذه الأماكن يجب أن أزورها· 
 
صمتت ثم أكملت:
 
- حبيبي·· أحلم الآن أنني أجلس معك على الروشة نشرب النارجيلة ورائحة مياه المتوسط تتسلل إلى أنوفنا، بينما الموسيقى تنساب بهدوء إلى آذاننا· 
 
ضحكت، ثم تابعت: 
 
- هي فرصة لنستعيد أيام الرقص معًا·
 
- هل سترقصين؟
 
- وماذا يعني هذا السؤال؟ ليه لأ؟
 
- أمام الناس؟
 
- أنا أرقص مع زوجي·· يا سلام؟
 
قلت لها:
 
- ولكني لا أعرف الرقص·
 
هاهاها· ضحكت، ثم قالت:
 
- العب غيرها· أنت معلم في الدبكة، وحتى لو لم تكن تعرف الرقص سأعلمك· لا تقلق· أنت منذ وصولنا هناك ستكون تحت أمري· اترك لي نفسك يا حبيبي· دعني أعيدك عشر سنوات إلى الوراء·
 
- إيه يا ريت· 
Page 10
- لا تقل يا ريت· أنت دائمًا تتصرف كأنك ابن ألف سنة· يا حبيبي·· أنت دائمًا تحبطني·
 
- حسنا·· لا تقلقي· سأكون بإمرتك، هل أنت سعيدة الآن؟
 
- نعم·· سعيدة معك·
 
اقتربت مني، وطبعت على شفتي قبلة· صاح الأولاد: هيه
 
انتهت زوجتي من حزم حقائب السفر، غدا بعد الظهر موعد إقلاع الطائرة، الجميع سعداء، والسرور باد على وجوههم جميعا حتى زوجتي التي أصرت في تلك الليلة أن تصبغ بعض شعرات لي كانت قد ابيضت لتجعلها سوداء، فهي تريد في رحلتها ألا أبدو شابا صغيرا فقط، بل تريد أن تجعل من رحلتنا كما قالت شهر عسل جديداً·
 
انتهت من صبغ الشعر· نظرت إلى المرآة؛ فعلاً تغير وجهي كثيًرا· يا سلام! سأبدو أصغر بعض الشيء من يوم غادرت فيه لبنان· 
 
ترى ماذا ستقول عندما تراني الآن؟
 
هل ستقول شيئًا؟ لم يعد هناك ما يقال؟ هل تقصد ما ستهمس به لنفسها؟ أتريد أن تشعرها بأنها أخطأت بقرارها؟ أم تريد أن تقول: نحن هنا؟
 
ماذا يعنيك بها الآن؟ ألم تتركها؟
 
بل تركتك هي، وأجبرتك على أن تخرج من حياتها· ماذا تراها تقول الآن؟
 
هل هي سعيدة بحياتها؟ هل فعلاً تزوجته؟ أم أنه زواج صوري كما قيل لك؟
 
لا أعرف الحقيقة· أحيانًا أسأل نفسي: هل فعلاً تزوجته كما قالا ليحميها ممن حولها؟ أم أنها تزوجته فعلاً؟
 
كيف لي أن أعرف؟ أنا أعيش بعيدًا عنها آلاف الأميال· كلما أسأل أحدهم بطريقة غير مباشرة، لا أسمع جوابًا شافيًا· هل اتفقا أن يخفيا عني الحقيقة؟ 
 
لماذا يخفياها؟ حتى لو تزوجها فعلاً وعاشرها معاشرة الأزواج، ماذا يهمك ذلك الآن؟ ألم تخرجها من حياتك؟
 
ألم تصبح مثل أختك؟ ألم تقل لها ذلك كما قالت لك هي نفسها ذلك؟