كتاب " فتنة وحشمة " ، تأليف د. سامر سقا أميني ، والذي صدر عن منشورات ضفاف .
ومما جاء في مقدمة الكتاب :
أنت هنا
قراءة كتاب فتنة وحشمة
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

فتنة وحشمة
لقد تحوَّل الحجاب الأبيض مع بقية أدوات الزينة إلى لوحة تحمل من الفتنة أكثر مما تحمل من الحشمة.
وتذكر سميح زميلة له مهندسة في العمل، والتي ترتدي زياً قريباً من زي سلمى، ولكنها فاقتها في أنها تلبس "البنطلونات" ذات الكمر المنخفض، بحيث أنها كلما انحنت على الأرض لتلتقط شيئاً بدا جزء من مؤخرتها. وكان الزملاء يتغامزون في المكتب عن الرأس المغطى والمؤخرة المكشوفة.
وأما الصغرى هلا فكان شعرها مكشوفاً مربوطاً إلى الخلف في معظم الأحيان على شكل (ذيل الحصان)، وكانت تلبس الجينـز مع قمصان بكم قصر أو كنـزات دون أكمام. وقبل خروجها من البيت كانت هلا تضع لمسة من الماكياج على وجهها.
في هذا اليوم كانت هلا تلبس كنـزة بعنق واسع بحيث ظهر أحد كتفيها مع جزء من حمالة الصدر الشفافة.
كان سميح كلما رأى الأخوات الثلاث تعجَّب من هذه الخلطة العجيبة من الأزياء، فهو كان يدرك أن خلف كل زي يوجد قناعة محددة هي التي جعلت صاحبتها تختار ذاك اللباس دون غيره.
وهو قد سبق له أن سأل أمه عن والد البنات ووالدتهن، فعلم أن الوالد أستاذ في الجامعة في كلية الحقوق، وأنه ذو شخصية محببة عند جيرانه، يحترم الجميع، والكل يحترمونه.
أما المفاجأة فكانت في الوالدة التي تخرَّجت من كلية الصيدلة، ولم تعمل بشهادتها، إذ إنها تفرَّغت لتربية بناتها، والمفاجأة كانت في أنها سيدة منقَّبة. إنه فعلاً كوكتيل من الأزياء والأفكار والقناعات في بيت واحد، ولقد احتار سميح هل هذا الخليط هو دليل ديمقراطية في البيت بحيث يترك لكل فرد من العائلة الحرية في ارتداء مايريد، أم أن البنات أصحاب شخصيات قوية بحيث يفرضن على أهلهن مايردن؟
وبدأ عقل سليم يلعب لعبة التخيل، وهو ماهر بهذه اللعبة، حيث يتخيل عقله حديث النفس عند الآخرين. فبدأ يتخيل بثينة وهي تقف أمام مرآتها في الصباح ترتب حجابها قبل خروجها إلى جامعتها، وتخاطب نفسها: "يجب أن يكون لباسي محتشماً وأنيقاً، ويجب أن أكون مسؤولة عن أمانة الحجاب في أخلاقي وتعاملي مع الناس.
لقد حرمت نفسي من بعض وسائل الزينة وموديلات الموضة، ولكن شعوراً طاغياً مبهجاً بالتزامي بأوامر الله جعلني أعيش في لذة لو علمها الملوك لقاتلوني عليها بالسيوف، أنا سعيدة ومسرورة بحجابـي والتزامي، ويكفيني جزاءً أن أحشر مع خديجة وعائشة وفاطمة".
أما سلمى إذا وقفت أمام المرآة، فماذا تخيلها سميح تقول؟
"هأنذا أمتثل لأوامر ربـي وأحتشم. إنني أحب الموضة وفنونها، وأحب أن أباهي صديقاتي بملابسي، كما أحب أن ألفت أنظار الشباب في الجامعة والطرقات، فلعل عريساً يأتيني قريبا. قد أرتكب بعض التجاوزات ولكني أفضل من غيري، والله غفور رحيم".
وإذا وقفت هلا أمام المرآة فإن سميح يجري على لسانها: "أنا أحب أن أكون محجبة مثل أخواتي، ولكني أريد الآن أن أستمتع بعمري في صفوف الجامعة، ألبس ما أريد، أتزيّن كما أحب، وإذا كتب الله لي التخرّج والزواج سأذهب إلى الحج وأعود محجبة بإذن الله".
عاد سميح لنفسه بعد خيالاته تلك، وابتسم كيف انحرف في الخيال حتى أجرى تلك الأحاديث على لسان الفتيات، ثم مالبث أن عاد إلى خيالاته فتصور نفسه زوجاً لكل منهن.
"لو تزوجت بثينة فستكون زوجة محتشمة خارج البيت وأمام الغرباء، وستكون خالصة لي في خلواتنا. إنها لن تستعرض مفاتنها أمام الآخرين، وسيبقى ذلك مقتصراً عليَّ أنا زوجها.
إن حجاب بثينة سيكون له برنامج، فهو دلالة على التزامها بقواعد معينة، فستعتذر عن عدد من الحفلات والسهرات التي لا تلائمها أجواؤها، وسيكون لها خياراتها في مقاصد السفر وأجواء اللقاءات مع الأصدقاء.
أما لو كانت سلمى من نصيبـي فإنني أتوقعها أن تكون أكثر ليونة من بثينة. فهي ستقبل الذهاب إلى الحفلات العامة المختلطة، والتسكع على شواطئ البحر، وإن كانت ستحافظ على زيها المعتاد.
أما هلا، فهي ولا شك ستكون ملفتة للنظر في أي مكان تخرج إليه، فهي إضافة إلى جمالها فإنها ماهرة في اختيار الملابس التي تظهر مواطن الفتنة في جسدها. فهل ياترى سأرتاح إن رأيتها أمام الأصحاب في ملابس السهرة المكشوفة أو في ملابس البحر على الشطآن؟".
احتار سميح أمام تلك الخيارات، وأصبح يمارس هذا التفكير كنوع من الرياضة الذهنية، بحيث أنه أمام كل موقف من مواقف حياته اليومية كان يخاطب نفسه: ماذا ياترى تفعل بثينة أو سلمى أو هلا أمام هذا الموقف؟
تشاور سميح مع صديق له حول الأخوات الثلاث فجاءه جواب مستفز: "لو كنت أريد صديقة لاخترت هلا، أما الزوجة فأتردد بين بثينة وسلمى".
انـزعج سميح من جواب صديقه الذي يتعامل مع البنات كبضائع، فللتسلية بضاعة، وللزواج بضاعة أخرى.
قرر سميح أن يخلو بنفسه ليتعرف عليها أولاً، ثم يختار من البنات ما يراها الأقرب إلى نفسه، فمن أصعب الأمور أن نغوص في أعماق الآخرين لنسبرها، ونكون جاهلين لأعماقنا نحن.

