أنت هنا

قراءة كتاب حياة أخرى

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
حياة أخرى

حياة أخرى

كتاب " حياة أخرى " ، تأليف هدى عيد ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2012 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
... والبعضُ نحبُّهم
لكنّنا لا نجدُ صدىً لهذا الحبّ في قلوبهم...

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 2

[2]

يختم موظّف الأمن العام التركي الباسبور.

وجهُه محايد، يدفعه إليّ، أبتسم له بحكم العادة، لا يردّ ابتسامتي بأحسنَ منها.

أضع الباسبور في حقيبة يدي، أقفلها جيّداً.

ألحق بمجموعة المسافرين الذين ترجّلت وإيّاهم من الطّائرة، كانوا قد ابتعدوا قليلاً عني، استدللتُ عليهم من الفيليبنية التي تحمل الصبي الصّغير، الهواء في الخارج ناعمٌ لطيف، أسرعت الخطو، مازال ربّ تلك الأسرة على تعاليه، يتحدّث مع زوجته بتمرّد، صفع ابنته التي بدت لي في الثامنة من عمرها، ونترها من يدها بعنف. ركل ابنه الأصغر سناً على قفاه حين أراد المرور ضمن أعمدة الحاجز الحديدي، والتأرجح فيما بينها، ينهرُ بين حين وآخر الخادمة الفيليبنية عندما يرتفع صوت الصبي الذي تحمله:

ـ أَسكتيه.

تهزّ رأسها، ولا تجيب، تحاول إسكاته.

الزوجة تغرق في لامبالاتها، لا تعبأ به، هو لا يعبأ بالآخرين. اقتربتُ أكثر، داخلني اطمئنان ووجوهٌ كثيرة رأيتها في الطائرة عادت تحيط بي، زوجان شابان يتناغشان، طوال الرّحلة، هو يداعبها، ويقبّلها، وهي تزداد دلالاً ويزغرد صوتها، نظرت إليهما أكثر من مرّة.

وجوهٌ أخرى كثيرة لم أعرفها من قبل، لكنني راقبتها وقت الطيران، حين أنزع عينيَّ عن الغيوم، وقبلها عن الجبال والسهول التي تتوالى بعيدة صغيرة لا تكاد تبين، أحدّق إلى الغيوم البيضاء والرّمادية وقتاً، أستملح نعومتها، أنظر إلى الشاشة التي تشير إلى حرارة الخارج إلى ما دون الصّفر، أتملّى الوجوه بملل، لا أحسّ بألفة حيال أحد، رغم لطافتي العميقة، إلّا أنيّ لا آلف البشر بسهولة.

اخترت مقعداً متقدّماً في البولمن المريح الذي تولّى نقلي، وسائر المسافرين اللبنانيين القادمين برحلة استجمام، يستجمون من أجواء الوطن، يستريحون من حبّهم العنيف له.

المشاهد متنوّعة ما بين أشجار شامخة كالسّرو، والصّنوبر والشربين، ومساحات أخرى امتلأت بالأشجار المثمرة كالزيتون، والتّفاح، والخوج والتين، وسواها من الأشجار المتوسطيّة التي تعرفها بلادي جيّداً، لربّما انتقلت من هناك بحكم التاريخ الذي جمع البلدين، أيْ نعم هو تاريخٌ مشينٌ قابل للتجدّد وفقاً لمسار الأمور، لكن لا بدَّ أنّ فيه بُقعاً بيضاء قدَ زينته، قد تكون أشجار تين وزيتون، لِـمَ لا؟

أحبّ أن أنظر إلى مشهد البيوت المتفرّقة، والتي تنتشر على مسافات متباعدة، تباعدها يعيدني إلى جوّ قروي فقدته في بلادي، إلتهم العمران كلّ شيء في الآونة الأخيرة، قضم الأخضر واليابس، فَرَمَ كلّ زاوية، وقرش حتى الحجر، تلالٌ بأسرها تختفي في أزمان قياسية، وتقوم مكانها بناياتٌ ذاتُ نوافذ وأبواب، أكوام من الحجارة والزجاج، جدران تنتصب بصلابة وبتحدّ أمام الوجوه.

الرّحلة ما بين مطار Dalaman ومارماريس تستغرق ساعتين، أكثر ما ميّزها هذا التوالد الهادئ لمشاهد الطبيعة الجميلة التي لا تكاد تنتهي، طبيعة بكر، وأخرى نسقتها يد الإنسان، لكنها في الحالين ممتعة جميلة.

سأحاول قدر الإمكان الاستمتاع بهذه الرّحلة، نصحتني بذلك نادية، قالت لي وعيناها تدمعان:

الصفحات