قراءة كتاب تموز سراج الهداية

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
تموز سراج الهداية

تموز سراج الهداية

كتاب " تموز سراج الهداية " ، تأليف إدمون صعب ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2012 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
سنابل الحرّية
هذه حزمة سنابل من حقل تموز.

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 6

عن هذه «النعمة» ندعو اللبنانيين، والمسيحيين خصوصاً، إلى جعل الهدف الأسمى لإلغاء الطائفية السياسية، إلغاء الطائفية عموماً من النفوس والنصوص معاً، وإزالة الحواجز بين الطوائف، بما يفتح الطوائف بعضها على بعض، عيشاً، وتزاوجاً، واختلاطاً في الدم، وصولاً إلى مواطنية واحدة، وشعب واحد فوق أرض واحدة، وربما إلى أمة واحدة هي الأمة اللبنانية بمفهومها العلمي والواقعي. وهذا يتطلب وقتاً وعـــــادات وتقاليد. والوقــت أيضاً يتطلب وقتاً على ما قال ميشال شيحا.

وهكذا يعود إلى الاتحاد بأرضه، يعطيها من عرق جبينه وحتى دمه، فتعطيه خيراً وعزة وكرامة فلا يبيعها لأي كــــان، ويتشـــبث بها فلا يغادرها إلى غير رجعة كما يحصل حالياً.

كما لا تعود هناك حاجة إلى طرح استعادة الجنسية ولا إلى اقتراع المغتربين. ولا يطرح أساساً موضوع اقتراع من بلغ 18 عاماً من اللبنانيين لأنهم سيصبحون متساوين كمواطنين في الحقوق والواجبات، تحت مظلة المواطنية أساساً للمساواة.

وقد سئل ألكسي دوتوكفيل، القاضي الفرنسي الذي جال في الولايات المتحدة الأميركية عام 1831 محاولاً اكتشاف أسرار الديموقراطية الفتية في العالم الجديد: ما هو أكثـــر ما لفتك من أسرار هذه الديموقراطية؟

فأجاب: ثلاثة عوامل: 1 ـ نظرة أهلها إلى الأرض بدلاً من النظر إلى السماء، مصدراً للحرية وينبوع خيرات. 2 ـ التزاوج بين الجماعات المختلفة الألوان والأعراق. 3 ـ المساواة بين أفراد وضعوا شريعة للحكم والحياة فمالوا إليها وانقادوا لها دون عناء، واحتُرمت فيها سلطة الحكومة على أنها ضرورية لا إلهية. وقد توافرت لكل مواطن حقوقه، وأمّن الحفاظ على هذه الحقوق، فنشأت بين الطبقات ثقة متينة العرى وضرب من التنازل المتبادل بعيداً من العجرفة بعده عن الصغارة».

وأضاف: ولذلك أخذت الطبقات تختلط، والحواجز المرفوعة بين الناس تتدنى، والأملاك تتقسم، والسلطة تتوزع، وأضواء المعرفة تنتشر، والعقول تتساوى، والوضــع الاجتماعي يستــــحيل ديموقراطية، ويستوي سلطان الديموقراطية آمناً في المؤسسات والتقاليد.

وإذ سأل هو عما إذا كان تعدد المذاهب لا يؤدي إلى التنافر والانقسام، أُجيب: «إن تعدد المذاهب أدى إلى التسامح. إذ لو كان هناك دينان أو مذهبان فقط لقطع أحدهما عنق الآخر أو دقّه».

ما هو الطريق إلى «النعمة» أو «الحياة المشتركة»؟

يجيب فيلسوف لبنان شارك مالك بـ«التكيّف». وهو الذي أدلى بشهادة أمام الكونغرس الأميركي في 16 آب 1978 قال فيها إن «لبنان مريض ويرفض تناول الدواء، لذلك يجب أن يُعطى الدواء بالقوة».

وكان مالك طرح فكرة التكيّف حلاً للصراع العربي ـ الإسرائيلي، منتصف سبعينيات القرن الماضي، على أساس أن لا مجال لإقامة «دولة ديموقراطية» في فلسطين، كما كان مطروحاً آنذاك من زعيم حركة «فتح» ياسر عرفات، إلا بعد اختبار إمكانات التعايش أو التكيّف، حتى إذا ما نجحت تجربة تكيّف الفلسطينيين والإسرائيليين في العيش معاً فوق أرض واحدة، تم الانتقال إلى البحث في السلام والتطبيع الخ... وإلا فلا مجال إلا لدولتين واحدة يهودية، وأخرى عربية إسلامية ـ مسيحية مختلطة.

وقد طرح مالك نظريته هذه في أمسية نظمها «نادي النسور» الذي يضم متخرجي الانترناشول كولدج، ودُعيت إليها مع الزميل جهاد الخازن الــذي كان آنذاك رئيساً لتحرير جريدة «الدايلي ستار» باللغة الانكليزية.

وأفاض فيلسوف لبنان في شرح نظريتيه مستبعداً إمكان قيام دولة ديموقراطية في فلسطين. وما ان فرغ من حديثه حتى ران صمت مطبق على المكان. ولم يبادر أحد إلى مناقشة مالك في أطروحته. فكان أن وقفت ورحت أناقش الرجل في ما قال معتبراً ذلك ترويجاً للمشروع الصهيوني في فلسطين، وتبريراً لاغتصاب الأرض الفلسطينية ودعــــوة للاستسلام أمام المشروع الصهيوني المعادي للبنان وفلسطين.

فاستشاط الرجل غضباً وقال: «يا ابني، من أنت حتى تنـــــاقش شارل مالك؟ فأنا أتحدث إلى التاريخ. ومسؤول عن كــــلامي بعد 150 سنة، بينما أنت الصحفي لا تستطيع أن تكون مــــسؤولاً عن كلامــك أكثر من 24 ساعة تفصل بين عدد وعدد من جريدتك».

فانبريت له قائلاً: «عفواً، إني لم أعرف أني أناقش شخصاً يقول كلاماً مُنزلاً كأنه إنجيل. وإني لآسف أن يكون رجل بجبروتك لا يتحدث إلا إلى التاريخ يفتقر إلى التواضع، ويرفض محاورة البشر. وإني لأعجب كيف يصغي إليك التاريخ يا أيــها الفيلسوف النــــبي الذي يعتبر كــلامه مقدساً وغير قابل للمناقـــشة».

وعلى الفور نهض شارل مالك، وقال: «إني أعتذر منك أيها الشاب. وأرجوك أن تقبل اعتذاري أمام الجميع. فأنـــا لم أقصد إهانتك».

ونشر الزميل جهاد الخــازن في اليوم التالي خلاصة لما جرى في الصفحة الأولى من «الدايلي ستار»، وأرسل إليّ قصاصة منها مع بطاقة شخصية يقول فيها: «احتفظ يا صديقي العزيز بهذه القصاصة لتعرضها ذات يوم على أحفادك وتقول لهم إنك تصدّيت لفيلسوف لبنان وقارعته ودافعت عن لبنان وفلسطين».

إن «النعمة» التي نصبو إليها عبر إلغاء الطائفية والتي ستكون مادة للبنان «الرسالة» أرادها البابا للبنان في «الإرشاد الرسولي»، يجب أن تجد طريقها عبر تكيّف «شعوب» لبنان واندماجها في بوتقة حضارية تجعل منـــه متحداً اجتماعياً واحداً، متنوع الدين والمذهب والإثنية والثقافة.

وبذلك يصبح لبنان كياناً نهائياً.

(28/1/2010)

الصفحات