المجموعة القصصية "كل شيء على ما يرام" للكاتبة العراقية هدية حسين؛ نقرأ من أجوائها:
قراءة كتاب كل شيء على ما يرام
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية

كل شيء على ما يرام
الصفحة رقم: 2
حملت حقيبتي ومضيت صوب المدخل الذي اختفت فيه المرأة ذات الشعر الأحمر والثوب اللماع·· كان عليّ أن أمر بدروب ضيقة قبل أن أصل إلى شارع عريض تضيئه فوانيس معلّقة على أعمدة متوسطة الطول·· لا أدري إن كان الضوء المنبعث منها بفعل الزيت أم أنها مصابيح كهربائية على شكل فوانيس·· شاهدت لافتات كثيرة تبارك الثبات على المبادئ والانتصارات العظيمة، وصوراً تزين الأعمدة وواجهات البيوت لرجل واحد بدت عليه ملامح الصرامة، وزينة من سعف النخيل والأوراق الملونة···· نوافذ البيوت بعضها مضاء والكثير منها مطفأ·· وفيما كنت أحاول استيعاب المشهد نبح كلب من وراء سياج طيني فألقى الرعب في أوصالي··· عدت خطوتين كيما أكون متحفزة إذا ما هاجمني مع أنني لا أملك الشجاعة في مثل هذه المواقف·· فكرت بالرجوع الى الساحة في الوقت الذي خرج رجل كهل من أحد البيوت، فهممتُ بمناداته لكنه عاد مسرعاً إلى البيت الذي خرج منه كما لو أنه نسي شيئاً ··· لم يخرج رغم مرور وقت طويل··· هذا يعني أنه لم ينس شيئاً ، ربما فضّل البقاء في ذلك البيت حتى الصباح·
كان عدد الجنود قد تزايد، وتوافد آخرون بعد دقائق ·· وثمة ركاب جدد ينزلون من احدى السيارات ويتجهون إما الى المداخل أو إلى سيارات الأجرة المرصوفة في أحد الجوانب··· سرت الى المدخل رقم (3) وما إن اجتزت الممر المحاط بجوانب صخرية حتى وجدتني أمام بيوت بائسة من الچينكو والصفيح، تنبعث منها روائح عفنة، ويتسرب دخان المواقد من بين شقوقها·· مشيتُ بضعة امتار وأنا أتساءل : أيمكن أن يكون الأمر قد التبس على السائق فأنزلني في المكان الخطأ؟ ·· أتذكر أن صوتي كان واضحاً حين قلت له : أروم الوصول الى مدينة الثورة·
صحيح أنه حدّق إليّ باستغراب مما حدا بي الى تكرار الكلام خشية أن يكون الرجل ثقيل السمع، لكن مساعده أسرع وأنزل الحقائب، وهذا يعني أنها المحطة الأخيرة التي أعرفها منذ ثلاثين عاماً، والتي تتفرع منها الدروب الى المدن الصغيرة ومنها مدينة الثورة، كل ما في المكان ليس له علاقة بكراج العلاوي، ولا بأي مكان أعرفه سابقاً··· وبما أن المدن كما البشر تشيخ وتهرم وتتغير، فقد أيقنت أن ما حدث خلال هذه السنوات كفيل بطمس ما كان قائماً·
دلفت إلى ممر شبه معتم، ينتهي بمكتب يجلس خلفه شاب ملامحه لا تنم عن عافية·· كنت قد قرأت اليافطة (فندق الذكريات) ··· فوجيء الشاب بدخولي واندهش من طلبي حين قلت:
- غرفة من فضلك·
لم أسأل عن أجرة المبيت ولا عن الخدمات·· أردت فقط أن أريح جسدي من ساعات السفر المضنية، وأنقذ نفسي من الليل الذي تغلغل في كل شبر من المكان·
- لا يُسمح بأيواء النساء·· هذا فندق يؤدي خدمات سريعة للجنود فقط·
لم أجد الرد، لكنه أردف:
- يبدو أنك غريبة، ولذلك يمكنك البقاء حتى الصباح، برغم أنني أتجاوز على التعليمات وقد أتعرض الى عقوبة الطرد·
أردت أن أقول إنني لست غريبة··· أنا ابنة هذا البلد، وما إن هممت بالكلام حتى راح يسعل سعلات حادة، ولما انتهى قال :
- الدفع مقدماً
أخرجت ورقة من فئة (مئة دولار) ·· نظر إليها وقبل أن يفتح فمه قلت:
- وصلت تواً ولم يسعفني الوقت للتصريف·
مدّ يده وأمسك بالورقة بأصابع مرتعشة·· ثم قام من خلف المكتب ليوصلني إلى الغرفة ·

