eKtab
EN ع
زهر البنفسج , زهر الرغبة
Read free sample

زهر البنفسج , زهر الرغبة

by أنا كلافيل

Page 1

الفصل الأول

كل من انحنى فوق بئر رغباته يعرف ذلك. أو كل من تأمل تلك الصور لدمى معذبة ومقيدة، تعرض جسدها اليافع والسجين لنظرات الرجل المتربص في الظل. أقصد أنه يمكن للمرء أيضاً النظر إلى الخارج ورؤية صورة جسد مقيّد لا وجه له، فيتذكر بوضوح شعوراً خبره: إنه الإغراء الذي يطلق العنان لرغبات يستحيل البوح بها، رغبات تجرفه إلى هاوية يصعب سبرها. فحين نعرف الشهوة، يُحكَم علينا، بأننا عاجلاً أو آجلاً، سنسعى إلى إرواء هذا العطش، لنشعر به مجدداً في ما بعد.

الآن وقد حصل ما حصل، وفيما تضمحل حياتي مثل غرفة كانت يوماً تغص بالنور ثم تآكلتها العتمة ـ أو كغرفة اجتاحها فجأة نور يعمي البصر ـ أدرك أن كل الفلاسفة والمفكرين الذين بحثوا عن أمثلة لشرح اللامعنى لوجودنا على الأرض، قد نسوا الحديث عن شخصية «تانتاليس» في الميثولوجيا الإغريقية، المشتهي للتفاحة على الدوام لكنه لا يلمسها إلّا بطرف لسانه من دون أن يتمكن من أكلها.

أعترف أنه لدى سماع قصة «تانتاليس»، شعرت كمراهق بالاضطراب وأنا أجلس في الصف في تلك الصبيحة الممطرة مصغياً إلى أستاذ التاريخ الذي كان لا يزال شاباً ورصيناً لدرجة كان يبدو مثل خرّيج أحد المعاهد الدينية.

وفي تلك الصبيحة الممطرة التي بدت وكأنها ضحية هذيان داخلي، نسي الأستاذ «انايا» أنه وعدنا المرة الماضية بإكمال حكاية حرب طروادة فأخذ يقص علينا، وبصوت يكاد لا يُسمع، أسطورة «تانتاليس»، ملك إقليم «فريجيا» الذي كان يهزأ بالآلهة، فقرر أسياد جبل «الاولمب» أن يعدوا له قصاصاً فريداً من نوعه: غُمِّس حتى رقبته في بحيرة نبتت إلى جانبها أشجار مثمرة، وكان يتلهب جوعاً وعطشاً، إذ كلما حاول الشرب، كانت المياه تنحسر وتفلت من شفتيه، وكلما أوشكت يده على بلوغ أغصان الأشجار المثمرة، كانت تلك تطول.

وفيما كان الأستاذ يروي لنا الأسطورة، كانت أصابع يده الموجودة دائماً في جيب المعطف الذي لم يخلعه تتلاعب بما يمكن اعتباره فتات خبز وهمي. أما نظراته، فكانت تذهب إلى أبعد من النوافذ المسيجة بشباك أشبه بالأسلاك الحديدية، وتبدو شاخصة في نقطة كان يصعب على الكثير من التلاميذ رؤيتها.

أما بالنسبة إلينا نحن الذين كنا نجلس على طول الحائط، فكان يكفي أن نستدير ونلتفت قليلاً في هذا الاتجاه لنعرف ما الذي يستحوذ على اهتمامه.

ففي آخر الملاعب، وتحديداً في ممر الأعمدة الممتد بين المرأب والحمامات، كانت ثلاث فتيات بلباسهن الصارم الخاص بصفوف الثانوية، يحاولن جرف المياه المتجمعة من جراء عطل في أحد المجارير، وكن يقمن بذلك بدافع اللهو أكثر مما هو للامتثال لقصاص يبدو أنه فرض عليهن.

وكن يتبللن بشعور من الفرح ويرتجفن من اللذة أكثر مما هو من البرد، لا سيما حين هجمت إحداهن على الأخريين بخرطوم المياه ورشتهما بضخات فجائية. لاأزال أذكر اسم تلك الفتاة التي كانت ترش صديقتيها بالماء: سوزانا غارمينديا.

Page 2

في ذاكرتي، لا تزال صورتها في تلك الصبيحة المشحونة بالغيوم والشهوة مرتبطة بمشهدين: نظرة أستاذ التاريخ المفتون بتلك اللوحة في الممر والمحكوم عليه، مثل «تانتاليس»، بأن يحاط بالطعام والماء دون التمكن من إرواء عطش وسد جوع شديدين.

أما المشهد الثاني، فهو حين توجهت سوزانا غارمينديا نحو أحد الأعمدة الضخمة في الممر، وقبل أن تسمح لصديقتيها برشها بعد أن تمكنتا أخيراً من انتزاع خرطوم المياه منها، وقفت في الجانب المكشوف للسماء التي أصمّها قصف الرعد، وتركت نفسها تتبلل، ناسية عالم المدرسة وكاشفة وجهها للمطر الذي كان ينهمر عليها وكأنه يحاول اختراقها. كانت المسافة بيننا لا بأس بها، لكن استسلام الفتاة كان جلياً، وكذلك ابتسامتها الخفية وانتشاءها الساطع. كانت مقيدة بالعمود من دون قيود واضحة، سجينة لذتها الخاصة.

في الحقيقة، لا أظن أنني رأيت يوماً سوزانا غارمينديا عن قرب، فهي كانت معروفة بطيشها بعد طردها مرات عديدة من قبل ناظرة الصفوف الثانوية، كما أنها كانت تنتمي إلى الجيل الأكبر سناً في المدرسة وتحيط نفسها دائماً بصديقات وصبية كانوا يسعون دائماً، وبإصرار، للاقتراب منها، فلم يسعني أن أكوّن صورة أوضح عنها: ضفيرة شعر عسلي مسدلة على بشرة مسمرّة وكنزة مربوطة عند الوركين وجوارب ناصعة البياض عند بطتي ساقين شبه انثويتين.

لا شك في أنها كانت أشهى ثمار البستان. حتى بالنسبة إلى من كان يقف على رؤوس أصابعه، مثلي أنا، لم يكن باستطاعته رؤية أبعد من أوراق الأغصان. أما من كان معزولاً في برج سلطته المدرسية، فكان بوسعه النظر إليها فقط وإلى نعومتها الشهية. لكن أحدهم استطاع مد يده وقطف الثمرة. نسيت اسمه لأن ذلك غير مهم. المهم أن تحوله إلى بستانيّ لما كان ممكناً لولا موافقة سوزانا غارمينديا المسبقة؛ لولا الـ «نعم» الصامتة والغامضة التي جعلتها تراه في المرأب المجاور لحمامات الفتيات، فيما كانت رفيقتاها المخلصتان تراقبان المدخل من مكانين مختلفين: إحداهما في أول ممر الأعمدة والثانية تحت القوس المطل على ملعب الصفوف الثانوية.

لم يعرف ما حدث بالتحديد، أكانت الناظرة قد ساورتها الشكوك وضغطت على الصديقة التي كانت واقفة تحت القوس بغية انتزاع اعتراف مقصود أو غير مقصود منها، أو أن تلك الصديقة هي التي وشت بسوزانا للانتقام منها بسبب شجار ما. الأكيد هو أن الناظرة دخلت المرأب ووجدت سوزانا وشاباً من حراس المدرسة الليليين يقومان بأعمال مشينة لا يمكن وصفها.

لقد هزىء «تانتاليس» بالآلهة ثلاث مرات، الأولى حين كشف للجميع أين يخبىء الإله «زوس» عشيقته، وثانياً حين تمكن من سرقة شراب الآلهة وطعامها من طاولة «الأولمب» ووزعه على أقربائه وأصدقائه، وثالثاً حين أراد امتحان الآلهة فدعاها إلى مأدبة كان الطبق الأساسي فيها أعضاء ابنه الذي ذبحه كالعجل قبل يوم عند الفجر. لكن الآلهة قابلت وحشية «تانتاليس» بعذاب قاسٍ، وكأنها أرادت إفهامه أنه لا يجوز العبث معها.

Page 3

طُردت سوزانا غارمينديا من دون تردد. قلة منا فقط رأتها تخرج حاملة أغراضها وخلفها والداها، تنهشها عيون الناظرة، وأهالي التلامذة ومدير المدرسة. كانوا يسرقون بقايا كرامتها، قبل رميها بازدراء كأنقاض ملطخة بالدماء وهي حية. لقد مرّ وقت طويل قبل أن تتمكن المدرسة من إسكات الشائعات والعودة إلى برامجها الببغائية واحتفالاتها الرياضية الوطنية. ومع اقتراب امتحانات نصف السنة، تلاشت آخر الأصداء التي كانت تلطخ سمعة سوزانا كمن يعذب جسداً. أما الأستاذ «انايا»، فبقي حتى آخر السنة الدراسية ثم طلب نقله إلى مدرسة في غرب البلاد.

بالطبع لم أصارحه يوماً في الموضوع. إلا أنه حين طلب إلينا، كفرض أخير، أن نكتب نصاً حول شخصية أو حادثة تناولها خلال دروسه، قررتُ أن أكتب عن «تانتاليس». كان نصاً من عدة صفحات بأسلوب حاد حتى المبالغة، كأسلوب المراهقين، وكانت قيمته الأساسية، بحسب ما أدرك الآن، هي فهمي في تلك السن الباكرة للعذاب الحقيقي الذي يعانيه من يشعر بالرغبة. ولم تكن جائزتي الكبرى العلامة الممتازة التي نلتها بل نظرة الأستاذ «انايا»، تلك اللحظة التي يشعر فيها المرء بالمجد حين يتم التعرف إليه. لم ألحظ أو لم أشأ أن ألحظ آنذاك في تلك النظرة بريقاً مضطرباً واستسلام من يدرك مصيره: إن الظمأ لا يمكن إرواؤه أبداً.

في ذاك النص الممتد على أربع صفحات، والمكتوب بأسلوب أعترف الآن بعد قراءته بأنه أعوج لا بل متكلف، تمكنت من لمح ظل المراهق الذي انحنى لاشعورياً فوق بئره الخاصة: بعد آلاف المحاولات، وبعد أن أدرك «تانتاليس» أن جهوده تذهب سدى، وعلى الرغم من الجوع والظمأ، بقي ساكناً لا يحرك شفتيه لابتلاع جرعة من الماء أو يمد يده لقطف الثمرة المرغوبة المتدلية من أقرب شجرة كالحجر الكريم. وحين بلغ منه اليأس مبلغه، رفع عينيه إلى السماء كمن يتضرع إلى الآلهة، وكأنه على وشك طلب السماح منها. لكن في تلك اللحظة بالذات، رأى عند طرف الغصن القريب منه ثمرة جديدة مرتعشة ولذيذة، إنما بعيدة المنال. ولا بد أنه شتم الآلهة ولعنها حين أدرك أنه بمجرد النظر إلى الثمرة، كان العذاب يغلي مجدداً في أعماقه.

للنظرة تبعات لا تحصى. الآن بوسعي تأكيد ذلك: كل شيء يبدأ بالنظرة، وبالتأكيد الاغتصاب الذي نخبره بلحمنا ودمنا حين يعرض أحدهم جسده ببراءة مجرمة.

Page 4

الفصل الثاني

أمامي الآن صور الدمية المعذبة التي ذكرتها آنفاً. هي دمية من صنع فنان عمل في السر: هانس بلمير. لن أتحدث عنه الآن لكن من يدري؟. لم أكن أنوي التحدث عن سوزانا غارمينديا أو عن أستاذ التاريخ لكنني بدأت كلامي بهما. ما أردت الحديث عنه هو أمر آخر. لو أردت تلخيص حياة رجل ببضع كلمات، لقلت إنها قصة حلم. أحاول سردها بالتفاصيل المملة التي قد لا تظهر فيها بوضوح، إنما تؤثر على نحو غامض في حبكتها الضبابية.

وسرد تلك القصة في كوخ حديقتي، محاطاً بالدمى الخاصة بي و «جوائزي» قبل أن تُنتزع مني، له علاقة بحدث مؤكد حصوله: هي لحظة التمس «تانتاليس» رحمة الآلهة من يد الكاهنة التي تكفر عن الذنوب وتضع حداً للعقوبة. لكن لا يجوز أن أتسرع في استحضارها من دون جدوى، فهي كحورية أثيرية ستأتي في موعدها، مثل ؟يوليتا، أو مثل الدمى الأخرى.

لنقل إن قدري كتب قبل ولادتي، وبصورة خاصة حين قرر أبي المتزوج حديثاً استثمار المال الذي ورثه من جدي وجدتي في مصنع دمى. أي إن هذا المشروع نَما في ذهنه في وقت كنت أنمو في بطن والدتي. أجهل متى، مع مرور زمن الحفاضات والخطوات الأولى، قرر أن يصطحبني إلى المعمل. على الأرجح حصل ذلك حين بدأت أمي تعطي اشارات بأنها تريد أن تصبح حاملاً مرة ثانية. لكن المحاولات باءت بالفشل وبقيت ولداً وحيداً متسلطاً، صغير عائلة تلاشت رغبتها في التكاثر، وفق تعاليم العهد القديم. النتيجة هي أنه تم تدليلي إلى أبعد حدود، على يد أمي تيريزا أولاً، ثم جدتي اديلاييدا وخالاتي الكثيرات اللواتي كن يشترين لي الهدايا والسكاكر ويجعلنني أتنكر كراعٍ صغير أو ككاوبوي، ويعلمنني كلمات بذيئة لكي يحمر وجه أبي خجلاً.

ومع ترعرعي بين نساء كثيرات، قرر أبي، خوليان ميركادير، أن يصطحبني إلى معمله ليعرفني على عالم السكك الميكانيكية والبساط المتحرك حيث كان يتم وَصلُ مفاصل أجسام الدمى. كان يتركني هناك كما لو كنت في حديقة أطفال بريئة ويفترض بي أن أتسلى إلى أقصى الحدود قبل التحاقي بالمدرسة التي كان موعدها يقترب.

ومن أجل توجيهي وتعليمي، عهد بتنظيم زياراتي للمعمل إلى رجل ذي نظرة زرقاء، هو مصمم الدمى والمشرف على إنتاجها ورفيق أبي منذ أيام الجامعة وشريكه الألماني الذي ترعرع في المكسيك بعد الحرب العالمية الثانية، والذي كان يدرس الهندسة الكيميائية صباحاً وفن الرسم مساء: كلاوس فاغنر.

Page 5

أذكر أن نظرة كلاوس فاغنر الزرقاء كانت تخيفني، فشفافيتها توحي بأن لا غور لعينيه، فيستحيل إخفاء شيء عنها. وحين أصبحت مراهقاً وبدأت أكتشف في نفسي رغبات وشهوات لم أعهدها من قبل، عرفت أنني كنت محقاً: لا شيء إلّا ترصده عيناه. والحقيقة هي أنني اكتشفت صور «بيلمر» التي أصابتني بالعدوى بفضله هو، حين نسي يوماً إقفال تلك الغرفة المظلمة التي حوَّلها إلى مكتبه الخاص.

أعرف اليوم أن ما فعله لم يكن عن غير قصد. كان يريد اختباري لمعرفة طبيعتي لدى وقوفي مذهولاً أمام صور توحي ببراءة فقدت نضارتها. لكن قبل إدراكي ذلك، مرت سنوات طويلة من التمرين والتعليم بدأتها بقضاء ساعات نسيت نفسي وأنا أتأمل أجزاء لعب لا تزال مفككة، كانت تمر على البساط المتحرك قبل أن تجمّع لتصبح نماذج لآلاف الدمى، التي ستفرح فتيات مجهولات في بلدان بعيدة وتدغدغ أحلام الأمومة لديهن.

كان كل جزء، أكان ذراعاً أو ساقاً أو صدراً أو رأساً، يشكل كياناً على حدة، مذهلاً ومتلألئاً، ذا بشرة مثالية، بلاستيكية وحسنة التكوين تتمتّع بنعومة لامتناهية تدعوك إلى الاقتراب منها ولمسها.

كنت أرى الدمى التي يخرجها السيد غابرييل وابنه من القوالب لوضعها على البساط المتحرك تمهيداً لعملية التبريد، فيتهيأ لي أن العالم بأسره يدور على هذا البساط.

لحظة تلو لحظة، كنت أعي، من دون أن أدرك تماماً، أن أكثر جمال لا يحتمل هو ذاك الذي يعبّر في أشد خموله عن رغبته الجامحة في أن يستباح.

وفي إحدى المرات التي اصطحبني أبي إلى المعمل، قال كلاوس: «ولدك يحب الدمى كثيراً». لم أسمعه يوماً يتكلم بالألمانية، وكأنه طوى هذا الفصل من حياته إلى الأبد. في تلك المرة، تركني أبي فوق طاولة لحفظ الأرشيف في مكتبه الكائن بين طابقين، وكان أمامي فاصل زجاجي يسمح لي بمراقبة كل نشاطات المعمل. لا أدري كم من الوقت بقيت فوق الطاولة. قال لي كلاوس: «لا تتحرك وإلّا وقعت»، فأطعته تلقائياً: كنت غارقاً في تأملات فقدت خلالها الشعور بالزمن، وقد بهرتني الأصوات التي كانت تصلني من بعيد، متقطعة، في وتيرة شبيهة بسحر الأفلام الصامتة.

أما أبي، فكان غارقاً في أوراقه لدرجة أنه نسي وجود ابنه. تأخر في الردّ على كلاوس، في وقت تأخرت أنا أيضاً عن تذكر المكان الذي كنت فيه.

وقال وهو يضحك لدرجة أرعبتني: «لا بأس... ما دام هو يحب النظر إليها ولا يرغب في أن يكون هو نفسه دمية».

Page 6

اقترب كلاوس من طاولة الأرشيف وبحثت نظرته الزرقاء عن عينيّ، وبعد معاينة استمرت بضع دقائق، قال بلهجة قاطعة: «لا تقلق يا خوليان، ابنك من طينَتنا».

بعد فترة، سنحت لهما فرصة للتأكد من هذا القول. كانت ردة فعل كلاوس أكثر ليونة من أبي الذي ضربني بالزنار ـ وكأنه وجد نفسه مضطراً لمعاقبتي ـ وأبعدني عن المعمل عدة أسابيع. أما خالاتي وجدتي وحتى أمي، فأبدَين بعض التحفظ والامتعاض، لكنني سمعتهن يوماً يتباهين بـ «زعرنتي» وهن يخلنني نائماً في الغرفة المجاورة.

«أصبح رجلاً... لم يبلغ بعد السادسة من عمره وها هو يتصرف كالرجال. من الواضح أنه سيشبه أباه...».

تلك الكلمات التي تفوهن بها بلهجة احترام أشعرتني بالاعتزاز، إنما أثارت أيضاً استغرابي ودهشتي. عدتُ بالذاكرة إلى المشاهد التي تسببت بردود الفعل تلك. وغالباً ما أستعرض في ذهني ذاك الفيلم الصامت الذي لايزال حياً في ذاكرتي، والذي تظهر فيه ابنة إحدى العاملات بفستانها المطبوع بالزهور والشبيه بثياب الدمى.

كانت «ناتي» ـ وقد عرفت اسمها حين وُبّخت بسببها ـ لا تنطق بعد، لكن حين أعطيتها دمية عارية، ناغت وهزهزَتها بين ذراعيها. لا أدري كيف دخلنا تلك الغرفة التي كانت تستعمل كمستودع وحيث تكدست في صندوق كبير دمى لا تزال عارية، فلم يصعب عليّ الصعود على مقعد وتقديم اللعب إلى «ناتي» واحدة تلو الأخرى. لا أذكر من منا خطرت له فكرة أن نجلس الدمى على الأرض. لكن «ناتي»، وبكل منطق وبساطة، بادرت إلى خلع فستانها وجلست إلى جانب الدمى وكأنها واحدة منها. وما إن خلعت ثيابها الداخلية بمساعدتي، حتى اكتشفتُ بين ساقيها شيئاً لا أذكر أنني رأيته من قبل وأثار استغرابي كثيراً.

ـ «أنت مكسورة...».

ثم كررتُ تلك الكلمة كالصدى، لا بقصد الاتهام أكثر مما هو لاستيعاب اكتشافي وفهمه: «مكسورة، مكسورة، مكسورة».

بعض الأمور يفهمها حتى الأولاد و «ناتي» فهمت: أمسكت إحدى الدمى وعاينت ما بين ساقيها. كانت البشرة البلاستيكية ملساء ولا تترك مجالاً للشك: الدمية لم تكن مكسورة. انتفضت «ناتي» وهربت وهي تصرخ وتبكي. لكنني لا أذكر صراخها بل وجهها الحزين وفتحة فمها الذي لم يُصدر إلّا صراخاً صامتاً. وقد أخافتني ردة فعلها مثلما أخافني اكتشاف سر جرحها. أجل كيف بقيت مختبئاً في صندوق الدمى من دون أن أختنق، إلى أن أنقذني كلاوس بعد ساعات. كنت قد غفوت وأنا أتأمل عينين قزحيتين لدمية صهباء، وأشتم رائحة الدهان المنبعثة منها.

أجهل سبب شعوري بالأمان إلى جانب جسدها المثالي، المقفل والخالي من أي ندبة.

Page 7

الفصل الثالث

«الانحراف» هو ما يؤذينا من دون أن يدعنا نشيح النظر. يوقظ الغياهب الصامتة فينا ورغبات ملحة يستحيل البوح بها: هي ظلال تترصدنا وتتوق إلى التجلي فينا. ربما لهذا السبب تنتابنا رغبات لم نعتقد يوماً أننا سنشعر بها، رغبات نائمة ينبعث منها فجأة عطر لا يقاوم... عندئذ، يأتي الانحراف ليلعب ورقته الأساسية: ننظر إلى المرآة ولا نتعرف إلى أنفسنا. نصبح أشخاصاً آخرين. متى لم أعُد الشخصَ الذي كنت عليه؟ أو ربما عليّ الاعتراف أنه في لحظة انبهار أزلية، أزيلت الغشاوة ولم أعد مضطراً إلى الاختباء؟ ربما لطالما كنت ذاك الرجل، المختبىء وراء الشجرة، والمتربص في الظل لبراءة منتهكة حرمتها وهي في جل بهائها. حتى لو كانت شقيقة زوجتي إيزابيل تظنني مجرماً، فأنا لست بمجرم، على الأقل ليس بالمعنى الذي تراه هي. أنا لم أقتل أي حيوان صغير، ولم أمنع الحليب عن أي رضيع. بوسعي الدخول من دون خوف إلى مملكة الأموات ـ علماً أن الموت أو السجن لا يقلقانني البتة. إلّا أن الوعد الوحيد الذي لا أزال أنتظره، مهما بدا عبثياً، هو تلك اللحظة التي تنتعش فيها الحياة ثم تنهار، متعة لم تصدر بعد من الشفتين أو جرح يختلج كوردة أوشكت أن تذبل. حتى لو كنت عاجزاً عن لمسها، يكفيني تأملها وهي تمتلىء نعمة جامحة.

أعرف أنه لا يجدر بي أن أفاجأ لكون صاحبة تلك الادعاءات هي إيزابيل، الأخت الصغرى لزوجتي إيلينا.

كانت طفلة تمتطي صهوة ساقيّ فيما شقيقتها تتزين قبل ملاقاتي. فجأة، كانت توقف خببها وتهمس في أذني بكل جدية: «أنا خطيبتك الحقيقية وشقيقتي خطيبتك الوهمية، أليس كذلك؟». في حضور إيلينا التي كانت تتظاهر بالغيرة لدى رؤيتنا معاً، كنت أجيبها همساً أيضاً: «إيلينا هي المفضلة لدي، لكنك حبيبتي المدللة». عندئذ، كانت تنزل إيزابيل عن صهوة فرسها كأميرة تبلغ من العمر تسع سنوات، فارسة لينة ومتعالية، جذابة ورائعة كما لمحتها لبرهة.

في تلك الأيام، كنت عدلت عن دراسة الطب للاهتمام بمعمل الدمى. كان أبي توفي تواً جرّاء نوبة قلبية، وحين أخذت تلك المسؤولية على عاتقي بموافقة كلاوس، لم يخطر ببالي أننا سنصبح بعد بضع سنوات ليس شريكين فقط بل متواطئين في تصنيع دمى محرمة: دمى «ال؟يوليت» أو «البنفسجات»، تلك النماذج الفريدة في نوعها التي تم توزيعها خفية عبر العالم لزبائن مقتدرين يستعملونها في مضاجعهم ولكن أيضاً مملكة واسم للذين لا يجب أبداً أن يستسلموا لإغرائها.

Page 8

لم تكن دمى «ال؟يوليت» منحرفات منذ البداية. فبوجهها الطفولي وجسمها الذي لم يبلغ بعد، والشبيهة بالأميرات بثيابها الصارمة وشعرها المرفوع أو بالفتيات «على الموضة» بتنانيرها القصيرة جداً وشعرها المنفوش، كانت دمى «ال؟يوليت» الأولى في منتهى الكمال، تؤدي على أحسن وجه دور الفتيات الناضجات والمهذبات. ولم يكن في البلاد قط دمى مثلها قادرة على منافسة الدمى الأجنبية التي كانت بدأت تجتاح السوق المحلية.

وفي معرض الدفاع عن نفسي، أقول إن اسم الدمى كان فكرة إيلينا نفسها، فهي لطالما حلمت أن تسمي ابنتها الأولى «؟يوليتا»، إكراماً لذكى صديقة طفولة؛ فالصداقة بين النساء حين تكون حقيقية، تتجلى في إخلاص عميق وروابط قوية جداً. بالطبع أنا لم أعرف قط ؟يوليتا تلك، التي كانت طفلة فاتنة تشاركت وزوجتي في الألعاب والقصاصات، وكانت تظهر إلى جانبها في إحدى الصور بالأبيض والأسود التي كانت تحتفظ بها إيلينا مثل كنز ثمين في علبة من خشب «الاولينالا» ـ وهي من الأشياء القليلة التي أخذتها معها حين تركت المنزل. في تلك الصورة، تبدوان متنكرتين بزي الجنيات على نحو يبرز جسدهما النحيف، وكان ؟يوليتا التي لم أعرفها وحبيبتي إيلينا صورة مزدوجة عن حيوية بالغة: وكأنهما جروان جائعان على وشك الوثب للاستمتاع بآخر دفعة من السكاكر والمداعبات.

ربما لذلك أيضاً قررت في عز شبابها أن البنفسجي هو لون شغفها الليلي، وإن غيرت رأيها لاحقاً مع تبدل الرياح. لم نكن قد التقينا بعد وكانت من قراء الشاعر بابلو نيرودا. «من كثرة الحب تخضبت حياتي باللون البنفسجي»... همست تلك الأبيات في إحدى الأمسيات حين كنت واضعاً رأسي على بطنها العاري، يوم كانت لا تسمح لي بامتلاكها، إلّا عبر النظرات. وكانت تقول لي بلهجة لعوب: «احتفظ ببذرتك كالكنز، إلى حين تزرع في أحشائي زهرات بنفسج».

حين أطلقنا في السوق أول مجموعة من دمى «ال؟يوليت»، كنا متزوجين منذ سنتين، لكن على الرغم من محاولاتها، لم تستطع أن تحلم بطفل حتى ذاك الحين. وبسبب حاجتها الملحة لمنح الحنان، استسلمت للواقع على طريقتها فأطلقت اسم «ال؟يوليت» على كل دمية جديدة في المعمل، ثم صممت مع كلاوس نماذج دمى فتيّة وثيابها. كانت العلب ذات الواجهة الزجاجية أيضاً فكرتها هي، إذ وضعنا كل دمية في ذاك الديكور المصغر المتبدل: في المدرسة وعلى الشاطىء وفي مدينة الملاهي وفي الحفلة وفي رحلة إلى البندقية... كنت أنا وكلاوس ننظر إليها وهي تلعب بالدمى كفتاة صغيرة، وكأنها بقيت طفلة وأصبحت امرأة رغماً عنها. كانت تعطف على إيزابيل، صاحبة النزوات التي لم تتقبل خسارة شقيقتها ـ ولا خسارة خطيب شقيقتها، حبيبها الحقيقي ـ، وتهتم بكلاوس وبي طبعاً، كأنها تؤدي دور الأم المتفانية، في مزيج من الصدق والتمثيل تماماً كما يلعب الأطفال. هذا التصرف أيقظ في داخلي إدراكاً يقينياً بأننا مرتبطان وتائهان لدرجة الشعور بضعف شديد يسميه الكثيرون عادة الحب، دون إدراك تبعات هذه العادة.

فحين ارتمت إيلينا في حضني في إحدى الليالي، وقالت لي إن «؟يوليتا» صغيرة تنمو في أحشائها ـ هي لم تشك يوماً في جنس الجنين ـ انتابني شعور مبهم، إنما أكيد، بأن سعادتها مرتبطة بكارثة. ضممتها إلى صدري مستشعراً بأنه سيكون عليّ التخلي عنها بعد فترة قصيرة. تخيّلت بطنها الغريب المنتفخ بفعل جنيّ شرير وتمنيت لو أعاقبها، لو أخترق تلك البشرة المنتفخة المحبوكة بالدماء والأنسجة، وأقضي على تلك البصلة الترابية التي كانت تحتضن هلاكي. وفي أحلامي، كنت أنفذ ما لم أكن أجرؤ على فعله في حالة اليقظة.

اضطررت طبعاً إلى أن أخفي عن إيلينا كم كان فرحها يؤلمني. لكن مع تنامي فرحها الذي كان يؤذيني، عجزت عن إشاحة النظر، برغم شعوري بأن في هذا البطن الذي أحبه والذي يمتلىء يوماً بعد يوم بابتسامة عريضة ومنتصرة، كانت «؟يوليتا» الجديدة، المجردة بعد من العينين، والغارقة في طهارة شرنقتها، تنظر إليّ بحنان وضعف وإثارة.

Page 9

الفصل الرابع

إذا نظرنا إلى جرح بمتعّن، قد نرى فيه وردة ذبلت أو فماً يبعث قبلات حمراء في كل الاتجاهات. أو ما هو الشيء نفسه: ؟يوليتا الجالسة فوق ركبتي هي أمها في صورة التقطتها قبل نحو عشرين عاماً. كانت قد خرجـت من الحمام تواً، ملفوفة بمنشفة لم تغط كثيراً جسدها وهي في السنوات الخمس من عمرها. كانت ؟يوليتا تمد نحوي ذراعيها وشفتيها الطفوليتين طالبة الاقتراب منها، وهو ما استغربته إذ كانت في تلك الفترة لا تزال تفضل عطف أمها. كانت أصبحت جرحاً عميقاً في علاقتي مع إيلينا التي تغيرت بعد الإنجاب. نسيتني ونسيت دمى «ال؟يوليت»، كما لو كنا مجرد تجربة وحجة لتطلق العنان لأمومتها المطلقة. بدورها، بات لها هواجسها الخاصة، هواجس رحيمة لاتزال تبقيها إلى جانبي، إلا أنها كانت تبتعد أكثر عن شفتي كلما حاولت تقبيلها، وعن يدي كلما أردت ممارسة الحب معها.

عندئذ لجأت إلى المعمل والدمى، وأيضاً إلى الكتب والأفلام الصامتة التي لطالما كان لها وقع سحري ومخيف عليّ. غالباً ما كنت أذهب إلى إحدى دور السينما في جنوب المدينة لمشاهدة تلك الأفلام برفقة كلاوس الذي كان أيضاً يستمتع بها.

كنت أغرق في كتب التصوير والرسم وعلم الجسد. وبرغم معرفتي تمام المعرفة بأذواق شريكي وصديقي، كنت أفضل أن أبقى وحيداً في تلك المغامرة. فلم نتصفح يوماً معاً كتاباً لبيلمر أو كتاباً عن الدورة الدموية. إن أراد أحدنا الإشارة إلى شيء معين، كنا نستعين بطاولة الرسم الخاصة بكلاوس التي كانت تحتوي على كل أنواع الريش والأقلام الجاهزة للاستعمال. وفي وسط تلك الطاولة الخالية دائماً كما لو كانت جسماً تم تشريحه، كنا نضع المجلد المفتوح على الصورة أو النص المرجع، بطريقة تمكن كلاً منا من تأملها على حدة. في تلك الأيام التي ابتعدت إيلينا و؟يوليتا عني، قرأت رواية ابنة «بوتاديس»، الذي كان صانع فخار في كورنث. كانت، ومن أجل الاحتفاظ بصورة حبيبها المهاجر، ترسم ظله العابر على الحائط، مستعينة بضوء شمعة. غادر الحبيب طبعاً ولم يعد البتة، لكن من تلك المحاولة لمحاكاة ظله، من تلك الرغبة المستحيلة، ولد فن الرسم، بحسب ما يشرح الكتاب. (علماً أن الإطار المرافق للصورة يشرح أن ابنة «بوتاديس» وصل بها شغفها إلى حدّ التحول هي نفسها إلى ظل، أكثر سواداً من ذلك الذي رسمته).

Page 10

لا يسعني إلّا تذكر «تانتاليس» والتفكير في كل محاولاتنا، اللاشعورية أحياناً، للاقتراب من الجسد الذي نشتهيه. أقول «الجسد»، لأن الرغبة تتجلى دائماً في المادة ولها دائماً أثرها الجسدي: لو عدت بالذاكرة إلى السنوات الأولى لزواجنا حين كانت إيلينا على الأرجح لا تزال تحبني، أشتم مجدداً أريج الزهر الذي كانت تعطر به سُرَّتها. ثم أستذكر الصورة الكاملة: مشهد صامت لإيلينا وهي تدخل غرفة ؟يوليتا الصغيرة في ليلة دافئة، تاركة عند الدرج أثر عطرها الممزوج برائحة مهبلها التي تذكر بعبير الشجر الرطب. «شجر وزهر العسل»... هذا ما كنت أفكر فيه حين بقيت أنتظرها في آخر الدرج بعد أن أرشدني أنفي إليها في الظلام.

تأخّرَت إيلينا في الخروج، فقد استيقظت ؟يوليتا ودندنت في أذنها حتى نامت، أما أنا الذي غلب عليّ النعاس فسمعتني أردد «شجر وزهر العسل».

سألتني فجأة: «أتعرف أن لكل مهبل امرأة رائحة مختلفة؟».

«وأنت كيف تعرفين ذلك؟» سألتها وقد أغوتني صورتها لامرأة تتمتع بتجربة واسعة بعد أن كنت أعتقدها نموذجاً ساذجاً ومغناجاً، فلم أقوَ على مقاومة إغرائها أكثر وأخذت أقبّلها في الظلام.

أجابتني بإصرار: «لا أعرف، لكنني أعرف» قبل أن تكتم اعتراضها ـ ولذتها ـ أمام جموح رغبتي.

منذ ذلك الوقت، أصبحت لدمى «ال؟يوليت» القديمة رائحة: أريج رقيق مستخلص من عطور صافية وأحياناً مختلطة. كانت تلك التجارب الأولى. لقد أبدى خاسينتو ابن السيد غابرييل بعض الامتعاض من ذلك التجديد، لكن سرعان ما استسلم لسحر تلك البشرة المعطرة والطرية التي كانت تولد بين يديه.

أما مع دمى «ال؟يوليت» المحرمة، فاختلف الأمر: كانت رائحتها شبيهة بعطر النموذج الأصلي. رائحة غير محددة كنت اشتممتها لدى ابنتي ؟يوليتا البالغة من العمر اثني عشر عاماً حين كانت تقبلني مودعة لدى ذهابها إلى المدرسة الداخلية، التي كانت تعود منها كل أسبوعين إلى البيت، كمن يفي بوعد.

على مدى أشهر، قاومت رغبة في التفتيش بين الثياب التي كانت تتركها في كيس الغسيل نهاية الأسبوع.

كانت ايلينا قد تركتنا الصيف الماضي. فجأة ومن دون إنذار، رحلت لتعيش إلى جانب هواجسها. ربما كان عليّ التردد إلى خزانتها حيث بقيت ثيابها معلقة على مدى أشهر كالأشباح. لكنني آثرت الذهاب إلى غرفة ؟يوليتا حيث وجدت أثر عطرها الشبيه بعطر الحوريات: مزيج من أريج الشجر والعسل. استبقت عندئذ الحلم الذي عشت من أجله، تلك الذكرى لجرح يختصر حياتي كلها.