كتاب " علم اجتماع المعرفة عند ابن خلدون " ، تأليف د.
أنت هنا
قراءة كتاب علم اجتماع المعرفة عند ابن خلدون
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
إن علاقة الآلهة مع الطبيعة تفترض النظام والانسجام في سبيل تحقيق الوجود المطمأن اليه، وطالما أن هذا المبدأ متحقق من خلال الاهتمام بالزراعة وتنظيم الري فإن الأمر يعني رضا الآلهة، لذا فقد اعتبر العراقي القديم أن الخروج عن النظام شر إلهي لا يعرف الرحمة([13]).
لقد جاء في أساطير خلق الانسان في مخاطبة الإله (انكي) لأمه الآلهة (نامو) :
" يا أمي إن الكائن الذي نطقت باسمه قد وجد، فاسبغي عليه صورة الآلهة "([14])، وفي هذا النص تبرز المعرفة الفلسفية للعراقي القديم، فالانسان وفق هذه الأسطورة مفهوم اسمي ـ فكري ـ ليس له وجود فعلي في بدء الخلق، ويعزز هذا التصور مطلب الإله (انكي) من أمه تحقيق هذا المفهوم ـ الوجود الاسمي الى وجود صوري له كيان فعلي .
إن أسطورة الخلق تتضمن اشارة واضحة الى سبق البناء الذهني للبناء المادي، من غير أن يحدث الانفصال ما بين هذين البنائين،لأن تسمية الشيء هي في ذات الوقت عملية خلق له حسب المعتقد العراقي القديم([15])، الذي ولد من تفكر وتفكير لاهوتي لهذا الوجود، فجاءت الأساطير معبرة عن عقلية ذهنية متفتحة لها القدرة على الوعي .
ومن خلال تأمل أساطير الخليقة (مرورا بعصور الحضارة العراقية القديمة : السومرية، الأكدية، البابلية والآشورية) الواصفة لنشوء الكون كمادة مخلوقة من قبل الآلهة (تعامت) نلمس أن التفكير الديني قد تعامل مع اللاهوت كبعد من أبعاد الواقع، وتعامل مع الواقع المادي كموجود محسوس لعالم أوسع منه.
وعندما كان يميز ما بين الآلهة كجانب لاهوتي، وبين سائر الواقع، بإضافة صفة الالوهية اليه، فإنه كان يعني القانون المستتر خلف المظهر، والسلطة الكامنة خلف المادة([16]).
لقد أثارت المعرفة العراقية تساؤلا فلسفيا كان من الأهمية أن شخص للفكر بعداً عميقاً، ذلك هو تساؤله عن سر امتياز الإنسان عن الحيوان، وتكشف الاجابة عن هذا التساؤل، عن وعي وتفوق ذهني عال، حيث تقول الاجابة : أن الإنسان امتاز عن الحيوان بالذكاء، ولما كانوا قد اسبغوا هذه الصفة على الآلهة فإنهم بذلك عادوا من جديد وفسروا دنو الإنسان من الآلهة، لكونه كائن فان([17])، في حين أن الآلهة ذكية لكنها خالدة.
ومن هنا فإن بحثهم عن الخلود قد توقف، خاصة بعد مغامرة كلكامش، لتحل فكرة أخرى جديدة مكانها، تلك هي رغبتهم في اطالة حياتهم على الأرض([18]).
إن العلاقة المتفاعلة بين الفكر الواقعي والفكر الغيبي أفرزت مصدرا مهما من مصادر المعرفة لدى العراقي القديم، تمثلت بالرؤى التي كانت تعد موضوعية، وكان يصنفها كنوع من المفاهيم غير الزمنية، مثل الأعمال الأخرى الموجودة في الحياة العملية ذات الحاضر الخالد، كحركة التعبد المعبرة موضوعيا عن ذاتها([19]).