أنت هنا

قراءة كتاب الأكراد حقائق ووقائع عبر التاريخ _ الجزء السابع

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
الأكراد حقائق ووقائع عبر التاريخ _ الجزء السابع

الأكراد حقائق ووقائع عبر التاريخ _ الجزء السابع

كتاب " الأكراد حقائق ووقائع عبر التاريخ _ الجزء السابع " ، تأليف الدكتور عبد العزيز المفتي ، والذي صدر عن دار أمنة للنشر والتوزيع .

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
الصفحة رقم: 7

المقدمة

1- لسنا هنا بصدد الخوض في موضوع شائك مثل البحث عن أصل الأكراد بشكل موسع كالذي اختلف فيه الباحثون, وجرى نعت الأصل بالفرع, وصاغوا أحواله نظريات وروايات تشبه بعضها الأساطير(2), غير أننا نؤكد هنا بأن أكراد كردستان العراق هم سكان هذه الأرض الطاهرة منذ آلاف السنين, وهذا شرح مبسط عن الكرد وبشكل فصول من تاريخ وأصل وجذور الشعب الكردي, وجغرافية ودين واللغة الكردية وعدد السكان في كردستان, الإمارات والممالك والحكومات الكردية, والمعاهدات والاتفاقيات والمؤتمرات العالمية والأطماع الاستعمارية بكردستان والولاية الحميدية ومؤتمر القاهرة وولاية الموصل والجمعيات الأحزاب السياسية الكردية ومشاهير الكرد والقضية الكردية وحركتها ومشكلة الحكم في العراق وتأثير دول الجوار وهوية كركوك الكردية والتعريب للمناطق الكردية في كردستان والمناطق المتنازع عليها ومحاولة تعريبها وعمليات الأنفال والتهجير القسري والإبادة الجماعية في منطقة كردستان وبيان الحادي عشر في آذار عام 1970م وحق تقرير المصير والمادة (140) إن الدستور العراقي.

2- يعيش الأكراد على الأرض في جميع أصقاع سلاسل جبال أرمينيا وتنتهي حدودهم الشمالية في تركيا بمحاذاة أرضروم. وفي الجنوب يسكن الأكراد على مناطق واسعة إلى نهاية سهول ما بين النهرين وفي الغرب حدودهم نهر الفرات أو بصورة أدق نهر قرة سو.

وأنهم لم يقفوا عند هذا الحد بل إن وجودهم هو في أعماق آسيا الصغرى وإنهم لا يشغلون المناطق الجنوبية – الشرقية فمن سيواس فقط بل هناك جماعات متفرقة منهم حتى حوالي مدينة في كليكلية. وبهذه الصورة يصلون إلى البحر الأبيض المتوسط, يسكن الأكراد في روسيا في مقاطعة أريفان في الأقسام التي تصل بـ آرارات ومناطق أخرى من نواحي أردها وقاقزمان في منطقة فارس وكذلك في مقاطعة اليزابث بول.

3- يسكن الأكراد في الأقسام العليا في نهر الفرات ومناطق وآن (أرمينيا القديمة) (ف.ف. مينورسكي – الأكراد)(3) هي مهبط الأرض القديم التي ظهر فيها الأكراد. وان الأقسام الجنوبية من طوروس وسواحل دجلة اليسرى (بوتان – خربوط – الزاب الأعلى) هي الوطن الأم للشعب الكردي في الأزمنة التاريخية القديمة. وعلى ذلك فإن وطن الأكراد في فجر التاريخ هي الأقسام الشرقية الجنوبية للمناطق الثلاثة (السلاسل الجبلية العليا في أرمينيا كردستان تركيا – وجبال فارس الغربية) هو موطن الأكراد.

سلاسل جبال زاغروس وطوروس (جبال زاغروس وجنوب غرب إيران, تمتد من فارس وشيراز جنوباً وحتى كرمنشاه وهمدان شمالاً, وجبال طوروس جنوب تركيا, تمتد من قيصرية ونهري سيحان وجيحان شرقاً وجبال انطالية غرباً وبين زاغروس شرقا وطوروس غرباً تقع سلسلة جبال كردستان شمال غرب إيران وكردستان العراق (الباحث) ويعد مثل هذا الوصف المختصر لأرض كردستان ما يقربنا وكأنها عظام الظهر لهذا الوطن الذي يمتد على مرتفعات كبيرة فوق البلاد المحيطة به. لذلك تشمخ بعض قمم الجبال فوق المناطق المجاورة مثل جبل (آرارات) الكبير الذي ترتاح عليه سفينة نوح (عليه السلام) وهو يصل إلى ارتفاع 16.200 قدم (وجبل الجودي) له نفس المنزلة وارتفاعه يصل إلى 16.500 قدم (وجبل نمرود داغ) يرتفع إلى 10.400 قدم وجبل (سيبان) الذي يتغنى به الجميع يرتفع تقريبا إلى 11.330 قدم وكل هذه الجبال تغطيها الثلوج أكثر فصول السنة.

وهكذا نرى أن الأكراد يعيشون في الوقت الحاضر على ارض واسعة ضمن حدود تركيا وفارس (إيران ) والعراق من مدينة مندلي في العراق وحتى جبل آرارات حيث تتعدى أرضهم حدود روسيا فتدخل قفقاسنا وكما يلي:

أ‌- في بلاد فارس: يسكن الأكراد في جميع أقسام مقاطعات كرمنشاه وكردستان (سنندج) ومنطقة كاروس وقسم من أذربيجان في جميع مناطق ساوجبلاغ (مهاباد) حاليا من جنوب بحيرة اورمية وغرب نهر تاتاو إلى حدود تركيا وهم من السكان القدماء في الأقسام الجنوبية.

أما في الأقسام الشرقي من بلاد فارس فقد كانت تسمى اسم سلماس تشكل مقاطعة مستقلة وكان الأرمن يطلقون عليها اسم (كورتجيا) بمعنى (كردستان).

وهناك مناطق كردية أخرى مستقلة وهي متناثرة في خرسان (شاويلي) وفي قزوين (أمبرلو) وحوالي شيراز (كالون عبدو) حيث هجرهم الملك الفارسي نادر شاه من مدنهم وقراهم قسرا بين عامي (1736- 1778) م.

ب‌- في بلاد تركيا: يسكن الأكراد وبصورة أساسية في ولاية الموصل (العراق الحالي) وهي منطقة كردية خالصة عدا مدينة الموصل العربية, وإما في ولاية وآن وتبليس في ( تركيا الحالي ) فان للكرد أكثرية 60% وهذا يتعلق بالأراضي الواسعة حولي بحيرة وآن التي تتوفر فيها المياه.

إن سنجق حكاري الذي يمتد إلى الحدود الفارسية وكذلك أقسام كثيرة أخرى فالأكثرية الساحقة فيها هم من الأكراد. والأكراد أكثر عدداً في ولايتي ديار بكر وخربوط من جميع الأقوام الأخرى وأن مدينة الجزيرة تقع في ولاية ديار بكر وعلى نهر دجلة في منطقة بوتان وهي تعتبر مهداً للأمة الكردية. ومنها توزعوا وفيها ظهرت الحركة القومية الكردية. وأن سكان منطقة درسيم التي تقع بين النهرين الذين يشكلان الفرات فالأكراد فيها الأكثرية بثماني مرات بالنسبة إلى سكان غير الأكراد(4). وفي أودية أرضروم والأقسام الجنوبية الشرقية يشكل الأكراد الأكثرية الساحقة.

ج‌- في بلاد سوريا: يسكـن الأكراد في حلب أيضاً وهنـاك مستعمرات كردية متفرقة في سوريا حوالـي جبال دمشق وفيها محلات كرديـة ويشكلون نسبة 10-12% من سكان سوريا (5).

عرف الجغرافيين الإغريق في أوائل القرون الميلادية بصورة جيدة مناطق (الكوردوئين) وهي لا تزال قائمة على نهر دجلة ويسمونها (فينيك) وعليه يمكننا المقارنة بين كلمة (كوردوئين) وكلمة (كورجيا) بلاد الأكراد المذكورة من قبل الأرمن (الأزشاكيين) وكانت الأقسام الجنوبية الشرقية من كردستان المركزية كانت واقعة تحت حكم أسرة (هايكان) الأرمنية وكانت مستقلة ولا تدخل ضمن دولة (الأخمينين)، ثم خضعت للاسكندر الكبير والأرمن الازشاكيين وللاسكندر بن مارك انطوني وكليوباترا وللبارثيين وللرومان وللساسانيين (أردشير وشابور) والأباطرة والرومان من جالبيري إلى جوليات وللساسانيين مرة أخرى. وللإمبراطورية البيزنطية فيودوس وللعرب الذين غزوا الإمارات الأرمنية وأخيراً للأسرة الكردية الأولى المروانية المستقلة التي حكمت بين (990 – 1096م).

إذاً نلاحظ عدم استقرار المنطقة الكردية حيث حدثت فيها غزوات كثيرة، ففي القرن الحادي عشر استولى السلجوقيين على المنطقة ثم اضطر الأكراد أن يناضلوا ضد المغوليين، وفي القرن الثالث عشر ظهر غزاة آخرون من الغرب (الأتراك العثمانيون)، وفي سنة 1514م بعد معركة جالديران كان مصير الأكراد وكردستان مرتبطاً بالعثمانيين. وأناط السلطان العثماني سليم الأول إدارة كردستان بعد احتلالها إلى القريب منه المؤرخ الحكيم إدريس وهو من أبناء تبليس.

وفي الشرفنامة(6) (شرف خان البدليسي - الشرفنامة) كانت الضفة اليسرى من نهر الفرات الغربية وجميع مناطق الضفة الشرقية من (مرادسو) تقريباً تحت حكم الإمارات الكردية وكانت (إمارة تبليس) أكبر الإمارات الكردية وأميرها هو مؤلف كتاب (الشرفنامة).

نلاحظ عدم تمكن السلاطين العثمانيين في السيطرة على الإمارات الكردية، ولكن هذه الحالة انتهت في القرن التاسع عشر عندما رفض المصلح التركي الكبير السلطان (محمود الثاني) قرار السلطان (سليم الأول) حول الأكراد أي أراد احتلال كردستان وقد تم ذلك سنة 1834م حيث قاد الحملة (محمد رشيد باشا) وأصبح الأكراد فيها من بعدها مواطني الدولة العثمانية بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وعليه قام الأكراد بحركة قومية سنة 1843 – 1846م بقيادة بدر خان باشا على أثره أسر بدر خان ونفي إلى (جزيرة كريت) وفي أيام (حرب القرم) ضد روسيا قام (يزدان شير) من أقارب (ابن عم) بدر خان بالحرب في حكاري وبوتان سنة 1855م واحتل تبليس والموصل وانحدر جنوباً حيث استولى على جميع الأراضي التي تقع بين (وآن وبغداد) وبالخدعة العثمانية المعروفة تم أسرهُ من قبل العثمانيين.

4- وفي كتابي هذا وبأجزائه سأحاول أن ألقي الضوء على الحركة الكردية بتجرد عن المشاعر الشخصية، معتمداً على الحقائق والأحداث التاريخية التي عاش تفاصيلها اليومية جيلنا المعاصر، حيث بذلتُ قُصارى جهدي لإعطاء صورة واضحة وصحيحة لأبعاد الحركة الكردية والتي أصبحت مشكلة مزمنة في تاريخ العراق الحديث بالرغم من الصعوبات التي واجهتها في بحثي وهو كثرة المصادر التي كتبت عن المشكلة الكردية منذ بدايتها وحتى مطلع عام 1909م، وصعوبة استخلاص وفرز الحقائق منها وقلة المصادر بعد حرب الخليج الثانية (أم المعارك) وندرة المعلومات الدقيقة عن المشكلة الكردية وسيرتها. (وتضمن البحث على شكل فصول كما نوهنا عنه).

5- للوصول إلى حقيقة الثورة الكردية وغاياتها كثيراً ما اعترتها الشكوك والأشواك. ولعل ما كتب عن الكرد بشكل متناثر في سنوات الشقاء, قد أخذها رموز وكتّاب بأثر سياسي منقوص, أو هم أقرب لرموز السلطة لنعت الثورة الكردية بنعوت (التمرد) على القانون. وأن مصدر قوّة حمّلة السلاح هي الجبال التي يتحصنون فيها, وكان على العقل البشري الذي ميّزه الله على سائر المخلوقات أن يدرك قوله تعالى أنه خلق الإنسان في أحسن تقويم, وقوله (إنا خلقناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا, إن أكرمكم عند الله اتقاكم) ولم يكّن الله ليعطي أفضلية للقومية التركية والإيرانية والعربية على قومية الكرد, وهم قبائل مسلمة, إلا تلك النزعة الدونية للحكام لاستغلال الكرد سياسياً لضرب خصومهم تحت مسمّيات الأخوة الكردية, والوطن السعيد، والجهاد ضد الأجنبي. وعندما يقال لهم أن الكرد أمة كما هي باقي الأمم على وجه الأرض, قالوا أن هؤلاء يريدون تقسيم التراب الوطني. وأن الله أوكلهم لان يحافظوا على ما ترك لهم الأولون, وأن المجد القومي لا يبنى إذا ما فرط الحاكم بأي رقعة جغرافية حتى وأهلها لا يجتمعون على قاسم مشترك مع القوميات الأخرى إلا بالدين، وقد سيّس الدين عند الحكام لضمان البقاء على هرم السلطة، ويجب أن لا يسّيسه الكرد وهم يعيشون في جبال ليس لهم فيها صدى.

وإذا كان ما ذَكَرتهُ كتب التاريخ عن أصول للترك والفرس والعرب, ولغة يتفاهمون بها, وممالك حكموها. فذلك موجود لدى أبناء الأمة الكردية وقد حان الوقت لان يكتب المثقفون الكرد عن شعبهم, ولكن ليس بالصيغة المتناثرة التي تذكر جذور الكرد وحياتهم دون الثورات الشعبية التي قاموا بها لحكم أنفسهم، ذلك هو ما دفعني أن أعد هذا الكتاب الذي يحمل عنوان (الكرد حقائق ووقائع عبر التاريخ) في ستة وأربعين فصلاً وهناك بعض التكرار لغرض تنسيق مواضيع الفصول وعدم تسلسل الفصول بسبب إخراج الأجزاء بشكل متجانس مع بعضها البعض. أتناول فصل الأصول وتاريخ وجذور الكرد فهم (كوتي أو جودي) خلال حكم الدولة السومرية. وجوتي أو كارتي أو كاردو أو كارداك عند الدولة السومرية والآرامية. أما عند أهل اليونان والرومان فهم كاردوسوي أو كاردوخي. قبل أن يطلق عليهم الفرس القدماء شعب جبال زاغروس وإجبارهم على اعتناق الديانة الزرادشتية ولأجل تجاوز الجغرافية السياسية لإقليم الشرق الأوسط التي رسمتها اتفاقية (سايكس بيكو) وبعيدا عن الدوافع السياسية, فإن ما ذهبت إليه في فصل جغرافية كردستان من هذا الكتاب لأوضح جغرافية المناطق التي عاشت فيها الأمة الكردية عبر الحدود المصطنعة وخاصة ما بين إيران وتركيا والعراق.

على الآخرين العودة إلى التاريخ, وفيه أن معركة جالديران عام 1514 م التي كسبها العثمانيون ضد الفرس, وكانت بقيادة السلطان العثماني (سليم الأول) قد شكلت البداية لعزل العوائل الكردية عن بعضها البعض تحت مسوّغ, أنتم فرس, أنتم أتراك.

وبموجب معاهده قصر شيرين/ زهاب عام 1639م صار الكردي يعيش تحت سلطتين واحدة فارسية وأخرى عثمانية, قبل أن يعطيها المستعمر البريطاني للعراق في الحرب العالمية الأولى صفة الحدود الرسمية, وأصبحت أمة الكرد موزعة على تراب أربع دول هي (تركيا, إيران, العراق, سورية) وهي ذات بعد سياسي واقتصادي أساسه ولاء الحاكم لبريطانيا, واستثمار محددة للكرد طالما الحكام مصنوعين لخدمة بريطانيا كما هو حال العرب العراقيين في عربستان الذين ألحقوا إلى إيران الشاه. وتساءل الكاتب عن مغزى طوي صفحات تاريخ الإمارات والممالك والحكومات الكردية في نهاية القرن السابع الميلادي مثل حكومة (زازا) في درسيم (داخل حدود تركيا) وحكومة الكرد اليزيديين في سنجار (داخل حدود العراق). ولأجل أن يفهم الآخرون ما فاتهم في سنوات القهر والحرمان, أن رؤساء الكرد كانوا يديرون شؤونهم باستقلال عن سلطة الفرس والعثمانيين والعرب, وان نقطة الالتقاء بهم تنحصر في دفع الضرائب, والتعهد بتقديم قوات كردية مسلحة في حالة الحرب .... وكان ذلك هو الأقرب إلى أسلوب الحكم الفيدرالي، وإن لم يكن مكتوباً على الورق. ذلك هو ما تحدثت به في فصول وأجزاء هذا الكتاب. ولم أهمل نفوس الكرد بالقياس إلى نفوس الفرس والكرد والعرب في فصل آخر, ونبّه في فصل آخر إلى أن الأساطير الشعبية الكردية والديانات إنما هي مستوحاة ومتأثرة بما كان سائداً, قبل أن يصلهم دين الإسلام في القرن السابع الميلادي. ويقرؤون قرآن الإسلام باللغة العربية وان اختلفت لهجات اللغة الكردية. وهي حالة طبيعية بين الفرس والأتراك وحتى العرب في ديار المغرب والمشرق.

والأساس لما رغبت فيه, أن اللغة الكردية ليست اللغة الفارسية، التي أرادها الحاكم الفارسي لأغراض سياسية لاحقاً وقد نوهّت إليها في فصل آخر. أن الشعب الكردي يعيش على أرضه وموصول بالتاريخ دون جغرافية. والجغرافية تعني وجود لمقومات الدولة (الحدود والحكومة والجيش, وفرض القانون). والمعاهدات السابقة بين الفرس والعثمانيين مثل معاهدة قصر شيرين/زهاب عام 1639م، وأرضروم الثانية 1847م, وسيفر عام 1920م لم يحققوا الذات الكردية وقد كتبت من خلف ظهورهم أي (الأكراد) طمعاً بهم. كما دونتها في فصل آخر من أجزاء هذا الكتاب. ولم يكن ما ذهبت إليه في فصل آخر منه فيه مبالغة، عندما أشار إلى أطماع الفرس والأتراك والانكليز بأهل ومنطقة كردستان وبهدف استثمارهم سياسياً (كورقة ضغط) على الحكومات أو استثمارهم للقتال بالنيابة, وقد باتت أكثر أهمية (كردستان) من النفط الشحيح على ارض كردستان وربما التفسير أن استثمار الكرد (سياسياً وعسكرياً) يقود إلى إذعان الحاكم, ومتى توسل الحاكم تحت غطاء أن الكرد لهم مطالب, تتحقق المصالح للآخرين, وليس للكرد. ذلك هو ما ذهبت إليه في فصل مستقل آخر, وآخر سلاطين الدولة العثمانية (عبد الحميد الثاني) يشكل ألوية عسكرية عمادها الكرد تحت اسم (الألوية الحميدية) لقهر الخصوم دون وعود لإصدار (فرمان) لحدود جغرافية لكردستان, وجمعية الاتحاد والترقي التركية تغازل رموز عسكرية ومدنية كردية لإزاحة السلطان العثماني من السلطة, وكثير من جمعية الاتحاد والترقي التركية وهم من يهود (الدونمة).

وعندما نقترب من اهتمام الساسة البريطانيين في ولايات الدولة العثمانية, واثر الضباط العراقيون – (خريجي المدارس العسكرية العثمانية) على أبناء العشائر الكردية والعربية للثورة ضد المحتل الأجنبي , نجد أن وزير المستعمرات البريطاني (ونستون تشرشل) والوفد المرافق له, قد عزموا السفر إلى القاهرة للالتقاء بوفد آخر قادم من العراق برئاسة المندوب السامي البريطاني في العراق (برسي كوكس, وسكرتيرته مس بيل)، ومعهم الفريق جعفر العسكري (وزير الدفاع) وساسون حسقيل (وزير المالية) في آذار عام 1921م. وفهم المطلوب من (مؤتمر القاهرة) إنشاء جيش عراقي يكون واجبه محدد لأغراض الأمن الداخلي, وحراسة خطوط مواصلات القوات البريطانية, بغية تقليل النفقات المالية, وبقدر ما كان الكرد على موعد لمناقشة قضيتهم في (مؤتمر القاهرة)، سمع الحاضرون تصفيق داخل أروقة فندق (سميراميس) مكان عقد مؤتمر القاهرة وكان مشفوعاً, عندما ذكر ونستن تشرشل وزير المستعمرات أن الأمير فيصل بن الشريف حسين هو الأنسب لحكم العراق ولم يقل أن الكرد أمة بحاجة إلى حكومة كما هو شأن العرب. ذلك هو ما ذهبت إليه في فصل مستقل بذلك. وعلاقته المباشرة لما جاء في الفصل لاحق مستقل الذي تحدثت فيه عن (ولاية الموصل والمسألة الكردية) ويعتقد الكرد, والاعتقاد بيقين, أن سكان (ولاية الفصل) المكونة من محافظات (السليمانية – اربيل – كركوك – ودهوك لاحقاً) هم من الكرد. وفَرَحْ الأكراد لا يوصف, خصوصاً والجنرال البريطاني (مود) قد نبّه أهل بغداد عام 1917م انه أتى (محرراً للشعوب وليس محتلاً). كما روج الرئيس الأمريكي (ويلسون) لمبادئه الأربعة عشر الداعية لحرية الشعوب وحق تقرير مصيرها قبل وصول الدول المنتصرة بالحرب إلى مدينة فرساي الفرنسية عام 1919م لمناقشة حاجات الشعوب ومنهم الكرد.

لقد باعت لندن حليفها في الحرب الأمير فيصل بن الشريف حسين بثمن نفط ولاية الموصل مقابل إطلاق يدّ حليفتها فرنسا على سورية, وباعت كفاح الشعب الكردي لثلاث قرون في الزمن، وضيعت ذاتهم على جغرافية لا تحتاج إلى علامات هي (كردستان الجنوبي) لان رغبة لندن في الاستحواذ على نفط ولاية الموصل أهم من حرية الشعوب وخاصة الشعب الكردي, وهم في كل ذلك يقولون أن الشيخ محمود الحفيد الذي يقود ثورة كردية ويألب العشائر الكردية ضد المحتل البريطاني انه (متمرد) ولا يؤمن بالديمقراطية التي تؤمن بها بريطانيا.

وبات الكرد يسألون وماذا يقصد الحكام السياسيون البريطانيون بالديمقراطية بعد معاهدة (سيفر عام 1920م) قيل, أن المطلوب هو تأسيس أحزاب وجمعيات سياسية كردية ينتخبها الشعب لحكم الشعب. ودانت الرقاب لحرية الرأي, والرأي الآخر, وبعض الأحزاب الكردية كانت موجودة قبل وبعضها بعد الحرب العالمية الأولى وأخرى تيقنت لأن تكون ممثلة في البرلمان العراقي بعد الحرب العالمية الثانية, ذلك ما شملهُ فصل مستقل حول ذلك.

إن إشكاليات القضية الكردية في ظل الاحتلال البريطاني للعراق قد أخذت البعد التضليلي تارة والغموض تارة أخرى، لهدف أن لا يرى الكرد نوراً على طريق الحكم الذاتي رغم أن مشاهير الكرد من الأدباء والكتاب ورجال الدين وقادة الجيش قد برهنوا على لياقتهم في الإدارة وكان ذلك مجزيا لان يقولوا أن قضية الكرد هي قضيتهم وهم أدرى بمتطلبات شعبهم بعد كفاح مرير مع السلطات التركية والإيرانية والعربية, كما جاء في فصل مستقل آخر، أما في الفصول الأخرى نلاحظ قد برهنت بريطانيا الاستعمارية على تهميش القضية الكردية، واتجهت لبناء جدار أمني ضد الشيوعية في (معاهد سعد آباد عام 1937م) وحلف آخر هو (حلف بغداد عام 1955م)، فهم منه وروّجت له الشيوعية (المدعومة من السوفيت) باتت على أبواب العراق أن بريطانيا وتركيا وإيران والباكستان. وعليهم حراسة المصالح الأميركية والبريطانية في منطقة الشرق الأوسط, وخاصة نفط الخليج بعد الحرب العالمية الأولى.

وابتهج الكرد بظهور الزعيم عبد الكريم قاسم على قمة السلطة في العراق عام 1958م, في إدراك أن دستور العراق لعام 1958م يعترف بوضوح بالقومية الكردية باعتبارها القومية الثانية بد العرب في العراق. وهو ما يعني المشاركة في القرار قبل أن يذهب عبد الكريم قاسم في سياسته (القاسمية) لمكونات المجتمع العراقي. وعودة الكرد إلى حمل السلاح دفاعاً عن صدق نيّة الزعيم الكردي الخالد (الملا مصطفى البارزاني) للدفاع عن الجمهورية الفتية. وفي ذروة تحكم الضباط العسكريون القوميين بالسياسة عام 1963م، ومنهم الرئيس القومي المشير عبد السلام عارف, انه تداول القضية الكردية مع القائد والزعيم القومي العربي جمال عبد الناصر, وأحرار الأخير عراباً للقضية الكردية, قبل أن يجتمع الوفدان الكردي والحكومي (العراقي) في العاشر من شباط عام 1964م وفيه انحدرت القيادات الكردية من محطة الكفاح للقضية الكردية إلى محطة الرغبة في الزعامة, افترق على أثرها الزعيم الكردي الخالد الملا مصطفى البارزاني عن السيد إبراهيم احمد ونسيبهُ جلال الطالباني, وعندما اختار الاتفاق إيران ملجأ لهما, بات الحديث الذي روجته لندن وطهران, أن القومية الكردية تأخذها العربية في رحابها الواسعة. وان وجود جمال عبد الناصر على خط القضية الكردية قد يدفعه إلى إنشاء دولة كردية تكون حاجزة بين الجمهورية العربية المتحدة والاتحاد السوفيتي. وإذا ما حدث ذلك فإن من حق إيران وتركيا تقسيم كردستان بينهما والقول لا زال لساسة لندن, وهي في تشاور مستمر مع طهران وأنقرة عام 1956م. وربما وجدت بريطانيا أن خسارة تأثيرها على الساسة العراقيين بعد ثورة 14 تموز 1958م سيعطيها الحق لإثارة المجتهدين في النجف على حكومة بغداد, وفرض اكبر تأثير إيراني على إعطاء الحزب الديمقراطي الكردستاني لكي لا يصنعوا سلاماً مع بغداد.

فهي أزمة حكم، ولدت مع ولادة الدولة العراقية عام 1921م ولم تنتهي فصولها لا بثورة الفرات الأوسط، ولا بالثورات الكردية ولا المفاوضات المباشرة، ولا باستخدام السلاح. وإذا ما أخذنا اتفاق الحادي عشر من آذار عام 1970 كخطوة متقدمة على طريق إعطاء الحقوق القومية للكرد, إلا أن سوء التقدير, وضعف البصيرة والقرارات الفردية من قيادة حكومة وحزب البعث قد ضيعت على الكرد فرحة لحقن الدماء , كان بالإمكان استغلال واحدة من خواص الرئيس صدام حسين (وقوله الفصّل) لتطوير مؤسسات الحكم الذاتي كلما سنحت الظروف بذلك. وباع شاه إيران محمد رضا بهلوي القضية الكردية في اتفاقية الجزائر في السادس من آذار عام 1975م , كما باعها الساسة الانكليز بنفط ولاية الموصل عام 1922م.

لم يبطن القول جلال الطالباني، وهو يوظف قرارات الحزب البارتي (الديمقراطي الكردستاني), التي قادت إلى الانهيار. كما لم يبطن النيّة وهو في طريقه إلى دمشق للقاء الرئيس السوري حافظ الأسد لأن يكون الزعيم الديمقراطي, صاحب الرؤية والمرونة السياسية التي توظف الأحداث السياسية لصالح القضية الكردية. فيما وضع الرئيس صدام حسين حدّ سيفه بالقول أن كل من تخلف عن الدفاع عن تراب الوطن وقت الحرب مع إيران لا يستحق المجّد. ولكنه وبقراراته الفردية ضيع المجد القومي العربي عندما غزا الكويت في آب 1991م، وكان قاب قوسين لأن يجعل من العراق دولة إقليمية كبرى في منطقة عرب المشرق. ولم تتمكن أي حكومة عراقية التوليف بين مكونات المجتمع العراقي, وكل ينشد المغانم وكراسي الحكم حتى وإن أُريقت دماء العراقيين على صخور كردستان الداكنة. أو في صحراء الكويت الغابرة عام 1991م.

لم يعد الكرد في خشية من إعلان الحكم الذاتي, وإدارة مباشرة من قبل الحزبين الكرديين (الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني) عام 1991م. كما لم تعد سورية (حافظ الأسد) خصم صدام حسين, وإيران (الخميني) التي خاضت حرب الثمان سنوات على تردد في الحديث عن إسقاط صدام حسين، وتشكيل حكومة تقترب في علاقاتها مع إيران ودمشق. ذلك هو ما تحدث عنه بفصل مستقل آخر من كتابنا (الكرد حقائق ووقائع عبر التاريخ) رغم أن الملك الهاشمي فيصل الأول (ملك العراق) قد حذر في عواقب نهج الطائفية في فصل لاحق. والعمل على كشف عمليات التطهير العرقي للكرد في كردستان وخاصة في محافظة كركوك لتغيير هويتها القومية الكردية في فصل مستقل, والمناطق المتنازع عليها في الأقضية والنواحي الكردية مثل (خانقين وتلعفر وسنجار ... الخ)، وعلى أطراف مدينة الموصل في فصول أخرى ولأجل بلوغ الهدف في كتابنا هذا (الأكراد حقائق ووقائع عبر التاريخ), فقد ركزت على عمليات الإبادة الجماعية للكرد فيما يسمى بعمليات (الأنفال) وبيان الحادي عشر من آذار عام 1970م, وحق تقرير المصير, والمادة (140) من الدستور العراقي الخاصة بمدينة كركوك والمناطق المتنازع عليها.

كما أفردت فصولاً أخرى, عبرت عن استجابة لما طرحهُ الشاب الكردي, الذي عبرته الأحداث السياسية, والعسكرية وتطوراتها اللاحقة. فكان له ما أراد في فصل لاحق (الخلط بين القومية والطائفية والدين)، والمواقف الأخرى من المسالة الكردية في فصل لاحق أيضاً لهُ. والكرد مع الواقع العراقي المتقلب بين أعوام 1963 – 1972م. كما أفرد الكاتب مجمل حركات الشيخ محمود الحفيد (ابن مدينة السليمانية) وحركات الشيخ عبد السلام البارزاني والملا مصطفى البارزاني والبارزانيين انطلاقاً من منطقة بارزان (على الحدود المشتركة بين العراق وإيران).

ولعل ما أتركه، هو أن يقوم الآخرون بتكملة ما حصل من أحداث وتطورات بد الغزو الأمريكي – البريطاني للعراق عام 2003م وهو غزو عسكري وليس تحرير كما خاطب الجنرال (مود) أهالي بغداد عام 1917م ولم يشفع التاريخ للرئيس الأمريكي (بوش الابن) و(توني بلير) رئيس وزراء بريطاني دونيتهم وانحطاط سلوكهم في العراق والقادة الأمريكان يقولونها للملأ (نعم إنها عملية غزو واحتلال) دون وازع أخلاقي.

ثم اختتمت كتابي هذا (الكرد حقائق ووقائع عبر التاريخ) باستنتاجات وتوصيات آمل أن أكون قد وفقت في التوصل من خلالها إلى حل قابل للتطبيق لإنهاء هذه المشكلة (المسألة الكردية في العراق) التي أدمت قلوب العراقيين (من جميع القوميات) ولسنين طويلة.

ومن الله التوفيق

الباحث

الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

عمان تشرين الأول، 2012

الصفحات