أنت هنا

قراءة كتاب اللعنة

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
اللعنة

اللعنة

رواية "اللعنة" للكاتب د. أمجد نواس الصادرة عام 2007، نقرأ منها:
شعرت بنموٍ سريع في جسدي، فأربكني هذا النمو، أحسست بأني لم أعد متناسقاً، وكأني ألبس جسماً مستعاراً فضفاضاً، إنتابني القلق لأني لم أعرف إن كنت قد أصبحت كبيراً أم مازلت صغيراً!!

تقييمك:
4.1818
Average: 4.2 (22 votes)
المؤلف:
دار النشر: أمجد نواس
الصفحة رقم: 5
لم أعرف نفسي عندما شاهدت صورتي بالمرآة الجانبية لإحدى السيارات المتوقفة في الشارع.. فقد وضعت تراب، شحمة، زيوت، ألوان، وروائح غريبة على جسمي ووجهي لأبدو متسولاً، من أجل الخروج بأفضل النتائج... لم أعرف بأن عدداً كبيراً يمارس هذه المهنة يوم الجمعة الذي كنت أقضيه عادةً في النوم حتى ما بعد الظهر، لأن سهرة تلك الليلة تنتظرني في بيع المهلبية، والسهرة طويلة.. وصلاة الجمعة لا أصليها، فكيف لي أن أعرف ما شاهدت؟!
 
في أقل من عشرة دقائق.. إنهالت النقود على جميع من تسوّل، كان عددهم حوالي العشرين متسولاً، بين ذكرٍ وأنثى، أطفال وبالغين، ثم اختفى كل شيء.. فالمصلون يوزعون المال بعد الصلاة لا قبلها ولا خلالها، والمتسولون يتجمعون أثناءها، يعملون تلك المدة القليلة ثم يغادرون.
 
المنقبات الملوثـــات والحاملات بين أيديهن أطفالاً، ويكثرن من البــكاء و"النباح " والأنين هن الأكثر حظاً... أما الباقي فيصيد من هنا وهناك ما تيسر له.
 
بينما كنت أتسول، كنت أراقب أحد المتسولين، كانت له طريقة طريفة، فهو يختار الهدف، يركض وراءه، يكثر من الدعاء المستمر له ولعائلته.. شريطة أن يبدأ الدعاء له بالله.. "الله يوفقك".. "الله يحفظك".. "الله يخلي لك أولادك".. "الله يرزقك باللي في بالك" الله... حتى تخرج النقود من كرشه المليء بالمال والتقوى والخالي من بقايا الطعام، لا يهم المبلغ بل ما تيسر فيأخذه منه ثم يذهب لفريسة أخرى ليصطادها بنفس الطريقة.. ويتوجب عليه خلال الدقائق القليلة التي يخرج المصلين بها من المسجد، اصطياد أكبر عدد ممكن .
 
طريقتي كانت منوعة فأنا لست "إبن كار" ولم أرتب لطريقة معينة.. كنت أفعل ما يفعله الآخرون.. أمد يدي.. أتوجه بالدعاء له.. أشده من ثيابه.. أغير تقاسيم وجهي لتبدو بائسة وحزينة حتى أنال ما أريد. فهم أثرياء ولا يهمهم الدينار أو نصفه.
 
في ذلك اليوم، كرهت هذه المهنة لأنها تشعرك بالذل.. إنفجرت الروح وتناثرت منها الكراهية، حين تصبح عبداً تنتهي الحرية، كنت أتحدى المدرس عندما كان يحاول أن يضربني في المدرسة، تركتها بسبب الإذلال الذي كنت أعاني منه هناك. رغم أني جمعت في تجربتي هذه ثمانية عشر ديناراً، وهذا ليس سهلاً أن تجمعه في عشر دقائق.
 
قررت عدم الخوض في هذه التجربة المذلة مرة أخرى.. غروب ذلك اليوم كان أبدياً... لن يتكرر مع أني طموح، أبحث عن عمل جيد ذا دخل عالٍ، وهذه الطريقة تؤمن مالاً كافياً. بصراحة أكثر كرهت أولئك المصلين.. الذين يتصدقون بأموالهم بطريقة غير صحيحة، فهناك الفقراء والأيتام الذين هم بحاجة ماسة للعون ولا أحد يصل إليهم، أما من يمدون أيديهم ويعزفون ألحانهم إليهم فهم ليسوا بحاجة لأنهم يمتهنون التسول عملاً... اللعنة... على المتسولين.
 
مرت السنة الأولى بعد خروجي من المدرسة التي أحن إليها، ليس لأني أحب الدراسة أو المدرسين، بل لأني أحن إلى طفولتي التي قُتلت مبكراً.. فالأطفال في مثل عمري يلعبون، يشاهدون برامج الأطفال، يحلمون.. ويتلقون الرعاية.. وأنا ما زلت أفك، أركب، وأحمل اسطوانات الغاز حتى بدأت أشكو من ألم في ظهري إزداد حتى وصل إلى ساقي.. عندها أخذتني أمي إلى الطبيب، وبعد أن تمت معاينتي من قبله قال لها:
 
- " ليش بتسمحي له يشتغل هيك شغلة؟! ".
 
قالها الدكتور بنبرة عالية لوالدتي التي أجابت:
 
- والله يا دكتور مش أنا... هو اختارها.
 
هل تعلم أمي أني لم أختر هذه المهنة؟ بل الظروف، أو الصدفة، أو القدر هو من اختارها.. واختارني لأن أكون المصطفى من بين إخوتي وأخواتي لأعمل في المهن الشاقة.

الصفحات