أنت هنا

قراءة كتاب المشروع اللبناني الصعب

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
المشروع اللبناني الصعب

المشروع اللبناني الصعب

كتاب " المشروع اللبناني الصعب " ، تأليف سليمان تقي الدين ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2009 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
الصفحة رقم: 10

الحربُ: دولة ضعيفة ومجتمع منقسم

يتذكّر اللبنانيون اليوم حادثة 13 نيسان 1975 كما لم يتذكروها في العقود الثلاثة الماضية. ثمة سؤال يضج بين الناس عمّا إذا كان هذا الانقسام بين اللبنانيين وهذا التأزم السياسي المتصاعد يمكن أن يؤدي إلى اندلاع العنف ويقود مجدداً إلى «الحرب الأهلية».

لا أحد يستطيع أن يقطع الشك باليقين أو يطمئن الخائفين على بلد شكلت الحروب الأهلية في تاريخه مصدر تحولاته الكبرى. الهواجس ليست مرَضيّة بل هي تستعيد من الذاكرة شريط المقدمات التي تنذر بالعاصفة. وليس بعيداً من هذا سلسلة حوادث «طازجة» لامست فيها المواجهات السياسية حدود الصدامات الطائفية والمذهبية.

عناصر الأزمة في عناوينها العريضة تجدّد المشهد الذي انطلقت منه الفتنة المتنقلة والجوّالة التي أثخنت الجسد اللبناني بالطعنات والجراح حتى صار نزفه لا يتوقف. انقسام وطني بين خيارات سياسية متناقضة. كتل طائفية قلقة وخائفة تتكوّر على ذاتها. جغرافية مفككة موصولة بمعابر ضيقة تفرز عليها الناس فرزاً عنصرياً. أزمة حكم معقدة استطالت حتى صارت الدولة شبحاً. شراكة لا ثقة بين أطرافها يتنازعها الطمع وتتقاذفها وسائل السيطرة. أزمة اجتماعية تحرّض على الانخراط في الاقتصاد الأسود الخفي. مناخ إقليمي متوتر ومأزوم وقوى دولية ضاغطة. مداخلات خارجية وسلاح يتدفق عبر الحدود. ومذياع يطلق خطباً سياسية تشوّه صورة الآخر تمهيداً لاكتساب الشرعية بإلغائه معنوياً ومادياً.

هذه الصورة هي الماضي وهي الحاضر. كأن اللبنانيين في سباق مع الزمن «وظهورهم إلى المستقبل». ونكاد نجزم أنهم لم يتعظوا من تجارب الماضي ودروسه، ولم يخرجوا نهائياً من أجواء حروبهم إلى سلم أهلي ثابت وراسخ. خوف مشروع وتخويف مصطنع، يسقط أمان الدولة ويفتح ملاجئ الطوائف. يمكن العودة للحرب لسبب واحد يختصر كل الأسباب، لأننا لم نتجاوزها.

أولاً لأن اللبنانيين لم يتفقوا على قراءة واحدة لحروبهم ولم يحدّدوا أسبابها، فهي ما زالت لقيطة لا يتبناها أحد. وهي مازالت عيباً يأنف الناس من الحديث عنه جهارة ومداواته. «لا تتفق وأخلاق اللبنانيين وعاداتهم وتقاليدهم»، كما كان يتردد خلالها. هي «حروب الآخرين على أرضنا» فلا تعطي الشهداء شرف الالتزام بقضايا كانت وما زالت محل خلاف ونزاع في ما بينهم. أو هي حرب الدفاع عن لبنان ضد «مؤامرة التوطين» يعلن أصحابها النصر في معركة لم تنتهِ. وهي معركة تثبيت عروبة لبنان، ولبنان يدخل ويخرج من بوابة العروبة وفق مصالح وأهواء النافذين في معسكر العروبة أو نقيضها. وهي في ما نعلم معركة لتصحيح مسار الحكم وإصلاح النظام لدى فريق، أو مسألة شراكة وضمانات في وجه الامتيازات والحرمانات الطائفية والاجتماعية لدى فريق آخر.

ثانياً لأن اللبنانيين لم يعالجوا أسباب الحرب، بل هم وقفوا عند عتبة «التسوية» منها «لوقف المدفع» ولترتيب توازنات استجابت للأمر الواقع. أسقطوا من «الطائف» كل إصلاح له أثر عميق في بناء معادلة راسخة ومؤسسات منفتحة على التطور والتقدم قادرة على احتواء التوتر وتدبيره بالطرق السلمية والديموقراطية.

ثالثاً لأن اللبنانيين لم يحاسبوا أحداً عن آلام الحرب ومآسيها. تخلوا عن حقوقهم في أن يسألوا لماذا كانت، ولماذا توقفت، وما هي ضمانات عدم تكرارها. أسقطوا الضحايا والتضحيات، أقفلوا ذاكرة الأوجاع وأغمضوا عيونهم عن حاجات المستقبل، وأقاموا لرموز الحرب النصب والتماثيل وأحاطوهم بالقداسة.

لم تنطلق سياسات تعاكس اتجاه الحرب وتعالج ذيولها. الملفات القديمة ما زالت قائمة من فرز سكاني وتحويل ديموغرافي وتقسيم وتقاسم للمؤسسات الوطنية الجامعة. فيما قويت شوكة المؤسسات الطائفية وتعززت في الأحزاب والإعلام والتعليم ومرافق الخدمات الاجتماعية كافة.

رابعاً لأن المصالحة الحقيقية لم تقع حتى بين المتقاتلين بما هم قوى وتيارات. حصلت مصالحات فوقية حققت أغراضها السياسية الظرفية في لعبة التوازنات السياسية والتحالفات المستقبلية. لم تتم أية مراجعة نقدية على المستوى السياسي، لم تتضح المسؤوليات، لم يعتذر أحد من أصحاب القرار الفعلي في الحرب، لم تعالج مسألة الذاكرة وتشوهاتها، لم تقارب ثقافة الحرب وسلوكياتها وممارساتها. أصدرت الحكومة والمجلس النيابي عفواً عاماً تضمّن أبشع أنواع التمييز، مكرساً إرادة القاهر للمقهور، مسدلاً ستاراً من النسيان عن جرائم ما زالت متمادية كالخطف والاحتجاز، متغاضياً عن المقابر الجماعية متجاهلاً حق الضحايا بإعلان موتها.

خامساً لم تؤرّخ الحرب، لم تسجل بشاعاتها عبرة لمن يعتبر. ولم تسجل المروءات فيها لتقوية حسّ التضامن الإنساني والوطني والاجتماعي. ما بقي من الحرب على صعيد الذاكرة ركام كأنه في جملة النفايات يختلط فيها الحديد والتراب والدم والأشلاء وأشياء أخرى يصعب تصنيفها.

يختلف اللبنانيون في الحرب وما زالوا يختلفون على الماضي والحاضر والمستقبل. ليس من شأننا أن «نصهرهم» في «الوحدة الوطنية» وهي ليست إلا كذبة زائفة. ما نطمح إليه أن لا يصير «التعدد» انقساماً وتنوع الثقافة واختلاف الرأي حجة للسلاح، والوطنية المتعصبة في حدود الطائفة والمذهب.

بعد 32 سنة من بدء الحرب و17 سنة من تاريخ انتهائها الرسمي، يتكرّر المشهد القديم نفسه. مؤسسات مطعون في شرعيتها، غبن وحرمان وخوف. سلاح وتحريض واستقواء بهذا أو ذاك من قوى الخارج. نزاع على الهوية يغطي نزاع السلطة وشراكة اختلّت في مسيرة الطائف أولاً وهي تختل اليوم أكثر فأكثر. وشعارات تطفو على سطح الحياة السياسية مذكّرة بما كان من قبل. توطين، وحياد، وتعددية، وفيدرالية ووفاق وطلاق. كل هذا فروع لأصل واحد.

كانت الحرب لأن الدولة ضعيفة والمجتمع منقسم. ولا تزال الحرب ممكنة لأن الدولة ما زالت ضعيفة والمجتمع لا يزال منقسماً.

لن تكون دولة قوية في نظام طائفي، ولن يكون مجتمع موحد في غياب المواطنية والمساواة في الحقوق والواجبات.

14/4/2007

الصفحات