Page 1
(1)
المكان الضيق لا جدران له·
المكان الضيق ليس فيه إلاّ الزوايا
وصمتت طويلاً
ثم
صرخت
كله غلط في غلط
ينفضون أيديهم، يحاولون الخروج من جرائمهم كالشعرة من العجين·
ولوّحت بالمخطوط في وجهه·
أهذا ثمن دمي الذي نزفته أمامك ست ساعات كاملة؟ قلت لك· واحدة يمكن أن تسألها ·· واحدة فقط·· تلك التي لا يمكن أن تخون سلوى، واحدة هي الست زينب·· الآخر مات·· وخميس خرج ولم يعد·· ولينا· لكنك كنت مثلهم أبي·· حضرته··· الطبيبة التي دفعوني باتجاهها·· والشيخ أيضاً· كنت تلهو طوال الوقت بدورانك حول الحكاية لا أكثر·
ليلة كاملة، بكيت فيها، وأنا اقرأ صفحاتك، أكثر مما بكيت في حياتي كلها· أتعلم لماذا؟ لأن فكرة الملجأ كذبة· لا ملجأ لي· الحكاية من وجهات نظر مختلفة !! تريد توخي الدقة· هذه حياة وليست حكاية· أنسيت؟ وما الذي حدث؟ لقد منحتهم الحرية الكاملة في أن يكذبوا، وان يغسلوا أيديهم من كل ما حدث، ان يواصلوا اللعب بالكلمات المراوغة اياها التي طاردوني طويلاً ليحشوا بها فمي·
أنا لم آت اليك لهذا السبب·
ليلة كاملة ·· انتظر بزوغ الشمس ولو لمرة واحدة في حياتي، لكن العتمة هي التي حلكت أكثر، وأنا أبحث في حبرك، فلا أجد شيئاً سوى البياض، بياض الكفن وصقيعه· ألم تدرك أنني لم أتوقف عن الارتجاف منذ لحظة مولدي؟! تلك التي حدث فيها كل شيء دفعة واحدة؟·
وقَفَتْ·
دارت في المكتب كنمرة تائهة في قفص· دارت حوله دون أن ترفع عينيها عنه· وهي تضرب راحة يدها اليسرى بالمخطوط في حركة عصبية متسارعة·
Page 2
وفجأة هدأتْ
التمعت في عينيها فكرة مجنونة، لا يتبعها سوى عمل مجنون·
معك كبريتة؟
وظل ياء صامتاً
سأحرق كل هذا الكذب الذي يخنق الكلمات·
وعادت تدور
توقفتْ
ها هي تهدأ· قال في نفسه
لكنها خطت باتجاه النافذة· أشرعتها · اندفع غبار أسود مشبّع باللهيب·
قال اياك ان تفعليها·
لكنها، وفي أقل من لحظة نثرتها·
ركض للنافذة، حدق في الهوة الشاحبة التي لم يكن قعرها سوى الشارع· كانت الأوراق محلقة كما لو أنها مثبتة بخيوط وهمية، محلقة في سماء واطئة دخانية، محلقة في ضجة العربات، محلقة في أصوات البشر المتقاطعة· محلقة إلى تلك الدرجة التي اعتقد معها أنها لن تلامس الأرض أبداً· هناك· في ظل تلك العمارة الهرمة ذات الطوابق الثلاثة··
***
لو لم أقذف بتلك الأوراق لمتُّ تحتها
في عتمة الدرج متقافزاً وجد نفسه، باتجاه الرصيف· ولكن دون جدوى·
اندفع الناس باتجاه الأوراق يلتقطونها، بعضهم كان يتقافز في الهواء للامساك بها قبل وصولها إلى الأرض، بعضهم يقرأ ما فيها ويدسها في جيبه· وبعضهم يطويها بأناقة ويمضى، حتى قبل أن يرى ما فيها·
341 ورقة، اختفت تماماً، سوى واحدة فقط، راحت تتأرجح فوق رأس شرطي مرور يمد لها يده· لا بد أنه أحس بخطورة الأمر، فهرول إلى أسفل النافذة حيث فوضى البياض وتزاحم الأجساد، ومحاولتها الوصول إلى أعلى نقطة ممكنة لجمع أكبر عدد من الأوراق·
أمسكها·
وقف ياء على بعد أمتار منه
حدق الشرطي فيها، حتى ظن ياء أنه لن يتركها أبداً· لأنها قد تكون واحدة من أكثر الأوراق حساسية، لكنه اطمأن حين تذكر انه كان يقظاً بما يكفي عندما كتب·
فجأة راح شرطي المرور يهز رأسه، مطوحاً بالورقة بعيداً·
اندفع ياء نحوها، وكذلك خمسة أو ستة رجال· يبدو انهم كانوا يراقبون لمعرفة مصير الورقة منذ البداية· وصلوها معاً· كانت الأيدي كلها قد أطبقت عليها دفعة واحدة، واقتطعت ما استطاعت القبض عليه بقسوة لا تحتملها ورقة· وحين تراجعت الخطوات، بسط يده، وراحت أصابعه تسوي القطعة الصغيرة الباقية· فوقعت عيناه على مساحة بيضاء لا أكثر·
Page 3
(2)
وجهاً لوجه وجد ياء نفسه أمام تلك العينين الحزينتين، والوجه الذي كسَّرته المرارات، بعد أيام من ذلك الفصل الغاضب·
صورتها· وفوق الصورة تلك العبارة المعروفة خرجت ولم تعد
تناول الصحيفة الثانية·· الثالثة·· الرابعة·
كان الوجه يواصل اطلالته، والعبارة تواصل حفر الورق بسواد حبرها·
ولم يسأل نفسه
ما الذي فعلته بسلوى·
كان يسأل ما الذي يمكن أن تفعله بي؟
امتدت يده إلى درج مكتبه، تحسست برعب ستة أشرطة تسجيل، فيها الحكاية من بداياتها· ولكن، ليس إلى نهاياتها·
وهذا ما عذبه·
لم يكن يظن الأمر أكثر من حجة للالتقاء به، حين اتصلت - هو الكاتب المعروف بما فيه الكفاية لكي تتصل به أكثر من واحدة - حتى وهي تطلب منه ان يحضر مسجلة وأكبر عدد ممكن من الأشرطة - وحين اختلى بها، فرح أنه لم يُضِعْ وقتاً في التردد فيما اذا كان سيلقاها أم لا·
كأن كل شيء قد حدث دفعة واحدة وإلاّ، فلماذا أعيشه كله في لحظة واحدة؟ قالت وأعطاه ارتباكها وضعفها الواضح فسحة من الأمل، قد ينفذ منها·
علينا ان نتم كل شيء اليوم، علي أن أقول كل شيء· وإلاّ لن أقول، لا استطيع توزيع نفسي على دفعتين أو ثلاث من الزمن· أنا الآن كلي هنا، ولا أريد الخروج تاركة نصفي في هذا المكان، بعض الأشياء تولد كاملة، وأي تدخل فيها هو تقطيع لأوصالها ليس إلاّ·
وافقها منذ البداية·
لا، سايرها كان عليه أن يعمل بهذا الشرط حتى النهاية· لكنه بعد ساعة أو أكثر بدا غير مرتاح، حاول ان يتناسى قلب الشريط، أو وضع سواه حين ينتهي·
***
أمامه اصطفت الأشرطة الستة· كما لو أنها تنتظر مصيرها·
وللحظة أحس بتيار من السعادة يسري في جسده·
أين يمكن أن تذهب· وهي محبوسة هنا·
كان على يقين أنها لن تتكلم من جديد·
ولكن·
Page 4
ماذا لو تكلمت؟
***
كل من حولي قال كذبته، لكنه احتضن كذب الجميع·
***
لم تتوقف سلوى عن زيارته كل ليلة·
كنت أعرف أنني قادرة على الاندساس في حلمه كما أريد· لأشهر طويلة كنت على يقين من أنني قادرة على جمع أوراقه من بين أيدي الناس، ومن زوايا بيوتهم، من سلال نفاياتهم، من أيدي صغارهم· لأعيد ترتيبها، كذبة فوق كذبة· كي أرشقه بها وأهز نومه، وأُعيد ترتيبها من جديد في ليلة ثانية وأرشقه بها·
كنت أعرف أنني قادرة على انتظاره في مرآته كل صباح، في حبره· وفي ارتجاف يده أمام الورقة البيضاء· في صورته المطلة من صفحة الجديدة· في كلامه· وفي صمته·
لقد قُتلتُ عشرات المرات، ولم تشبه ميتة أختها· إلى أن جاء ليقتلني تماماً· يقتل امكانية السماح بحياة جديدة لي أو ميتة جديدة·
لقد جنت·
تلك هي العبارة التي كانت تطل من بين الكلمات، كلماتهم· من بين صمت العيون عيونهم· وذلك الانطفاء الذي يغزو وجوههم· ثم تلك الابتسامة المميتة المؤودة التي تتسلل هناك، على أطراف شفاههم·
لقد جُنَّتْ·
الى متى سيظل يأتي، حضرته إلى متى سيظل يفعل ما يفعله·
آه!! وماذا يفعل؟
انكم تعرفون، فلماذا تطلبون مني أن أقول لكم· وأبكي·
***
صمتت·
لا، توقف التسجيل·
أدهشه انها لم تزل حاضرة رغم هذا الشرود·
التقيته حين جاء يعزي باستشهاد أيمن· أنت تعرف حس الأنثى، حسها الذي لا يمكن أن يخيب، بما يضمره رجل نحوها·
أحسَّ بأن الكلام موجه اليه·· أسند ظهره إلى الكرسي، كما لو أنه يبتعد·
ولم أكن مغفلة أو ساذجة· كنت حبيبة أيمن· خطيبته· كان عرسنا قادماً بالتأكيد، ولم يكن يهمنا ان نحدد موعداً له·
جاء ·· وقبل أن يخرج سأل هل باستطاعتي تعزية زوجته وأولاده!!
قالوا له أم، وله خطيبة·
وحين وقف وقال هل بامكاني الذهاب اليهما وتعزيتهما·
Page 5
قالوا لا تتعب نفسك·· نأتيك بهما·
وهبَّ أكثر من واحد نحو الغرفة التي تكدست فيها جموع النساء·
رفضت الست زينب مرافقتهم·· واقتادوني اليه بصمت·
حدق بي، وبكلمات واثقة يتقنها، أعرف انه يتقنها قال فقدانه خسارة حقيقية للجميع·
وطلب مني أن أتماسك، واتجاوز هذه الفاجعة، وهو يشد على يدي بيد، ويربت بالأخرى على كتفي، بتلك الحركت المألوفة في مثل هذه المناسبات، لكنني رأيت في عينيه شيئاً آخر·· شيئاً اخترق صدري وشق أمعائي بضربة واحد·
قل لي كيف يمكن لرجل أن يفكر على هذا النحو؟ أقصد في موقف حالكٍ كهذا؟
لم يجد ياء اجابة ·· ولم تكن تنتظرها·
ألا يكفيهم انهم سبب الفاجعة، ليفكروا بالنوم معها أيضاً·
كنت قد أصبحت جميلة كما قلت لك، لم تكن عيناي قد ذبلتا بعد، لأنني رأيته أيمن··!! منذ يومين فقط، وكانت يداي خضراوين ويانعتين كشجرة زيتون مغسولة بمطر، لأن آثار أصابعه لم تزل فيهما حين شددت على يده آخر مرة، ولم تزل روحي تحس به واقفاً إلى جانبي، لذا كانت قامتي طويلة·
أشار إلى حراسه الواقفين قرب الباب، تقدم أحدهم·
الأخت!! ستراجعك بعد أيام· وستصرفون لها أعلى راتب مخصص لأرملة شهيد·
حاضر سيدي··
وتراجع خطوات ··
لكنني لم أُراجع ، ولم أكن أريد أن أقبض ثمن دمه، دمه الموزع على أكثر من يد·
في اليوم التالي، أطلت الصحف حاملة خبر زيارته·· وكنت في الصورة إلى جانبه·
الآن، أستعيد تفاصيل الصورة وأقول أكان عليك ان تكوني طويلة يا سلوى، ومنتصبة، لتؤكدي أنك عالية بما يليق بحبيبة شهيد أو بخطيبته أو أرملته·
لكنه اختار أن يصدق أبي·
***
أبي الذي أدارت رأسه كلمات حضرته
أبا أكرم، أنت في البال، وجهودك معروفة تماماً بالنسبة لنا، وعليك ان تعرف أننا ندخرك لأوقاتنا الصعبة·
أبي الذي لم يصدق أذنيه، أبي الذي أوشك أن يحيل العزاء الى عرس من شدة المفاجأة· أبي الذي قال لي لا تضيّعي فرصة الحصول على هذا المبلغ الكبير·
Page 6
ويجيء مسؤول التنظيم·· يقول الكلام نفسه· ويذهب اكثر من ذلك فيحتضنني· لكن أبي سيكون اكثر حذراً معه، بعد أن سمع من حضرته ما سمع·
***
وللحظة أحس ياء بارتباك، ماذا لو كان صوتها مسموعاً في الخارج·
***
هكذا تعاملوا معي منذ البداية، الى أن قررت البحث عمن يصدقني، من الصعب أن تعيش حياتك كلها، وانت تبحث عن واحد يصدقك، ثم لا تجده· أعرف انه لو كان هنا لصدقني، لو كان هنا لما حدث ذلك كله· لكنهم قتلوه· الست زينت صدقتني· لكنهم قالوا لي صدقتك لأنها مجنونة مثلك· انظري اليها، إلى ما تفعل، أهذه أعمال انسان عاقل؟
خميس صدقني· صرختُ في وجوههم·
صدقكِ لأنه سكير، عربيد، لأنه يبحث عن رأسه كل يوم ولأربع وعشرين ساعة ولا يجده· كان يجب أن يكون له رأس أولاً، حتى يصدقكِ·
وقلت ربما لم يصدقني، ولكنني أعرف تماماً انه كان يفهمني كما فهمته حين صرخ ذات مرة
لا تفتّحي جراحي يا سلوى· أنتِ الآن مثل أختي الصغيرة وأكثر· وسأقول لك كلاماً لا يليق ان تسمعه فتاة، أختاً كانت أم غير أخت· يا سلوى حياتنا استمناء في اسمناء في استمناء· لا يوجد شيء واحد حقيقي· حتى نحن··· انظري الينا·
***
صمتت طويلاً، حتى فكر ياء بايقاف شريط التسجيل، هذا حدث اكثر من مرة· وضعت رأسها بين يديها وراحت تعتصره· اتسعت عيناها، راحتا تسبحان في فراغ لا نهاية له· طال الأمر· وقبل ان تصل يده إلى المسجلة، سمعها تقول برجاء·
دعها·· ثمة صَمْتٌ لا بد لك من ان تسمعه، صمتٌ هنا فيّ كالكلمات· صمت يحتل مساحة كبيرة من هذا الجسد· صمت لا بد أن تحسه لتعرف تماماً معنى الكلمات المجروحة الخارجة من ظلماته ·· أتسمعه؟
***
لو سألها أحد· كيف استطعت الوصول الى هذا المكتب، فانها لن تملك اجابة قاطعة، لن تملك طرقاً واضحة تستطيع القول انها سلكتها، أو درجاً مظلماً استطاعت ان تتلمس جدرانه في طريقها الى باب لن ترتجف يدها وهي تطرقه·
كل ما حدث، حدث· كما لو أنها جاءت هنا آلاف المرات· ولم تكن المدينة غريبة عليها· لكن احساساً ما كان يعبرها خاطفاً وهي ترى الى اندفاعات البشر فوق رصيفين ضيقين، محتشدين بالباعة كأن كل واحد من هؤلاء يعرف طريقه، سواي·
***
كنتُ استطيع سماع صوت محرك سيارته وتمييزه من بين اصوات محركات تلك السيارات حوله·· سيارات حراسه التي تحف به· أسمعه لحظة انطلاقة من أمام عتبة بيته· اتابعها في الشوارع المضاءة·· الشوارع المعتمة·· في دورانها حول المدينة، في دخولها وخروجها، ودخولها وخروجها ساحات ضيقة·· واسعة وميادين·
لو سألوني لقلت لهم انه الآن في شارع التحرير·
ولم يسألوني· وقلت لهم·
انه الآن في شارع المجد، شارع النصر، شارع الحرية، انه يجتاز الشارات الضوئية في شارع الشعب انه ينعطف ·· انه يصعد· يصل زاوية المخيم، وأبكي·
كان عليك يا سلوى أن تمتلكي حاسة السمع هذه قبل هذا اليوم بكثير، لربما كان بامكانك عندها أن تسمعي انفجار الرصاصة، وان تصرخي صرختك
الرصاصة يا أيمن·
وبنصف لحن الأغنية تتمتم·
Page 7
سأحدثكم عن أيمن
عن فرح الغابات الفاتن في عينيه
وعن سحر يديه
إذا فرت أنهار الأرض وخبأها بين أصابعه
سأحدثكم عن أيمن
عن قمر تشتبك الأشجار على دمه المنسي
فيسقط في النسيان
عن طفل يركض خلف فراشته·· وعن الخنجر في أقصى الوديان
سلوى·· سلوى
يهزها ياء
تمسح الذهول عن وجهها بيدين ضائعتين، تنفض رأسها، كما لو أنها تحاول استعادة عينيها من كتلة ضوء ساطعة· وتوشك ان تسأل أين أنا؟
***
أدرك ياء أنه أوقع نفسه في ورطة، كان يمكن ان يكون بعيداً عنها، ولم يكن شروده الواضح بين لحظة وأخرى، إلاّ محاولة بحث عن طريقة للخروج من هذا المأزق·
أنتَ معي؟
معكِ يا سلوى
لكنه غدا أكثر قلقاً·
تعبتِ· ذلك واضح··
نهض ·· اقترب منها·· ربّت على كتفها· فاجأه هذا القدر الهائل من الحرارة الذي ينبعث من جسدها·
قالت انني احترق·
أعاد يده ثانية الى كتفها· فالتمعت في ذاكرته حكاية ابنة الحاره المجنونة، تلك التي مر عليها جميع الأولاد، وكل يحمل خدعته اليها، فتصدقها· وحمل بدوره خدعته ومضى اليها
مجموعة من أغطية زجاجات البيبسي· ولم يكن صعباً عليه أن يقنعها
بامكانك ان تشتري بها ما تريدين· سأعطيك اياها·
وتمد يدها خائفة أن تبتعد فجأة يده· يده التي ستبتعد فعلاً، لتفسح المجال كاملاً للسانه ان ينطقها
بتخليني··
***
وحدقت به
لم تكن هنا في الغرفة
ولكنه ظن انها هنا في الغرفة··
سحب يده·· وظلت حرارة جسمها فيه·
Page 8
لكن الرصاصة انطلقت ·· ولم تسمعيها· كنت مشغولة بفرحك به، بسلوى السمراء النحيفة، الطويلة دون هدف قبل أن تُحب·
وتحدق به
كأنه مرآتها، وهي توبخ ذاتها· يندفع اصبعها اليه بحركة الاتهام، تلك المعروفة، يخاف، إلى أن يكتشف ان اصبعها يشير عبره إلى مكان بعيد·
الله لو رأيت دهشتهم حين اكتشفوا انني أصبحت طويلة إلى هذا الحد ·· الله، لو رأيت عيونهم وهي تتابعني بحسد· وكيف ترمقني بنات الحارة بتلك النظرات·
كنت أقول لهن لتبحث كل واحدة منكن لها عن حبيب· وهل تعاني الحارة من قلة الشباب؟ وحين أراه أقول آه·· والله انها تعاني ونص· وتبتسم· بس شو بدي أقول؟!!
***
يعرف ياء بخبرته، أن الاقتراب منها صعب، ما دامت وصلت إلى هذه النقطة· ثمّة فرصة أخرى ستجيء· وأدهشه انه لم يعد راغباً في ذهابها·
لكن ارتباكه عاد اليه ثانية
وأتوا إلي بعد أن استشهد· قالوا تعالي واقرأي كلمة أمهات الشهداء· ولم اكن أم شهيد، ولا أخت شهيد، ولا زوجة شهيد، كنت حبيبة شهيد·· ويمكن خطيبته!!
أنت الفهمانة· قالوا
الست زينب ·· لماذا لا تقرأ الست زينب·· هي الأَوْلى· قلت·
اتركيها بحالها· الله يساعدها· أنتِ تستطيعين ان تتحدثي عما في قلوبنا· دائماً كنتِ الأشطر·
وافقتُ·
ولكنني حين وصلت ساحة المدرسة، لا، قبل أن أصلها بكثير، سمعت أصوات الناس، خلية نحل· لا، اكثر بكثير، وحين التفت ورأيت مقهى مشمش مغلقاً، مكتبة فلسطين مغلقة، محمص هاشم مغلقاً، صيدلية يارد، حتى الصيدلية مغلقة، عرفت ان المخيم كله هناك، فاستدرت هاربة، تبعتني واحدة من بنات الجيران لوين يا سلوى؟
لا ·· لن أستطيع القاء كلمة أمام هؤلاء الناس كلهم· لا لن أستطيع·
تستطيعين ونص· ليس هناك من هي أكثر جرأة منك، وأكثر قدرة على الكتابة·
قلتُ الكتابة آه، بس الحكي ما أنتِ عارفة!!·
لكنها جرتني من يدي، وظلت قابضة عليها حتى عبرت بوابة ساحة المدرسة· عندها وقع قلبي من الخوف·
***
هذه ليست المرة الأولى·
حدث ذلك قبل زمن طويل، كانت معلمة اللغة العربية، المعلمة التي أحبها اكثر من كل المعلمات، مربية الصف، الست زينب؛ كانت قد طلبت مني ان اكتب مسرحية لتمثلها الطالبات، بعد أن أُعْجِبَتْ لسنتين متتاليتين بكتابتي لمواضيع الانشاء·
ستصبحين كاتبة قصة ممتازة يا سلوى· صدقيني·
وكنت سأصدقها حتى لو أنها لم تطلب مني ان أصدقها·
في ذلك اليوم، قالت لي ستكتبين مسرحية·
خفت
سألتها وكيف تُكتب المسرحية؟
Page 9
ولم أكن قد شاهدت أو قرأت مسرحية في حياتي·
ستكتبينها لأنني أعرف أنك ستكتبينها، وأنت قادرة على ذلك·
ووعدتني بأن تحضر مسرحية، أقرأها لأعرف المسرح، وأكتب مثلها·
في اليوم التالي جاءتني بمسرحية - لم تزل لدي حتى اليوم -، اسمها رومولوس العظيمü، قرأتها، لمن أفهم منها الكثير، لكنني عرفت كيف يمكن ان تكتب المسرحية، فكتبتها· وحين قرأتها الست زينب طارت فرحاً··
ستكونين كاتبة مسرحية ممتازة يا سلوى·
فسألتها ألم تقولي بأنني سأكون كاتبة قصة؟!
نعم - أجابتني مؤكدة - وكاتبة مسرح كمان·
ولم أكن أعرف كيف يمكن ان أكون كاتبة قصة وكاتبة مسرح في الوقت نفسه·
المهم·· الحكاية ليست هنا· قالت له
***
اخضرَّت ملامح سلوى، ابتسمت، رقّت إلى تلك الدرجة التي يمكن معها وبها أن تطير·· وتحولت فجأة إلى طفلة·
تمنى ياء ·· أن يقترب منها، ان يلمسها ثانية، يسحره هذا التبدل في ملامحها، بين الحزن والفرح، بين المرأة والطفلة، كان بامكانه أن يبتسم معها وان يضحك أيضاً، لكنه المشدود الى ملامحها بقوة أحس بشهوته تتقد أكثر والحزن يغمر وجهها· وللحظة تمنى أن تكون في ثوب أسود·
***
عليك أن تمثلي في المسرحية يا سلوى·
أنا !!!؟
نعم ·· أنتِ·
الست زينب تطلب ذلك مني، الست زينب التي كانت تقول لي دائماً
لماذا أنت خجولة الى هذا الحد·
لا أستطيع، قلتها بتصميم أدهشني·
بل تستطيعين·
إنهار تصميمي· بكيت·
لا عليك سأعطيك دوراً صغيراً ليس أكثر·
ما دمت تريدين ذلك!!· قلت لها·
***
وكان يريدها فعلاً ··
***
معتمة وموحشة كانت خشبة المسرح، وكذلك القاعة، القاعة الوحيدة التي كانت المدارس تقدم عليها نشاطاتها·
Page 10
الأمهات كنّ هناك، الأُمهات كلّهن· إلا أمي· ينتظرن، ويقطعن انتظارهن بكل الأحاديث التي يمكن أن تخطر على بال
جارات ينتهزن فرصة اللقاء، بنات بلد واحد لا يجتمعن إلا نادراً، وبين أيديهن يتفلّت عشرات الأطفال وبدأت المسرحية·
مسرحيتي
وحين جاء دوري لأن أتكلم، لأن أقول، نسيت كل شيء؛ تخشَّبتُ كالصنم· الطالبات تجاوزن المشكلة، واصلن المسرحية، رغم انني لم أُجب على سؤال واحد، أو أحاورهن كما يجب علي أن أفعل ليستمر العرض· كل الحكي طار، مرة واحدة، أتصدق؟! وحين انتهت المسرحية صفقت الأمهات والمدرسات طويلاً، وبعضهن كان يبكي تأثراً، ويصفقن· وبقيت صامتةً·
صمتي لا يستحق هذا التصفيق· فهمت ذلك· حتى لو كنت أنا كاتبة المسرحية· أتفهم؟ لذلك ربما، استعدت ذاكرتي فجأة، وبدأت بالقاء دوري كاملاً· كلمة كلمة، دون أن أنسى· كل جُملي التي كان علي أن أقولها، قلتها دفعة واحدة، وليس بينها أي رابط غير المسرحية ذاتها·
وحين انتهيت، صفقن لي·
تقدمت الست زينب مني، أمسكت بيدي، ضغطت عليها بحنان، فرحةً كانت، وكنت ضائعة، وحزينة، لكنني في النهاية ضحكت حين قالت احدى الأمهات للست زينب·
المسرحية حلوة ·· بس ما كنا بنعرف انه بناتنا بمثلن مع الشباب والزْلام·
ولم يكن في المسرحية أي رجال، سوى تلك الطالبات اللواتي البستهن الست زينب الحطات والعُقل ووضعت لهن شوارب من فروة خروف أسود·
أتعرف··
حاولت بعدها كثيراً ألاّ أقول الأشياء كلها دفعة واحدة··
لكن ذلك لم ينفع··
فاهمني؟
***
زوجة ياء فهمته
فهمته تماماً
فحملت ابنها ورحلت·
وحين جاء أصدقاؤه لاقناعها بالعودة·
أنتم أصدقاؤه أجل· ولكنني امرأته صحيح أن الزوجة آخر من يعلم، ولكنها دائماً أول من يحس·
***
ثمة رائحة خطر·
لكن ما تقوله أقرب إلى الهذيان·
وأحس بأنه بالغ كثيراً، حين فكر بأن صوتها قد يكون مسموعاً في الممر·
أنا نفسي لم أفهم الكثير حتى الآن·
ولكن هل كان منصتاً لكلامها كله· هذا ما أربكه· لم يجد إجابة· وتذكَّر ثمة فرصة لأن أسمعها وحدي· أما الآن··
من هو أبي هذا الذي يمكن ان يكون شاهداً؟
على هذه الصرخة استيقظ ··
احساس غريب بدأ يطارده، ينهض فيجد غرفته ممتلئة بالأوراق، أوراقه ال 341 كلها، يجدها كاملة، حتى تلك التي تمزقت بين الأيدي المندفعة فوق رصيف ذلك الشارع المغبر·
من هو أبي·