إذا انتشر الظلام وتلاشى الجمال والفن بين ثناياه المدلهمة تحوّل الكون إلى عدمية محزنة. وإلى كآبة تامة، يلفّها ضباب الضجر.
وهل يمكن العيش هناك بين تلك الثنايا والبشاعة.
لولا الجمال والحب والفن ولولا الصورة والتعبير.
أنت هنا
قراءة كتاب الفنون التشكيلية
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية

الفنون التشكيلية
الصفحة رقم: 3
الفلسفة والفن معاً هما في دأب دائم للبحث عن الحقيقة ليتم التعبير عنها بهيئة أفكار وتعبيرات واضحة نابعة من قوانين إنسانية بحتة في صياغة مجردة ودقيقة. الفن سواء كان تشكيلياً أم نثراً أم شعراً ما هو إلا بناء متماسك الوحدات تجمعه عناصر اجتمع العلماء والنقاد على تسميتها وبذلك ندرك الكون والوجود فالفن الشعري هو إرضاء لحماس القارئ وإشباع ذوقه الفني فالشعر يعتمد على الخيال الفني والخيال الخصب والعاطفة المركزة على المشاعر الإنسانية. وكما يرى شوبنهور (ما يرمي الشاعر إليه هو إنتاجه الفني وإتحافنا بمجموعة من الصور اللفظية التي تصور لنا أشكالاً من الحياة ونماذج مختلفة من المواقف البشرية وأنماطاً متنوعة من السمات الشخصية) واستناداً إلى هذا الكلام نجد أن الفنان لا يعتمد إلا تلك المسميات من الحياة البشرية وتلك النماذج المختلفة في صياغة التعبير في أي من التعبيرات الفنية سواء كانت رسماً أو نحتاً أو تصميماً ويعتمد الفنان على ما توحيه له الأشياء وما ترسمه المخيلة وبما ينفعل فيه من مواقف حياتية إنسانية فالشاعر والأديب والفنان والفيلسوف كلاهم عقلاني إنساني ينطلقا معاً في مشاعر ومعايير محددة للإبداع فإبداع الشاعر والفنان معاً تحدهما معايير الجمال والقبح وذلك في مديات متطابقة الرمز الأدبي الشعري مع الطاقة الانفعالية أو التصويرية ولتأكد ذلك ما يقول «أبولينير» ليس الشعراء رجال جمال فحسب، بل هم كذلك رجال حقيقة وذلك بقدر نفاذهم للمجهول.
ولا اختلاف على هذا الكلام فالفنانون هم رجال جمال حتى في رؤيتهم إلى القبح فهم يرون جمالاً ما لا يراه غيرهم ويصفون إبداعاتهم وصورهم في إبراز المشاعر من خلال مخيلتهم فهم إذاً رجال حقيقة بما يسهمون في إبراز لقيم الحق والجمال بما يسهمون به في بناء أممهم ومجتمعاتهم.
العالم بأسره هو محط اكتشافات ولقد ساعدت على تلك الاكتشافات التطورات في كافة الميادين، حيث التكنولوجيا المتطورة التي سهلت كافة ميادين الإبداع والفكر للعلم والعلماء. ودائماً العالم يحتفي باكتشافاته وتجدده واستمراره من خلال الأداة التي يعبر من خلالها وبأسلوبه الفريد المتميز والفنان كذلك يعبر بأدواته اللونية.
إذن هنالك أرض مشتركة ما بين الفن والفلسفة، فالفلسفة نتاج فكري والفن نتاج أيضاً وهو حصيلة المعاناة لذلك النتاج بوسائله المتعددة فالفلسفة تنظر إلى الشجر وتحلل صوره وآفاقه وكذلك الفنان ينظر إلى الواقع ويخلق صوراً سواء كانت واقعية أو غير واقعية (أي فوق الواقع)، لأن تصور الفنان ينطلق من انفعالاته وبالتالي يصل إلى حالة الصدق الفني في الاسترسال والعطاء.
كل ذلك يحتم على الفنان المبدع وجود الطاقة الكامنة والتي هي أرض خصبة لمجال الإبداع الفني، سواء كان شعراً أم فناً تشكيلياً. يتم التعبير فهي بواسطة الطاقة الانفعالية أو التصويرية. وبمعايير الفلسفة الحكم هما الصدق والكذب ويعتمد كلاً من الفنان والفيلسوف على تلك المعايير في إنتاج أعماله حتى وإن كانت خيالية. لكنها نابعة من تصور الفنان وفلسفته.
وإن ما يتجلى في عالم الفلسفة يتجلى في رؤية الفنان، لأنه تناول الواقع في حركة إبداعي خلاقة من خلال اتجاهه للمستحيل والمجهول.
وبذلك هو يسعى إلى التناغم العام ما بين الكون والطبيعة والوجود، وهو الذي يخلق الانسجام والتنظيم الذي هو ضرب من التآلف والانسجام بين العديد من العناصر المختلفة التي تعد بالنسبة للفنان مادة أولية، يصيغ منها كعناصر جزئية لعمله الفني فيكسب دلالة تعبيرية والتي تأتي في مجمل العمليات التي يقوم فيها الفنان من اختزال وتحوير وإضافة وترتيب تفضي إلى نسق تعبيري.

