قراءة كتاب الفكر النقدي وأسئلة الواقع

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
الفكر النقدي وأسئلة الواقع

الفكر النقدي وأسئلة الواقع

كتاب " الفكر النقدي وأسئلة الواقع "، تأليف باقر جاسم محمد ، والذي صدر عن دار مركز الكتب الاكاديمي ، ومما جاء في مقدمة الكتاب :

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
الصفحة رقم: 6

التطور الاجتماعي بين الحتمية والاحتمال

«الأفكار كلها صحيحة إذا لم يكن معيارها الواقع الاجتماعي والتاريخي»

د. برهان غليون

1. مقدمة

تثير المقولات الفكرية المستمدة من الشق الأيديولوجي من الماركسية، في الغالب، نقداً هو أقرب إلى الحوار منه إلى التفنيد؛ لما تتضمنه من آراء وتنبؤات ذات طابع قطعي فيما يخص التطور التاريخي للمجتمعات البشرية. ولكن البعض سرعان ما يتهم من يمارسون مثل هذا النقد بالتحريفية حتى وإن كانوا ممن يكتبون من داخل المظلة الأيديولوجية للماركسية. وفي تقديري أن مثل هذه التهمة تشين من يطلقونها وتشرف من تطلق عليهم. فهي تكشف عن نزعة تقديسية للنصوص مهيمنة في نفوس القوم وعقولهم تؤدي بالضرورة إلى انكفائهم عليها. وهي تنزع عن الفكر الماركسي، في الوقت نفسه، أهم مقوماته، أعني حيويته وصلته الدائمة بأسئلة الواقع وقضاياه وتحولاته وبالتجربة البشرية في تنوعها وتطورها. تلك المقومات التي يمكن أن نجدها مجسدة في أهمية مفهوم الممارسة أو praxis عند ماركس الشاب في إغناء وتطوير علاقة الفكر بالواقع.

ولعلنا نتفق جميعاً بأن العالم الراهن قد شهد تطورات جسيمة كماً ونوعاً تجعله عالماً مختلفاً على نحو جوهري عن العالم الذي استند كل من ماركس وانجلس ولينين إلى معطياته في تحليلاتهم واستنتاجاتهم. وهذا مما يجعل من تلك التحليلات والاستنتاجات تراثاً جديراً بالاعتبار غير أنه لا يصادر حق مفكري عالمنا الراهن في فحص المعطيات الجديدة. لا بل أنه يفرض عليهم مهمة شاقة ألا وهي تفعيل الجوهر الجدلي للعلاقة بين الفكر والواقع، التي هي سمة أساسية في الفلسفة الماركسية (وأنا أميز دائماً بين الفلسفة الماركسية والأيديولوجيا المستمدة منها)، بغية السعي للكشف عن فهم أفضل للعالم في تحولاته وصيرورته. ولعلنا نتفق أيضاً أن إحدى أهم المقولات الأساسية، ولكن الخلافية، في الفكر الماركسي الأيديولوجي، وفي المادية التاريخية تحديداً، هي قضية وجود حتمية أو سياق للتاريخ البشري يمكن التنبؤ به. وهو سياق مقرر سلفاً بحكم قوانين للتطور ماثلة في المجتمع قد تكون مذكورة صراحة أو ضمناً. ومسألة وجود مثل هذا الحتمية من عدمه قضية شائكة تناولها أكثر من باحث مهتم بالدراسات الماركسية. ومن الباحثين المهمين الذين تصدوا لبحث هذه المسألة الدكتور سمير أمين الذي سعى ويسعى إلى محاولة إثبات حتمية التطور التاريخي من خلال إثبات وجود مثل هذه القوانين ولكن ليس في الصيغة نفسها التي طرحها ماركس في كثيرمن مؤلفاته. ومن ذلك محاولته في بحث لـه مهم نشره ملحقاً بكتاب (خروج العرب من التاريخ) للدكتور فوزي منصور. ولن أناقش ما أورده من كلام في هذا الصدد وإنما سأحاول أن أستفيد من بعض كلامه في طرح المسألة بصيغة سؤال: هل يترتب على القول «بأن الإنسانية واحدة منذ بداياتها» أن نبذل جهوداً للبحث في «احتمال وجود قوانين للتطور الاجتماعي عالمية النطاق»؟ (فوزي منصور- تعليق د. أمين-: ص 214 -215).

ونظراً لجسامة السؤال الذي قد لا ينجح الباحثون في الإجابة عليه إجابة حاسمة ونهائية سواء أكان ذلك بالسلب أم بالإيجاب، ونظراً لأن القول بوجود القوانين المنظمة لحركة المجتمع هو بالضرورة قول بالحتمية التاريخية، فأنني سأركز الكلام في هذه المقالة على جوانب لم يتطرق إليها بعض ممن اطلعت على كتاباتهم من الباحثين يدفعني إلى ذلك اعتقادٌ تكون لدي عبر بحثي الدائب في هذه القضية أن إلقاء الضوء على هذه الجوانب ربما يسهم في تأسيس المهاد العلمي الموضوعي لجواب محتمل حول النقاش في هذه القضية الجوهرية. ولذلك سأحصر الكلام في مسألتين هما:

أولا ً، القراءة المعرفية للعنصر الفلسفي غير المباشر الذي لا بد وأن تتضمنه أية إجابة محتملة حول وجود القوانين المنظمة للتطور الاجتماعي، سواء أكان ذلك بالسلب أم بالإيجاب، بوصف أن أجوبة القضايا الكبرى تنطوي بالضرورة على بعد فلسفي، وسواء أكان التعبير عن هذا البعد صراحة أم ضمناً .

ثانيا ً، البحث في البعد المعرفي لمفهوم القانون ومصطلحه، وهو المفهوم الذي يتردد صراحة أو ضمناً في كتابات بعض القائلين بوجود مثل هذه القوانين سواء أكانوا من المؤرخين أو الفلاسفة أو من المفكرين الاجتماعيين.

الصفحات