أنت هنا

قراءة كتاب عن الحب والموت

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
عن الحب والموت

عن الحب والموت

كتاب " عن الحب والموت " ، تأليف هشام البستاني ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع .
ومما جاء في مقدمة الكتاب :

تقييمك:
5
Average: 5 (1 vote)
الصفحة رقم: 10

[استدراك]

عبثاً قُلتُ لكِ: "الحبُّ ممارسةٌ خاصةٌ لا تُراعى فيها المصلحة العامة".

لن أوَدِّعكِ، لأنني سأظل فيكِ دائماً، دمغةً أبدية، تدفئكِ حين تبرد الدنيا، تؤنسكِ حين يتحول العالم الى مجموعة منتظمة من الغرباء، تَقرُصُكِ حين تحاولين أن تنسي، وتحرقكِ حين تتذكرين ما فاتنا.

جِيء بنا كي نموت لكننا -أنتِ تعرفين- زرعنا بذرةً تركناها وحيدةً تحت طبقات من الأديم. حاولتُ أن أحوّل النهر البعيد الى مكانها، أن أستمطر الغيم الشارد فوقها، أن أحفر لها من تحت الأرض بئراً، لكن لم تكن ربّةُ الماء لترضى. لا ماء ولا يحزنون.

لم أستسلم، بل انفجرت غيظاً فاندفعت بقوةٍ الى حيث يستوي عرشها. "نَظَرُكِ ضعيفٌ" قلتُ لها. "يعميكِ الوهج القوي القادم من فوق. وهجٌ بارد يحمل أصفاداً وسجوناً. ويُرى من خلاله نساءٌ معَلّقات من أثدائِهِنّ. ويُرى رأسُ الحسين محمولاً على صينية مذهبة الى يزيد، ويردد الصدى: من يدخل بيت ابي سفيان فهو آمن...، فيما يُرى الحاكم الأموي خاطباً في العيد: أيها الناس، قوموا وضحّوا، فإنّي مُضَحٍّ اليوم بالجعد بن درهم".

تنبثق الدوّامات، تتشعلقين بالوهج البارد وأتشبّثُ بجذع النخلة. ذراعي تؤلمني لكن لا يهم. ستجرف الدوامات ربة الماء، وأبقى أنا أهز جذع النخلة دون طائل.

كنت أريد أن أحفرك وشماً في عقلي. عندما أنظر في عينيك وتلتمع عيناي، تعرفين... وأعرف أنك تعرفين... وتعرفين أنني أعرف. تسري في جسدكِ تلك الكيمياء اللذيذة فتشيحين بوجهكِ وتبتسمين. تعرفين أنني قبَّلتُكِ بعينيّ آلاف المرات، تُحِسِّين بها دماً حاراً في العروق، توتّراً فجائياً في الهواء. تعرفين.

حين تغمضين عينيكِ في ليل الدّوحةِ البارد، سأكون هناك، أسري في دمكِ، وستندمين. لكني سآتي كلّما آلمتكِ الذاكرة، فعيناي تلتمعان في صدركِ، أغمضي عينيكِ لحظاتٍ، وسأقبّلكِ.

أنا؟ أنا تعبت. أسير في صحراءَ لا نهائية تختلط فيها الزوابع الرملية بأسراب الجراد. لا شمس ولا قمر هنا. يتشعبطُ العفنُ على أستار السماء، ويحلُّ ظلامٌ دامسٌ فقط، ورطوبة.

أحياناً تنغرز قدماي، وتتكالب عليّ وحوشٌ مشوَّهة. أضربها حيناً، وحيناً أتركها تنهش لحمي، لكنني أنتفض في النهاية -ودائماً هناك نهاية- فأنفجر حمماً ملتهبة. وحين يتحول الكلّ الى خراب، ألملم نفسي وأتابع المسير. قلبي ليس أسود، لكنه قاسٍ كماسة.

أحياناً تنتابني خيالات غريبة: يسوع مترجّلاً عن الصليب متوشّحاً بدمه المهدور، رأس الحسين ينبت له جسم ويدان وسيف يقطع رأس يزيد، أوجلان محطّماً قيوده متحولاً الى علم أحمر ذي نجمة صفراء، أبو ذر، كارلوس، علي، كوزو اوكاموتو، عمّار بن ياسر، غيفارا... كلهم قاموا. محضُ خيالات غريبة تتبخّر في لحظات، ولا يبقى سوى الصحراء. لكني أقوم.

[استدراك 2]

لم تَكُن. وعندما ظَهَر تَكوّنَت. جُبِلَت من عبق الياسيمن وضياء نجمات بعيدة. صارت أُنثى.

ترتعش شفتاها حين يُذكر اسمه، تُحَلِّق في رأسها آلاف الصور وينبض قلبها عيوناً عسلية. وعندما تكون وحيدةً أَرِقةً آخر الليل، تَنْبَعِث في الظلام شرارات الرغبة، تشتاق إليه، تَصُكّ أسنانها بحسرة وتنام.

الصفحات