أنت هنا

قراءة كتاب زوربا البرازيلي

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
زوربا البرازيلي

زوربا البرازيلي

كتاب " زوربا البرازيلي " ، تأليف جورج أمادو ترجمه إلى العربية ممدوح عدوان ، والذي صدر عن دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 9

راح المراسلون المنذهلون يسأل كل منهم الآخر. وحاول أحدهم أن تكون له مكانة الصدارة فسأل كيف عرف لفنسون بهذا الكاتب البرازيلي. فأجاب الباحث: «بقراءة كتبه. كتبه الخالدة».

لقد جاء السؤال من أبيو كُرّيا، محرر أقسام العلوم والفنون والآداب في إحدى الصحف الصباحية وأحد الدهاة.

دفع بالخديعة خطوة أخرى وقال إنه لم يكن يعرف أن كتب أرشانجو قد ترجمت إلى الإنكليزية.

فأبلغه الأمريكي الرهيب أنه لم يقرأ الكتب بالإنكليزية بل بالبرتغالية. وأضاف بأنه استطاع ذلك على الرغم من معرفته البسيطة باللغة البرازيلية، وذلك بفضل معرفته بالإسبانية واللاتينية. «لم تكن هناك مشكلة» قال ذلك بهدوء واثق موضحاً أنه قد اكتشف كتب أرشانجو في مكتبة كولومبيا مؤخراً عندما كان يقوم ببحثه عن الحياة في البلدان الاستوائية. وقد أزمع أن يعمل على ترجمة «مؤلفات ابن بلدكم العظيم» ونشرها في الولايات المتحدة.

علي أن أتحرك بسرعة لأن ابيو كريا ركض ليوقف سيارة تاكسي لتأخذه إلى المكتبة الوطنية.

وحدث تزاحم بين المراسلين قبل أن يكتشفوا البروفسور راموس ويحاصروه لأنه معروف بتضلعه في ميادين عديدة. وقد زادت أهميته لديهم الآن طالما أنه يعرف مؤلفات ارشانجو وكان قد أشار إلى أهميتها أكثر من مرة في مقالاته في المجلات الصغيرة التي ليس لها إلا القليل من المشتركين، للأسف، وأقل منهم من القراء.

قال لهم: «منذ سنوات وسنوت وأنا أسعى جاهداً بين دور النشر طالباً منها إعادة نشر كتب أرشانجو. صدقوني أنها كانت مهمة صعبة لم أتلقَّ عليها حتى الشكر». كتب مقدمات وهوامش وتحليلات. ولم يبد أي ناشر اهتمامه. «ذهبت إلى البروفسور فيانا، عميد كلية الفلسفة، لعله يستخدم نفوذه لدى الجامعة لنشر الكتب، فأبلغني أنني «أضيع وقتي مع تخريفات زنجي سكير مخرب». أظن أنهم الآن سينتبهون ويدركون عظمة مؤلفات أرشانجو بعد أن أعطاها لفنسون الأهمية التي تستحقها. وبالمصادفة فإن مؤلفات لفنسون ليست معروفة في البرازيل أكثر مما كانت مؤلفات أرشانجو، وأولئك الذين يحومون حوله لم يسبق لهم حتى أن قرأوا أهم كتبه وليست لديهم أدنى فكرة حول ما يفعله. إنهم حفنة من الدجالين».

لقد تحدث البروفسور راموس بشيء من المرارة وبقدر ما يستطيع. ذلك أن لديه السبب الكافي للإحساس بالمهانة بعد كفاحه سنوات عديدة لإيجاد مكان لأرشانجو تحت الشمس ولم يلق إلا الرفض الدائم من الناشرين. لقد اضطر لتحمل إهانات بالغة وتهديدات من فيانا هارد نوزد؛ ثم يرى أجنبياً يستطيع تحريك المطابع بجملة واحدة، لقد استطاع لفنسون أن يدفع بمجموع المثقفين المنذهلين للبحث عن مؤلفات أرشانجو. الانتلجنسيا من كافة الأصناف والألوان والمذاهب، من اليساريين والمهرجانيين إلى اليمينيين المغرورين، هؤلاء صاروا الآن كلهم يلهثون وراء ذكرى ابن باهيا المجهول حتى تاريخه؛ لقد حقق بدرو أرشانجو غايته بفعل انتقامي. فما من أحد يستطيع الاحتفاظ بموقعه في الطليعة إذا لم يستطع أن يتعرف على كتبه ويقتبس منها ويستشهد بها.

وبعد ثلاثة أسابيع حين ظهرت مقالة ابيوكريا «بدرو أرشانجو: شاعر اتنولوجي» كانت مثيرة إلى أبعد الحدود. وفيها صورة غريبة، إن لم نقل رائعة، عن الحوار في المطار بين لفنسون المثقف وكريا الواسع الاطلاع، وكل منهما يبدي معرفة عميقة بأعمال أرشانجو. وكان من الطبيعي أن تظهر معرفة الناقد أكثر عمقاً إلى حد ما وأكثر شمولية لأنه، أولاً وأخيراً، برازيلي.

كانت الضجة في باهيا أكبر لأنها موطن أرشانجو، وكانت مقر بحثه وموضوعه، ومصدر المادة لبحثه Raison detre (سبب قيام) مشروعه.

والاسم الذي جعله لفنسون مشهوراً بين عشية وضحاها لم يكن مجهولاً تماماً هنا كما هو في ريو وسان باولو. (ومن المفيد أن نتذكر أن الصحافيين في سان باولو قد وجدوا صعوبة كبيرة في العثور على مرجع واحد عن ابن باهيا. ولكن حين عثروا عليه فقد كان مرجعاً عظيماً: مقالة كتبها الناقد الفني سيرجيو فيليت عام 1929 لمجلة استادو دو سان باولو. فقد ذكر هذا الناقد الكبير في معرض تعليقه الودود والتقريظي على كتاب أرشانجو حول فن الطبخ في باهيا ـ مطبخ باهيا ـ أصوله ومبادئه ـ أنه أدرك بأن المؤلف سبّاق وطليعي وأنه «واحد بين أعظم المؤلفين وأكثرهم أصالة» في مجال الأنتروبوفوجي(7)، «تلك الحركة الثورية والمثيرة للجدل التي أطلقها مؤخراً الفنانون: تارسيلادو أمارال، وأوزوالد دو أندرادي وراؤول بوب». هذا «الكتاب الممتع» بمضامينه البرازيلية الجوهرية ونثره ذي النكهة المتميزة قد أدهشه «كنموذج متكامل للمقالة الانتروبوفوجية الحقة». واختتم ميليت مقاله بإبداء أسفه لعدم اطلاعه على كتب أخرى لهذا الكاتب الواسع الاطلاع والذي، على الرغم من أنه بالتأكيد يسمع بالأنتروبوفوجيين في سان باولو؛ إلا أنه قد تقدم عليهم).

في باهيا هناك من عرفوا أرشانجو وتحدثوا معه، كما اكتشفت الصحافة بسرعة. لكن المعرفة الوثيقة كانت وقفاً على قلة من الناس وبعض الحكايات والنوادر. وهذه الكتب الأربعة حول الحياة في باهيا، والتي طبعها بدرو أرشانجو بعد عناء في كتيبات صغيرة في مطبعة صديقه ليديو كورو، غير الموثوقة، في رواد وتابوان؛ هذه المؤلفات التي أثارت الاهتمام الكبير لدى العالم الأمريكي كانت مهملة ومن الصعب العثور عليها في باهيا كما كان الحال في أنحاء البرازيل كافة.

ولوا أن أرشانجو قد أرسل نسخاً من كتبه إلى معاهد وجامعات ومكتبات محلية وأجنبية لما سمع أحد بأي منها؛ ذلك لأن لفنسون ما كان سيكتشفها. وفي سلفادور قلة من علماء الأقوام والأحياء قد عرفوها ولو بالسماع عنها.

والآن، وبغتة، ليس فقط الصحافيون بل والمؤسسات العامة والمثقفون والجامعة ومعهد التاريخ والأكاديمية وكلية الطب والشعراء وأساتذة الجامعات والطلاب. وجماعات المسرح وجمعية علماء الأجناس والأقوام ومركز دراسة الفولكلور وحتى وكلاء السياحة وآخرون ممن لا عمل لهم.. جميعهم أدركوا وبسرعة أنه كان لديهم كاتب عظيم وشهير يعيش بين ظهرانيهم ودون أن يعرفوا؛ وأنهم لم يستفيدوا منه ولو استفادة رمزية في الخطابات العامة بل إنهم تركوه للنسيان والإهمال. بعد ذلك بدأ الاهتمام الكبير بأرشانجو. بعد المقابلة مع لفنسون استخدم ورق كثير وحبر كثير ومساحات صحفية كثيرة للتهليل للمؤلف المهمل بظلم، وتحليل أعماله ودراستها والتعليق عليها وتقريظها. ولابد من تعويض هذا التأخير. لابد من تصحيح الغلط. ولابد من إزالة غبار الصمت المتراكم منذ سنوات.

الآن، وأخيراً، احتلت مؤلفات أرشانجو المكانة التي تستحقها تحت الشمس. وبين كل مدائح المشعوذين والدجالين الذين ركبوا الموجة بأمل اكتساب شعبيته لأنفسهم كانت هناك فضلة من كتابات جادة، بضع صفحات تليق بذكرى الإنسان الذي عمل سنوات طويلة بمثابرة ودون اهتمام بنجاح أو ربح. وبعض شهادات الذين عاصروه، الذين عرفوه وتعاملوا معه، كانت تحمل طابع الإحساس الصادق وتكشف عن شخصية الرجل الحقيقية. ولم يكن زمن أرشانجو بعيداً في الماضي كما بدا لأول وهلة؛ بل مجرد خمس وعشرين سنة. عام 1943 فارق هذه الحياة وعمره خمس وسبعون سنة وفي ظروف غريبة على ما يبدو. لقد عثر عليه ميتاً وهو ممدد في حفرة في ساعة متأخرة من الليل. ولم يكن يحمل في جيوبه أوراق تعريف أو أي شيء إلا دفتراً أو عقب قلم رصاص. لم يكن يحتاج إلى أية وثائق في هذه المنطقة الفقيرة القذرة في أقدم أحياء المدينة حيث الجميع كانوا يعرفونه ويحبونه.

الصفحات