رواية "محمّد صالح وبناته الثلاث- شهربان، وخير النساء، وفاطمة جل" هذه رواية قد تنطبق أحداثها وشخوصها وخطوطها العامة على الكثيرين ممن سكنوا في فرجاننا، وعاشوا معنا في السراء والضراء، وشاركونا همومنا وأحلامنا، وتقاسموا معنا موائد الطعام ومقاعد الدرس وملاعب الل
أنت هنا
قراءة كتاب محمد صالح وبناته الثلاث
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية

محمد صالح وبناته الثلاث
الصفحة رقم: 2
(1)
في بيته الطيني المتواضع في بلدة كَــرْمُسْتـَـجِ(5) الداخلية في بر فارس العربي· في مساء كانت السماء فيه صافية والنجوم متلألأة وكأنها تتراقص طربا وانتعاشا بهبوب نسمات الربيع التي طال غيابها في تلك السنة، أخرج محمد صالح فراشه القطني البسيط من غرفته التي يتقاسمها مع بناته الثلاث شهربان وخير النساء وفاطمة جُل(6)· اختار مكانا مناسبا في وسط حوش(7) منزله ليمد فراشه الذي سيحتضن جسده المنهك الضئيل كعادته كل مساء·
حرص الرجل أن يكون المكان غير بعيد عن دورة المياه البدائية القابعة في إحدى زوايا الحوش المربع، كيلا يثقل على نفسه بالذهاب إليها إذا ما اضطر إلى ذلك، أو حينما يحين موعد التوضؤ لصلاة الفجر·
كان محمد صالحفي نهايات عقده الثالث، لكن منظره كان يوحي لمن لا يعرفه بخلاف ذلك· أما من عاصره وعرفه عن قرب فكان يعلم أن أسباب ذبوله، وتراجع شبابه وصحته، وانتشار بعض الشعيرات الفضية في رأسه وشاربه الصغير، المرسوم على طريقة شارب الزعيم النازي أدولف هتلر، كامنة في الهموم والمسئوليات التي تحملها مبكرا·
سنواته الثلاثون قضاها وهو يشقى في الأرض الصغيرة الملاصقة لمنزله حرثا وفلاحة وزرعا، ثم انتظارا لموسم الحصاد والقطف ونقل المحصول المتواضع فوق ظهره إلى أسواق القرى المجاورة، من أجل أن يحصل من بيعه ما يمنع عن أسرته الفاقة والحاجة· المصدر الآخر لحصوله وحصول أسرته على الطعام والكساء ولوازم المعيشة الأخرى، كان عملية مقايضة محصول الأرض من الخضروات وتمور أشجار النخيل ونبات البرسيم، والفائض من بيض الدجاجتين اللتين كانت الابنة الكبرى شهربان تربيانهما في حوش المنزل، بمستلزمات المعيشة الأخرى كالطحين والشاي والسكر والسمن والحبوب والملابس المخاطة يدويا· كانت هذه السلع الأخيرة يؤتى بها بشاحنات عبر الطرق الجبلية الوعرة من لارستان وشيراز بصفة موسمية، فتنهال عليها الأسر الأقل فقرا لشرائها وتخزينها خوفا من انقطاع ورودها لزمن علمه عند الله· لكن تلك الأسر الأمية كانت تدرك أيضا بذكائها الفطري أن تخزينها لفترة طويلة سوف يفسدها، فكانت تلجأ إلى مقايضتها بسلع أخرى، كان من بينها سلع محمد صالح

