كتاب " شجرة الصفصاف " ، تأليف نادية بيروك ، نقرأ من أجواء الكتاب :
أنت هنا
قراءة كتاب شجرة الصفصاف
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
تاجر في الخفاء
ركض محمود حتى انقطعت أنفاسه، لقد كانت الشرطة تلاحقه وكانت على وشك الإمساك به لولا لطف الله. تحسس محمود جيبه في فزع ثم ارتسمت على محياه ابتسامة مرة.
- الحمد لله! لم تبرح البضاعة مكانها. لن أوزعها اليوم لكن يجب أن أبيت في هذه المغارة الليلة.
كانت المغارة في مؤخرة "جبال الريف" تلك الجبال التي غدت وكرا لترويج المخدرات ومقرا لبيع السموم. لم يخلق محمود ليكون تاجرا ولا مروجا لهذه البضاعة الوضيعة، ولكن الأقدار شاءت أن يتحول هذا الفتى الطيب إلى مجرم تطارده العدالة. كم تمنى والده أن يراه أستاذا وكم كانت أمه تسعد لنجاحه وتفوقه، لكن الموت يخطف الوالد الحنون والحزن يذهب ببصر والدته وبصحتها فيجد نفسه مضطرا إلى مغادرة الدراسة، يجد نفسه هنا بين هذه الجبال الرهيبة موزعا بين زرع الحشيش وبين نقله وترويجه.
مع مرور الوقت، كسب ثقة زعيمه وأصبح دخله مرتفعا حتى أنه تمكن من إدخال والدته إلى المستشفى. ومن شراء بيت قرب الشاطئ، كما أرسل أخته الصغيرة إلى مدرسة داخلية. ولعل هذا ما أثار الشكوك حوله وما دفع الشرطة إلى مطاردته.
تأوه محمود حين اصطدم بصخرة لم يعرها انتباهه داخل المغارة لكنه ما لبث أن تابع سيره غير مكترث لقدمه التي تنزف بغزارة، فجأة سمع صوتا لم يعتده وانطلق ضوء قوي كاد أن يذهب ببصره.
- توقف أيها الوغد! لا سبيل للمقاومة إنك محاصر!
بغث محمود من هول المفاجأة وسارع إلى التهام ما معه من مخدرات في هلع وخوف. لكن ما لبث أن سمع ارتطاما مهولا على الأرض ارتعدت له جدران الكهف، لقد كان ذلك الصوت اصطداما هائلا تحركت على إثره القوات التي تحاصر المكان في تأهب وترقب تقدم الضابط عبد السميع في حذر ظاهر ليقلب الشخص الذي سقط محدثا كل تلك الضجة ثم ثبت مصباحه الكهربائي على وجهه فصرخ من هول المفاجأة:
- من! محمود؟
لقد كان المجرم المطارد صديق الضابط في الماضي القريب، لقد كانا زميلين متلازمين وعاشا معا أعذب فترات الدراسة وأروع مراحل الطفولة لكن القدر جعل من أحدهما صاحب سلطة وجعل من الثاني صاحب جريمة، لكنه ما كان ليقترفها لولا قسوة الظروف.
فتح الجريح عينيه على مضض ليجد نفسه على إحدى أسرة المستشفى العمومي والضابط عبد السميع يحدق في وجهه تحديق الأخ الوجل، لا تحديق الرجل المسؤول. لم تكن دهشة محمود أقل من دهشة الضابط :
- من! عبد السميع؟
- هو بعينه يا محمود.
- لا أكاد أصدق!
- ولا أنا، لم أتصور يوما أن أجد أمهر وأذكى زملائي بين أوكار اللصوص وتجار المخدرات.
- إنه الزمن، إنها الظروف يا حضرة الضابط، تغير وتبدل كما تشاء.
- أنا صديقك يا محمود ولست عدوا لك فلم الألقاب.
- لكن القدر جعلك غريمي اليوم، وعلى أية حال، ما أنت إلا رجل قانون.
- لن أسلمك للشرطة يا محمود؟
- ماذا تقول؟


