eKtab
EN ع
زوال كولونيل
Read free sample

زوال كولونيل

by محمود دولت آبادي

Page 1
أولاً يجبُ أن أُطفئَ سيجارتي
ربَّما كانت العشرين من بقايا السّجائر التي يطفئُها منذُ بداية الليل إلى الآن. أحسَّ بالاختناق وأنَّ لسانهُ وفمهُ من كثرةِ السجائرِ التي دخّنها يفقدانِ حسَّ الذّوقِ فيهما. أُنظُرْ كم من الماءِ على الوجهِ الزجاجيِّ للنّافذة. وأيُّ صمت! صوتُ مطرقة، وبعد كلِّ طرقةٍ منها يحلُّ السُّكونُ وعويلُ المطر. كان المطرُ وصوتُ المطرِ على أسطُحِ التوتياءِ والزنجارِ القديمةِ دائمَ العزف، وما سواهُ صامت. أستطيعُ أن أتذكَّرَ من أيام حياتي غروبَ الشّمسِ على أسطُحِ التوتياءِ والزنجار مرَّةً واحدةً فقط.
في الغروب، بعد المطر، وقبلَ أن تختفيَ الشَّمسُ بِلحظةٍ ترى لوناً آخرَ لِأسطُحِ الزنجارِ يبعثُ الحُزنَ الجميلَ في النفوس، أيّامَ كانتِ الشَّعَراتُ البيضُ تلاقي شقيقاتِها حديثاً. في تلكَ الأيّامِ كان يسيرُ واثِقَ الخُطى يتبخترُ ويُحِسُّ بالأرضِ من تحتِ أقدامِه. لم يكُنْ مجهولاً منسيّاً، ولم يكُنْ وجهُهُ مُعتَصَراً، ولم تكُنْ هذِهِ الثَّنايا والتَّجاعيدُ من الحيرَةِ والهَولِ قد رَسَمَتْ أخاديدَها على جبينِه: مع وجودِ هؤلاءِ السَّادة.... يجِبُ أنْ أُطفئَ ما بقي من سيجارتي أوَّلاً ثُمَّ أنهضُ والمطرُ يتساقطُ على رأسي وآتي خلفَ الباب. اِقرعوا الباب، اِقرعوا الباب. أيَّاً تكونون! لقد مرَّت سنواتٌ ولم أسمعْ خبراً جميلاً والآنَ في هذا الوقتِ لستُ بمُنتظِرٍ لِخَبَرٍ سعيد. لنَرَ ما إذا ما كانت هذهِ السَّاعةُ القديمةُ دقيقةً، يجِبُ أن تكونَ السَّاعةُ في حدودِ الثّالثةِ والنِّصْفِ بعدَ مُنتَصَفِ اللّيل. وانظُرْ كم من الماءِ على الوجهِ الزُّجاجيِّ للنَّافِذة... اِقرعِ البابَ، اقرَعِ البابَ يا عزيزي. دُقَّ بالقدرِ الّذي يوقِظُ الموتى من نومتِهِم. أمّا أنا فلن أخطوَ من الإيوانِ إلى باحةِ الدَّارِ قبلَ أن ألبَسَ حِذائي وأضَعَ معطفيَ المطريَّ فوقَ رأسي. حَسَناً، أنت ترى بِنفسِك أنَّ المَطَرَ يسقُطُ إلى الأسفل كأنابيب طويلةٍ مضيئة. طريّاً... يجبُ أن أُشعِلَ المِصباحَ الكهربائيَّ تحتَ سقفِ الإيوانِ ثُمَّ أنزِلُ على الدَّرَج. أتُريدُ أن تزِلَّ قَدَمي في الظَّلامِ وأسقُطَ وتذهَبَ كتِفي؟... أنا قادِم. اللهُ وحدَهُ جعل مصباحَ أمير لا يُضيءُ في القبو، أنا أستطيعُ أن أحاوِلَ ألاّ أكونَ مُتحيِّراً وأن لا أكونَ مُتعجِّباً مُضطرِباً وأنا أفتحُ الباب. أعلمُ، أعلمُ هذا، لا يجِبُ أن ينتفِخَ ما تحتَ ذقني وجفنايَ منَ الارتِعاد، بِأيِّ وجهٍ لا يجِب! لكِنَّ هذا الجفنَ الأيسَرَ ليسَ أمرُهُ في يدي ولا باختياري، فبِمُجَرَّدِ التَّركيزِ على شيءٍ فإنَّ جفنيَ الأيسَرَ يشرعُ منْ نفسِهِ بالارتعاش. فقط جفني الأيسر....
ـ نعم يا سيّد... نعم... أنا آتٍ انتظِرْ قليلاً.
سَلْ أيَّ شخصٍ يُدَقُّ على بابِهِ في مِثلٍ هذا الوقتِ غيرِ المُناسِبِ ماذا كانَ يفعل؟ ليسَ شيئاً يُتَصَوَّرُ أو يُجْرَأُ على التّفكيرِ في مِثلِه، لا. مِثلُ هذا الحالِ لم يحصلْ أصلاً. رُبَّما لم يجِدْ مِثلُ هذا التَّفكيرُ طريقاً إلى لِسانِه لِأنَّهُ كانَ مُطمئنّاً إلى أنَّهُ لا وجودَ للاختِلافِ في أصْلِ القضيّة. فمِنَ المفهومِ بالتَّجرِبَةِ أنَّهُ لو كانَ أرادَ أن يبقى بابُ البيتِ مُغلقاً، فلن يقومَ شخصٌ بإصدارِ مِثلِ هذا الصَّوتِ بِمطرَقَتِهِ بِهذِهِ الصوّرة.
ومَعَ وجودِ العلاجِ لا أملكُ إلاّ أنْ آخُذَ نَفَسَاً جديداً. طبعاً لا أتخيّلُ أنْ أفسَحَ المجالَ لِنفسي بالتَّفكيرِ في عدَدِ السّجائرِ الَّتي أُدخِّنُها في اللّيلِ والنَّهار، وقد أفلتُّ في لحظةٍ غيرِ متوازِنةٍ من التّصاميمِ الآنية غيرِ العمليّةِ مئةً في المئة. أمّا أن أكونَ عِندَ فتْحِ البابِ مالِكاً لِأعصابي ولا يُعبّرَ التِهابُ أنفاسيَ المُضطرِبَةِ عن خوفي، فلا حيلَةَ لي إلاّ بِأخْذِ نَفَسٍ جديدٍ حيناً بعدَ حينٍ إلى أن يبرُدَ دمي تماماً فأفتَحَ الباب.
ـ جناب الكولونيل؟
ـ نعم... يا سيّد.
ـ أنتُم أنفُسُكُم؟ جناب الكولونيل؟
ـ نعم يا سيّد، أتسألُ من عندي!
ـ فلِماذا لا تفتحونَ الباب؟
ـ الآن، الآن سوف أفتحُه، أخيراً...أنا أبحثُ عنِ المِفتاح.
Page 2
ها هو... سأجِدُه. ولكن لا، هذا المفتاحُ في صندوق، يجبُ أنْ أذهبَ وهذا المفتاح... المفتاحَ نفسَهُ أجلِب، عفواً... لحظةً واحِدة. أين ذهب... أعلى حافّةِ النَّافِذَةِ الصّغيرةِ أم على الطّاولة؟ أنا الّذي أحتَفِظُ بالمِفتاحِ دائماً في جيبي... ألِأنَّ.... في الواقِعِ هي احتِمالات. حَسَناً، منذُ كُنتُ آتي إلى البيتِ عندَ الغروبِ لا أخرُجُ منهُ إلى الوقتِ الّذي أكونُ فيهِ مُضطرّاً لِتغييرِ ملابِسي المُرَطّبة. علّني أجِدُ هذا المِفتاحَ بالتّسبيحِ والقدّاحة ـ حتّى قدَّاحة البنزين الألمانية هذهِ لم تعُدْ تعمل ـ حافَّةُ واجِهةِ المدفأة، تحتَ صورةِ الكولونيل، نعم، صحيح....
كان المكان نفسه. تماماً تحتَ الحِذاءِ الطّويلِ الأسودِ البرّاقِ للكولونيل وبِجوارِ صورةِ محمَّد تقي الّتي تقيسُ سِتَّةً بِأربَعة، الصّورةِ الّتي كانَ أخَذَها بِقصْدِ الحُصولِ على شهادَةِ قيادَةِ السَّيّارة، وها قد مرَّت سنتانِ أو أكثر رُبّما ثلاثُ سنواتٍ وهي لا تزالُ في المكانِ نفسِه، بِجِوارِ الحِذاءِ الطّويلِ الأسودِ البرّاق تماماً حتّى يعتادَ على رؤيةِ ابنِه. نعم أُريدُ أن أعتادَ على النَّظَرِ إلى صورةِ ولدي.
حقيقةً فإنَّ هذا التَّصميمَ من جانبِ الكولونيل كان ناشئاً من حسٍّ دفاعيّ. هو حينَ قرّرَ وضعَ صورةِ ابنهِ مُقابِلَ عينيه أرادَ أن يكونَ في مقابلةِ شيء. يُريدُ أن يحميَ نفسهُ من الغفلةِ بكونِهِ مُقابِلَ ذلكَ الشّيء، ويتصدّى لذلكَ الموجِ الّذي يرتفِعُ من أعماقِ قلبِهِ ويهجِمُ على رأسِه. كأنّهُ كانَ يعتقِدُ أنَّهُ في الوقتِ الّذي تكونُ فيهِ صورةُ محمّد تقي في مُقابلِ عينيهِ، فإنَّهُ لن يغفَلَ عنه. في الواقِعِ إنَّهُ قرَّرَ بالمُداومةِ على مُشاهَدَةِ صورةِ محمد تقي أن يجعلَ من نفسِهِ مواجِهاً لِهجومِ شيءٍ يُريدُ أن يفنيَه. وهكذا فإنَّ مقابلةَ الكولونيل لشيءٍ لا يُريدُ أن يكونَ مغلوباً لهُ صارتْ عادَةً له، وكانَ هذا شبيهاً تماماً، بِإطلاقِ النَّارِ والمواجهةِ في المناوراتِ العسكريّةِ النّظاميّة: أو كالحربِ نفسِها. في الحربِ تحصلُ الضَّربةُ الخطيرةُ في غفلةٍ من المُحارب. بالاستعدادِ المُسْبَقِ فقط تستطيعُ اتِّقاءَ الضَّربَةِ ومنعها.، وكثيراً ما جعلَ مقابِلَ عينيهِ وللسَّببِ عينِه صورةَ الكولونيل الكبيرةَ بتمامِ القامةِ الَّتي مرَّ عليها أكثرُ من نِصفِ قرنٍ من الزّمان، وكان يتمنّى بِحسرةٍ لو كان يستطيعُ وضعَ صورةِ زوجتِهِ تحتَ رُهابَةِ سيفِهِ في الزَّاويةِ اليُسرى من إطارِ الصُّورةِ تماماً، ليجعلَ لها موضعاً مقابلَ عينهِ ويتمكَّنَ من النَّظرِ إليها. لكنْ لا أستطيع. إلى الآنَ لا أستطيع. بينما كان من الممكنِ أن يضعَ صورةَ بروانة بسرعةٍ ويجعلَ لها مكاناً أسفلَ حذاءِ الكولونيل. بعد ثلاثةِ أيّامٍ وثلاثِ ليالٍ من كونِ بروانةَ لن تعودَ إلى المنزلِ مُجدّداً، جعلَ لِصورتها موضِعاً في الزَّاويةِ اليُمنى من الإطار بجوارِ صورةِ محمّد تقي، والآن مرَّ شهرانِ تقريباً على وفاتِها وهو يسعى ليُعوِّدَ نفسَهُ على النَّظَرِ إلى الصُّورةِ الصّغيرةِ لابنته، كما هو الحالُ مع صورةِ مسعود الّذي كانوا يسمّونهُ في البيتِ بالصَّغير، نعم الصغير. وربما بِسببِ حاجِبيهِ السَّوداوينِ الكثيفَينِ وأنَّ جبينَهُ كانَ قصيراً، كانَ الأولادُ يُلقّبونهُ صغير الغابة!...
ـ... خُذْ. أتيتُ بالمفتاح، الآنَ وجدتُه. الآنَ أفتحُ الباب، حالاً الآن. عفواً. مساء الخير!
أضاءَ النّورُ القادِمُ من مِصباحِ الكهرباءِ من رأسِ الزُّقاقِ وجهَ الكولونيل وجعلهُ يبدو مِثلَ قمرٍ منير. كان النُّورُ يسقُطُ من الخلفِ على أكتافِهِما، وكان يُغطّي كتِفَي كُلٍّ منهما قميصٌ واسعٌ زيتونيُّ اللون، له قبعة، وكان النُّورُ وحبَّاتُ المطرِ شبيهَينِ تماماً بالغُبارِ الأبيضِ الّذي علا أكتافَهُما وحوافَّ قُبَّعتيهما وأنارَ جُزءاً من وجهيهِما، وأدركَ الكولونيل أنّهما شابّانِ وأنَّ كُلاً منهما يحمِلُ سلاحاً على كتِفهِ وأنَّ كُلاًّ منهما... لقد طالَ الوقتُ الّذي لم يسمعْ فيهِ الكولونيل صوتاً يقولُ لهُ مساءَ الخير، وقد قالَ بِغيرِ اختيارٍ منهُ سلام، ووقفَ مستسلِماً مُنتظِراً أن يتكلَّمَ هذانِ الشَّابّان وينطقا بِكُلِّ كلمةٍ لديهما ويقوما بما عزما عليه.
لم يطُلْ سكونُهما، وأخرجَ واحِدٌ منهُما مِصباحاً من جيبِ قُبّعتِه، وفوقَ نورِ مِصباحِ عمودِ الكهرباءِ الَّذي كان ينيرُ وجهَ الكولونيل، أسقطَ عليهِ نورَ المِصباحِ السَّريع وأدامَ ذلكَ فترةً ثُمَّ أدارَهُ في الباحةِ المُمتلئةِ بالمطر، وقبلَ أن يتحرَّكَ نورُ سطحِ الحوضِ باللّمعان، سَحَبَ خيطَ نورِهِ وأطفَأهُ على وجهِ حِذاءِ الكولونيل غيرِ المُبَلّل، وبقيَ ينتظِرُ تصميمَ وإقدامَ رفيقِهِ على ما يبدو.
كانَ الكولونيل كُلُّهُ سؤالاً. في الواقِعِ كانَ واقِفاً تحتَ المَطَر بكتِفَيهِ البارزتين والانحناءِ الّذي رمى بِهِ الزَّمانُ ظهرَه. وبِنَظَرٍ ثابِتٍ ممزوجٍ بالخوف ظلَّ علامَةً على السُّؤالِ الّذي بدا وكأنَّ يدَهُ ترسُمًه. أمّا من حيثُ الكلام فلم يكُنْ على لسانِهِ أيُّ سؤالٍ وكانَ لسانُهُ في الحقيقةِ عاجِزاً عن أيِّ كلام. قُلِ التَّرحيب، حتّى التّرحيب، هذا العُرفُ الجاري غابَ عن ذاكِرتِه. كان ينظُرُ فقط، كانَ ينظُرُ إلى الشّابَّينِ الّذَينِ لا يزالانِ واقِفَينِ خارِجَ البابِ في حالَةِ من يبحثُ عن سرٍّ مُبهَمٍ في صمْتٍ، وتحتَ ظِلِّ المَطَرِ الّذي يلمعُ في ضياءِ نورِ مِصباحِ كهرباءِ الزُّقاق.
Page 3
كانا يُفكِّرانِ بِكُلِّ ما يُريدانِ من شيءٍ مُبهَمٍ أو معلوم، أمَّا الّذي كانَ يشغلُ فكْرَ الكولونيل ـ بِصَرفِ النَّظَرِ عنِ الخوفِ الَّذي كانَ مثْلَ نهرٍ دائِمِ الجَرَيانِ في عُمقِ وجودِه ـ فهو عُمْرُ هذينِ الشَّابَّينِ اللذين كانا في السِّنِّ في مِثْلِ سِنِّ ولديه محمد تقي والصغير. كانَ يُفكِّرُ أنَّ مُحمّد تقي فيما لو بقي فإنَّهُ في شهرِ أسْفَنْدْ، وفي الثّاني عشرَ من شهرِ أسفند تماماً، سنةَ ألفٍ وثلاثِ مئةٍ وواحِدٍ وستين، كان سيُتِمُّ الحاديةَ والعِشرينَ من عمره، ولو بقي مسعود فإنَّهُ سيكونُ الآنَ في حدودِ السَّادِسةِ والعِشْرينَ من العمر.
... لكن ما كان يجِبُ أن أفعل؟ كان يجبُ أن أفعلَ ماذا؟ ألم يكُن عليّ... ألم يكُن يجبُ أن أفعلَ شيئاً، كان الأمرُ قد خرجَ من يدي. كان ولداي بالغَين. كُلٌّ منهُما كانَ إنساناً لِنفْسِهِ ثُمَّ لا دليلَ على أنَّهُما كانا ليسمعا كلامي. حديثاً... هل كُنتُ أستطيعُ أن أفرِضَ عليهما بأن لا يهيجا؟ كانت ثورةً، ثورة. في الثّورةِ كُلٌّ يجري خلفَ منفعةِ نفسِه، إلاّ إذا كانَ شابّاً. الشُّبّانُ... الشُّبّان... لا يُقالُ للشُّبّانِ أنّهُم يجرونَ وراءَ منفعةِ أنفسِهِم. كُلُّ شابٍّ في الثَّورةِ يسعى وراءَ حقيقةِ نفسِه، وراءَ حقيقَةِ وجودِ نفسِه، في هذهِ الثَّورةِ أعلى أنواعِ الهَيَجانِ للشَّباب، وفي مثلِ هذا الأوجِ من الهيجانِ فللشَّابِ حُكْمُ الحمامَةِ الّتي تطيرُ نحو الشَّمسِ العاليةِ، وتطيرُ إلى أن تحترِقَ بالشَّمس. وهكذا هو أوجُ حقيقةِ الشّباب! هكذا كان، فكما لو أنَّ الثَّورَةَ حملتْ ولديَّ معها ولا أستطيعُ الآنَ أن أتصوَّرَ في أيَّةِ نُقطةٍ من أوجِ نفسِهِ احترقَ كُلُّ واحِدٍ منهُما، أو هو يحترق. آهٍ... آهٍ على الجيرانِ وأهلِ مدينتنا ومواطنينا! لو عادَ شابٌّ نصفُ محترقٍ من المناطِقِ والحدودِ الَّتي احترقت وحقيقةُ نفسِه، حقيقَةُ نفسِه... مخدوعٌ مخدوعٌ وعقيدَةٌ أخرى أتت... ذلك الوقت... ذلك الوقتُ حيثُ القِطَعُ المصهورةُ... القِطَعُ المُذابَةُ... هذا السَّيلُ المُذاب...
ـ أولادي... أبنائي!... عفواً إلى داخِلِ الغُرفَة، ليسَ من الصَّحيحِ البقاءُ تحتَ المطر.
ماذا يُمكِنُ أن يُقالَ غيرُ هذا؟ حتّى لو لم يُبرِزا بطاقَتَيهما الشّخصيَّتين للكولونيل فإنَّهُ لن يمنعهما من الدُّخول.
لا يستطيعُ منعَ دُخولِهِما حقيقةُ هذا أنّني أخاف، من وقتٍ بعيدٍ وأنا أخاف. رُبَّما كان من المُمكنِ قفلُ بابِ باحةِ الدَّار. من المُمكنِ ألاّ يكونَ بابُ باحةِ الدّارِ مُقفلاً في وقتٍ ما. أيَّةُ صُدفةٍ أن يقعَ هذا في عينِ الوقتِ الّذي تُرِكَ فيهِ بابُ باحةِ الدّارِ مفتوحا. قفْلُ بابِ باحةِ الدّارِ شيءٌ ثانويٌّ في طبيعتِهِ بالنِّسبةِ للكولونيل، وهو لم يكُنْ يأتي بِهِ من بابِ الحَذَرِ، ولم يكُن يفعلُهُ بقصْدِ الحِفظِ والحِراسة، ولا... بل كان مُجرّدَ عادة، أنا أخافُ يا سيِّدي العزيز، أخاف. لا أعرِفُ من أيِّ شيءٍ ولا من أيَّةِ قوَّةٍ أخاف. عنديَ قدرٌ من الإدراكِ لأرى ابن آدمَ شيئاً غير متاعِهِ ولباسِ بدنِه، كما أنَّ ذِهني في كثيرٍ من الأحيانِ يقومُ بالتَّجسيم بغيرِ متاعٍ ولباسٍ وبغيرِ اختيارٍ مني، ويقعُ لي أن أسمعَ أصواتَ أنينِ جاموسٍ وحشيّ ـ من تلك الّتي رأيتُها قديماً في السّينما ـ وتتراءى لي وتصيرُ عينايَ مربوطتينِ بها. ومن الحق أن عينيَّ تُغلَقانِ من الرُّعبِ إذْ أحسُّ أنَّ أُناساً مثيرينَ للرُّعبِ جدّاً ـ وجوهُهُم مُغصَّنَةٌ بأغصانٍ عجيبة ـ من مثْلِ تلك الّتي رأيتُ في السينما ـ يأتونَ ويدمِّرونَ كلَّ شيءٍ، ومن جُملةِ ما يُدمِّرون أنا، يكسرون العظمَ نِصفَين. كابوس... سيّدي العزيز
ـ لكن لماذا لا تتفضّلون بالجلوس، تفضّلوا... رغمَ أنَّ هذِهِ الكراسي ذهبتْ جِدَّتُها وصارتْ جُلودُها كالخُبْزِ اليابِسِ تُؤذي. لكنْ قديماً قيل الموجودُ في البيتِ والضَّيْفُ أيّاً كان... على كُلِّ حالٍ تفضَّلوا اجلسوا.
لا بُدَّ من الجلوسِ أخيراً... ها؟... نعم، يجلسون... المنديل، نعم...
Page 4
من الممكِنِ حملُ منديلٍ وتجفيفُ الشَّعرِ الأبيضِ من المطرِ الّذي دخلَ فيه والتَّخلُّصُ من البلَلِ ومسحُ الوجهِ والحاجِبَين، أمّا ما عداهُ فصارَ بعيداً. بعيداً في تفكيرِه. الآنَ وبالقدرِ المُستطاعِ يُشعِلُ سيجارتَهُ وظهرُهُ إلى المِدفأةِ وهو جالِسٌ على كُرسيٍّ بِلونٍ صنوبري. كانَ يُحسُّ بالرِّضا، بل وكانَ يُحسُّ بالاطمئنانِ، رغمَ أنَّهُ كانَ مُضطرّاً لِمسكِ قبضَةِ يدِهِ اليُمنى بيدِهِ اليُسرى والسَّعيِ لكي لا تكونَ منها انزلاقةٌ خطيرة. رُبَّما كانتِ السَّيجارةُ الّتي يُمسِكُها بينَ إصبَعيهِ أسوأَ من يدِهِ وهو يتحرَّكُ بلا توقُّفٍ ويهتزُّ بِشَكلٍ ظاهِر. مدينتُنا ليست مركَزَ المُحافَظَة، فلا يُمكِنُ للنَّاسِ فيها ألاّ يعرِفَ بعضُهُم بعضاً. لو تمكَّنتُ من جمعِ حواسّي والسَّيطَرَةِ على أعصابي فأنا مُطمئنٌّ إلى مقدرتي على معرفَةِ ضيوفي، بالقليلِ من العلاماتِ من آبائهم. فأنا وإنْ لم أكُنْ في الأصْلِ من المنطِقة إلاَّ أنَّني أسكُنُ هنا مُنذُ زَمَنٍ طويل، وقد وُلِدَتْ بروانتي في هذه البلدة، في تلك السِّنين لم يكنْ عمرُ أكبرِ أولادي أمير أكثرَ من خمسَةِ عشرَ عاماً، وأوسطُ أولادي كانَ في عمرِ الأطفال، ولم يطُلْ بهم الوقتُ حتّى تمكّنوا من النُّطْقِ بِلهجَةِ أهلِ المنطقة، وإذا ما أعانني ذهني فإنَّني أستطيعُ وبِشكلٍ قطعيٍّ أن أكتشِفَ من حديثِ ضيفَيَّ ما إذا كانا يعرِفانِ مسعود ومحمد تقي، وما إذا كانا لهُما رفيقَينِ وصديقَين؛ أتخيَّلُ أنَّهُمْ كانوا في صفٍّ واحِدٍ وكانوا يجلسونَ على مقعدٍ واحِد، وفي اللّيالي والأيّامِ المليئةِ بِضوضاءِ الثَّورة لا بُدَّ وأنَّهُمْ كانوا يعرِفُ بعضهُم بعضاً... ها؟.
لا. كانا ساكِتَينِ وكانا يُخفيانِ وجهَيهِما كأنَّهُما في خَجَلٍ في المحضر.
الشَّابُّ الَّذي ذكّرَ الكولونيل، بمحمّد تقي، ـ أو أنَّهُ أرادَ أن يكونَ هكذا ـ لم يتحمّل، نهضَ ووقَفَ إزاءَ الصُّورةِ الكبيرةِ للكولونيل، وجَعَلَ عينَهُ على عينِ صورةِ محمّد تقي، وظلَّ على هذهِ الحالِ ينظُرُ نظراتٍ طويلةً، وقُبَّعةُ معطفِهِ مرخيَّةٌ على كتِفَيه، وهذا الّذي كانَ على حَدَسِ وظنِّ أن الكولونيل مثل مسعود في الشَّكلِ والوجه، جالِسٌ مثلهُ، واضِعٌ مرفقيهِ على المِنضَدة، ويداهُ متقاطِعتان، ورُبّما كان ينظُرُ إلى ذلك الجُزءِِ الَّذي تظهرُ خيوطُهُ من وجهِ المنضَدة القديم القرمزيِّ اللّون، وهو لا يزالُ صامِتاً إلى الآن.
الشُّبّانُ... الشُّبّان! لكأنَّ الشَّخصَ الشَّابَّ خُلِقَ محجوباً بالفِطرة، لكِنَّ في وجودِهِ قُدرةً واستِعداداً غريبَين، فهو بسُرعةٍ قلَّ نَظيرُها يستطيعُ أن يتبدَّلَ لواحِدٍ من أوقَحِ الأحياءِ على وجهِ الأرض. حيٌّ لم يرتكِبْ جُرماً طوالَ حياتِهِ ولم يعزِمْ عليه، يُمكِنُ لهُ بِناءً على تلكَ القابليَّةِ لديهِ أن تحصَلَ على يديهِ جميعُ الجناياتِ الرَّهيبةِ الّتي حصلتْ في التَّاريخ. الوصيَّةُ الّتي مراراً ومراراً كان توفيقُ الشَّابِّ في تنفيذِها ثابِتاً. أيُّ عَمَلٍ وأيَّةُ حِرفَة! لكن... نحنُ ماذا؟ نحنُ الّذين كُنّا بِطَلَبٍ وبِدونِ طَلَبٍ نُرسِلُ لُقَمَ الطَّعامِ إلى الزُّقاقِ لِتصيرَ ذخائرَ لهُم، ليُقرِّروا اختيارَ شقاواتِ الدَّلالِ الأولى، وكُنّا نظلُّ ننتظِرُ إلى أن تُختَطَفَ لُقَمُ الطَّعامِ من أيدينا اختِطافاً، وسوفَ تتحوَّلُ إلى سيفٍ مرفوعٍ علينا.
ـ هذا اِبني محمد تقي كان في السَّنَةِ الأولى من الطِّب...
ـ أعرفُهُ... أنا أعرِفُه...
لعلّهُ ما كانَ يجِبُ أن يُنطَقَ مِثلُ هذا المقال أو يُسْمَعَ مثلُ هذا الجواب. فالكولونيل من إحساسِ نفسِهِ ومن حالةِ وهيئةِ وقوفِ ذلك الشَّابِّ الصَّغيرِ، كانَ قد استنبطَ ذلك، والآن فهِمَ أنَّهُ كانَ يعرفُ ولده. قلبُهُ كان يُريدُ أن يكونَ مُطمئنّاً إلى أنَّهُ يعرِفُ محمد تقي، رغمَ أنَّ خيالَهُ لم يذهبْ إلى ما الَّذي يُغيِّرُ في الأمرِ أن يعرِفَهُ أو لا يعرِفَه، وهي معرفةٌ في الماضي، ولا يُعرَفُ ما كانت تلكَ المعرفة. هنا وللحظةٍ قصيرةٍ وسريعةٍ فإنَّ حواسَّ الكولونيل إلى مكانٍ آخَر وشيءٍ آخَر، ذهبتْ بِغيرِ طريقٍ إلى صحراء، رُبَّما من الأمواجِ الهائلةِ الّتي كانَ الكولونيل نفسُهُ قديماً يخوضُها.
محمد تقي مثلك قليلُ الصَّبر.
بالنِّسبَةِ للجميع، كانَ من الأكيدِ أنَّهُ لن يبقى مُقابِلَ صورةِ محمد تقي أكثر من ذلك. ولم يكُن الكولونيل يُفكِّرُ أنَّهُ من المُمكنِ أنَّ ذلكَ الشّابَّ بسُرعةٍ إلى مُقابِلِ صورةِ بروانة. لا، جاء وجلَسَ ونَظَرَ إلى صفحةِ ساعةِ معصمِهِ ثُمَّ أدارَ وجهَهُ إلى رفيقِه، وبدا للكولونيل وكأنَّهُ مرَّ عليهِ وقتٌ طويلٌ وهو ينتظِر. الوقتُ يمُرُّ وإلى الآنَ لم يتَّضِحْ شيء. وهما وإنْ انتظرا وقتاً، فانتِظارُ الكولونيل كانَ في إبهام، وهو في كلِّ لحظةٍ من اللّحَظاتِ كانَ يُحِسُّ بكُلِّ جُزءٍ من سلوكِهِما البدائي قليلاً. حيثُ أنَّهُ إلى الآنَ لا يعرِفُ أين ستقصدُ الضَّربةُ منه، فقط كان يحسُّ أنَّهُ بانتظارِ ضربة، وكانَ في هذا الانتظار. كانَ على يقينٍ من ذلكَ، وأنَّ الشَّابَّينِ كقِطَعٍ مُذابَةٍ ومُذيبة أخالُها راجِعَةً من الشَّمسِ إلى الأرض لم يطرقا بابَ دارِهِ حامِلَينِ المرهمَ لِجراحاتِه. يجِبُ الانتِظارُ ودوامُ الانتِظار حتّى يكونَ واحِدٌ منهُما ولا أعرِفُ مَن منهُما؟ المُنَفِّذ. قال:
ـ اقترِبْ منّي خُطوةً واحِدَةً للحُكْم!
ـ حُكْم؟!
ـ هناك سيقولونَ لك، يا كولونيل!
Page 5
لا، لا يجِبُ أن أتعجَّب. لا يجِبُ أن يظهَرَ منّي سوءُ خلق. أنا... أسعى منذُ مُدّةٍ طويلةٍ لِئلاّ أخرُجَ من الإقليم، وأعملُ بكُلِّ وسيلةٍ لِحِفظِ هدوءِ نفسي. وفوق ذلك فأنا منذُ مُدّةٍ أسعى لئلا أندهِشَ من رؤيةِ أيَّةِ واقِعةٍ أو سماعِ أيِّ خبر... لا يجبُ أن أندهش. لماذا؟ إنَّ الإنسانَ إذا اندهشَ من واقِعةٍ ألمَّت بِهِ فإنَّها ستظلُّ جديدةً عليه، وأنا يجبُ أن أقبلَ أنَّ إحساسي مُرتبطٌ بِشيء، بحالةٍ وموضوعٍ من الماضي، بِشيءٍ ليسَ لهُ ارتباطٌ بِحالِنا الحاضِر. رُبّما يرتبِطُ بعملي في جيشِ الشَّاه، أو رُبَّما بِذهابِ الصَّغيرِ إلى الجبهة... أو رُبَّما بواقِعةِ زوجتي؟ و... بروانة؟ لا أعلم. آلافُ الأشياءِ يُمكِنُ أن تكون. لكن... لكن... فقط قلبي يرتجف وليست يدي. اِرتجِفْ أكثرْ، ماذا أعمل! أنا الَّذي لا أستطيعُ أن أفتحَ القِفلَ على بابِ غُرفتي وأهبِطَ الدَّرَج. أخيراً أنا مُضطرٌّ لأن أقوم بهذا العمل. أفتحُه. حقّاً، من حُسنِ الحظِّ أنَّني لم أنزعْ قُبَّعتي. هي على رأسي. وهكذا ولحصولِ الاطمئنانِ بوجودِها أرفعُ يدي وألمسُها على رأسي، وفي الحالِ عينِها فإنَّ حواسّيَ تُثْمِرُ إلى المِقدارِ الّذي يجعلُني أعرِفُ أنَّهُ يجِبُ عليَّ أن أرفَعَ ياقَةَ معطفي إلى الأعلى، حتّى لا تعبُرَ تحتها قطراتُ سلاسِلِ المطر. إنَّ خاطِراً خَطَرَ لي في سرّي، هو أن أقومَ بِسُلوكٍ ما حتّى لا يلتِفِتَ هذانِ الشَّابّانِ إلى وجودِ أمير في قبوِ المنزل. ما منْ سبيل، فقد كنتُ أُحِسُّ إحساساً مُبهَماً بِأنَّ سُلوكَ أمير الَّذي كان مُنزوياً بِنفسِهِ في القبو مُنذُ أكثَرَ من عامٍ، يُمكِنُ أن يُثيرَ الشَّكَّ والشُّبهَة، ويُمكنُ أن يُحرِّكَ البحثَ والتَّحرّي إلى درجةِ أنَّ هذا العمل سينتهي إلى الشّكّ. حيثُ أنَّ العقلَ يحكُمُ على الظّاهر، ولا يوجَدُ دليلٌ عقليٌّ على أنَّ هذا السَّجينَ السّابِقَ ينزوي بِنفسِهِ بِبراءةٍ في قبوِ منزلِ والِده، بل حتّى يُمكِنُ القولُ إنَّهُ يحبِسُ نفسَه، وكان يحترِزُ من الحديثِ إلى الحدِّ المُمكنِ حتّى إلى أقربِ الأشخاصِ إليه. طبيعيٌّ أنَّ مثلَ هذا السُّلوك من مِثلِ هذا الشّخصِ يبعثُ على سوءِ الظَّنّ، والأفرادُ سيدفعونَ المسؤولينَ للقيامِ بالتَّحقيقِ والتَّحرّي. أمير في الواقِع ليسَ مجنوناً ولا يُسلِمُ فِكرَهُ لِطريقٍ واحِد. أنا نفسي سمِعتُ مراراً الصَّوتَ والحديثَ بينهُ وبينَ أُختِهِ فرزانة، وفرزانةُ اعتادت أن تُكثِرَ الكلامَ لِتُعبِّرَ عن المشاعِرِ الأخويّةِ بِتِكرارِ الكلمات، وبِما أنَّ عُمرَها قريبٌ من عُمرِ أمير، فقد كانَ يحصَلُ أحياناً المجالُ ليجلِسا على حافَّةِ دَرَجِ القبوِ، وتثيرُ غُصَصَهُ بالحديث.
لماذا أنت جالِسٌ تحسِبُ النُّجوم أخي حبيبي؟ ماذا سيكونُ غيرَ أنَّ الدُّنيا ستنتهي؟ لستَ وحدَكَ المظلوم، كثيرونَ مثلكَ صاروا بلا عَمَل. ليسَ صحيحاً أن يجلِسَ المرءُ في الزَّاويةِ ويستهلِكَ نفسَهُ بالنَّشيج. ماذا حدثَ يا أمير يا روحي يا أخي يا حبيبي! فكِّرْ قليلاً بِأبيك. إنَّ أبانا صارَ هَرِماً بعدَ خبرِ محمد تقي. أنت يجبُ أن لا تُسبِّبَ لهُ الموتَ انكِساراً. أبي أصابَهُ كثيرٌ من الألَمِ هذا الزَّمان، أنت تعرِفُ ذلكَ أكثرَ منّي. حتّى لو لم تكن الأخَ الأكبَرَ في الأسرةِ لكانَ يجِبُ عليكَ التَّفكيرَ أكثَرَ بالأُسرة. بنا. أنا امرأة، ليسَ أمري بيدي. أنتَ الَّذي تعرِف، زوجي هو السَّيِّد قُرباني. إنَّهُ يمنعُني من المجيءِ إلى هذهِ الأماكِن. ابني هو الآخَرُ لا فَهْمَ له، وأبوهُ يستنطِقُه؛ وبِنتي أيضاً. وطفلٌ صغيرٌ يحبو. قرباني حجّاج يُسيءُ الظَّنَّ بكُلِّ شيءٍ ويخاف، لِدَرَجَةِ أنَّهُ يُمسِكُ ولدي ويستجوِبُه، والولدُ الصَّغيرُ لا يستطيعُ أن يُمسِكَ لِسانَه، وفي النِّهايةِ يتكلَّم. إنَّهُ طِفل، ليسَ عاقِلاً. أمَّا قلبي فليسَ بعيداً عنك، ثيابي تشتعِلُ بِجَسَدي. لا حيلَةَ لي أخي حبيبي، أنا مُضطرَّةٌ لِمُداراةِ زوجي، ولِطاعَتِه، رُبّما... رُبَّما لن أستطيعَ مُجدَّداً، رُبَّما لن أستطيعَ مُجدَّداً المجيءَ لِرؤيتِكُم... لأنّ، لأنَّ قُرباني يقولُ إنَّ مجيئي إلى هُنا سابِقَةٌ تُدمِّرُه، يُمكِنُ أن تجلِبَ لهُ مُشكِلة. حجّاج قلِقٌ كثيراً على وضعِهِ وعَمَلِه. لكُم، لأُسرتِنا صحيفةٌ سيِّئةٌ عندهُم، صحيفةٌ يا أخي العزيز؛ اِسمٌ سيِّءٌ، يسقُطُ السَّقفُ على الإنسان ولا يسقُطُ الاسمُ عنه. عزائي ومواساتي ليسا بالمجيءِ والنِّساءُ لن تنطقَ حرفاً عنكُم. بعضُهُم لهُ لِسانٌ صارِمٌ يا أخي الحبيب. لا أذهبُ حيثُ لا يجب. الاِسمُ السَّيِّءُ الّذي حدثَ بهذا الشَّكلِ يجعلُ المرءَ بعيداً عن نفسِه. يبتعِدُ الإنسانُ عن نفسِه، وكُلٌّ يُريدُ أن يُكلِّمَ الآخَرينَ بِألفِ لِسانٍ صامتٍ، ويصنَعَ حالَةَ أنا نفسي لستُ أنا، أنا نفسي لستُ أنا، أنا لستُ ذلكَ الأنا الَّذي في فِكرِكُم! فأنا مُضطرَّةٌ أخي الحبيب إلى أن أبتعد أنّني، في الواقِع... عن نفسي أبتعِد. لكنّني أراكَ في كُلِّ وقتٍ أو تمُرُّ بِفِكري، أُفكِّرُ في كُلِّ وقتٍ بِحالِ وعَيشِ أبينا الَّذي ظُلِمَ كفرخِ طير، أورَمَتِ الغصَّةُ حلقي. تضخَّمت غُدَّةُ حلقي. وقلبي يُريدُ أن ينفجِر، ليتني أصيرُ ماءً وأنسرب في الأرض. أمير... أمير... أخي حبيبي، انطق بحرف من الكلام، قُلْ ما تشاء فيما أقول. ليتَ بلاءك يصيبُ عيني. أنت الّذي بهذهِ الحالةِ تُسبِّبُ قبلَ أيِّ شخصٍ الموتَ لِوالِدِنا. أخيراً كيف صِرتَ جائراً فجأة، وأنت الّذي كُنتَ حَسَناً حَسَناً؟ أنت الّذي كُنتَ تنصحُ الجميعَ وتُذكِّرُهُم، طُلاّبُكَ مثل بروانة يتنزَّهونَ بعيداً عنك، إنَّهُم يُحبُّونكَ مثلَ أخٍ كبيرٍ لهُم... شقيقاتُكَ سيشِبنَ يا أمير يا أخي يا حبيبي!
كنتُ أسمعُ أصواتَهُما وأنا مُقيمٌ على نفسِ الحالِ، أقرأُ لِلمرَّةِ المئةِ قِصّةَ منوشهر وغيرها، سلم وتور وإيرج1 الَّذين صاروا قريبينَ منِّي حتى كأنّي أراهُم وأستطيعُ أن أتصوَّرَ كم تألَّموا. في المراتِ الأخيرةِ الّتي رأيتُ فيها عَينَي أمير بدتا مُضيئتَين، مُضيئتَينِ أكثرَ من السَّابِق، بين الخَجَلِ والهولِ والشَّكّ، شيءٌ أكثرُ من اليأسِ تفتَّحَ من بُذورِهِما. شعرُهُ الطَّويلُ المُجعَّدُ مرخيٌّ على كَتِفَيه، وفي شعْرِهِ عِرْقٌ أبيضٌ أراهُ في وَسَطِ شعرِهِ تماماً. كنتُ أرى ولدي في القبوِ من خلْفِ زُجاجِ النَّافِذةِ الكَدِرِ وهو يضعُفُ ويهرُمُ، ولا أستطيعُ أن أعمَلَ شيئاً من أجلِه. كانت ليالي كُنْتُ أسمعُ منهُ أصواتاً عجيبةً، وكُنتُ أُحسُّ أنَّهُ يرى كابوساً في منامهِ، وأستطيعُ التَّخمينَ في مُخيِّلتي أنَّ ابني كان يرى أحلاماً موحِشَة، حُلُمٌ ورؤيا وكابوس، كابوسُ سُقوط، سُقوطُ أُناسٍ من أسْقُفٍ عالية، سُقوطُ حِجارةٍ ثقيلةٍ في الخلاء، سُقوطُ فتيةٍ في أعماقِ اليأسِ الأسود، مسخُ وجهٍ في النَّومِ، وهو يتألم، وفقط يتألَّم، حُلُمٌ بِصرخاتٍ موحِشَةٍ يائسة، حُلُمٌ بِرجُلٍ يُسحَبُ أولادُهُ للمسلخِ ويُنتهى منهُم سريعاً، نساءٌ يبقُرنَ أرحامهُنَّ كي لا تعلق بها النُّطفةُ وذلك ما يستطِعنَ فِعله... وآهٍ، آه اليأسُ مثلَ قنبلةٍ مخنوقة، وأشياءٌ عجيبةٌ وصُدَفٌ عجيبةٌ، أنا هرمتُ حتّى اعتدْتُ على رؤيتها وسماعِها دون تعجُّبٍ كبير، لكنْ أمير لم يُوفَّقْ إلى الآنَ ليتلقّى عجائبَ الزَّمانِ بِشكلٍ عاديّ، والإحساسُ بالذّنبِ ـ وهذا استنباطٌ منّي ـ هو شيءٌ يؤذيهِ أكثَرَ من جُرحٍ باقٍ في العظم. أمير بالنِّسبةِ لي وأنا أبوهُ لا يزالُ شابَّا. لكنَّهُ ليس شابّاً إلى ذلك الحدِّ الَّذي أستطيعُ معهُ أن أتحدَّثَ إليهِ بِلِسانِ النَّصيحة، من أجلِ ذلكَ فأنا وولدي نفقدُ شيئاً فشيئاً لُغتنا المُشترَكَة. فأمير لا رغبَةَ لهُ في المُحادثةِ وأنا أيضاً عندي خجلٌ من التَّكلُّم، وأخيراً صرتُ إذا ما حدّثتُهُ عن شيءٍ فإنَّهُ يحفظُ ما أقولُهُ عن ذلكَ الشَّيءِ باعتِبارِهِ كلاماً، وأنَّ كُلَّ ما قُلتُ كان يجبُ أن لا يُقالَ، وأنَّ السُّكوتَ كان واجباً. فرزانة فقط، بعيداً عن عينِ زوجِها كانت تسرقُ الفُرصَةَ أحياناً وتحضرُ فجأةً، وتُحاوِلُ بِلَحنِها وعاطِفتِها وحنانِها أن تجعَلَ أمير ينطِق، فهي وأمثالُها فقط يستطيعون التَّعبيرَ عن هذهِ المصائبِ الكُبرى بكلماتٍ صغيرةٍ بلا مبالاةٍ بالكمِّ والكيفِ من هذهِ الكلمات. كانت فرزانة تجلسُ عادةً على أسفلِ درجةٍ من دَرَجِ القبوِ كأُمٍّ حنونٍ، تحمِلُ طفلها الصَّغيرَ على رُكبَتَيها، تذرفُ الدَّمعَ وتُكلِّمُ أمير، وبتجميعي لِحواسّي أستطيعُ سماعَ ما تقول ـ... بي غصَّةٌ وعندي اختناقٌ من ضخامةِ غدَّةِ الحلْقِِ يا أخي الحبيب. ارحمني على الأقلِّ. لم أعُدْ أستطيعُ أن أراكَ تذوبُ أمامَ عيني. إلى متى نخسرُكَ بهذا الشَّكل. محمَّد تقي الَّذي بذلكَ الشَّكل، مسعود أيضاً الّذي... لا خطَّ عنهُ ولا خبرَ وأنا أفقدُ الأمَلَ شيئاً فشيئاً، وأختُنا بروانه... بروانة... أختي الصّغيرةُ يا أمير حبيبي! لا يُعرَفُ شيءٌ... لا يُعرَفُ عنها شيءٌ غيرُ الموت، غيرُ الموت. الموتُ الّذي انتهكَ حُرمَتَها. حين أتخيَّلُ ذلك اليوم الَّذي لابُدَّ أن يأتوا بِهِ بِجنازَةِ مسعود أو بِلَوحَةٍ عنه، وهذا يمُرُّ بِخيالي كُلَّ وقت، لا أعرِفُ ماذا يجِبُ أن أفعلَ فأضحَك. وفي النَّهارِ في كُلِّ وقتٍ يخطرُ لي أنَّهُم قد جاؤوا بجنازةِ محمد تقي، ممّا لا أعرفُ معهُ ماذا عليَّ أن أفعلَ، فأحبسُ البُكاء. موتٌ وموت، كم من الموت... إخوتي، إخوتي... الإخوة! أُنظُرْ ما جرى، أُنظُرْ كيفَ صارَ أنّني لا أستطيعُ جهاراً ودون مبالاةٍ وخجلٍ أن أنطِقَ حرفاً عن الموت! أختنا ماذا حلَّ بِها، أمير، أختنا الصَّغيرة؟ المدينةُ مليئةٌ بالمناديلِ وفي أزِقَّتِها التَّوابيتُ تسيرُ في طُرُقاتِها، وشوارِعُها الكُبرى مفروشةٌ بالدِّماء، وزوجي من عُمَّالِ الموتِ قد صار، حيثُ أنَّهُ عَزَمَ... ماذا أعرف! وأنا أخي حبيبي، ضخامةُ الغدَّة، ضخامةُ الغدَّةِ أسفَلَ الحَلْقِ أصابتني وتخنقُني وأنت... صامت، صامِت... أنا رُبَّما أقضي من هذهِ الحالةِ المُضطرِبةِ يا أخي الحبيب، أمير... أمير!... أراكَ تضعُفُ وتتلفُ وهذا الألَمُ سيقضي عليَّ أخي روحي. كلِمَةً على الأقل... أمير!
لا! لا أستطيعُ أن أتصوَّرَ أنَّ أمير فقد عقله، لا... لا يجِب! إلاّ أن تكونَ تلكَ الأحلامُ المُرعِبة، تلك الكوابيس...
Page 6
لم يضِلَّ فِكْرُ الكولونيل كثيراً. حيثُ أنَّهُ لمْ يُرَ أيُّ سلوكٍ عجيبٍ وغريبٍ من أمير حتّى بعدَ نومِهِ المُضطَرب، وبعد مرورِ الكابوسِ، كان يجلِسُ هادئاً على حافَّةِ سريرِهِ ويمسحُ العَرَقَ عن جبينِهِ وأجفانِهِ بمنديلٍ قديمٍ كان يحتفِظُ بِهِ نظيفاً دائماً ويُدخِّنُ سيجارة. حتّى أنَّهُ سُمِعَ أميرُ يتحدَّثُ إلى نفسِهِ يقول: أتحمَّلُ، أتحمَّلُ وأحاوِلُ أن أتحمَّل أكثرَ إذا ما تركتْ الكوابيسُ ليَ المجال. وسُمِعَ، من لِسانِ أمير نفسِهِ، سُمِعَ أنْ عقلي لا يزالُ في مكانِه، أقولُ إنَّ عقلي لا يزالُ في مكانِه. والكولونيل يعتقدُ أنَّ ولدهُ لا يزالُ يُفكِّرُ بِشكلٍ جيّدٍ، ويعتقِدُ أنَّهُ يسعى ليكونَ صابِراً. أمير لم يتوقَّفْ حتّى عن عَمَلِ مُجسَّمِ أمير نظام، والكولونيل كان قد رأى شَبَحَ تلك التَّماثيل من خلفِ الزُّجاجِ الّذي يعلوهُ الغُبارُ لِنافِذَةِ القبو. فكيفَ يُمكِنُ أن يكونَ يائساً منه؟ في المرَّةِ الأولى الّتي أُعرِّفُ فيها أمير نظام بنفسي، قُلتُ لهُ يجبُ أن يكونَ مظهَرُ وتعبيرُ روحِ الأمَّةِ في روحِنا وعينِنا! ما كان يجِبُ أن أفعَلَ ذلك. لماذا ما كان يجب؟ ولكن... في بعضِ اللّحَظات، أُحسُّ بالخجلِ والحياءِ من تعريفِ أولادي بِعالَمِ هؤلاءِ الرِّجالِ الأحرارِ عابِدي الوطن، وتأتي لحظاتٌ أحسُّ فيها أنَّني خُنْتُهُم بهذا العمل. شيءٌ حَسَنٌ أنَّ هذهِ اللّحظاتِ تمُرُّ بِسُرعةٍ، فلا تجِدُ مجالاً لتترُكَ في نفسي صورَةَ أصْلٍ مُسَلَّمٍ بِه، وعلَّتُها أنَّني كُنتُ في الماضي أقومُ بالاستدلال، أستدِلُّ أنَّني يجبُ أن أُنجِزَ وظيفتي كوالِدٍ تِجاهَ ولدي. وأحياناً كُنتُ أذهبُ أبعَدَ من ذلكَ وأُبتَلى بالفخرِ والغرورِ، حين أرى أنَّني علَّمتُهُ تاريخَ مائة عامٍ من الرّقيِّ والتَّقدُّم. إذا لم أكن عملتُ مثلَ هذا العمل فماذا كان يجبُ أن أعمل؟ كيف تبقى أُمَّةٌ حيَّةً إلاّ بِمِثلِ هذا؟ ذهنُ الشَّابِّ بِحاجةٍ للتَّفكيرِ والموضوعِ الفِكري، وأنا كأبٍ لا يحقُّ لي أن أكونَ لا مُبالياً إزاءَ هذا الاحتياجِ المعقول. إذن لماذا اللّومُ لنفسي، لماذا يجبُ أن ألومَ نفسي؟ ما العملُ الّذي كان يجبُ أن أعملَهُ غيرَ هذا؟ هل كان يجبُ أن أكذب؟ ممّا مرَّ وجدتُ أنّني كُنتُ أكتُمُ الحقيقة، وجدتُ أنّي كنتُ أُلقِّنُهُم لِمَ ولِمَ ولِمَ... من معلوماتٍ لم يصلوا إلى معرِفَةِ حقائقِها؟ وأخيراً ماذا يمكنُ أن نعملَ لِشابٍّ إيرانيّ حتّى لا يقولَ عن اللّيلِ إنَّهُ نهار؟ لا! لا يجبُ أن أكونَ نادِماً وخجِلاً. من الحق أنه ليس لي أن أعتقِدَ أنِّني خُنتُ ولدي. لماذا يجبُ أن يجِدَ مثلُ هذا الظَّنِّ طريقهُ إلى ذِهني؟ ماذا حصل؟ ماذا يحصلُ حتّى يُصابَ الإنسانُ بالخجَلِ من إنجازِهِ أكثرَ الأعمالِ معقوليَّة، أولادي... أولادي!
رأسي... رأسي... رأسي... تكادُ تنفجِرُ يا أبي!
هذهِ العبارةُ سمعها الكولونيل مرَّاتٍ من لسانِ ولدِهِ من خلفِ جِدارِ ونافِذةِ قبوِ المنزلِ، أوقاتَ كانَ أميرُ يئنُّ ويضغطُ على رأسِهِ بيديه. هو يعلمُ أنَّ أمير يُصابُ بالحمّى بعد كلِّ كابوسٍ، ويعلمُ أنَّهُ لا يستطيعُ أن يُعطِيَ جواباً لِنفْسِهِ من نفسِهِ، ولا أن يأخُذَ جواباً لنفسِهِ من الأحياء، وفي حَدَسِهِ أنَّ ابنَهُ يصيرُ من هذِهِ الحادِثَةِ أعمى حتّى لا يعودَ خاطِرُهُ يُريدُ التَّفكير؛ وقطعاً ليس معنى هذا في نَظَرِ الكولونيل أنَّ أمير لا يستطيعُ التَّفكيرَ أصلاً، لأنَّ عندهُ اليقينَ أنَّ عقلَهُ في محلِّه، كما عندهُ اليقينُ أنَّ فرزانة مُخطئةٌ إذا كانت تتوهَّمُ أنَّهُ فقدَ عقلَه. ويعتقِدُ أنَّ ليس لفرزانة أن تضعَ رأسَها برأسِ أمير كثيراً. ويعتقِدُ أنَّهُ على فرزانة أن لا تأتيَ على ذِكْرِ إخوةِ أمير وأخواتِهِ عنده وتزيدَهُ بلاءً وأسَفاً. فقد كان واثِقاً أو على الأقلِّ كان يظنُّ أنَّهُ كانَ واثِقاً أنَّ أمير لا يُفكِّرُ بإخوتِهِ وأُختِهِ بروانة إلا في لحظاتٍ عابِرة، لحظاتٍ تجعلُهُ غافِلاً فيفقدَ السَّيطَرَةَ على نفسِهِ ليجرؤَ على التَّفكيرِ في هكذا فاجِعة، وأفجعُ منها عَدَمُ اليقينِ فيها وبليَّةُ الشّكّ. والكولونيل يستطيعُ أن يفهمَ هذا وأنَّ الإنسانَ حين يكونُ في خلاءِ العجز، والعجزُ شيءٌ نِسبيٌّ، فلا دليلَ لديهِ على أنَّهُ لن يكونَ ذليلَ الشَّكِّ واليأس. ففي مثلِ هذهِ الحالاتِ ثمة ميدانٌ وحيدٌ يستطيعُ فيه أن يجولَ ويجولَ كثيراً، هو ميدانُ الحَيرة.
أنا بِنفْسي أوجَدْتُ لنفسي ما لهُ حُكْمُ سؤال، سؤالٍ ما لهُ في تصوُّري جوابٌ سوى في الموت. صرتُ مُضطرّاً للشّكِّ ليسَ بقوميَّتي ومِلَّتي فقط، بل حتّى بِآدَميَّتي. من أكون، ما أكونُ؟ وأين أكون؟
يجِبُ أن يكونَ الكولونيل قد سمِعَ هذا الكلامَ من لِسانِ أمير. كثيراً ما ظنَّ هذا. هو خاتمة الكلامِ الَّذي ليس من الواجِبِ أن يجيءَ على لسان، إلا أن يكونَ الكولونيل قرأهُ لابنِهِ أمير في محضرِ فرزانة. فرزانة الّتي كانت تعضُّ على شفتيها وتبكي بهدوء. لقد صارَ نحيلاً، هو الآنَ يستطيعُ أن يُذكِّرَ الكولونيل بوالدتهِ ذاتِ الشَّعرِ اللامعِ الخرنوبيّ والحدقتين المضيئتين المائلتين للخُضرةِ والجبين المزيّن، المرأةِ الشَّديدةِ ذاتِ النُّدبةِ على ذقنِها الظَّريفة، والدُّنيا المشوَّشَةِ المُضطربةِ المُخيِّبَةِ للآمال والّتي تحكي في وجهِها وفي نظرتِها بِلِسانِ الحالِ صبرَ وتحمُّلَ أمير وكلِّ واحِدٍ من أفرادِ الأسرة.
أنت ضِعتَ يا أخي، وأنا... أمير، فقدتُ إيماني.
Page 7
يعلَمُ أنَّ ابنهُ سيُمسَخ، هذا يعلمُه، لكنَّهُ لا يعلمُ بِأيِّ وجه، لأنَّ هذا ممّا لا يُدرِكُهُ مثلُ عقلِهِ القاصِر. أمّا حالةُ مسخِ أمير فيُمكنُ أن يراها في عينيهِ المُشِعَّتَينِ الممزوجتينِ بسكونِهِما أو التِهابِهِما، مع علامةٍ على الهولِ والنَّدَمِ والحَيرَةِ والضَّعفِ فيهِما. أملُ وسعادةُ قلبِ الكولونيل كانا يأتيانِ فقط من رؤيةِ شَبَحِ ابنِهِ من وراءِ زُجاجِ النَّافِذةِ الكَدِرِ، وهو يَصنَعُ تِمثالاً لأمير نظام، حيثُ يستطيعُ قلبُهُ أن ينشغِلَ بِشَكلٍ صحيحٍ وسليم، وندامتُهُ كانت لأنَّ السَّيِّد خضر جاويد جاءَ إلى المنزِلِ وذهبَ دونَ أن يتذكَّرَهُ أمير بأيِّ شكل، ممّا أثارَ قلقَهُ من أن تكونَ الفواصِلُ بينَ كوابيسِ أمير تقصُرُ في كُلِّ دورةٍ عن سابِقتِها.
أما أنا فقد مرَّ وقتٌ طويلٌ وأنا أسعى لِحِفظِ هدوءِ نفسي بأيِّ شكلٍ، فلا أخرجَ من الإقليم. وأسعى فوقَ ذلكَ ومنذُ زَمَنٍ إلى ألاّ أندهِشَ أو أتعجَّبَ لرؤيةِ أو سماعِ أيَّةِ حادِثةٍ أو خبر ـ رغمَ أنَّهُ، لو أنّي كنتُ ذكّرتُ أمير بخضر جاويد، فمن الممكنِ أن يكون... ربّما يجبُ أن أمنعَ هذهِ الحادثة، أو بالأصحِّ أن أؤخِّرَها قليلاً؟ لا، فقد مرَّت أربعُ عشرةَ سنةً من عمره، أيُّها السّادة!... لكن... يجبُ أن أتأكَّدَ من أنّي أقفلتُ بابَ الدّارِ خلفي. نعم، أستطيعُ أن ألمَسَ المفتاحَ في جيبِ معطفي بأصابعي. ولكنْ هل قفلتُ الباب حقاً؟ رُبّما قفلتُهُ وربَّما لم أقفلْه. لا أعلم. ليتني أستطيعُ التَّأكُّد، ليتني... أنا أتردَّدُ والتَّردُّدُ دائماً إلى دَرَجةٍ تؤذيني.
السَّيرُ أمامَ هذينِ المأمورَينِ أمرٌ بديهيٌّ في نَظَرِ الكولونيل، لأنَّهُ يعرِفُ القرارَ بِأنَّهُ حين يُتَّهَمُ شخصٌ بأيِّ اتِّهامٍ ويُؤخَذُ أمرٌ بإيقافِهِ ويُعتَقَل، فيجبُ أن يسيرَ في الطَّريقِِ بين كتِفَي المأمورَين وأمامَهما قليلاً، حتّى يكونَ مسيرُهُ تحتَ أنظارِهِما، وهذا العملُ يُعرَفُ بالحَدَس، هكذا كانَ الأمرُ يجري وعلى نفسِ المنوالِ طوالَ القرونِ والأعصار. هذا يعلمُه، أمّا أنا فيجبُ أن أطمئنَّ إلى أنَّني أغلَقْتُ بابَ الدَّارِ خلفي! والكولونيل لم يكن شابَّاً فيقدِرَ على ممانَعَةِ القوانينِ غيرِ المكتوبة. رأسُهُ كانت للأسفل ونَظَرُهُ مشدودٌ إلى ما بين قدميهِ وظهرُهُ منحنٍ، حتّى كأنَّهُ يحسُّ بحافَّةِ قبَّعتِه المدوّرَةِ الرَّماديَّةِ وظلُّها واقِعٌ على ظلِّ أرنبة أنفِه، كما يستطيعُ أن يحسَّ بجناحَي معطفِهِ وكأنَّهُما صارا أطول، حين كان يُضطرُّ لسحبِ حافَّتَيهِما على ساقَيْهِ بعيداً عن الوحلِ والطّين على وجهِ الزُّقاق.
ـ من هذه الجهة، كولونيل!
نعم، بهذا الشَّكل، يجبُ أن أذهبَ في الجهةِ الّتي ينظرانِ إليها.
قطعوا الزُّقاق وصاروا في الشَّارِعِ الكبير. عندَ رأسِ كلِّ زقاقٍ يتفرَّعُ من الشّارعِ الكبير يقفُ عمودُ كهرباءٍ عليهِ مصباحٌ ينيرُ ضوءُهُ التَّقاطُعَ وجزءاً من الشَّارعِ الكبير. بعدها وصلوا إلى ساحةِ البَلَديَّة الَّتي تقعُ دارُ القضاءِ في ضلعِها الغربي، وكان يجبُ الصُّعودُ إلى بناءِ دارِ القضاءِ في دَرَج. لكنْ قبلَ الورود يتبغي المرورُ واحداً واحداً بين عمودَين بمصباحينِ مشِعَّين جُعِلا علامتَين على اتِّجاهَينِ للدُّخول. طريقُ الدَّرَجِ كانَ مُطْفَأَ الأنوارِ ونِصْفَ مُظلِمٍ إلاّ من شُعلَةٍ للكهرباءِ بلا رَمَقٍ ملتصِقَةٍ بالسَّقْف، تُنيرُ قليلاً الفضاءَ المُزدَحِم، والكولونيل لستُ على جَهْلٍ بنظامِ التَّوفير، وباحتياطٍ يتلاءمُ مع السِّنِّ والعُمر، يرفعُ قدمهُ، حيثُ الدَّرْجاتُ عليها الطِّينُ والوحلُ من أقدامِ الَّذين دخلوا عليها وخرجوا عنها، وكانت لا تزالُ رطبةً وموحِلة.
لم يكُن الكولونيل حين كان ضابِطاً في الجيشِ وحتّى إخراجِهِ منهُ، من أهلِ القمارِ والمنشَغلينَ به. ولم يكُنْ من أهلِ الألعابِ الأخرى كالبريدج والبليارد، لكِنَّهُ يعرِفُ أنَّ هناكَ صالوناً في الطَّبَقَةِ العُليا من البناء كان محلاً لِلَعِبِ البليارد، دون أن يكونَ قد رآه. في شبابِهِ كان يعزِفُ على الطَّنبور، وهو لا يزالُ إلى الآنَ راغِباً بالعزفِ عليه. في الأيّامِ الأخيرةِ صارَ عندَهُ زوجٌ من الحَمامِ المنزلي، لم يكُنْ ذاكَ دونَ علاقةٍ بِطائِرِ القُنارى لابنتِهِ بروانة، كان يسعى بدونِ جدوى لِتَخيُّلِ لُعبَةِ البليارد الَّتي رُبَّما لم يكُنْ رآها أكثَرَ من مرَّةٍ واحِدَةٍ في عُمُرِه، ورسمِ صورتِها في خيالِهِ. والآنَ إذْ يرى رجُلاً يجلِسُ على طاولةٍ كبيرةٍ يُغطِّيها نسيجٌ أخضرُ سميكٌ وكم يُشبِهُ هذا الرَّجُلُ صِهْرَهُ السَّيِّد قُرباني حجّاج! وهُناكَ رَجُلانِ يجلِسانِ على الضِّلعِ الأُخرى من الطَّاوِلة، فقد أيقن عندهُ يقينٌ أنَّ هذهِ الطَّاوِلَةَ يجِبُ أن تكونَ واحِدَةً من طاوِلاتِ لُعبَةِ البليارد وقد أُزيلَتْ حوافُّها الجانبيَّةُ المُرتفِعَةُ لتستفيدَ منها دارُ القضاءِ كطاوِلَةٍ مؤقَّتة.
ـ أنتم ضابِطٌ سابِقٌ، كولونيل؟
ـ نعم...كُنت.
ـ إذا كُنتُم ترغبونَ في أخْذِ هذه الجنازةِ والقيامِ بتكفينِها ودفْنِها فعليكم دفعُ مبلغٍ للصُّندوق.
ـ نعم...نعم...
ـ المُقدّماتُ أُنْجِزَتْ تماماً، سيكونُ معكَ اثنانِ إلى نهايةِ مراسِمِ الدَّفن.
ـ نعم...نعم... آتي...على عيني...على عيني.
Page 8
قُلتُ... قبلَ أن أرى هذا قُلتُ إنَّني ومُنذُ وقتٍ بعيدٍ لا أنتظِرُ أيَّ خَبَرٍ سعيد. ولكنْ للإِنصافِ فإنَّهُ خيرٌ من أن يُعطوا هذا الخبرَ السَّيِّءَ للإنسانِ في موقعٍ أسوأ. حسناً، في هذا الوقتِ من اللّيلِ أيَّ تُرابٍ سأحثو على رأسي؟ حقّاً...
الكولونيل يستطيعُ أن يفهَمَ أنَّ عِلَّةَ انتِخابِ مثلِ هذهِ السَّاعةِ ومِثلِ هذا الوقتِ، هيَ إنهاءُ الكلامِ في هذِهِ القضيَّةِ قبلَ طلوعِ الشَّمس. حيثُ أنَّكُم تفهمونَ أَنَّهُ ليسَ من اللاّزِمِ توضيحُ جميعِ جُزئيَّاتِ الشَّيءِ للإنسانِ وتفهيمُهُ كُلَّ شيء. وأخيراً فالعقلُ شيءٌ حَسَن. المرءُ نفسُهُ يجِبُ أن يكونَ ذكيّاً ويُساعِدَ مأمورَ الدّيوانِ في هذا الجانب، ولا يسألُهُ سؤالاً مُعقَّداً في غيرِ مَحَلِّهِ عن شيءٍ يعرفُه. فقد كانَ من المفهومِ والمهضومِ للكولونيل أنَّ مراسِمَ دَفنِ بروانة، مواراة الثّرى يا سيّد! يجبُ أن تتُمَّ دونما أًصوات، وأن تتمَّ بصورةٍ خفيَّة، وأوَّلُ طَلَبٍ من المأمورينَ للمُشاركينَ هو الإمتناعُ عن إظهارِ الجزعِ واللّطْمِ، وأن يسعوا ليبقوا هادئين ومتحمِّلينَ وأقوياء، ممّا يعني في الاِصطِلاحِ الانتباه، وهو يعني السُّلوك كما يجب. في الحقيقةِ، الصَّراحةُ في سلوكِ وبيانِ الرِّجالِ محلُّ إبهامٍ وتخيُّلات، لا تمرُّ دون أن يبقى منها مزيجُ حُزنٍ وتأثُّر، والكولونيل بكُلِّ حواسِّهِ وحالِهِ ظلَّ مبهوتاً وحيراناً لِلَحظَةٍ طويلةٍ جِدّاً، وحيثُ أنَّهُ كان لا يستطيعُ أن يجِدَ غُرفَةَ الصَّندوقِ أو محلَّ الدَّفع فإنَّهُ وبِشَكلٍ طبيعيٍّ جاءَ إلى طَرَفِ الطَّاولة، ومن دونِ أن يلتفتَ إلى مقدارِ المبلغ، أخرَجَ ما وقعَ في قبضتِهِ من العملةِ الورقيَّةِ الصَّغيرَةِ والكبيرةِ ووضعهُ على النَّسيجِ الأخضرِ السَّميكِ الَّذي يُغطّي الطَّاوِلة. عملُ المَلَفّ كان تامّاً في الظَّاهِر. لكِنَّ أمراً ظل يلحّ على الكولونيل، هو أنَّهُ رُبَّما كان مُخطِئاً بِشأنِ لُعبَةِ البليارد. قبلَ ثلاثينَ سنةً تقريباً أو من الممكنِ أكثرُ قليلاً أي في السّنواتِ السّابِقةِ لِمُصادَماتِ النِّفطِ الوطنيَّة، كان قد ذهبَ إلى صالةِ البليارد بعدَ ظُهرِ يومٍ من أيّامِ الخريفِ مع واحِدٍ من رفاقِه، وكان ذلك بعد الرّمي. كان كُلٌّ منهما برُتبَةِ ملازم وسارا في شارِعِ شقائقِ النُّعمانِ الكبير، وطلبَ منهُ صديقُهُ أن يذهبا إلى صالون البليارد ليلعبا دَورَينِ فقط. لم يكُنْ الكولونيل يعرِفُ شيئاً عن البليارد، وقد خسِر. أمّا الصالون فكانَ فيهِ طاولاتٌ عديدَةٌ للبليارد، وجوهُها من نسيجِ الماهوت الأخضر، كُراتُها مُلوَّنَةٌ وجميلة، المُثَلَّثُ مرسومٌ بِشكلٍ دقيقٍ وجميل، عِصيٌّ متينةٌ مبريَّةٌ بشكلٍ جميل، أصواتٌ مزدحِمةٌ مبهَمة، قِطَعٌ من الجصّ وزجاجاتُ ليموناد فارِغة، ولا يزالُ إلى الآنَ يذكُرُ أنَّ رفيقَهُ كان قد قال هذه لعبةٌ روسيَّة. فكأنَّ شيئاً يُشبِهُ الإعتراف بالخطأ للرَّجُلِ الجالِسِ على الطَّاولة قد حصل لديه ممّا جرى، فقال:
ـ اشتبهَ الأمرُ عليَّ... اشتباه... سامِحوني، فكري ذهبَ مني، لعِبْتُ البليارد مرَّةً واحِدةً في عمري!
ـ نعم يا سيِّد؟!
ـ لاشيء. فداكُم... لاشيء... كأنَّهُ جاءَ على لِساني بِهذا الشَّكل وقلتُه. تعلمون، إنَّ لِساني ليسَ باختياري. أحسَسْتُ أنَّ قلبي يُريدُ أن يتذكَّرَ ذُنوبي لأقولها لِشَخصٍ ما!.
الشَّخصُ الّذي كان يجلسُ خلفَ الطّاولةِ تعجَّبَ وجعلَ ينظُرُ إلى وجهِ الكولونيل نظرةَ إبهامٍ كاملٍ، كأنَّما ينظُرُ إلى شيءٍ عجيب، وظلَّ لحظَةً على هذهِ الحال. الكولونيل أعرضَ إذْ أحسَّ أنَّ ذلكَ الرَّجُلَ لا يستطيعُ أن يفهَمَ ما كان يقولُ، ولا كيفَ جاءت على لِسانِهِ تلك الكلماتُ الّتي لا ترتبِطُ بالموضوعِ في الظَّاهِر؛ وفكَّرَ مُستيقِناً أنَّهُ لو قُدِّرَ لذلكَ الرَّجُلِ أن يكونَ في مكانهِ لَمَرَّت بِهِ حتماً تخيُّلات، ووقعَ في فِكْرِهِ أن يمضغَ ماضيهِ ويجلبَ موارِدَ ذنبِهِ إلى لِسانِهِ ويتفحَّصَها ويُنقِصَ من قيمتِها أمامَ نفسِه.
أيُّ دليلٍ يوجَدُ على أنّي أُفكِّرُ في ذنوبيَ الماضيةِ الّتي ارتكبْتُها، وأنّي الآنَ أُعاقِبُ نفسي عليها؟! أيُّ شخصٍ يستطيعُ أن يفهَمَ أنّي في كُلِّ لحظةٍ أعيشُها وفي كُلِّ خطوةٍ أخطوها أُحسُّ بالذّنْب، بالذَّنْبِ الثَّقيلِ أو بشيء يُغرِقُني فيه، يخنقُني، ولا أعلمُ ما هو، بل أُحسُّ بِهِ فقط. فقط أُحسُّ به. كأنّيَ مجبورٌ على الابتِلاءِ بالإحساسِ بالذَّنْب، وفِعْلُ خيالاتي مشدودٌ إلى هُناك، ففي كُلِّ لحظَةٍ وحيثُما كُنتُ أُحسُّ بالمأمورَينِ الغيبيّين يتعقَّبانني ويُراقبانِ سُلوكي وحركاتي. إنَّهُ لَمَحَلُّ شُكْرٍ أنَّني بعدَ إصابتي بقرحةِ المعدةِ والإثني عشر تركتُ المشروب، وكذلِكَ الأمرُ من حيثُ الميل الجنسي، فإنّي بعدَ قتلِ زوجتي صرتُ غيرَ حسَّاسٍ للجِنسِ وغيرَ مُحتاجٍ إليه. بناءً على ذلكَ فإنَّ الخَطَرَ المُتَمثِّلَ في هذا الموردِ من أن أنظُرَ لامرأةٍ وأن أنزلِقَ لا سمحَ الله، لا وجودَ له. وأنا لا أعملُ في المُعامَلاتِ التِّجاريَّةِ والبيعِ والشِّراءِ حتّى أُبتَلى في سياقِ التِّجارةِ والكسْبِ بالسَّرِقَةِ والاحتيالِ غيرِ المشروع. يبقى أمرُ معيشتي اليوميَّةِ الَّذي هو إلى اليومِ مُختَصَرٌ مُقْتَصِرٌ على حاجاتي وحاجاتِ وَلَدِي، وإذا ما أرادَ شخصٌ التَّحقيقَ في جُزئيَّاتِ حياتي فإنَّهُ سيصِلُ إلى هذهِ النَّتيجَةِ من دونِ شكّ، فأنا إلى الآنَ لم آخُذْ حتّى عُلبة سجائر واحِدة من يدِ ابنتي زوجةِ السَّيِّد قُرباني حجَّاج. كذلكَ فإنَّهُ لم يتَّفِقْ إلى الآنَ أنّي لم أدفَعَ ثَمَنَ كوبٍ من الشَّاي لـ يوسُف نُقلي قبلَ أن أخرُجَ من مقهاه. نسيانُ ما اشتريتُ لايجعلُني سعيداً. وبخصوصِ الطَّنبور... فإنّي لا أسمحُ لِنفسي بِأن يكونَ ذلِكَ وأنا مُتخَفٍّ، فقد كُنتُ أعزِفُ وإلى الآنَ لا أزالُ أرغبُ بالعزف، ولكنْ رَجَفانُ يديَّ، كَفَّيَّ، لا يجعلُ القيامَ بِهذا العَمَلِ باختياري. وها قد مرَّتْ سَنَواتٌ لم أحْمِلْ آلَتي الموسيقيَّةَ بِيدي، وطنبوري في إطارِهِ القديمِ مُعلَّقٌ بالحائطِ ويعلوهُ الغُبار، والمأمورانِ بِنَفْسَيهِما رأياهُ على الحائطِ ولم يكُنْ يظهرُ منهُ أنَّهُ يعمل. أخيراً ماذا؟ بقيَ أمرانِ مُهِمَّان، ذنبانِ عمِلتُهُما عَمْداً في حياتي. أَحَدُهُما قتلُ امرأتي، والآخَرُ عِصْيانُ الأوامِرِ العُليا بِشأنِ مأموريَّةِ ظُفار. نعم، قَتَلْتُ زوجتي، هذا صحيح. رفضتُ مأموريَّةَ ظُفار، هذا أيضاً صحيح.
Page 9
الشَّخصُ الّذي يجلسُ خلفَ الطَّاولةِ الكبيرةِ المُغلَّفَةِ بالماهوت، نهضَ فجأةً من مكانِه، بطنُهُ باتِّجاهِ الطَّاوِلة، التَفَتَ وقالَ بِلحْنٍ مُختَلِفٍ عليهِ علامةُ المرارة! لماذا لا يتحرَّكون؟ كادَ اللّيلُ أن ينقضي! والشُّبّانُ تقدَّموا حتّى صاروا قُرْبَ مرفقي الكولونيل. أمسَكَ واحِدٌ منهُم بِعَضُدِهِ النَّحيل، ومن حيثُ كان واقِفاً دار نحوه، وآخرُ أدخَلَ وصلَ استلامِ المال في جيبِ معطَفِ الكولونيل وقال:
ـ كلُّ شيءٍ جاهز، جناب الكولونيل!
ـ أعرِفُ فِداكَ. أعرِف.
ـ مأموريّةٌ مهمّةٌ وقيِّمةٌ كولونيل، ظُفار! وسامُ تقديرٍ لكُم من بين الضُّبّاطِ المحبّينَ للوطن أمثالكُم. أباركُ لكُم.
ـ فداكم...
ـ بالتَّوفيق، كولونيل
ـ الموضوعُ هو أنَّني لا أزالُ في حلِّ مشكِلَةٍ أُسَريَّة، فداكم!
ـ لا تشغلوا فكرَكم كولونيل. لا يمكنُ لكم أن تترُكوا...
ـ لكنْ سيادةَ العميد... هم، زوجتي...
ـ يجبُ أن تأخذوا هذهِ الملاحَظَاتِ بالنَّظَر أيُّها الضَّابِط، يجبُ أن يكونَ اِسمُ أُسرتِكُم عندهُم. عليكُم أن تعلموا ضمناً أنَّ زوجَتَكُم يجبُ أن تكونَ من أُسرةٍ عريقةٍ ومعروفة.
ـ لكنْ أنا مُجرَّدُ جنديٍّ واحدٍ... فداكم!
ـ نحنُ جميعاً جُنودٌ أيُّها الضَّابِطُ. أليسَ التَّوضيحُ كافياً؟!
كانوا يُلقونَ ذلك على الكولونيل في اللّيل. وفي تِلكَ اللّحظةِ أحسَّ بِشيءٍ مُبهَمٍ ممّا يحصلُ عادةً ليلَ الجِناية، إذْ عادةً ما يُنتَخَبُ الظَّلامُ لارتكابِ الجناية. وفكَّرَ بعدَ إدراكِهِ لِهذا الإحساسِ أنَّ مُقدّماتِ الجنايةِ تكونُ في اللّيل، والدِّماءُ تُراقُ في اللّيل وتُغطّى بقايا الجريمةِ بالتُّرابِ، ويُسعى لينتهيَ الفِعلُ في اللّيل. فكأنَّ الجريمَةَ تستوحِشُ من النَّهارِ والضِّياءِ، وكأنَّ الجاني يُريدُ معَ إشراقِ الضِّياءِ أن تصيرَ يدُهُ المُلوَّثَةُ مغسولةً، وبِحُضورِهِ بينَ أكتافِ النَّاسِ يُريدُ أن يستطيعَ أن ينسى وُجدانَهُ بلا إرادةٍ منهُ، أو أن يفقدَهُ مؤقَّتاً. هوَ نفسُهُ،... الكولونيل في مثلِ هذِهِ اللَّحظَةِ من اللّيلِ صَمَّمَ على الجِنايَة، وبِما أنَّ حُكمَ المأموريّةِ هذا لم يتِمَّ إمضَاؤُهُ بشكلٍ قطعيٍّ بعد، فقد قرَّرَ وهو يأخُذُهُ من بينِ الأصابِعِ البيضاءَ والمتورِّمَةِ للعميدِ أن يقتُلَ زوجتَه. فقد أحسَّ أنّهُ لا يستطيعُ أن يطير إلى ظُفار ليُلقيَ القبْضَ على مجموعةٍ من النَّاس الجائِعِين والمتمرِّدين بحُجَّة خطر الاضطرابات، ولا يستطيع أن يُخفيَ أكثرَ مما اختفى تحت قبَّعةِ رأسِه.
كانت قبَّعَةَ ديُّوثٍ يا سيِّد! دُرْتُ للخَلْفِ وأنا أحملُ ورَقَةَ الحُكمِ هذه تحت إبطيْ، وأعطيتُ الأمرَ للسَّائقِ بأنْ يخرجَ من المدينةِ ويأخذَني بشكلٍ مُباشَرٍ إلى البيت، ربَّما كنت قد فقدتُ عقلي, أو ربَّما كنتُ قد وجدْتُ عقلي! أصلاً ما هو العقل؟.
تفضلوا كولونيل!
ـ نعم.... نعم...
Page 10
يعلمُ أنَّ كُلَّ شيءٍ جاهِزٌ وأنَّه عطَّل قدَرَه وأنَّ عليهِ الآنَ أن يسير, سارَ على طول صالون البليارد الخالي ليصلَ إلى بابِ الخروج, خرج من الباب، انحدرَ على الدّرَج الذي تُفضيْ درجاتُهُ في الخارِجِ إلى واحدٍ من عمودَي المصباحَين، حيث وقفَ بانتِظارِ سائِقِ سيَّارةِ الإسعاف. وعلى قدر إمكانيَّةِ التَّشْخيصِ، فقد رأى الشَّخصَين اللذين كانا قد جاءا إلى المنزلِ بجانبِ سيَّارةِ الإسعافِ وكانا واقفَينِ تحتَ المطرِ، يلمعُ المعدنُ في حلقاتِ سلاسلِهِما تحت ضوءِ المصباحِ وقد رفعا قبّعَتَي معطفيهما إلى ما فوق رأسيهِما، وحذاءاهما وسروالاهما قد ابتلّت جميعاً بالماءِ وتلوَّثَتْ بالطِّين، وانتَبَهَ إلى أنَّ ذلك الأفتى منهما قد أزال الشعر الناعم عن وجهه فبان أكثرَ شباباً, وشعرُهُ الأسودُ الجميلُ يغطّي وجنتيه، والكولونيل الآن ينظرُ إلى سيَّارةِ الإسعافِ تحتَ المَطَرِ الَّذي يغسِلُها بانتظارِ أن تبدأَ مرحلةٌ أخرى من العمل.
ـ أنتم اجلسوا في الخلف.. كولونيل.
كان السائق، ودون أن يلتَفِتَ إليهِ الكولونيل، مستعِدّاً، وهذا يجب ألاّ يفوتَ الكولونيل بسببِ ضعفِ الرُّؤيةِ في عينيه. ربَّما كان هذا مرتبطاً بطبيعةِ السّائقين الشُّبّان الذين غالباً ما يتصفون بالسُّرعةِ والحزم بعكسِ السّائقين القُدامى الَّذين كانوا يقودون الشاحنات التدريبيَّة بعد الحرب، وكان سلوكُهم وحركاتُهم ـ من ثقلها ووقارها ـ على قدرٍ من الرِّياء. فمثلاً حين يوقفون الشاحنة قرب المقهى، ويترجَّلونَ منها يبدو أحدُهُم وكأنه يلقي حمْلاً من ثلاث مئة كيلو عن كتفهِ إلى الأرض. ودائماً يلُّف الواحِدُ منهُم منديلاً من الحرير حول عنقه، وحين يسيرون على أقدامِهم تكونُ إحدى اليدين وكأنَّها تعقدُ المنديلَ وتتعلَّقُ به. هكذا كانوا يقودون، وبنفس الثقل والوقار، بأكعابِهم النّائمةِ، وبعد أن يعطيَ كلُّ واحِدٍ منهم التّعليماتِ لتلميذه يبتعدون عن السَّيَّارةِ ويفرشون حصيرةً على ضفة جدول الماء الذي يمر بجوار المقهى، ويجلسون ويغسلون من على أيديهم ووجوههم الزّيوت والدهون، ويبتعدون دون أن ينتبهوا لأنفسهم عن السَّيَّارةِ ليهتمَّ بها الطَّالِبُ الّذي يكونُ في طَورِ الاختبار.
أمّا سائقو اليومِ من الشُّبّانِ فعندهُم أخلاقٌ أخرى وسلوكٌ آخر بنَظَرِ الكولونيل. غالباً ما يبدونَ قُساةً جُهَلاء، حتّى لو كانوا سائقي سيَّارَةِ إسعاف. وكأنَّ أحدَهُم هِرٌّ يرى الفريسَةَ في مُتَناوَلِ يدِه. هذا يعني أنَّهُم لا يُفكِّرونَ في سلامَةِ أنفُسِهِم أصلاً وكأنَّهُم لا يعرِفونَ إلاّ دوّاسةَ البنزين، وحتّى ولو كانت تُمطِرُ أو يسقُطُ البَرَدُ وماءُ المَطَرِ يملأُ الحُفَرَ، فإنَّ ذلِكَ لا يشغلُهُم ولا يهتمُّونَ بِه ولا يُراقِبونَ موضعَ أيديهِم إلاّ قليلاً، ولا يُراعونَ حالَ رجُلٍ عجوزٍ يجلِسُ في الخلْفِ وقدِ التَصَقَ بتابوتِ ابنتِهِ على مقعَدٍ ضيِّقٍ. الكولونيل يعلمُ أنَّهُم راعوا حُرمَتَهُ بتقديمِهِم سيَّارَةَ إسعافٍ كامِلَةٍ لِحملِ تابوتِ ابنتِه، لكِنَّهُ بالمُقابِلِ يرى أنَّ السَّائقَ لا رِعايَةَ لَدَيهِ وأنَّهُ أحياناً يسوقُ كما لو كانَ لَدَيهِ، جُثَّةُ نعجَةٍ يحمِلُها من محلِّ القصَّابِ طَرَفَ البازار. كان عندهُ اليقينُ أنَّ السّائقَ يضرِبُهُ النَّومُ ـ على طريقةِ ما اعتادتْ عليهِ الكلابُ في النَّوم ـ وقبلَ أن يصلوا إلى المغسَلِ وينزلوا التَّابوت جاءتْ على لِسانِهِ مئةُ لفظَةِ فُحْشٍ بما أنَّني لستُ الأقلَّ ذنوباً بينَ الموجودين. ربّما... رُبَّما كانَ ذِهنُهُ يسعى بِلا إرادةٍ منهُ ليَجِدَ محلَّا من التَّقصيرِ له وفي أغلب اللّحظاتِ كانَ يفكر أنَّهُ لو لمْ تكُنْ زوجتُهُ مقتولَةً لما كانت ابنتُهُ نائمَةً في هذا التَّابوت. لكنَّهُ يعلمُ، يعلمُ جيِّداً أنَّهُ لا مفرَّ لهُ من مُقاومةِ هذا الخيال، لأنَّهُ يعلمُ يقيناً أنَّهُ لا يوجَدُ سبيلٌ لأيِّ تغييرٍ فيما حَصَل. حقيقةُ الواقِعِ الَّذي استقرَّ أمامَ وجهِه أنَّ بروانة كانت تنامُ في تابوتٍ تفوحُ منهُ رائحةُ الدَّمِ والرُّطوبة، ومعَ كلِّ حَرَكَةٍ غيرِ ملائِمَةٍ من سيَّارةِ الإسعاف، فإنَّ جَسَدَها النَّحيلَ وعِظامَها الشَّبيهةِ بِجِسْمِ سَمَكَةٍ نِصفِ حيَّة، تنزلقُ هنا وهناك. بروانة كانت صغيرةً والكولونيل لا يستطيعُ أن يتخيَّلَها من دونِ عباءتِها الرَّماديَّة. وحتّى بروزُ عظمَي كتِفَيها فإنَّهُ لا يستطيعُ أن يراهُ إلاّ بلونٍ رمادي. علاوةً على ذلكَ فإنَّ سلوكَ وحرَكاتِ بروانة تتداعى في ذهنِ الكولونيل بسبَبِ طائرِ القُنارى الَّذي أُطلِقَ عليهِ من اليومِ الأوَّلِ اسم بروانة. ربّما بِسَبَبِ التَّلقين، أو بسبَبِ إحساسٍ خاصٍ من الأبِ تِجاهَ ابنتِهِ الَّتي فقدتْ أُمَّها فصارت محلَّ اهتِمامِه، كان الكولونيل جرّاء ذلك يحبُّ بروانة بإحساسٍ مُختَلَطٍ، أبويٍّ وأموميٍّ معاً، ودائماً يراها كطائرٍ حديثِ الرِّيش يُريدُ أن يتعلَّمَ كيفيَّةَ الطَّيَران. وهو من هذا المنظورِ كان يرى قدومَ ومُغادَرَةَ بروانة للمنزل. وهكذا فإنَّهُ أحسَّ وقتَ فُقِدَتْ بِأنَّ الرِّيحَ حملَتْها وأضاعَتْها.
الرِّيحُ تُضيعُها، تُضيعُها. تربيةُ الحَمامِ ليست حِرفتي. لكنّني أعرفُ منها أنَّ الحماماتِ الحديثةَ الرِّيشِ تضيعُ في الرِّيحِ، خصوصاً ريحِ الغروب. الرِّيحُ تُضيعُها، تُضيعُها، تلُفُّها، وعندَ ذلِكَ إمَّا أن يكونَ ريشُها هشَّاً فتكسِرَهُ، أو أنَّها تُضيعُها في طَيرانِها وترمي بها بعدَ شِدَّةِ معاناةٍ في مكانٍ ما. الباشقُ والجوارِحُ ليست قليلةً في مُعتَرَكِ الرِّيحِ والطُّوفان.